Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

الأحد 19 ديسمبر 2010

ماذا يريد الليبيّون ؟

د. مصطفى عبدالله
 

( الخلط بين الرغبه والإحتياج هو كمثل الخلط بين الطموح والواقع )

تعقيبا على مقال الدكتور المحترم أحمد إبراهيم الفقيه المنشور على صفحات "ليبيا وطننا"، والذي كان بعنوان محاولة جديدة لمخض الماء: ماذا يريد الليبيون أو ما الذي يحتاجون إليه ؟

أودّ أولا أن أشكر الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه على مقاله الجيّد وإختياره الموفّق لقضية تتعلّق بحياة المواطن الليبي، كما أن هذا المقال بدون شك يفتح من جديد أفاقا طالما سبر أغوار بعضها غيره من قبل؛ لكن النتيجة قد تظل كما هي: إن الإجابة على مثل هذا السؤال ليست بتلك السهولة، ولا هي بتلك الخصوصية؛ فهذا السؤال لامحالة يعتبر إستفسارا فلسفيّا يفرض إجابة فيها الكثير من شحذ العقل والخوض في دهاليز الخيال ومن ثم فليتنافس المتنافسون ولا أعتبر أنا شخصيا مثل هذا السؤال بمثابة مضيعة للوقت؛ بل أظنّه إستثمارا له على أساس أننا في كثير من الأحيان نضيّع الكثير من ذلك الوقت في البحث في مواضيع على شاكلة "البيضة والدجاجة"، و"مسيّر ومخيّر"، و"العاطفة والعقل"، وغيرها من الأمور المحيّرة.

أنا لا أتفق مع الكاتب ـ مع إحترامي وتقديري لوجهة نظره ـ في وصفه لمثل هذا السؤال ب"العبثي" لأنني بكل بساطة لا أظنّه كذلك؛ فعلى أقل تقدير أنه أخذ من وقت الكاتب وإهتمامه ما أخذ  ولا أظن بأن كاتبا مرموقا مثل الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه كان سيهتم بهذا الموضوع أو بمناقشته لولا أهميته.... فالعاقل قلما يهتم بأمور عبثية يناقشها ثم يبحث عن الدلائل والبراهين لإثبات وجهة نظره حيالها.

ماذا يريد الليبيون، ماذا تريد شعوب العالم، وماذا يريد البشر؟. أظنّها أسئلة منطقية، وواقعية، وطبيعية جدا؛ من حق كل منّا أن يسألها لأننا بكل بساطة ـ كبشر ـ نبحث عن الأحسن، ولا يمكننا بلوغ الأحسن بدون طرح أسئلة. أنا شخصيا أرى أن الإنسان الذكي هو ذلك الذي يكثر من إستخدام ذلك السؤال البسيط "لماذا"؛ لأن مجرّد طرح مثل هذا السؤال المتواضع يدفع السائل إلى التفكير والبحث في إجابة عليه وذلك معناه إستخدام ملكة العقل التي زوّد الله بها الإنسان، وميّزه بها على غيره من بقية المخلوقات التي في أغلبها تتعلّم من "التجربة والخطأ"، ولا تحاول الإجابة على أسئلة معينة لأنها لا تتحذّر كثيرا ـ أو ربما مطلقا ـ من الوقوع في الخطأ؛ فغالبا ما نجد حيوانا ميتا بعد أن وقع في حفرة أو مطبّ ما، وكثيرا ما نعثر على فأر واقع في مصيدة بدائية ينصبها له الإنسان الأذكى بغرض الإيقاع به وبالفعل يحقق ذلك الفأر للإنسان مبتغاه بدون الكثير من الإجهاد بسبب وجود البون الكبير في تفكير كليهما، وبسبب أن الإنسان دائما يتساءل: لماذا أنا مقدم على فعل ذلك، أو منتهج هذا السبيل، أو معتبر لتلك الوسيلة.

ماذا يريده الليبيون لا تختلف من وجهة نظري عن: ماذا أريده أنا (الفرد) لنفسي، وماذا أريده أنا (الأب) لأبنائي، وماذا أريده أنا (الحاكم) لشعبي؟. كل هذه الأسئلة أظنّها مشروعه، بل يجب أن تسأل؛ ولو أن حاكم ليبيا الديكتاتور معمر القذافي سأل نفسه مثل هذا السؤال من قبل لكان الليبيون في وضع أحسن بكثير من هذا الذي يعيشونه الآن.

ماذا يريد الليبيون؟. سؤال حائر ربما لكنه حتما يبحث عن إجابة؛ ولو إجتهد مفكروا ليبيا ومتعلّموها في الإجابة عن مثل هذا السؤال بكل صدق، وبكل وطنية لكان حالنا تغيّر منذ زمن بعيد قبل أن تتحوّل بلدنا إلى خرابة لا قانون ولا حكومة فيها. أنا أقول بكل بساطة، وبدون فلسفة وتلويك الكلام... إن ما يريده الليبيون هو السعاده، والأمان، والإطمئنان على حياتهم ومستقبل أطفالهم.... نعم من حق الدكتور الفقيه أن يسألني: ما هو تعريفك للسعاده؟.

أنا ربما أعرّف السعاده كما اريدها بالنسبه لي؛ لكنني بدون شك سوف لن أجيب عن مفهوم السعاده بالنسبة للشعب الليبي ولن أسمح لنفسي بأن أعرّفها لهذا الشعب أو لغيره نيابة عنه.

إذا أردنا أن نتعرّف على مفهوم الليبيين للسعاده فلنمكّنهم من حريتهم، ولنسمح لهم بحريّة الإختيار، وحرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية التصرّف وفق ميثاق عمل يصيغ بنوده أبناء وبنات الشعب الليبي ويقرّونه بدون وصاية من أحد ليصبح هذا الميثاق نافذا على الجميع بدون إستثناء، وبدون "خطوط حمراء"، وبدون أولئك الذين يعتبرون أنفسهم فوق القانون أو خارج ساحة القضاء والمحاسبة.... الذي يحكم ليبيا لأكثر من أربعة عقود من الزمن بمنطق "التفويض الثوري" الذي لايقبل المحاسبة، ولايرتهن للمساءلة.

لو سألنا عموم الشعب الليبي رجالا ونساء، صغارا وكبارا، عربا وعجما، مسلمين وغير مسلمين، فقراء وأغنياء، متحضّرين وبدو.. لو سألنا كل هؤلاء عن مفهومهم للسعاد، وعن مكونات سعادتهم لكنا تحصّلنا على الإجابة اليقينيه، ولكنا عرفنا ماذا يريده الليبيون بالضبط.

يقول الدكتور الفقيه: {والنقطة الثانية هي أن الناس عندما يتصدون للإجابة عن مثل هذا السؤال غالبا ما يتصورون قوة جبارة موجودة في مكان ما ، مثل كبير آلهة اليونان في جبال الأولمب، هو الذي سيقوم بتحقيق ما يريدون وهم متكئون في بيوتهم على آرائكهم أو نائمون في أحضان نسائهم فوق أسرتهم} وأقول.. لا يا دكتورنا؛ لايمكن الحكم على الشعب بتعميم ما لأن ذلك قطعا يعتبر ظلما أو على الأقل أقل إنصافا. أنا من بين هذا الشعب، وأنت من بين هذا الشعب، وغيرنا الكثير من إجتهد وجد وبلغ من العلم مبلغه، ومن المعرفة مدى ولا أقول مداها. إذا كنت أنت، وكنت أنا، وكان الكثير من أصدقائنا ومعارفنا قد جدّوا وإجتهدوا من أجل تحقيق غاياتهم.. أو لنقل تحقيق ما كانوا يرغبون في تحقيقه؛ فإن غيرنا لامحالة يفعل ذلك لكن علينا أن نعترف بأننا خلقنا لنكون مختلفين؛ تلك هي إرادة الله، وتلك هي حكمته التي نحاول التعرّف على بعضها ومحاكاتها إن وفقنا.

الليبيون أبدا ما كانوا، ولن يكونوا إتكاليين بل إن الشعب الليبي عرف بكدّه وإجتهاده عبر العصور ولعلك يا دكتور نوّهت إلى ذلك ربما عن غير قصد حيث ذكرت في مقالك محور هذا النقاش: { ويناضل أهلها لا من أجل أن تكون في حياتهم حياة ، وإنما فقط من أجل البقاء على قيد الحياة ، كفاح ونضال وعمل شاق مرهق من أجل ضمان حبات من التمر ، أو حفنة من الشعير ، أو كوب من حليب الماعز أو الإبل}.. لا أظن بأن السؤال هو عن ماذا يناضل الليبيون، ولكن :هل ناضل الليبيون أم لم يناضلوا؟.

إن الذي يناضل من أجل أن يعيش يعتبر مناضلا، والذي يحاول أن يقهر المرض يعتبر مناضلا، والذي يحاول مقاومة الموت يعتبر مناضلا، والذي يقف ضد الطغيان والعبودية يعتبر مناضلا؛ أما كيف يناضل ذلك الإنسان فمثل هذا السؤال لا محالة يحتاج إلى بحث. كيف يقاوم الليبيون طغيان الديكتاتور القذافي وأعوانه، وهل تمكن الليبيون من الوقوف في وجه الظلم كما ينبغي؟. هذه أسئلة تحتاج الإجابة عليها إلى خلاصة عقول البلد ومثقفيها من أمثالك وأمثالي... هل نحن قمنا بما يجب؟.

الشعب يحتاج إلى من يعلّمه، وإلى من يقوده، وإلى من يرشده؛ وتلك المهمة يجب أن تناط لأمثالنا، بل يجب علينا القيام بها من تلقاء أنفسنا... هل قمنا نحن المثقفون بما يجب؟.

يقول الدكتور إبراهيم الفقيه:{ إن الليبيين بالتأكيد يعرفون جزءا من هذه الاحتياجات الملحة التي يتطلعون إلى تحقيقها ، مثل الانتفاع بالثروة التي تدرها معادن هذه الأرض ، وضمان وصول هذه الثروة إلى أهل البلاد دون تفرقة ولا استثناء ولا إلغاء ولا إقصاء ، وهو ما تنادي به أصوات من داخل السلطة الثورية وتدعو إليه} وأقول للدكتور ولنفسي، ولبقية القراء الأعزّاء... نعم إن الليبيين يعرفون ماذا يريدون، وهم يعرفون جيدا كمية وقيمة ثروات بلادهم؛ لكن من ذاك الذي يتحكّم في هذه الثروة، ومن هو الذي يبعثرها في كل مكان خارج الأرض الليبيه، ومن هو ذاك الذي لايقدّر قيمة هذه الثروات وأهمية إنفاقها على أهلها الذين أنعم الله عليهم بها من أجل سعادتهم ورفاهيتهم؟. هل تعرف يا دكتور الفقيه من قال: هذه التسعون مليار دولار ليبيا لا تستطيع إستيعابها ( ليست في حاجة إليها) فهي لكم من الآن، ومن حقّكم أن تتصرفوا فيها؟. هذا الكلام قاله حاكم ليبيا العقيد معمر القذافي في كلمته أمام تجمّع س ص وكان يوجهه لرئيس السنغال على إعتبار أنه رئيس التجمّع. أنظر يا دكتور ( ولينظر معك بقية مثقفوا ليبيا) إلى هذه الصورة علّكم تتمكنون من تصحيح المفاهيم الخاطئة التي يحملها "القائد المفكّر" عن البلد التي يحكمها منذ أكثر من 40 سنة:

هذه صورة حديثة من مدينة طرابلس ( العقيد لايريد أن يسمّيها "مدينة" بل شعبية  لأنه يكره التمدّن !) 

 

وهذه صورة حديثة من مدينة طبرق حتى نبرهن على أن ليبيا كلّها في حاجة إلى تلك ال90 مليار دولار

( الصورتان عن "ليبيا وطننا" من مساهمات قرائها )

إذا سمح لهذا الشعب بأن يحكم بلاده كما تحكم بقية شعوب الأرض بلادها ( وأقصد هنا بالطبع تلك البلاد التي تختار حكامها، ويحكم بينها قانون يطبّق على الجميع) فإن هذا الشعب سوف يفرز الكفاءات، وسوف يوجد الآليات التي تستثمر هذه الخيرات في داخل بلادنا، ومن أجل مصالح هذا الشعب، كما أن الشعب حينها سوف يعرف كيف يحاكم السرّاق والسماسرة، والمستهترين بالقانون والنظام. علينا يا أخي العزيز أن نتكلّم في العمق، وأن نقول الحقيقة، وأن لاندافع عن الطغاة فهم قطعا غير معنيين بمعاناة هذا الشعب لأنّهم هم أنفسهم لايعانون، ولا يقاسون.... ولأنهم بصدق قد قست قلوبهم، وتبلّدت آحاسيسهم ولم تعد تعمّر قلوبهم القيم الإنسانية النبيله مثل الحب والحنان والعطف والرحمة. لقد تحوّل حكّام بلادنا وللأسف إلى أشباه حيوانات لايهمها إلا إشباع غرائزها وملء بطونها، وحرمان الغير من فضلات طعامها من باب حب التملّك والتحكّم؛ أو ربما وفق مقولة " عش ودع غيرك يموت".

أما أن تقول: ما تنادي به أصوات من داخل السلطة الثوريه فإنني أتأسف للقول بأنك إما أن تكون مجانبا لقول الحقيقة عن تعمّد، أو أنك لاتعرف ماذا يجري في ليبيا. من هي هذه الأصوات من داخل السلطة الثورية التي تسعى إلى إحقاق الحق في ليبيا؟. هل تعني يا سيادة الدكتور بذلك إبن الديكتاتور سيف معمر القذافي، أم أنك تعني العقيد معمر القذافي نفسه، أو ربما أنك تعني أولئك المترهلّين المعميين ببريق ووهج  أموال الشعب الليبي المسروقة منه  من أمثال من تبقى من أعضاء مجلس قيادة الثورة؟. لا يا سيادة الدكتور... لا يوجد ثوري واحد يحس بمعاناة بلادنا؛ وليكن هذا تعميما فالثوري لايبني بل إنه يحطّم ما إستطاع إلى ذلك سبيلا. الثورة مأخوذة من الثور، والثورية مأخوذة من الثوران وأعتقد بأنك تعرف جيدا ما تترك ثورة البراكين، والعواصف، وثورة الثيران وراءها عندما تثور. الثوار قد يثوروا على الوضع الراهن بغرض تغييره، لكنهم أبدا لايستطيعون إحلال البديل فهم بكل بساطة يجيدون الهدم ولايفقهون فن ولا أسرار البناء.

دعنا من الثوّار والثوريين وهلمّ بنا نتحدّث عن المتعلمين والمثقفين، والمخلصين من أبناء بلدنا الذين تم تغييبهم، وتغريبهم، وتقييد حريتهم، وحبسهم، وقمعهم، وقتل الأخيار منهم من قبل هؤلاء الذين ترتجئ منهم خيرا لبلادنا. إن البلد لايمكن إصلاحها إلا بأيدي أهلها بدون إستثناء، وبدون إقصاء، وبدون تمييز.... وفوق كل ذلك بكل حرية.

يقول الدكتور الفقيه: {ثقافة الفقر إذن ، ثقافة عميقة ، متأصلة ، ضاربة الجذور في تربة الوطن ونفوس أهله ، وكان أمرا مؤسفا بالتأكيد أن يتحقق للبلاد نوع من الرخاء ، إن لم نقل الثراء ، كما يتحقق لها أن تتحرر نهائيا من كل صنوف المحتلين والمستعمرين والغزاة ، وتبقى لثقافة الفقر هذه القوة والسطوة و السيطرة على سلوكيات الناس} وأقول.. لاعيب في الفقر، ولا عيب بأن يكون أهل البلد فقراء؛ فذلك كان حال الشعب الأمريكي، وذلك كان حال الشعب البريطاني، وذلك كان حال أهل الصين، وذلك بالطبع كان حال أهل الخليج العربي. هل تعرف يا دكتور ما تمكنت من تحقيقه دولة صغيرة مثل قطر، والإمارات العربية المتحده، وعمان، والكويت؟... ألم يكن هؤلا فقراء (في فقر مدقع مثل الإمارات وقطر) حتى متوسّط فترة السبعينات. ألم يكتشف البترول في ليبيا منذ أوائل الستينات، بل وفي آواخر الخمسينات؟. لماذا حقق حكّام الخليج لأهلهم الخير والرخاء وفشلنا نحن حتى في المحافظة على ما كان موجودا قبل هذه "الثورة" التعيسة التي أفسدت كل شئ في بلادنا. ألم يقم "الفقراء" الذين تتحدّث عنهم ببدونة المدينة ودفعها إلى الوراء لأن عقلياتهم لم تتمكن من إستيعاب المدنيّة والتحضّر؟. أليس هو كتاب وتفكير العقيد معمر القذافي من أفسد كل شئ في بلادنا، بحيث أعادتنا أفكاره هذه إلى الوراء عقودا من الزمن في حين واصل حكام الخليج بدون نظريات، ولا كتب، ولا فلسفات في الحكم من الإنتقال إلى الأمام ومسابقة الزمن؟. ألسنا هنا نحاول طمس الحقيقة، وتجنّب قول كلمة الحق من أجل الترويج لهؤلاء الثوريين الذي هدموا كل شئ في بلادنا بدءا بالبناء والعمران، وإنتهاء بالقانون والإنسان؟.

هناك أغنية قديمة لآلين برايس تقول الفقراء يبقون فقراء، لكنها في نهاية المطاف تنتهي إلى القول بأن الفقراء من الممكن أن يقودوا المسيرة ولكن ليس نحو الفقر.. بل إلى السعادة:

Poor people are poor people -
And they don´t understand
A man´s got to make whatever he wants-
And take it with his own hands.

Poor people stay poor people -
And they never get to see
Someone´s got to win in the human race-
If it isn´t you, then it has to be me.

So smile while you´re makin´ it-
Laugh while you´re takin´ it-
Even though you´re fakin´ it-
Nobody´s gonna know.
Nobody´s gonna know.

It´s no use mumbling.
It´s no use grumbling.
Life just isn´t fair-
There´s no easy days
There´s no easy ways
Just get out there and do it!

And sing and they´ll sing your song-
Laugh while you´re getting on-
Smile and they´ll string along-
And nobody´s gonna know.
Nobody´s gonna know.
Nobody´s gonna know.
And nobody´s gonna know.

الفقراء يتغيّرون مع الزمن فجلّهم ليسوا مسئولين عن فقرهم؛ بل إنه غالبا ما يتواجد من يفقرهم أو يرغمهم على الفقر.. وذلك ما فعله في حق الليبيين معتوه ليبيا، وحاكمها الظالم العقيد معمر القذافي.

يقول الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه: {وهذه القيمة أو الكواليتي ، لابد من الاعتراف بأنها مفقودة في حياة الليبيين ، ويتجلى هذا الفقد بشكل واضح وجلي ، في عزوفهم هذا العزوف المرضي والشاذ عن الاهتمام بالفنون والآداب ، فهذه الفنون والآداب ، من موسيقى وغناء ورقص ورسم ومسرح وسينما وشعر وقصة ورواية ، تعتبر بمقاييس الحضارة هي المقياس الذي تقاس به درجة التخلف أو التقدم الحضاري للشعوب وهو ليس مقياسا مستوردا من ثقافات أخرى ولكنه مقياس تعترف به الإنسانية كلها} وأقول... أنا أتفق معك بأن الحياة ملوّنة وعلينا أن نراها كذلك. حياة البشر يجب أن تشمل كل ما ذكرته وأكثر من أجل أن تكون جديرة بالحياة والعيش فيها. نعم إن التقدّم والإنتقال إلى الأمام لايمكن له من أن يتأتى بفصل مكونات الحياة عن بعضها والقيام بإنتقاء  أجزاء منها؛ ولكن لماذا نلوم الشعب الليبي على ذلك الشح في ثقافته، أوعلى عدم تنوعّها من حيث المبدأ؟. أليست هذه تعتبر مسئوليتك ومسئوليتي، ومسئولية كل المتعلمين والمثقفين في البلد؟. هل قمنا نحن بما يجب؟.

ثم... لماذا نحن نلوم أنفسنا ونترك من بيده الحل والفصل؟. هل يعتبر العقيد معمر القذافي (حاكم ليبيا المطلق) من هواة المسرح، أو الموسيقى، أو الفنون، أو حتى الرياضه؟. إرجع إلى كتابه الأخضر لتعرف عمق تفكير هذا الرجل وأبعاد ثقافته. حاول أن تقرأ مؤلفاته الأخرى التي تنبذ المدنية وتحتقرها وتدعو إلى البدونة والعودة إلى الصحراء بما يشمل ذلك من دعوة إلى نبذ كل ما هو متحضّر بل والسخرية منه. حاول يا حضرة الدكتور أن تستمع إلى بعض آحاديث العقيد معمر القذافي للشعب الليبي عبر الأربعين سنة الماضية لتتكشّف على أسباب عزوف الليبيين عن تلك الفنون التي ذكرتها. أليس هو العقيد معمر القذافي من هاجم إضاءة المدن، وهاجم فكرة بناء الطرق الحديثة ذات المسارات المتعددة، والمباني العالية الأنيقه؛ فما بالك بالمسارح والميادين الواسعة؟. متى رأينا العقيد معمر القذافي يحضر معرضا واحدا لرسوم الأطفال، أو مهرجاناتهم الموسيقيه، أو نشاطاتهم الرياضية؟....أعطني مثلا واحدا لذلك. أليس هو العقيد معمر القذافي من ترك فخامة القصور ورحابة مطاعمها ليدير شئون الدولة من خيمة تعيسه تعكس تفكيره الذي يشد إلى الوراء. أليس هو العقيد معمر القذافي حاكم ليبيا والمثل الذي يقتدي به الليبيون من يرتدي تلك الأسمال الرثّة، والتلابيب الأفريقيه التي تقزز النفس؟. أليس هو العقيد معمر القذافي حاكم الشعب وقدوتهم وهو يجلس بين أولئك "ملوك" القبائل الأفريقيه الضاربة في الجهل والتخلّف والذين مازالوا يعتمدون على السحر والكتاتيب لتسيير أمور قبائلهم وهو مزهوّا بنفسه وكأنه حقق فتحا عظيما؟.

متى قدّم العقيد معمر القذافي بإعتباره رأس الدولة جوائز تقديرية لقصاصّين، أو شعراء، أو موسيقيين، أو مطربين، أو مؤلفين، أو كتّاب فن ومسرح اللهم إلا أن يكون ذلك مدحا فيه وفي نظامه المتعفن. ألم يقوم إبن عم العقيد (وزير التعليم العالي) بتجميع الآلات الموسيقية من أجل حرقها؟. أليس هو ( وزير التعليم العالي) من ألغى تعليم اللغات الحديثة مثل الإنجليزية والفرنسيه ليفرض على الشباب الليبي تعلّم السواحيليه والبانتو وغيرها من لهجات أفريقيا المتخلّفة؟. هل تنتظر من شعب هذا حاله بأن يبدع ويهتم بالفنون؟.

من حقك أن تقول بأن تعلّم مختلف أنواع الفنون يقع من ضمن مبادرات الشعب، والمساعي الذاتيه البعيدة عن نظام الدولة وأروقة الحكم.. وردّي على ذلك هو حال الثقافة في مصر التي قضيت فيها أنت جزءا كبيرا من حياتك، ومن المؤكّد بأنك تعرف عنها أكثر مما أحاول التنويه إليه هنا. كيف كان حال الحياة الثقافيه في مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكيف هي الآن.. بل ومنذ عهد أنور السادات؟. لماذا إنتعش كل شئ في مصر في عهد جمال عبد الناصر وإنتكس في عهد كل من جاء من بعده؟.

تعرّض جمال عبد الناصر إلى الكثير من المؤامرات، والإنتكاسات السياسيه، والحروب، والحصار الإقتصادي والثقافي؛ لكنه تجاوز كل ذلك بكل نجاح وتوفيق رغم هزيمة يونيو المرة. كيف إستطاع جمال عبد الناصر أن يبني دولة بكل المعايير والمفاهيم بما في ذلك نهضة ثقافية تعتبر بكل المقاييس عظيمة وشامخة... بل إن أثرها مازال بين أيدينا الآن بدون أن يتأثر ذلك الإرث بعوامل الزمن، وكذلك عوامل طمس الثقافة العربيه التي نراها الآن مستفحلة في كل بقعة في مصر، وفي بقية بلاد العرب.

أليس هو عبد الناصر من سمح للعقل المصري والعربي بأن يبدع بدون حدود، ولا شروط؟. أليس هو عبد الناصر من حقق السعادة للشعب المصري، والكرامة للشعب العربي؟. أليس هو جمال عبد الناصر من غرس فينا حب الإنتماء لعروبتنا، والإعتزاز بثقافتنا... ثم طبعا بأنفسنا؟.

عندما حقق لنا جمال عبد الناصر البيئة الملائمة للإبداع أبدعنا، وعندما أعطانا حريتنا حققنا الكثير وفي جميع مناحي الحياة. الإنسان المظلوم لايبدع، والإنسان الجائع لايبحث عن الرفاهية، والإنسان المكبوت لايفكّر في الغد لأن مشاغله اليوميه وعذاباته تبعده عن كل شئ فيه قيمة حياتيه غير توفير كسرة الخبز له ولأطفاله. تلك هي مصيبتنا يا أستاذ أحمد إبراهيم الفقيه.. إنه وضعنا المتأزّم، وإنه حالنا المأسوف عليه تحت نير هذا النظام البدائي المتخلّف الذي يعادي كل ما هو إنساني، وكل ما هو متحضّر.

وفي الختام... تظل مسئولية النهوض ببلادنا، وإنقاذها من هذا البلاء الذي تعاني منه مسئولية مناطة بنا نحن من نعتبر أنفسنا من المتعلمين والمثقفين؛ وعلينا أن نلوم أنفسنا قبل لوم أولئك الغلابه الذين يكدّون من أجل إيجاد كسرة الخبز لأطفالهم، أو البحث عن مكان يعالجون فيه مرضاهم. هؤلاء لهم مشاغلهم اليومية الملحة التي تبعدهم عن المكتبات، والمسارح، ودور السينما، ونوادي المثقفين؛ فما بالك بهم يبدعون. إننا نظلمهم، ونقسوا عليهم على حساب توجيه اللوم لأنفسنا لأننا بكل تجرّد أول من يلام... نحن من يجب أن نكون قوارب النجاة لهذا الوطن الذي نراه يغرق أمام أعيننا ولا نستطيع (أو لانريد) أن نحرّك ساكنا وكأن الذي يحدث في بلادنا لايعنينا.

الديكتاتوريات لا تبني دولة، ولا تؤسس لحضارة، ولا تحفل بمدنية، ولا تخطط للمستقبل؛ فكل ما يهم الديكتاتور هو نفسه وأسرته وكرسي الحكم... وتلك هي مصيبتنا التي وللأسف مازلنا لم نستوعب أبعادها المؤلمة بعد. 

مصطفى

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home