Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

السبت 20 فبراير 2010

زمن النشور

د. مصطفى عبدالله

( جميل أن يصحو المرء من سباته، والأجمل أن ينتقد ذاته بغرض الثوره على واقعه وتغيير أبجديات حفظها وهو يئتزر بجلباب أبيه ، ويخمد تحت هركة جده )

لقد قلتها يوما، وكررتها من قبل؛ وأعود لأقولها ثانية بأن الدكتور أبراهيم إغنيوه كان بالفعل ـ وعن جداره ـ إنسانا ليبيا من نوع فريد... كان ولايزال إنسانا يؤمن بالحرية؛ يعشق سماع لحنها الشجّي، وينتشي بإستنشاق عبيرها الوردي المنعش.

آمن الدكتور إغنيوه بالحرية منذ أن كان طالبا في الجامعه ـ وربما قبل ذلك ـ وظل كذلك قويا بهذا الإيمان الى يومنا هذا، ولم تقدر عواتي الزمن من أن تغيّر إيمانه، أو تحيده عن قناعاته.

فتح الدكتور إغنيوه صفحات موضعه الإليكتروني لكل من رغب في أن يخط عليها؛ فلم يحجب كلمه، ولم يمنع وجهة نظر؛ بل إنه قاوم ـ وبكل بساله ـ تلك الأصوات التي لاتؤمن بالحريه والتي طلبت منه تباعا بأن يتوقف عن السماح بنشر هذه المقالات أو تلك بحجة أنها تحارب الإسلام ( حكيم ومن هم على شاكلته)، أو تطّبل للديكتاتور ( مصطفى الزائدي، ومن هم على منواله)، أو تبث الفرقه بين أبناء الوطن الواحد ( الدكتور جاب الله موسى حسن، ومن هم على خطّه)؛ لكن الدكتور إبراهيم إغنيوه إلتزم بالصمت حيال كل تلك المحاولات ـ رغم أن بعضها كان قاسيا جدا ـ ومع صمته ظل موقعه ينشر كل شئ، ولكل من كان له رأي أو وجهة نظر مهما كانت شاذه أو غريبه... وبرهن الدكتور إغنيوه بأنه كان على حق؛ والدليل هو ذلك الكم الهائل من المثقفين الليبيين والمثقفات الليبيات الذين تركوا مواقعهم وتقاطروا على موضع الدكتور إغنيوه لينشروا أراءهم وأفكارهم، وكذلك إبداعاتهم الثقافيه الأخرى من شعر، ورسم، وكاريكاتير، وما شابهها. نعم... فقد تحوّل موضع الدكتور إغنيوه الى باحة غناء، وحديقة مزهرة يفوح عطرها في كل مكان فجذبت بذلك كل قارئ يتمتع بفن القراءة، وكل متتبع يعشق سحر وقوة الكلمه إليها، وبات من المؤكّد بأن كل من زار "ليبيا وطننا" عاد إليها، وأصبح مدمنا على متابعتها والمساهمه فيها .

وجد الكثير من الليبيين في رحابة صدر الدكتور إغنيوه فرصتهم السانحه لسب بعضهم البعض، ولجأ الكثير منهم وللأسف الى إستخدام العبارات النابيه، والكلمات المبتذله بهدف إيقاع أكبر الأذى بمن يختصمون معهم... وذهب البعض إلى تحويل "ليبيا وطننا" الى مكان لنشر الغسيل الوسخ ( كما هو الحال بين السيد سليم الرقعي، والسيده ليلى الهوني) ومع ذلك لم يمنع الدكتور إغنيوه أحدا من أن ( يفشّ غلّه أو خلقه) كما فعل السيد فتحي بن خليفه في مقاله الأخير ( أنا حكيم..)، وكما فعل أيضا الأستاذ محمد مصراتي في مقاله ( تبّا لكم... واحدا واحدا ) وسمح الدكتور إغنيوه بكل ذلك ـ والكثير الآخر الأقل منه مستوى، والأحط منه أدبا وذوقا وخلقا ـ فعسى أن يتعلم أبناء وبنات ليبيا من هذه الحريه الغير مشروطه أسلوب النقاش والحوار، وفن التعامل مع الغير مستخدمين لذلك سلاح الكلمه الفتاك الذي ـ وكما ذكرت عاليه ـ يعمل في هدوء، ويحدث أثره في صمت وبعيدا عن الأنظار.

لكن مع كل ذلك يبدو أن الطريق الى الحوار الهادئ المتزن (الناضج) مازالت طويلة....وطويله جدا؛ لكن المهم أننا في كل يوم نتعلم المزيد، ونحس بالرغبه الأكيده لأن نتهذّب في التخاطب مع بعض بدون الحاجه إلى اللجوء لإستخدام سلاح "الضعفاء" المتمثّل في السبّ، والشتم، والتشهير، والتحقير بغرض (فطس أنف الخصم !).

نعم أيها الساده والسيدات إن الطريق أمامنا طويلة وصعبة، وعلى من يرغب جادا في أن يغيّر نظام حكم العقيد القذافي عليه أن يبدأ بتغيير نفسه أولا.... فما تستطيع أن تعطي إلا بما توافر في جيبك، أو كما قالوا قديما "فاقد الشئ لايعطيه".

من يطمح منكم في أن يخلق في ليبيا نظاما ديموقراطيا حقيقيا عليه أن يكون هو ديموقراطيا أولا، وعليه أن يبدأ بممارسة الديموقراطيه في داخل بيته مع زوجته وأطفاله، ثم مع زملائه في المكتب، ثم مع جيرانه في الشارع، ثم مع من يتحاور معهم من الأصدقاء والمعارف؛ ولابد أن يتعدى الى أبعد من ذلك... لابد أن يصل تعامله الديموقراطي حتى إلى مرابض الغرباء.

إنكم أيها الإخوه سوف لن تنشروا عدلا إن كنتم أنفسكم تمارسون الظلم، كما أنكم سوف لن تحققوا الديموقراطيه إن كنتم أنفسكم تمارسون عمليّات الإقصاء والإلغاء لغيركم..... وهم أهلكم.

نعم... لقد بدأ بعض الليبيين يفتحون قلوبهم، وأخذ قليل منهم يتحدثون ببعض من الإنفتاح والإيضاح، وكذلك بشئ من المصارحه ولكن... مع الكثير من الحرقه والإحساس ـ ربما ـ بالظّلم والغبن أحيانا... لكننا تعلّمنا كيف نقف على عتبة المواجهة ونحن أكثر قوة وأمتن إتزانا وربما بأكثر ثقة بأنفسنا عن ذي قبل... وهذه بوادر جيده؛ وهو دليل على أن الحرية التي أوجدها الدكتور إغنيوه بدأت بالفعل تثمر.... لكننا مازلنا في أول الطريق التي أخالكم تعرفون بأنها طويلة وشاقه غير أنّها ليست مستحيله؛ فقد مشى عليها أقوام من قبلنا ونحن لسنا بأقل منهم ذكاء، ولا أقل منهم فطنة، ولا هم أنقى منا عرقا أو أعرق أصولا.

نعم.. إن الذي ساعد على خروجنا من القمقم، ودفعنا الى النشور خارج قوقعاتنا هو سلاح "الكلمه" التي إن عرفت مخارجها الطبيعيه، ووجدت رحابها الذي يحتضهنا فإنها برغم رقتها وسلاستها تستطيع أن تنفذ الى القلوب فتليّنها، وأن تخترق الحصون والموانع بدون ضجيج لتقع على مسمع ومرأى من لازال يغط في سبات عميق وربما تتمكن الكلمه القويه من إفاقة الغافلين، وإيقاظ النائمين.

ومن البديهي ـ نظرا لقوة سلاح الكلمه، ومقدرتها على تغيير الوقائع ـ أن نجد الطغاة، والمتجبّرين، والحاكمين بأمرهم وهم لايتورّعون لحظة عن محاربة هذه البريئة، والبسيطه (الكلمه) والتحجير عليها بغرض منعها من الإنتشار؛ ولم يكن العقيد معمر القذافي فريدا من نوعه في هذا الإطار، أو ربما يمكن نعته بأنه مختلفا كثيرا عمن سبقه من الطغاة حينما قام بغلق المواضع الإليكترونيه، ومنع الليبيين الخاضعين لسلطته من تصفّحها أو المساهمه في مادتها الثقافيه.

لقد شمل الحجب الكثير من المواقع الليبيه الحره مثل ليبيا وطننا، أخبار ليبيا، ليبيا المنارة، جيل ليبيا ، وليبيا المستقبل؛ وكذلك كل مواضع اليوتيوب التي تختص بالشأن الليبي. بالطبع عمليات الحجب والتحجير لم تقتصر على الصحافه الإليكترونيه بل إنها تمددت لتشمل برنامج "مساء الخير بنغازي" أيضا، وصحافة إبنه (قورينا وأويا).

السؤال الذي ربما من حق كل منا أن يطرحه على أجهزة الأمن الليبيه التي تأخذ أوامرها مباشرة من العقيد معمر القذافي هو: لماذا هذا الخوف المبالغ فيه من محطات ونوافذ صحفيه إليكترونيه ليس لها من سلاح غير سلاح الكلمه، وليس لها من أهداف غير توزيع هذا السلاح على الناس ؟ .

النظام السياسي القائم في ليبيا هو من يدعو الى ترسيخ فكرة "الشعب المسلّح"... هل السلاح يعني البندقيه، والرشاش، وما يقع في شاكلتهما من وسائل القتل والدمار؛ أم أن السلاح له مفهوم أوسع وأشمل من ذلك التعريف العسكري الضيّق لهذه الكلمه ؟.

بعد إنهزام اليابان، وألمانيا في الحرب العالميه الثانيه على أيدي قوات الحلفاء؛ كان أو عمل قام به الحلفاء بعد إنتصارهم في الحرب هو تجريد هذين البلدين من أسلحتهما التقليديه وتحويل تلك الدولتين الى كيانات ضعيفه لاحول لها ولا قوه حتى لا تفاجئا العالم بمغامرات أخرى كتلك التي سبقت الحرب، وأشعلت بالطبيعه فتيلها وكانت النتيجه كما نعرف ملايين من البشر فقدوا حياتهم، وملايين أخرى ظلّت على قيد الحياة لكنها بقيت مشوّهة، أو مشرده، أوفقيره جائعة ؛ ولكن.... هل أنتهت اليابان، وهل إنتهت ألمانيا بمجرّد خسارة كل منهما الحرب ؟ .

ألمانيا تم تقسيمها الى دولتين تتبع كل واحده منهما كتله متناقضه ومتنافسه مع الأخرى حتى يضمن الحلفاء بقاء ألمانيا ضعيفه من أجل أن لا تلملم جراحها، وأن لا تنتقم من داحريها؛ وقد وفّق الحلفاء في ذلك..... ولكن الى متى؟

إتجهت كل من ألمانيا، واليابان الى بناء نفسيها بما هو متاح، وبما هو مسموح به؛ وأيقنت تلك الدولتان بما توفّر لديهما من إراده ومقدره على الإستمرار بأن السلاح ليس هو فقط الحديد والنار، بل إن السلاح أشمل وأوسع من ذلك التعريف الضيّق. أيقنت كل من اليابان وألمانيا بأن السلاح ربما يعني مجتمع صحي، إقتصاد قوي، وتعليم متقدّم؛ وذلك تحديدا ما سعتا إلى تحقيقه خاصة وأن مثل هذه الأسلحه ـ والتي لم تكن تصنّف أسلحه حينها ـ كانت خارج قائمة الممنوعات على هاتين الدولتين .

إتجهت كل من ألمانيا واليابان الى بناء الإنسان القوي المسلّح بالإيمان بالوطن، والإيمان بالعلم، وفوق كل شئ الإيمان بحرية الفكر والتفكير.. أي حرية الكلمه؛ وكان لهما ما سعيا إليه .

تحوّلت اليابان الى ورشة العالم الصناعيه، وتحوّلت ألمانيا الى قبلة العالم الإقتصاديه، وبدأ الإنسان في هاتين الدولتين يتحرر، وعندما تحرر بدأ يبدع ومن ثم تقدمت ألمانيا، وتقدمت اليابان في كل مجالات الحياة ولو بدون سلاح الأعتده وآلات الدمار التقليديه. تسلّحت كل من ألمانيا واليابان بسلاح الكلمه بما تأتّى لها من حريه وإنعتاق، وتمكّنت هاتين الدولتين بذلك السلاح السلس من التحكّم في العالم من جديد، ولكن هذه المره ليس بسلاح يمكن تدميره، وليس بمواقع يمكن الإستيلاء عليها؛ وإنما بالنفاذ الى عمق وجذور العالم بقدر لايمكن إجتثاثه .

تلك هي الكلمه التي حاول كل المثقفين نشرها بين الناس من خلال شبكات الإنترنت، وتلك هي نفس الكلمه التي عمل العقيد معمر القذافي على شن حرب شعواء عليها بعد أن تقيأ بمحتويات الكره والمقت للكلمة الحره الشريفه في كلمته "الظلاميه" أمام مؤتمر الشعب العام الذي من خلاله تكلّم المستشار مصطفى عبد الجليل في سابقه لم يتوقّعها العقيد القذافي فكان وقعها عليه كبيرا جدا، وكانت بناء عليه ردود أفعاله المتشنّجه والغاضبه فعلا بحيث حاول إعادة عجلة الزمن في ليبيا عقدا الى الوراء؛ فكان أن عيّن السيد محمد بالقاسم الزوي أمينا لمؤتمر الشعب العام، والسيده هدى بن عامر أمينة لجهاز الرقابه الشعبيه. ولم تتوقف تدخلات العقيد القذافي عند ذلك الحد؛ بل إنه أصدر أوامره بالمزيد من التضييق على الكلمه التي وللأسف نستخدمها نحن الليبيون الذين نختلف مع أفكار وتوجهات العقيد معمر القذافي ـ ونحن نتمتع بحريتنا ـ في محاولات الإساءة الى بعضنا البعض دون أن نقذف بها على من يحاول أن يحجّر عليها من أجل خنقها بغرض محاولة وأد الفكر المتحرر من الوصايه، والعمل على قفل كل النوافذ التي تسمح بدخول الهواء العليل الى رئات الباحثين عن الإنعتاق الحقيقي... الحالمين بالحريه .

لقد حان الوقت لكي تنتهي الوصايه على تفكير وإبداع الناس، وحان الوقت لرفع اليد الثقيله عن كواهل الحالمين بالحريه، وحان الوقت لإعادة البلد الى أهله بعد أن تم إغتصابها خسّة لأكثر من أربعه عقود من الزمن. نعم لقد آن الآوان لأبناء وبنات ليبيا في أن تعاد إليهم حريتهم، وأن تشرّع الأبواب أمامهم، وأن تبعد العقبات والمتاريس من مسالك حياتهم حتى ينطلقوا الى الأمام ويحملوا على أكفّهم ليبيا الحبيبه بكل حب وحنان، وبكل رفق وعنايه لإعادتها الى مكانها الصحيح الذي أبعدت عنه طيلة سنوات الكبت والجبروت التي فرضت على أهلها.

من أجل أن نستعد لذلك علينا أن نتعلم كيف نتعامل مع سلاح الكلمه هذا بغرض توجيهه الى حيث يجب أن يصب بحممه "السلسه" ... أي على تلك الخيمه التعيسه بغرض تحويلها الى هباب تتناثر مع حبات الرمل في كل مكان بحيث لايمكن بعدها العمل على لملمتها وتجميعها بدل أن نقذف بها بعضنا لأسباب تافهة، ومرام ضيّقه ترسمها وللأسف ترسّبات الآنانيه وفقدان الثقه بالنفس التي نعاني منها بدون ربما أن نحسّ بها.

مصطفى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home