Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

الأربعاء 19 نوفمبر 2008

القذافي يهـرّج والمعـارضه تـتـفـرّج

د. مصطفى عبدالله

( القائد من يقود الشعب الى الأحسن، والحاكم من يحكم رغم كل شئ ؛ أما    الديكتاتور فهو من يفرض رأيه، ولا يستمع لغيره ويظن بأنه دائما على حق )

كتب السيد الدكتور "عبد الله جبريل" مقالا بعنوام (إخوتنا الأمناء المظلومون على كل حال ... كلمة صدق في حقهم يجب أن تقال ) ... وإنني أحييه على إهتمامه بقضايا بلادنا وأهلها، كما أنني أشكره على قول كلمة الحق؛ مع أنني ربما ـ لو سمح لي ـ سوف ألومه في جزئية أو إثنتين:

1ـ إصراره على نعت العقيد معمر القذافي ب "الأخ القائد"؛ ومع إحترامي لإختيار الدكتور عبد الله جبريل لعباراته بالطريقه التي يراها مناسبه، ومع فهمي ربما لوجهة نظره التي ربما يرى من خلالها بأن الكلام الهادئ المتزن قد يكون تأثيره على قناعات الغير الخاطئه، أو المشوشه ربما أكبر من ذلك الكلام "الإستفزازي" أو "المواجهي" وفي هذا قد يكون له الحق.

أنا شخصيا إختلف مع نعت العقيد معمر القذافي ب"الأخ"، وإختلف أيضا لنعته ب"القائد"؛ ذلك لأن معمر القذافي لم يحترم الإخوّه طيلة سنين حكمه الطويله، والممله.... فهو من ناحيه لم يحترم أي ليبي مطلقا، وظل ينظر الى الليبيين على أنهم "مطيه"، أو ربما "فريسة سهلة"، أو ربما "غنيمه"... ومهما كان تفكيره، ومهما كانت مشاعره تجاه الليبيين؛ فالمؤكّد أنه ظل يحتقر الليبيين، وخاصة الرجال منهم، وكان ينظر الى شرفهم، وكرامتهم على أنها مجرد "كماليات" ؛ بل إنه سبق له وأن تعدى على شرف الليبيين، وكرامتهم بغرض التمادي في تحقيرهم، والتلذذ بذلك نكاية في كل الرجال. لا أدري إن كان مبعث ذلك كله كان مقدار الحقد والكراهية الذان من الظاهر أنهما يعتبران من ظمن التركيبه النفسيه ( السيكلوجيه) لمعمر القذافي، أو أنه نتيجه لمرض نفساني يعاني منه العقيد معمر القذافي؛ لكن يظل من المؤكد بأن تصرف العقيد القذافي تجاه كل الليبيين منذ ندوة الفكر الثوري في عام 1971، وإلى يومنا هذا ؛لايمكن له أبدا أن يليق بإنسان في مرتية الأخ، أو القائد.

لماذا يصر معمر القذافي على حرمان كل المسئولين الليبيين في الدوله من ذكر أسمائهم في وسائل الإعلام عندما يشار الى أعمالهم، أو نشاطات وظيفيه يقومون بها؟. لماذ هذا الحقد، وهذه الكراهيه، وتلك العنجهيه، وذلك السقوط الأخلاقي؟. لماذا يصر العقيد القذافي على ذلك الإسلوب "الإقصائي في التعامل مع الآخرين، ولماذ هو يستثني من ذلك "الحظر" جميع أبنائه، ومن تبقى من أعضاء مجلس قيادة الثوره؟. لا إستطيع أن أجيب على ذلك التساؤل؛ وربما العقيد معمر القذافي نفسه هو من يحمل إجابة لذلك.

2ـ إصرار هؤلاء "أعضاء أمانة مؤتمر الشعب العام واللجنة الشعبية العامة" على البقاء في السلطه، والتشبث بها؛ رغم كل الإهانات التي كنت أخي العزيز قد أشرت إليها، وإهانات أخرى كثيره لم تذكرها في مقالك. في حديث القذافي أمام " أعضاء أمانة مؤتمر الشعب العام واللجنة الشعبية العامة" كان يتحدث عن الدكتور البغدادي المحمودي ويشير إليه بإصرار ب "الأخ البغدادي".. هل تظن بأن ذلك كان من باب التقارب الذي بينهما، أم أنه كان من باب التحقير، والتقليل، والإنكار المقصود؟. من يعرف سيكولوجية العقيد القذافي، وغروره، وتكبّره لايحار في تفسير مثل تلك التصرفات الهوجاء.

الناحيه الثانيه ، وفي نفس الإطار.. بالله عليك ـ لو كنت إطلعت على ذلك الحديث الذي هو موضع هذا النقاش ـ لكنت ربما خرجت بنتيجه ربما مختلفه، وإنطباع آخر؛ وخصة كيف كان أولئك "أعضاء أمانة مؤتمر الشعب العام واللجنة الشعبية العامة " الحاضرين في ذلك الإجتماع يتحدّثون مع العقيد القذافي؟. كان كل واحدا منهم عندما يطلب الإذن له بالحديث، ويعطى ذلك الإذن يتكلّم مثل "الزوجه المضطهده" بوجل، وتردد، وصوت خافت مثل الحريم؛ وكل تركيزه ينصب على بديهيه حسيه واحده تكمن في عدم إثارة حفيظة العقيد معمر القذافي حتى لايغضبه، أو يحسسه بالإمتعاض. هل ذلك هو موقف السياسي الذي يشغل وظيفة بمستوى رئيس الوزراء، أو وزير الإقتصاد، أو وزير التنميه، وغيرها من تلك المواقع "القياديه" في الدوله التي يتربع عليها أولئك الذين تفضّلت بالدفاع عنهم في مقالك المعتبر؟.

كان أولئك ( وأعني كل المتحدّثين بدون إستثناء) يغمزون بكل حياء وخجل ـ كمراهقه إبنة السته عشر ربيعا ـ من ناحية عدم رضاهم على تفكير العقيد القذافي بخصوص ما يسمى بتوزيع الثروه على الليبيين؛ لكنهم في المقابل يقرّون بأن تفكير القذافي هو الصواب، وعلى أنه هو المفكّر الذي يحترمون أرائه وأفكاره. نحن هنا يا ساده.. يا ليبيين، ويا ليبيات نتحدث عن مصير بلد، ومستقبل شعب بكامله يذر في مهب الريح لمجرد أن إنسان متصابئ يسمى معمر القذافي يريد بكل تهوّر ولا مبالاة أن يفرض أفكارا سمجه، وغير مسئوله على الليبيين، ويمنعهم من التعبير عن آرئهم. إننا أيها الإخوه، والأخوات ظلينا في أماكننا صامتين ونحن نتفرّج على بلادنا تتهاوى، وبنيتنا التحتيه تتبعثر، وخدماتنا الأساسيه تنزل للحضيض تدريجيا في كل يوم على مدار العقود الثلاثه الماضيه؛ ولم نحرّك ساكنا اللهم إلا ما كان منه متواضعا، وفي إطار محدود جدا.

قمنا بتكييف حياتنا بما يتوافق مع واقعنا، وإلتجأنا الى البلاد المجاوره لعلاج مرضانا حين عجزت بلادنا عن توفير الخدمات العلاجيه لنا؛ بما في ذلك الخدمات الأوليه البسيطه جدا. هؤلاء "الأمناء"، وأولئك "أعضاء مؤتمر الشعب العام" الذين يفترض أن لديهم حصانه برلمانيه تتيح لهم التحدث بكل حريه عن كل الأشياء التي يرون التحدث فيها بدون خوف، ولا خجل، ولا مجامله لأي كان؛ ولو كان في موقع رئيس الدوله. هل يملك الأمناء، وأعطاء مؤتمر الشعب العام "المنتخبين" من قبل الشعب حصانه برلمانيه، أو حماية قانونيه؟. بالطبع لايملك أي ليبي أية حصانه، ولا آمان في ليبيا فيما عدا العقيد معمر القذافي، وأبنائه، وبنته، وزوجته؛ وذلك هو الظلم الذي رضي به هؤلاء "المنتفعين" من أعضاء أمانة مؤتمر الشعب العام واللجنة الشعبية العامة؛ وبذلك فهم غير جديرون بأي إحترام من أبناء الشعب الليبي لهم كمسئولين؛ وإنما إحترامهم كبشر في أدميتهم فذلك يعد إلتزاما أخلاقيا يصب في معدننا كبشر، وكمسلمين.

القذافي يهرّج

أنا شخصيا لم إستمع الى حديث القذافي أمام أعضاء أمانة مؤتمر الشعب العام واللجنة الشعبية العامة، لكنني قرأت نصه كما ورد في جريدة "قورينا". وتبين لي جليا بأن العقيد القذافي لم يتعلم مطلقا من بقائه في الحكم طيلة ال 39 سنه الماضيه. العقيد القذافي ظل يفتقد الى التفكير السليم، مع إحتفاظه بالعقليه "الثوريه" التي لاتحسب أبدا. سبق للعقيد القذافي وأن تحدث من قبل، وفي أكثر من مناسبه عن "البراغماتيه"، وعلى ما أذكر أنه في إحدى المرات قال بأنه إنسان براغماتي، ودعى الى التفكير البراغماتي في إدارة شئون الدوله. البراغماتيه تعني "التصرّف المحسوب" ؛ والسؤال الجذري في هذا السياق هو: هل يتصرّف معمر القذافي بحسابات جديه، ومدروسه؛ أم أنه يتصرّف كثوري يؤمن بالتغيير المستمر، دون هدف معين.

هذا ما إستهل به العقيد القذافي حديثه :

{الآن لو بمقدورنا أن نتكلم في‮ ‬قضية الساعة‮ ‬،‮ ‬أهمها توزيع وتمليك الثروة للشعب. ألم تقولوا السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب‮ .. ‬أعتقد أن السلطة بيد الشعب إلى درجة أنه لا‮ ‬يريد أن‮ ‬يمارسها‮ .. ‬نركض وراءهم غير تعالوا مارسوا السلطة‬.. ‬قالوا‮ " ‬نعم‮ ‬،‮ ‬بعدين‮ ".‬ السلاح حتى هو نركض وراءهم ونقول لهم تعالوا احملوا السلاح‮ ‬،‮ ‬يقولون‮ " ‬لا‮ .. ‬لا‮ ‬،‮ ‬مشغولين لا نريد أن نتدرب على السلاح‮ .. ‮ ‬،‬الحمد لله حرب مافيش‮ ".‬ هذه السلطة والسلاح وهناك الثروة التي‮ ‬سنتكلم عنها‮ ‬،‮ ‬وماذا‮ ‬يترتب عليها بعد أن تستلم الناس الثروة‮ طبعا أنا لن أتكلم لا من ناحية السلطة التي‮ ‬هي‮ ‬في‮ ‬يد الشعب‮. لأنها ليست شأني‮ ‬،‮ ‬ولن أتكلم عن الإدارة التي‮ ‬هي‮ ‬شأنكم أنتم ليست لي‮ ‬علاقة بها هي‮ ‬أيضا‮ .‬ فأنا لا أتكلم عن الإدارة ولا عن السلطه، أنا أتكلم من ناحية الأيديولوجيا‮ "‬السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب‮".‬ نتكلم عن الكتاب الأخضر‮ . ‬ تكلمنا على السلطة بيد الشعب في‮ ‬المؤتمرات والكومونات‮ ‬،‮ ‬و"هاكم تكركروا فيهم ليها‮" ‬وهم لا‮ ‬يريدون أن‮ ‬يمارسوها‮ . السلاح هو أيضا‮ .. ‬يركوضون وراءهم لحمل السلاح‮ ‬،‮ ‬فيقولون‮ "‬لا،‮ ‬نحن متهنيين ولا داعي‮ ‬لحمل السلاح ‮‮ ..‬ باهي".‬ }‮.. إنتهى الإقتباس.

العقيد القذافي دائما يدعو الى تعميم الفوضى بين الناس لغاية في نفسه، وليس من أجل أن يؤدي ذلك مثلا الى تحسين أحوال الناس. القذافي يدعو الى تعميم الفوضي أعتقد وفق نظرية "خض الشكارة"؛ وهذه قصة قديمه معروفه. يقال بأن أحد الأباطره الصينيين قديما كان قد طلب من أحد حكماء عصره بأن يدله على طريقه تمكنه من ديمومة السيطره على الشعب.. فقال له الحكيم: خذ لديك كيسا (شكاره) وضع به مجموعه من الفئران الحيه، ثم أقفل فم الكيس، وأتركها على الأرض لليلة واحده. عندما تأتي اليها في اليوم التالي سوف لن تجد بداخلها فأرا واحدا.. لماذا؟. لأن الفئران سوف تتلهى بالكيس حتى تفتح فيه ثغورا تتسلل من خلالها الى خارج الكيس. سأل الإمبراطور ذلك الحكيم؛ وما العمل؟. قال الحكيم: إذا أردت أن تبقي كل الفئران في الكيس وإلى أي فترة شئت؛ فعليك أن لا تتركهم يستقرون؛ وحينها فلن يجدوا الوقت لفتح ثغور بالكيس، ومن ثم فسوف لن يخرجوا من الكيس حتى ولو إشتد بهم الجوع. إنهم قد يموتون من الجوع، لكنهم سوف يبقون في داخل الكيس.

قال الإمبراطور.. فهمت الفكره. خضّ "الشكاره" هو ما عمد العقيد القذافي على تنفيذه في ليبيا منذ عام 1969؟.

ظل العقيد القذافي يجرّب، ويجرّب، ويجرّب في ليبيا منذ الأسبوع الأول لإستيلائه على الحكم، وظل كذلك الى يومنا هذا بدون أن يكتسب أية خبره سياسيه، أو أن يتعلم من أخطائه. فليقل لي أي ليبيّ، أو ليبيه: كم كانت أطول مده إستقر فيها النظام الإداري في ليبيا على شكل معين، وثابت منذ عام 1969؟. وهل يذكرني أي ليبي، أو ليبيه كم كانت عدد المرات التي تغيرت فيها التشكيله الإداريه في ليبيا؛ منذ أيام المحافظات، والمتصرفيات، والبلديات ( نظام الحكم الإداري في العهد الملكي)، ومرورا بإلغاء المتصرفيات، والبقاء على الأشكال لأخرى؛ ثم المراقبات، ثم إستبدال نظام القبيله بنظام المحلّه، وبعدها الكومونات ( وهي مأخوذه من النظام الشيوعي "كوميونيزم")، ثم الشعبيات، والحبل مازال على الغارب. إلى أين أوصلتنا كل تلك التغييرات "الثوريه" التي كانت كلها فوقيه؛ وهي كانت دائما تبدأ بفكره إرتجاليه من العقيد القذافي تفرض على كل الليبيين؛ وتظل كذلك بدون مناقشه الى أن يزوره "الجن" في ليلة ما فيؤتيه ب"الإلهام" ليخرج علينا في اليوم التالي بفكره جديده يفرضها علينا كسابقاتها.. وهكذا.

المشكله الكبرى أن العقيد القذافي يظن بأنه مفكر، وصاحب نظريات فريده من نوعها، والمشكله الأكبر أن مرافقيه، والمحيطين به دائما يؤكدون ذلك الشعور في عقله، ويوهموه بأنه مفكر فريد، وبأن أفكاره غير مسبوقه، وبأن العالم في أمس الحاجه الى أفكاره "الإستباقيه".

هذه بعض الأمثله من ذلك اللقاء المعني في هذا المقال:

‮*- ‬أمين شؤون النقابات والاتحادات والروابط المهنية بموتمر الشعب العام‮ : ‬{ ربما أقول كلاماً‮ يختلف عن آراء البعض الأخرى‮ .
الذي‮ ‬نناقشه اليوم هو موضوع أيديولوجي‮ ‬يكمل الضلع الثالث للسلطة والثروة والسلاح‮ ‬،‮ وهذه الجماهيرية من الصعب إقامتها بعقلية حكومية‮ ‬،‮ ‬مثلما قلت لنا‮ ‬،‮ ‬أو علمتنا‮}... إنتهى الإفتباس.‬

‮*- ‬الأمين المساعد للجنة الشعبية العامة‮ :{ ‬بسم الله‮
. مساء الخير‮ ‬يا أخ القائد والحمد لله على سلامة الوصول‮ . ‬
الأخ القائد‮ ‬في‮ ‬مقام مثل هذا لابد أن نكون صادقين مع حضرتك ومع الله سبحانه وتعالى ومع أنفسنا ومع أهلنا‮ .‬ أولا أنا لا أتوقع أن الوضع الذي‮ ‬عندنا الآن نتيجة للظروف المعينة التي‮ ‬مررنا بها‮ ‬،‮ من السهل أن نحله بالفكرة‮ ‬،‮ ‬رغم أن المشهد الدولي‮ يؤيد فكرتك مائه في المائة‬،‮ ‬والمشهد المحلي‮ ‬معك مائة في‮ ‬المائة‬،‮ ‬وما وصلت له‮ التجارب الإنسانية السابقة كلها تؤيد هذا التوجه بدون شك أبداً‮ . ‮. ‬ولعل آخر دليل وجود خبراء العالم في‮ ‬الاقتصاد والإدارة الذين كانوا عندك هنا‮ ‬وأيدوا ما ذهبت إليه‮،‮ ‬والعالم كله آت إليه ولكن بتعبيرات مختلفة طبعا هناك الذي‮ ‬حتى يتحاشى أن‮ ‬يقول إن هذه من الكتاب الأخضر‮ . ‬ ‬النظرية الثالثة العالمية .... هذا طبعا لا‮ ‬يوجد فيه شك‮ .. ‬حقيقة لا فيها تزييف ولا فيها تزيين للمسألة}.. إنتهى الإقتباس.‮

‮*- ‬أمين اللجنة الشعبية العامة للاقتصاد‮ :{ ‬بسم الله الرحمن الرحيم‮.‬
مساء الخير الأخ القائد‮ .‬
موضوع توزيع الثروة موضوع مهم وفكرة رائدة‮}... إنتهى الإقتباس. ‬ ‮

المعارضه تتفرّج

إذا ذهبنا الى أثيوبيا، أو الصومال وسألنا أحد الأطفال هناك بأن يطلب شيئا ما مهما كان؛ ووعدناه بتلبية طلبه له.. ماذا سيطلب ذلك الطفل البرئ؟. قطعه من الخبز يسد بها رمقه.

وإذا ذهبنا الى ألمانيا، السويد، فنلندا، أو الولايات المتحده وقابلنا أحد الأطفال، وفي نفس العمر ثم عرضنا عليه أن نستجيب لأي طلب يطلبه.. ماذا سيطلب ذلك الطفل البرئ أيضا؟. ربما أخر لعبه لجهازه الصغير المسمى ننتيندو د.س !!.

من هذين المثلين نرى أن حلم الإنسان، وطلباته تتناسب مع مستواه الثقافي، الحضاري، وفوق كل شئ .. مع مقدار، ونوعية المتوفّر له.

المعارضه في العالم الغربي المتحضّر تقارع الحكومه بكل قوة، وتنافسها في كل شئ طارحة بدائل أكثر تشويقا للناخبين. في بلادنا العربيه تحلم المعارضه ربما بكتابة مقال محتشم في جريده يوميه يبدأ عادة بتقديم المديح لرئيس الدوله الذي يعارضه نفس الشخص. أحلام المعارضه في بلادنا سقفها منخفض يلامس الأرض، ومع ذلك تشم رائحة الخوف والتردد، وربما رائحة المجاملات للحكومه عند التحدث عن أية قضيه تهم الوطن... لماذا؟.

عندما يسجن المواطن في ليبيا مثلا يوضع في سجن جماعي، أو إنفرادي لا يهم كثيرا؛ لكنه يقبع في ذلك السجن لمدة عام أو ربما عامين؛ وقد يزيد عن ذلك كثيرا. عندما يحالف الحظ ذلك السجين البرئ، ويأتي إليه من يطلق سراحه... يجري فرحا سعيدا الى بيته، وأهله؛ ولا يفكر مطلقا بالسؤال عن أسباب سجنه؛ مع معرفته الكامله بأنه كان إنسانا بريئا وجد في المكان الغلط، وفي الزمن الغلط.

لو أننا ذهبنا الى ذلك الشخص ونصحناه بأن يطالب بالتحقيق في أسباب سجنه؛ فإنه أولا سوف يرتاب من نصيحتنا، وثانيا إنه لن يقوم بتنفيذها مطلقا لأنه لايريد أن يفتح ذلك الملف ثانية. السؤال هو: ماذا لو أننا وجدنا شخصا مغامرا إستمع الى نصيحتنا، وقرر الذهاب للمطالبه بحقه؟. سوف يكون أول رد من الجهة المسئوله التي يقصدها ذلك الشخص هو: أحمد الله على أنهم أطلقوا صراحك.. نحن نعرف أناسا مثلك مازالوا في السجن، ولا يعرفون مطلقا متى يتم الإفراج عنهم مع أنهم أبرياء. ذلك هو مقدار الحريه المتاحه لنا، وذلك هو سقف أحلامنا وللأسف.

في بعض البلاد العربيه التي يوجد بها قدر من الحريه مثل مصر، تونس، المغرب، الكويت، وحتى الأردن نجد أن أحزاب المعارضه ضعيفه، ومهمّشه بشكل يدعو للرثاء. هل أن كل ذلك كان بسبب المنع، أم أن هناك عامل آخر إسمه "غياب روح المثابره"، أو ربما "إختيار الطريق الأكثر أمانا".

أحزاب المعارضه المصريه.. لماذا فشلت في إستقطاب الجماهير وراءها. لماذا عجزت كل أحزاب المعارضه في مصر عن تقديم "القائد البديل"؟. يوجد في مصر كما ذكرت قدر لابأس به من الحريه، وتجد للمعارضه المصريه صحافتها، وإذاعاتها، ولها حرية الدعاية بما يكفي.. لماذ فشلت تلك المعارضه عن إيجاد شخصيه "كاريزماتيه" واحده بإمكانها جذب جماهير الشعب المصري وراءها، ومن ثم الترشح بقوة الزخم الشعبي ضد الرئيس المصري حسني مبارك؛ بدل أن يترك في الميدان وحيدا يعيد إنتخاب نفسه متى شاء، والى مالا نهايه؛ مع ضمانه شبه أكيده بأنه سوف يفوز في كل إنتخاب يكون هو مرشحا من خلاله. هل هي بالفعل سيطرة الحاكم على كل مقاليد الدوله وحدها المسئوله عن غياب الخصم الإنتخابي القوي؟. لا أظن ذلك أبدا.

جميع المعارضات العربيه المهاجره تعتبر ضعيفه جدا؛ وإلى درجة لا تقلق، أو تخيف الحكام الجبابره رغم كراهية الشعب لهم. المعارضه العراقيه في عهد صدام حسين مثلا ربما تعتبر مثالا نموذجيا لهذا التصوّر. ظلّت المعارضه العراقيه ضعيفه، ومتناحره مع بعضها الى أن جاءهم الإنجليز وحاولوا التوفيق بينهم. أوجدت محاولات الإنجليز أرضيه مشتركه بين المعارضين العراقيين إستفادت منها الولايات المتحده الأمريكيه التي سارعت لإستغلال الموقف لصالحها فقامت بدعم المعارضه العراقيه ماليّا؛ وبعدها سيطرت على قرارها، وتحكمت في توجّهاتها؛ ومن ثم إستخدمتها ـ أي المعارضه العراقيه ـ كبيادق مفيده حين أقدمت الولايات المتحده على تنفيذ برنامجها الإستراتيجي في العراق؛ وحدث بعدها ما حدث.

المعارضه الليبيه في الخارج بدأت في آواخر السبعينات، وتنامت مع بداية الثمانينات؛ وكانت الى حد ما قويه بذلك القدر؛ حيث أنها إمتلكت الثقه بالنفس التي أدت بها الى الهجوم على مقر قيادة العقيد القذافي في باب العزيزيه في 8 مايو عام 1984؛ ولولا غياب البعد الشعبي الداخلي، وعملية الإختراق التي سبقت ذلك الهجوم لكان نظام معمر القذافي قد رمي في مزابل التاريخ. لماذا إذا المعارضه الليبيه اليوم تعتبر في أضعف قدراتها النضاليه منذ أول أيام إنطلاقتها، ولماذا تم إختراقها، وتهميشها من قبل نظام حكم العقيد القذافي الى ذلك القدر الذي يقترب جدا من تحييدها؟. هذا السؤال بالتأكيد يحتاج الى إجابة شافيه، وبحثا معمقا يجب أن تتوفرفيه الكثير من المكاشفات، والصراحه.. وربما أيضا "تأنيب الذات".

أنا شخصيا ـ ربما كمراقب ـ أظن بأن زمن المعارضه الليبيه "الذهبي" كان قد مضى، وولّى؛ وربما كان عقد الثمانينات يعتبر بكل صدق من أنجح أيام المعارضه الليبيه على الإطلاق؛ حين كانت "الجبهة الوطنيه لإنفاذ ليبيا" ربما هي وحدها من كان يقود، ويقوم بكل عمليات المقاومه السلميه، والعسكريه ضد نظام معمر القذافي؛ ولكن يبدو أن الجبهة الوطنيه لإنقاذ ليبيا كان قد تم إختراقها، وإحداث الفتنه بين أعضائها بما في ذلك المؤسسين، وما تبع ذلك من إنفصال وجوه بارزه عنها، والتنكر لها، ثم محاربتها وبكل شراسه من أمثال الدكتور يوسف شاكير, والسيد محمد قدري الخوجه، وغيرهما الكثير. من المؤكد أن الجبهة الوطنيه لإنقاذ ليبيا لم تعد كما كانت، ولم تعد تخيف العقيد القذافي لا من قريب، ولا من بعيد... ولكن ماذا عن بقية التنظيمات الليبيه المعارضه، والمعارضون المستقلون، وأولئك المؤسسون للمنظمات الأهليه المستقله التي تعنى بقضايا حقوق الإنسان، وكذلك التنظيمات الإجتماعيه المستقله تماما عن النظام الحاكم في ليبيا؟.

ما هو العمل؟

إن الذي يخطط له نظام العقيد القذافي في ليبيا الآن يتعبر من الأمور الخطيره، ودعوته لنشر الفوضى الهدامه في ليبيا ليعد جريمة كبرى في حق كل الليبيين؛ وإن الأشهر القليله القادمة سوف تكون حبلى بالتحولات الخطيره في بلادنا من قبل هذا "المعتوه" الذي يحتقر الليبيين، ويعمل جاهدا لتدمير آخر ما تبقى في ليبيا من أشكال الحكومه؛ حتى وإن حكمنا على أعضائها بأنهم أشباح تتحرك بلا إراده، وبلا مقدره.

لا أظن بأنه بخاف عن أحد منا على أن الفساد، والخراب، والغش، وسرقة المال العام أصبحت كلها علامات تجاريه مميزه في ليبيا، وبإعتراف النظام الحاكم نفسه؛ وهذا يتطلب منا جميعا بأن نتكاتف، ونتعاضد، ونتعاون مع بعض ( جميع الليبيين بكل معتقداتهم، وتقافتهم، وأعراقهم، وأصولهم، وألوانهم، وإنتماءاتهم) من أجل تغيير هذا الوضع المأساوي الذي يعمل بكل خبث ، وحقد لتدمير بلدنا، وطمس أية بارقة أمل في حياتنا، أو مستقبل أطفالنا. أننا والحال كذلك نقف اليوم جميعا كليبيين في مفترق الطرق، وعلينا أن نحدد طريق سيرنا، وأن نشرع جديا في العمل على توقيف هذا الطوفان الذي يتربص بنا.

ماذا علينا فعله؟

بدون شك أن المتوفر بأيدينا قليل، وقليل جدا؛ وأن إمكانياتنا متواضعه، ومقدرتنا ضعيفه؛ لكننا نستطيع أن نعمل الكثير لو كنا بالفعل صادقين مع أنفسنا، ومخلصين في مساعينا من أجل إنقاذ بلادنا من هذا المتخلّف الحقود.

علينا كلنا أن نتعاون، ونبحث جديا عن الوسائل التي تمكننا من مقاومة هذا الطوفان قبل أن تنطلق شرارته الأولى؛ لأنها لو إنتلقت فسوف تتحول الى سعير يأكل الأخضر واليابس، وسوف لن يكون أي منا في مأمن من تأثيراته، وأثاره.

أنا أقترح الآتي:

1ـ أن يتخلى جميع المعارضين (تنظيمات وأفراد) عن الآنانيه، وحب الذات.

2ـ أن تقوم جميع التنظيمات المتنافره بالإتصال ببعض من أجل المصالحه الجاده، والسريعه.

3ـ أن تقوم قيادات جميع التنظيمات المعارضه بكل أشكالها، وأنواعها بالإتصال ببعض بغرض التنسيق، وتقليل الحساسيات.

4ـ أن تقوم قيادات التنظيمات الليبيه المعارضه ـ بعد ترطيب الأجواء فيما بينها ـ بالإتفاق على الإجتماع، وتشكيل قيادة المعارضه الليبيه الجماعيه من بين رؤساء التنظيمات المعارضه، مع ممثلين عن المعارضين المستقلين، وكذلك المنظمات الأهليه المستقله( إجتماعيه، ثقافيه، وحقوق إنسان).

5ـ يقوم جميع رؤساء التنظيمات الليبيه المعارضه، وممثلوا الأطراف الأخرى كما ذكر عاليه بإنتخاب رئيسا للمعارضه الليبيه، وإنتخاب بقية الكوادر لتجمع المعارضه الليبيه الذي يعطى له إسما، ويحدد له علما، وشعارا يتفق عيها الجميع.

6ـ العمل على إطلاق محطه فضائيه ليبيه تعبر عن صوت المعارضه الليبيه الموحّده.

7ـ الإتفاق على ميثاق شرف وطني يحدد العلاقه بين الفرقاء المختلفين في تنظيم المعارضه الليبيه الموحد، وتخلق له أليات عمليه تهتم بتطبيق جميع التوصيات المتفق عليها.

8ـ يقوم التنطيم الموّحد بالإتصال بالجهات التي من الممكن الإستفاده منها ماليا، مع الإصرار على حرية القرار الليبي؛ وهناك عدد من دول العالم يمكنها أن تساعد المعارضه الليبيه ماديا بدون شروط مثل المملكه العربيه السعوديه، الكويت، الأردن، المغرب، وغيرها من دول العالم التي ترغب في التخلّص من معمر القذافي بأي ثمن.

9ـ عمل جسور قويه تربط الشعب الليبي في الداخل بإخوانه المعارضين في الخارج بغرض تشكيل خلايا معارضه وطنيه صادقه؛ تعمل تحت مظلة المعارضه الليبيه الموحده.

10ـ السعي الى تشكيل حكومه إنتقاليه تكون بمثابة النظام البديل الذي يكون جاهزا لملء الفراغ السياسي بمجرد حدوثه. هذه كانت مجرد إقتراحات، وإجتهادات فرديه؛ ولكن من المؤكد بأنه يوجد من بين الليبيين من يستطيع أن يطرح الأفضل، والأكثر قبولا.. فلا تبخلوا على بلدكم، ولا على أهلكم في هذا الوقت العصيب.

وفقنا الله جميعا....

مصطفى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home