Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

الجمعة 29 نوفمبر 2008

واحسرتاه عـلى جامعاتنا

د. مصطفى عبدالله

( إن المستجير بالعقيد القذافي لصيانة حرمة الجامعات الليبيه هو كمن يطلب من الظالم بأن يقيم عدلا. إن الذي هتك أعراض الناس، وأباح حرمة الجامعات الليبيه لن يصون عرض شريف، ولن يأبه بحرمة مقدّس. إن من يدعو الى ثقافة الخيمه لابد وأن يعـبث بمدنيّة المدينة... وذلك هو تحديدا من يصرّ على نصب الخيمه في باحة القصر)

قرأت بكثير من الأسف، والإمتعاض ما كتبه بعض من طلبة الجامعه في مقالهم المنشور بموضع "ليبيا وطننا" والذي كان تحت عنوان ( حكاية، وعـدّة عـناوين عن الجامعة الطبيّة في طرابلس ). إن كل التوصيفات التي ذكرت في هذا المقال ـ والتي تناولت بعض الممارسات اللاأخلاقيه ، والغريبه على المجتمع الليبي ـ لم تكن مجرد خيال، أو ربما تجنّ من أحد على الآخر؛ بل إن كل ذلك وأكثر يعتبر إنعكاسا لما آلت اليه أحوال الليبيين في كل ليبيا. إن الأوضاع المأساويه التي يعيشها الشعب الليبي لم تكن وليدة ليلة أو ضحاها؛ بل هي حصيلة 39 سنه من الحكم القبلي المتخلّف، ونتجه حتميه لثقافة الخيمه التي تتعارض مع المدنيه، وتستهجن التحضّر ؛ وكانت الجامعه من اليوم الأول هي المستهدف لأن الجامعه في أي بلد تعتبر مركز نشوء الحضاره، ومصدر إشعاع الفكر والثقافه. إن المدنيّه تأتي من المدينه، ولم يشهد التاريخ الإنساني عبر العصور عن نشوء حضارة من الباديه... فحياة إبن لباديه لابد وأن تكون بدائيه، ولن يتمدّن إبن الباديه إلا بعد أن ينتقل الى المدينه، ويفعل ما يفعله أهل المدينه.

إن المتتبع لحركة التاريخ الحديث في ليبيا ليلحظ بكل سهوله بأن جميع الحركات المناهضه للكبت، والطغيان كانت تنشأ في الجامعه، وتنطلق منها. فمثلا الوقفه الوطنيه من القواعد الأجنبيه في ليبيا عام 1964 (أيام العهد الملكي الوضيع) كان مصدرها الجامعه الليبيه، وكانت شرارتها الأولى، وكان ضحاياها أيضا من طلبة الجامعه. وأحداث عام 1967 بعيد هزيمة يونيو الكارثه برهنت على أن كل أشكال الرفض لإستخدام القواعد الأجنبيه في ليبيا للإعتداء على مصر ومناصرة الصهاينه كانت قد بدأت من الجامعه.

بعد عام 1969 كان مركز إهتمام، وتركيز العقيد القذافي هو الجامعه، وطلبة الجامعه لأنه يعرف جيدا بأن أول من يحس بالظلم، ويقاومه هم طلبة الجامعه. وبالفعل بدأ الحراك الفكري، والسياسي في الجامعه ينمو مع الأيام ؛ خاصة وبعد أن عرف الناس تفكير، وعقلية، ومسار النظام الجديد الذي كان يمثله مجلس قيادة الثوره بقيادة العقيد معمر القذافي.

كان من الواضح للناس عموما، وطلبة الجامعه خصوصا بأن الفكر حينها كان يساريا، شيوعيا، إشتراكيا؛ وكان بكل المعايير مضادا لكل أفكار وتوجهات النظام الرأسمالي. بدأت في ليبيا عملية القضاء على الحريه الفرديه بحجج كثيره منها "الإشتراكيه"، ومنها "محاربة الإمبرياليه"، ومنها "مساندة حركات التحرر الثوريه"؛ وكانت النتيجه الإستيلاء على أموال وممتلكات الناس، وسد كل منابع رزقهم. قفلت المصانع ذات الملكية الخصوصيه، وحوربت التجاره، والمقاولات، وكل الأعمال الحره؛ وبعدها بدأ التحجير على الفكر والتفكير، وبدأ الناس يحسون بالتضييق عليهم في حياتهم. كان ـ ومن الطبيعي ـ أول من تأثر بتلك التغييرات هم الطلبه، وكان أيضا من الطبيعي أن يكون طلبة الجامعه هم أول من يرفض تلك السياسه "الإقصائيه" وكانت الجامعه بؤرة للتفاعل الفكري، وكانت بدون شك قبلة لكل أصحاب التوجّهات الدينيه، والسياسيه فإتجه أولئك الى الجامعه، ووجدوا بداخلها من يستمع اليهم، ويؤمن بفكرهم. كان هناك البعثيون، وكان هناك الشيوعيون، وكان هناك الإخوان المسلمون، وكان هناك الهيبيون، وكان هناك البيتلز، وكان هناك الوجوديون، وكان هناك الشواذ أيضا. تلك هي الجامعه حيث تتصارع الأفكار، وتختلف الرؤى، وتتعدد المواهب؛ وهذا ليس إستثنائيا في الجامعه الليبيه ( هكذا كانت تسمى حينها). كانت الجامعه الليبيه بفرعيها في طرابلس، وبنغازي، وكانت أيضا الجامعه السنوسيه في البيضاء تتمتع بالخصوصيه في كل شئ. هذه الخصوصيه بدون شك موروثه من أيام النظام الملكي الذي بالطبع يستوحي كل أفكاره، ونظمه من السياسه الإنجليزيه التي كانت تتحكم في شئون الدوله الداخليه، والخارجيه.

كانت الجامعه الليبيه لها حرمتها الجامعيه، والتي كان من بين خصوصياتها إحتكارها على طلبتها، وأعضاء هيئة التدريس فيها؛ وكانت العلاقه بين الطلبه وآساتذتهم شبه عضويه برغم الإختلاف في الآراء، وبرغم التأثيرات الخارجيه (الفكريه بالطبع) على طلبة الجامعه، وكذا أعضاء هيئة التدريس.

كانت الجامعه لها حرسها الخاص، وكانت الأوامر واضحه لكل من يقوم بحراسة بوابة الجامعه.. الهندام الأنيق، التأدب في الحديث والمعامله، الشده والصرامه في تطبيق الأوامر؛ وبذلك لم تكن الجامعه الليبيه وقتها مرتعا للفاسقين، أو القوّاده كما يحدث الآن حسب ما ورد في المقال المشار اليه أعلاه.

كان الدكتور عمر التومي الشيباني ( رحمه الله) رئيسا للجامعه الليبيه، وكان قدوة في الإداره والسلوك، وكانت الجامعه الليبيه تشتهر بمستواياتها الآكاديميه الرفيعه، وكانت شهائد التخرّج من الجامعه الليبيه تحظى بإعتراف كامل من الجامعات الأوروبيه، والأميريكيه؛ وكان من السهل على خريج الجامعه الليبيه من مواصلة دراسته في بريطانيا، أو أمريكا بدون الحاجه الى إمتحانات معادله.

كان العقيد القذافي على علم بما يجري داخل أسوار الجامعه من حراك ثقافي، وسياسي؛ وكان ربما يتحسس من ذلك الحراك فعمد في عام 1971 الى الدعوه لعقد ندوه لمثقفي الجامعه، وآساتذتها، وطلابها بما سمي حينها ب "ندوة الفكر الثوري"؛ والتي بدأت حينها للمراقب العادي على أنها دعوة للحوار من أجل مستقبل ليبيا... لكننا إكتشفنا فيما بعد على أن تلك الندوه كانت بداية لمخطط تصفية أصحاب الفكر المختلف، والحس المستقل. برز حينها في الواجهة على الريشي، وصالح الفارسي، وغيرهم من أولئك الذين عاصروا عهد الحريه في التفكير، والتعبير؛ والذين ربما لم يكونوا يتصوروا حينها بأن هناك من يفكّر جديا في مشروع، أو مشاريع تهدف الى السيطره على تفكير الإنسان، وتوجهاته.

بعد ندوة الفكر الثوري تبين للعقيد القذافي بأن الجامعه سوف تكون بؤرة للوقوف ضد أفكاره وتوجهاته والتي حينها لم تكن واضحه، وربما لم يكن له فكرا يذكر أكثر من إعتناقه لأفكار الإشتراكيه، والقوميه العربيه التي كانت سائده حينها وكان رائدها بدون شك جمال عبد الناصر، مع بعض المنشقين من مؤسسي، وأتباع حزب البعث في العراق، وسوريا، واليمن، والسودان.

كانت ربما الخطوه الأولى في مخطط السيطره على الجامعه ( بكل هدوء) تكمن في مشروع فصل الجامعه الليبيه الى جامعتين... إحداها في طرابلس تسمى جامعة طرابلس، والأخرى في بنغازي وتسمى جامعة بنغازي والذي حدث بالفعل في عام 1974. إستقلت بموجب ذلك القرار الجامعتين إحداهما عن الأخرى؛ وبدأ التنافس بينهما مبدئيا على أساس العمل لبلوغ الأفضل ... وربما كانت تلك خطوة في الإتجاه الصحيح بالنسبه للعقيد القذافي الذي حينها لم يكن بريق الزعامه يلمع أمام عينيه، أو ربما لم يرتسم ذلك البريق بعد في عقله.

يقال أنه في عام 1974 حين أراد الرائد عبد السلام جلّود القيام بزياره لجامعة طرابلس لحضور بعض من مهرجان الجامعه الربيعي ( رياضي، ثقافي، فني)؛ طلب منه حرس الجامعه عند مدخلها بأن يخلع مسدّسه حفاظا على تقاليد "حرمة الجامعه"، وبعد تردد رضخ الرائد عبد السلام جلّود للأمر... وبالفعل خلع مسدّسه وسلمه لشرطي الجامعه. كانت تلك بالفعل وقفه متمدّنه، وحضاريه بأن يقوم عسكري بإحترام نظم ولوائح الجامعه. ترك الرائد عبد السلام جلّود إنطباعا طيبا لدى إدارة، وآساتذة الجامعه الذين والى ذلك الوقت كانوا أحرارا من تسلّط الحكومه، وحظي الرائد جلّود حينها بإحترام وتقدير الجميع.

عندما بلغ ذلك الخبر العقيد معمر القذافي لم يعجبه تصرّف حرس الجامعه، وأعتبر ذلك نوعا من التحدي لسلطته؛ فبدأ جديا في التفكير في إختراق الجامعه، والسيطره عليها. قام بعدها العقيد القذافي بالإعلان عن إنشاء اللجان الثوريه، ثم تبع ذلك إختراق الجامعه بجواسيس من رجال الآمن في ثياب مدنيه، وكانت مهامهم التعرف على الناشطين السياسيين من الطلبه، وأعضاء هيئة التدريس في الجامعتين ( طرابلس، وبنغازي)؛ وأدى ذلك فيما بعد الى إلقاء القبض على بعض الناشطين بحجج تعاطي المحدرات، والدعوه لأفكار مطرّفه... الأمر الذي أدى الى أحداث يناير الطلابيه في جامعة بنغازي، وتلك المواجهات التي تلتها مع رجال الأمن. بدأت حينها المواجهة العلنيه بين طلاب الجامعه ونظام الحكم، وبدأت السجون تستقبل طلاب، وآىساتذة الجامعه؛ وبدأت الإعتصامات المتحدّيه للسلطه العسكريه، ثم كانت الإعتقالات، وبعدها بدأ مسلسل الإعدامات العلنيه لطلبة، وآساتذة الجامعه؛ ثم كانت مواجهات أبريل عام 1976؛ والتي حسمت لصالح نظام حكم العقيد القذافي في 7 أبريل عام 1976. بعد ذلك الحسم (المخطط له سلفا) تغيّرت الجامعات الليبيه عن بكرة أبيها، وفقد التعليم الجامعي في ليبيا هيبته، وقدسيته؛ وتغيّر إسم الجامعتين الى الفاتح في طرابلس، وقاريونس في بنغازي ويبدو واضحا من الأسماء أن العقيد القذافي كان قد تمكن حينها من بسط سلطته الكامله على الجامعتين.

أمر العقيد القذافي أتباعه ( أعضاء مكتب اللجان الثوريه)، والمغرر بهم من طلبة الجامعتين، والثانويات بالقيام بالسيطره على كل شئ في الجامعتين، والثانويات إبتداء بالإتحادات الطلابيه التي تحوّلت في زمن قياسي الى أبواق دعاية للنظام الديكتاتوري المتسلّط.... وإنتهاء بإدارات الكليات، ورئاسة الجامعه. تم حينها القضاء على كل ما هو جيّد بالجامعه، وإستبدل آساتذة الجامعه، وعمداء الكليات بوجوه جديده تفتقر الى الخبره، وإلى المؤهل الدراسي؛ وتفتقر أيضا الى الخلق، والصدق، والإخلاص للوطن. وصلت الفوضى داخل الجامعات الليبيه ذروتها حين إحتل بعض من الطلبه ( أعضاء اللجان الثوريه) مكاتب الإداره في الكليات، وترأسوها؛ وبعدها بدأ العبث بكل شئ من ملفات، ولوائح، وقوائم، وما اليها.. وحينها بدا اللعب، والعبث بكل شئ في الجامعات الليبيه..... وحينها، وبعدها بدأ مسلسل الفساد الذي يشتكي منه إخوتنا طلبة العلوم الطبيه اليوم.

تبع ذلك وكما نعرف جميعا إعلان ما سمي بسلطة الشعب، وبدأت الجماهيريه الحقيره تقبض بمخالبها على كل شئ في ليبيا. كان بكل صدق يوم الثاني من مارس عام 1977 هو بداية العصر التتاري الثاني، وكان هذا المره وللأسف... في ليبيا.

بدأ الهدم، وبدأ التخريب، وبدأت الفوضى، وبدأت السرقه، وبدأ التزوير، وبدأ الكبت، وبدأ البطش والقتل في ليبيا مما أدى الى فرار كل من إستطاع أن يهرب بجلدته، وبدأ من حينها نزوح الليبيين ذوي المؤهلات العاليه، والخلق الرفيع، ولم يبقى في ليبيا إلا من كان منافقا، ومتملقا وهؤلاء بالطبع هم من تقلد جميع المناصب الإداريه في ليبيا، وسيطروا على الجامعات، وأعاثوا في الأرض فسادا... كما وردت بعض من ملامحه في رسالة الإخوة طلبة "الجامعه الطبيه في طرابلس".

أقول إخوتي الأحباء... هذه الجامعه التي تتحدثون عنها لم تعد جامعه كبقية جامعات العالم، وبلدنا ليبيا وللأسف لم تعد بلدا كبقية بلاد العالم، وحياتنا كليبيين لم تعد حياة أناس هادئين مطمئنين يذهبون الى أعماهم في أمان وسلام، ويعودون بعد الظهر الى بيوتهم فرحين ليلتقوا بأطفالهم؛ يجلسون معهم، ويتمتعون بصحبتهم بدون التفكير في مشاغل الحياة حيث تكون مرتباتهم كافية لقضاء حاجياتهم، ومستلزمات أسرهم. إن كل شئ في ليبيا كان قد تغير وللأسف الى الأسواء؛ منذ أن إستولى هؤلاء الرعاع على السلطه في بلادنا، ومنذ أن خيّمت الخيمه على كل شئ في حياتنا.

أقول إخوتي إنني قرأت رسالتكم بكل تمعّن، وإهتمام وأحسست بكثير من الأسى والحزن لحالكم، وللأوضاع المؤسفه التي عانيتم وتعانون منها.. حزنت من أجلكم، وحزنت من أجل ليبيا العزيزه التي أحبها أكثر من نفسي.

إن رسالتكم كانت أيها الأحبه صفحة أخرى من صفحات الخراب والفساد الذي تعاني منه بلادنا، والذي أقرأ عنه كل يوم في صفحات الإنترنت، أو أسمع عنه، وأشاهده على شاشات المحطات الفضائيه؛ وهذا يرسّخ في عقلي الفكره التي تقول إن غياب الدوله، وفساد السلطه، والأفكار الغبيه المفروضه على الشعب الليبي هي المسئوله عن كل الإخطاء التي تمارس في حق هذا الشعب، وأنتم لامحاله لستم إستثناء.

نعم لقد إطلعت على جزء من معاناتكم؛ وأنا على يقين بأن ما ذكر في رسالتكم ربما كان قطره في محيط، أو حجرة من جبل؛ وأحسست بالحزن على حالكم لأنكم شباب ليبيا الواعد، وأطباء مستقبلها. إنهم وللأسف ـ لحقارتهم ـ يتلاعبون بمستقبلكم الطبي، المهني، والوظيفي. قمت بقراءة رسالتكم لأكثر من مره، وكل مره أقرأ فيها رسالتكم أرى أمام عيني طلبتي الذين أقوم بتدريسهم هنا. إنهم في مثيل أعماركم، ومستواكم الدراسي؛ لكن تحصيلهم العالمي، والسريري لايمكن أبدا مقارنته بمستوى تعليمكم ؛ لأن حرص بلادهم عليهم، وإهتمام جامعتهم بهم يجعلهم يحسوّن بأدميتهم، وبقيمتهم كبشر، وكمواطنين لبلد لايهم ساسته شئ غير إسعاد مواطنيهم. إنني أيها الأحبه... وفي كل مره أنهي فتره تدريبيه لمجموعه من طلبتي، وطالباتي وأنظر في وجوههم فأرى الغبطه والسرور ترتسمان على تلك الوجوه النظره فأعرف حينها بأنهم سعداء وراضون عني، وعن الأشياء التي ناقشتها معهم.... أحس بعدها بالإمتعاض ـ رغم سروري بردود الأفعال تلك ـ ذلك لأنني أراكم مكانهم، وأرى نفسي بينكم أعلمكم، وأتعلّم منكم... أقول لنفسي وقتها إنكم أولى بهذه العنايه، وهذا الإهتمام منهم.. ليس لأنني عنصري، ولا لأنني أكره إي إنسان مهما كان لونه، وجنسه، وإعتقاداته؛ وإنما لأنني كبقية البشر لي عواطف، ولي آحاسيس، ولأنني أحب ليبيا بلدي، وأحب أهلها... وأنتم من خيرة أهلها. نعم أغمض عيني علني أراكم تحيطون بي وأنا أتحدث اليكم بدلهم، وأنظر في عيونكم جميعا فأرى الأمل، وأرى الحلم يكبر في عقولكم بأن تنهوا دراستكم بكل نجاح وتوفيق وأنتم واثقون من أنفسكم، ومن قدراتكم المهنيه. أفتح عيني فلا أراكم حولي؛ فأتنهّد، وأخرج زفرة قويه من صدري تخفف عني من غضبي؛ الذي هو بالطبع ليس غضبا منكم، لكنه غضبا من أجلكم. أنا واحد من إخوانكم الليبيين الذين يعيشون خارج بلادهم، وهم سعداء في أعمالهم؛ لكنهم لامحاله يحلمون كل يوم بأن ينتهي هذا البهتان الذي تحكم به ليبيانا، وأن نتمكن من العوده الى بلادنا كي نجتهد جميعا من أجل تقدمها، ورفعتها.

دعوني إخوتي الأحباء أن أتعرّض لبعض ما ورد في رسالتكم ـ النابعه من القلب ـ بشئ من التعليق حتى أعيش معكم الواقع المر الذي تعانون منه:

ورد في مقدمة رسالتكم: {لا مجال لوضع مقدّمةٍ ملائمةٍ يمكن عبرها شرح الوضع الذي وصل إليه حال التعليم الجامعي في ليبيا بسبب المنظومة الإداريّة الفاسدة } وأنا أوافقكم بالكامل؛ فما من مكتب خدماتي في ليبيا بخال من هذا المنظومه الإداريه الفاسده التي تحدثتم عنها.

وقلتم في رسالتكم بأنكم لم تستطيعوا التعبير عن إستيائكم إلا بعد قيامكم بإغلاق الطرق المؤديه الى الكليه. وقلتم كذلك: {غير طبيعيٍّ لكليّةٍ لا يمكن لأحدٍ أن ينقذها من الانهيار سوى رجل بشجاعة و قدرة قائد الثورة الليبيّة ، الذي تحدّث عن فساد النظام الإداري في ليبيا في آخر حديث له } وأود أن أقول لكم يا إخوتنا الأحباء؛ إن قائد الثوره الليبيه هذا الذي تستنجدون به لإنقاذ كليتكم من هذا الفساد؛ كان هو نفسه من نشر كل هذا الفساد في ليبيا... إنني والله يا إخوتي أعجب من أمركم ـ مع معرفتي بأن هناك أشياء كثيرة لاتستطيعون قولها، وهناك آحاسيس قلبيه صادقه لايمكنكم التعبير عنها وذلك نظرا لغياب الحريه في ليبيا ـ.

العقيد معمر القذافي ربما كان قد تحدّث عن الفساد، لكنه كما تعرفون جميعا هو رئيس الدوله الليبيه، وحامل كل مفاتيح السلطه فيها، وهو المسئول أخلاقيا، وإداريا عن هذا الفساد الذي تحدثتم عنه، وهو المسئول عن كل الخراب الذي تعاني منه بلادنا الحبيبه. كيف بالله عليكم يحق للعقيد معمر القذافي أن يتحدّث عن الفساد؛ وهو وحده من بإمكانه قطع كل خيوط الفساد من جذورها.

ألا يعرف معمر القذافي من هم المفسدون في ليبيا ؟.. أقسم بالله بأنه يعرف كل واحد منهم، ويعرف كمية الفساد التي أحدثها كل منهم، ويعرف من يفسد أكثر، ومن يفسد أقل. ثم ألم يأتي كل هذا الفساد، وكل تلك السرقات لأموال الشعب الليبي مع بداية عصر الفوضى منذ عام 1975 ومرورا بعام 1977 والى يومنا هذا؟.

إنني إستغرب بأنكم تطلبون من سارق أموال الشعب الليبي، ومن أكبر المفسدين في ليبيا بأن ينصفكم من رجاله الذين عينهم فردا فردا بالتشاور مع بيادقه أعضاء مكتب الإتصال باللجان الثوريه حين فرضوا هذه الأسماء على المؤتمرات الشعبيه لتصعيدهم. إن الشعب الليبي يعتبر بريئا جدا من أمثال هؤلاء، وليس له علاقة بوجودهم في هذه المناصب التي يشغلونها بغير حق، وبغير محاسبه. الشعب الليبي لم يختر أحدا من هؤلاء على الإطلاق؛ وإنما جاءته قوائم جاهزه وأمر بتصعيدها؛ ولذلك نجد أن الشعب الليبي بدأ يعزف عن حضور المؤتمرات الشعبيه ( كما ذكر ذلك العقيد معمر القذافي نفسه في حديثه الأخير أمام أعضاء المؤتمرات الشعبيه، وأعضاء اللجنه الشعبيه العامه) وذلك لأن الشعب الليبي يمتلك ذكاء فطريا، ولا يمكن أن تمر عليه مثل هذه الخزعبلات.

تمنيتم أيها الإخوة بإعتباركم أطباء الغد بأن تكون بلادكم قبلة للجيران كي يأتوا اليكم يطلبون العلاج الناجع؛ لكن الواقع غير ذلك تماما كما ذكرتم: { كي يتوقّف الليبيّون عن الذهاب للعلاج في تونس}. لم يذهب الليبيون للعلاج في تونس قبل قيام ما سمي ب"سلطة الشعب" لأن العلاج في ليبيا وحتى منتصف 1983 كان أحسن وأرقى من ذلك في تونس، أو مصر، أو الأردن. أصبحت الخدمات الطبيه في ليبيا رديئة الى درجة مخجلة عندما حلّ أعضاء اللجان الثوريه (الأطباء الفاشلون، وأظنكم تعرفونهم جيدا من أمثال الزائدي، وإحتيوش، وعبد الهادي موسى، وميلاد دقه، ومحفوظ بن حميده، ومحمد راشد، وعمر السوداني، وسالم الحضيري.. وغيرهم كثير) محل أطباء ليبيا المقتدرين بحجة أنهم ـ وفق توصيف غوغائيوا اللجان الثوريه ـ "ضد الثوره"؛ وبذلك تم "دوسهم" بالأقدام وللأسف الشديد؛ فسجن منهم من سجن، وهرب من إستطاع أن يهرب؛ ولم يعود أولئك الذين هربوا من مطاردة كلاب اللجان الثوريه "الضالّه" الى ليبيا لأنهم من ناحية يشتغلون بكل إحترام وتقدير وفي أعلى المركز الطبيه في أوربا، وأمريكا؛ وأعداد كبيره منهم تترأس أقساما طبيه تخصصيه راقيه؛ متفوّقين بذلك على الطبيب المحلي في البلد الذي يستضيفهم. هل فكر أحد من أولئك "المصلحين" في إمكانية الإستفاده من خبرة هؤلاء، والقيام بتسجيعهم للعوده الى بلدهم معززين مكرّمين؟. علينا أيها الإخوه أن نسمي الأشياء بمسمياتها؛ إذا كنا بالفعل نبحث عن مصلحة بلادنا، وصالح أهلنا.

في الختام أيها الأحبه أنا لا أريد أن أطيل عليكم أكثر مما فعلت، ولا أريد أن أضيف الى مشاغلكم؛ لكنني والله أرأف بحالكم، وأشعر بالحزن نحوكم لأنكم إخوتي، وأبناء وبنات بلدي؛ وليس لي والله من شئ يسعدني إلا أن أراكم تتمتعون بما يتمتع به أمثالك في البلاد المتقدمه.

أسأل الله أن يكون في عونكم، وأن يهدي أولئك "الطمّاعين"، " الجشعين"، و"الأنانيين" ويدلّهم على أبواب الخير بعيدا عن السرقه، والإحتيال، والطمع... آمين.

مصطفى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home