Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa al-Zaidi
الكاتب الليبي د. مصطفى الزائدي


د. مصطفى الزائدي

الاربعاء 5 مايو 2010

أدب المحمول

د. مصطفى الزائدي

بسرعة فاقت سرعة الصوت اجتاح الهاتف المحمول حياة الناس فأصبح حاجة ضرورية لا يمكن الإستغناء عنها.. ولا مفر من اقتنائها مهما كان الثمن باهظاً.. الكل يبحث عن المحمول.. رب الأسرة .. الأطفال.. النساء.. من يجلس في أول المنزل يستخدمه لطلب حاجة ما ممن يجلس في آخره، فهو وسيلة التواصل الأساسي بين الأفراد.. وهو أداة للتسلية.. وهو النافذة لمعرفة الأخبار والأحداث.

في بلادنا يستخدم الهاتف المحمول لأغراض ربما لم تخطر على بال من أنجز هذا الإختراع البديع.. ربة البيت على سبيل المثال.. تستعمله عند تحضير الأكل.. فتطلب إحضار المواد.. وتدعو الصغار لنقله إلى حيث ينتظر الجالسون، خاصة إذا كان بالبيت ضيوف.. أمّا رب البيت فهو وسيلته الوحيدة للتواصل مع أفراد الأسرة وتوجيههم للقيام بمهامهم داخل المنزل وخارجه، وهو أداة للتسلية للأطفال الصغار.. فما أن يفتح الوليد عندنا عينيه حتى يمسك بالمحمول ويضعه أمام أذنيه.. عندها تنتاب الأبوين وبقية الأهل نوبة من الغبطة والسرور ليس لها مثيل.. فهذا دليل على ما يتمتع به من ذكاء خارق ووعي سابق.. وفهم للأشياء.

يمكن للمرء أن يحكي عن المحمول حواديث كثيرة.. فمع كل مكالمة فيه يمكن للمبدعين كتابة نص درامي رائع.. كل حديث في المحمول يبدأ بالسؤال، ولأن السؤال يجر سؤالاً آخر فإن امتحاناً حقيقياً ينتظر الناس مع كل جرس للمحمول.. أين أنت، ماذا تفعل، من معك، إلى أين أنت ذاهب؟ وأي إجابة تقدم ليست سوى مقدمة لمزيد الأسئلة..
- أين أنت
- في السيارة
- إلى أين؟
- إلى العمل
- لماذا تأخرت
- مررت في طريقي على فلان
- ماذا أصابه
- لاشيء.. لي لديه حاجة
- أوه.. شيء سري
- لا يا راجل.. لا سري ولا يحزنون
- هل وجدته
- لا.. لقد خرج قبل أن أصل
- ولم تجد أحداً في البيت
- لا وجدت شقيقه
- إذا تناولت فطوراً وشاياً
- لا.. والله كنت في عجلة من أمري
- يا راجل.. ما كان عليك أن ترفض شيئاً في الصباح
وهكذا يستمر الحديث ربما لساعات.. كلام... في كلام بلا مضمون..

وما أن ينتهي المرء من الإجابة عن سؤال حتى يمطر بمزيد من الأسئلة.. كلها تقع في إطار حب الإستطلاع ودون غايات تذكر.. أمّا إذا قلت في البيت فتوقع غرائب من الأسئلة.. حتى المحرج منها.

إذا تأخر المرء في الرد على الهاتف المحمول.. فلن يتوقف الجرس وستواجهه قائمة طويلة عريضة من الإحتجاجات.. لماذا لم ترد؟ ولن تنجح كل المبررات التي توردها في كبح حالة الغضب الشديد منك، كثر هم من تنتابهم حالة زعل شديد إذا تأخر المرء في الرد عليهم بالهاتف.. مهما كانت الأسباب.. التعليق الشائع بين الجميع.. أن فلاناً يرفض الرد على الهاتف.. لو حاولت أن تضع الأمر في موضعه الصحيح.. بقولك.. ربما كان مشغولاً فإن الرد سيكون أكثر قسوة وحماسة.. مشغول!! ماذا تراه يعمل!!..

الذي يستخدم الهاتف المحمول عندنا يتصور جميع الناس في مثل وضعه تماماً إن كان جالساً أو واقفاً.. عندما يمسك المحمول بين يديه يتوقع أن كل الناس مثله وعندما يطلب شخصاً ما.. فعليه أن يرد فوراً ومباشرة ودون تأخير.. حتى وإن كان يغط في نوم عميق أو يكابد ألماً شديداً..

يقول الأستاذ مصطفى التير أحد علماء الإجتماع في ليبيا (( لا أفهم لماذا يقتني الفرد أكثر من هاتف محمول.. ربما يوجد مبرر أن يقتني أحدهم هاتفين فلعله يستخدم واحداً للتعامل مع شبكة المدار والآخر لشبكة ليبيانا، لكن أن يحمل المرء ثلاثة هواتف أو أكثر فذلك أمر غريب..)) وهذا الأمر الغريب هو الأكثر شيوعاً في ليبيا.

إن عدد مشتركي شبكة ليبيانا يفوق 6 ملايين مشترك حسب الإعلانات التي تملأ شوارع مدننا الجميلة، ولك أن تتوقع عدد المشتركين في شبكة المدار.. الثابت أن عدد سكان ليبيا جميعاً بأطفالهم.. وشيوخهم يتجاوز الخمسة ملايين بقليل.

الأساس في تعدد شركات تزويد خدمات الهاتف المحمول.. هو إتاحة الفرصة أمام المواطنين للإختيار.. والحصول على أفضل الخدمات، لكن هذا الأساس ينتفي عندنا.. حيث يشترك أغلب الناس في كلتا الشبكتين.. نادراً ما يرى فرد في ليبيا يحمل هاتفاً محمولاً واحداً.. ولعل ذلك سبب رواج تجارة الهواتف المحمولة ذات الشفرتين في ليبيا.. البائرة في دول العالم الأخرى البحث عن جهاز بشفرتين أمر صعب في أغلب دول العالم.. فالمهم عندهم هاتف يستخدم للإتصال وليس مجالاً للتفاخر والتباهي..

إن الوقت مناسب لمناقشة جادة حول تداعيات استخدام الهاتف المحمول على الحياة الخاصة والعامة للأفراد فلقد أصبح وسيلة الدعوة للمناسبات، ولتقديم التعازي والتهاني في الأعياد وهو حلقة مهمة في التواصل بين الناس وأداة التخاطب بين أفراد العائلة من خلاله تنقل الأخبار والأحداث.. وفيه يجد الإنسان مجالاً للتسلية واللعب، لكنه أيضاً سبب مباشر للكثير من المشاكل الإجتماعية التي تنتج بسبب إساءة استخدامه.. بعض الشباب يستخدمه للمعاكسات ومضايقة الآخرين... والمجرمون يستخدمونه لتنفيذ عمليات إجرامية وبعض الأجهزة الأمنية في كل دول العالم تستخدمه للتدخل في خصوصيات الأفراد.. والتجسس عليهم.. لكن كل ذلك لا يساوي إلا القليل من الأعباء الإقتصادية الضخمة التي تلقى على عاتق الأفراد والأسر والدول بسبب التوسع الهائل في استعمالات الهواتف المحمولة.

الهواتف المحمولة تتحمل المسئولية المباشرة عن حوادث مؤلمة يتعرض لها الناس.. فاستخدامه أثناء قيادة السيارات سبب مؤكد لحوادث مرورية مروعة.. وله علاقة مؤكدة بالحوادث الناتجة عن الصواعق.. ولازالت تداعيات الموجات الكهرومغناطيسية المصاحبة على الصحة العامة للأفراد غير معروفة تماماً.. ذلك يعني أن به أضرار سلبية تمس الناس وتؤثر في حياتهم.. فهل حان الوقت للحديث على أهمية البحث في ميثاق شرف لاستخدامات الهاتف المحمول، وهل حان الوقت لسن قوانين تنظيم استخدامه بما يساهم في تطور الحضارة الإنسانية ويحد من الأضرار الجانبية التي ربما تكون أكثر خطورة؟ أمّا توعية الناس بآداب استعمال الهاتف المحمول في الأغراض التي اخترع من أجلها فهو واجب وطني.. ولعل الوقت قد تأخر بعض الشيء.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home