Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

الأربعاء 18 فبراير 2009

رفيق ... ومفترق الطريق

د. مصطفى عـبدالله

( عندما يتصيّد الإنسان في الماء العكر عليه أن يتوقّع بأن تسحب صنّارته عفونة،
وعندما يتوه المسافر عليه أن يتوقّع بأنه قد لا يصل الى مبتغاه؛
والمنطق يقول أنه على التائه ألاّ يحاول إرشاد الآخرين حتى يثب هو الى رشده
)

الحياة سفر، ونحن فيها المسافرون. المسافر الحذق هو من يخطط لسفره قبل الشروع فيه؛ وكلما فكّر الإنسان في عمل ما ، وفي الوقت المناسب كلّما أعد له العدة، ورسم معالمه، ثم حدد النتيجه المرتقبه من ذلك العمل قبل الشروع فيه.

الحياة قطار سريع يسير في إتجاه واحد، والبشر في هذه الحياة هم ركاب ذلك القطار. هناك درجات محتلفه في هذا القطار المسافر؛ فمن الدرجه الأولى حيث الكراسي الوثيره، والسفر المريح... إلى الدرجه الثانيه حيث تجد مكانا تجلس عليه، ولكن ليس بالضروره أن تجد كرسيا وثيرا... المهم أنك إن حجزت مبكرا يمكنك أن تظمن مقعدا تستريح عليه. هناك أيضا من المسافرين من قد لا يجد مكانا شاغرا في القطار؛ وقد يضطر للسفر واقفا.... وهذا المسافر بطبيعة الحال قد يناله التعب والإجهاد؛ لكنه مع ذلك تشمله قائمة الركاب.... وفي نهاية المطاف يصل الى مبتغاه. هناك أيضا وفي بعض بلاد العالم مثل مصر، والهند، وبنغلاديش، والفليبين من لايحصل على مكان في داخل القطار؛ فيضطر للصعود الى أعلى القطار حيث يجد مكانا على سطحه، وهناك لا محاله تنعدم الراحه، وقد ينعدم الآمان.... ولكن مع كل ذلك يصل كل المسافرين الى وجهاتهم، ويبلغون مقاصدهم، ويصلون في نهاية المطاف إلى حيث ينوون.

الخلاصه.... هي أننا في قطار الحياة هذا قد لانتمتّع بنفس الخدمات، وقد لانحظى بنفس الإحترام، وقد نعرّض حياتنا للخطر؛ ولكن تظل النتيجه واحده وهي أنه من يرغب منا في أن ينتقل من هنا الى هناك عليه أن يلتحق بقطار الحياة قبل أن يغادر المكان؛ فليس المهم هو أين تركب في ذلك القطار، بل المهم هو أن تجد لك مكانا على متنه حتى لاينطلق بدونك. الإنسان الذي يدركه قطار الحياة ولا يعتليه فسوف يبقى حيث كان، وسوف يظل وحيدا لايجد من يهتم بحاله، ولا من ينتظره؛ بل قد تدوسه أقدام الركاب المتنافسين على مقعد في قطار الحياة... وقد ينفق حينها، وقد ينفق بعيدها؛ لكنه بالتأكيد سوف لن ينتقل من مكانه.

الإنسان ـ مهما طغى ـ يظل مخلوقا ضعيفا في مملكة الكون؛ وهذا المخلوق "الضعيف" من البديهي بأن يكون محدود القدرات، ضعيف التأثير في هذا العالم الرحب... لكنه بالطبع يمتلك المقدرة على التطور من أجل الوصول الى الأحسن. ليس من العيب في أن يكون أحدنا جاهلا ـ فكلنا تلاميذ في مدرسة الحياة ـ ولكن العيب في أن يجهل أحدنا بأنه جاهل. ليس العيب في أن تكون فقيرا، ولكن العيب في أن تتنكّر لذلك. الإعتراف بالذنب هو سيد الفضائل كما يقولون، فالذي يعترف بنواقصه يتوفّق في نهاية المطاف الى الآليه التي تمكنّه من العمل على إصلاحها.

بعضنا يظن بأن الحياة عبارة عن مسلّمات يجب علينا تبنّيها كما هي، وبعضنا يظن بأن الحياة تحدّ يحتاج الى المواجهة. أنا أؤمن بأن الحياة من حولنا تعتبر تحدّ علينا مواجهته، وبأننا لا بد وأن نكابد من أجل الوصول الى الأحسن. كل شئ في حياتنا يعتبر قابلا للنقاش، والتحرّي؛ ولا توجد في حياتنا "مسلّمات" علينا الأخذ بها ـ هكذا ـ بدون مناقشتها أو الخوض فيها.... حتى نقتنع بها؛ أو نقرّر تركها جانبا الى حين فهمها.

يؤمن المسيحيون بمسلّمات في دينهم يمنعون أنفسهم من الخوض فيها؛ لأنها تعتبر من "الثوابت المقدّسه" التي على المسيحيّ الإيمان بها كما هي، ويعتبرون ذلك جزءا من الإيمان (الكاثوليك على وجه الخصوص)؛ أما نحن المسلمون فإن الله تعالى أمرنا بالتدبّر في كل شئ .... راجع الرابط التالي:
http://www.libya-watanona.com/adab/mustafaa/ma07098a.htm

من هنا ربما يحق لي بأن أقول... أنه من حق كل إنسان في أن ينظر حوله، وأن يبحث في كل شئ يتعلّق بحياته؛ بما في ذلك ـ بدون شك ـ المعتقد الديني؛ وأظن بأن هذه تعتبر من بين شروط الإيمان الحقيقي... فليس أقل ـ والله ـ من أن يؤمن إنسان بمعتقد أمه وأبيه؛ دون البحث في ذلك المعتقد، والتبين من حقيقة ذلك الإعتقاد.

أنا وبكل صدق لست من المثابرين على قراءة كل ما يكتبه السيد "رفيق"، وبذلك فلا أجيز لنفسي التحدّث عن إعتقاده وتفكيره؛ ولكن شدّني ما كتبه السيد "رفيق" أخيرا... ومن خلال الصفحه الرئيسه في موضع الدكتور إبراهيم إغنيوه (ليبيا وطننا) بعنوان: إذا كان النبيذ حراما.. فماذا نفعـل بالأحاديث التي تـُحلـّـله؟! .

ذكر السيد "رفيق" وجهة نظره في هذا الشأن متعللا بكثير من الأحاديث "النبويه"، وهو ربما يحاول إيهامنا بأن دين الإسلام يعتبر مليئا بالمتناقضات؛ مما ربما يجعله دينا غير جدير بالإتبّاع.

أنا لا أريد أن أكيل السباب والشتائم على السيد "رفيق" كما فعل بعض الإخوه الذين كتبوا في شأنه، وشأن ما يرمي إليه؛ لأنني أؤمن بأنه من حق السيد "رفيق" في أن يكتب في أي موضوع شاء، وكيفما شاء.... لكنني فقط أتمنى منه بأن يتوخّى المصداقيه فيما يكتب، وأن يتحلّى بالنزاهة، والوسطيه في كل ما يكتب. من حق السيد "رفيق" أن ينتقد ما شاء، وكيفما شاء؛ ولكن أتمنى من السيد "رفيق" بأن يقلع عن محاولة "تكفيرنا" بدين الله الذي إرتضيناه عن قناعه وبعد تدبّر.

إستشهد السيد "رفيق" بكثير من الأحاديث "النبويه" ولم يكن من بينها سوى حديثا واحدا ورد في صحيح مسلم (كما قال) وكان هذا الحديث كما أورده في مقاله كالآتي: {( و حدثني ‏ ‏محمد بن المنهال الضرير ‏ ‏حدثنا ‏ ‏يزيد بن زريع ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حميد الطويل ‏ ‏عن ‏ ‏بكر بن عبد الله المزني ‏ ‏قال ‏ كنت جالسا مع ‏ ‏ابن عباس ‏ ‏عند ‏ ‏الكعبة ‏ ‏فأتاه أعرابي فقال ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون ‏ ‏النبيذ ‏ ‏أمن حاجة بكم أم من بخل فقال ‏ ‏ابن عباس ‏ ‏الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخل قدم النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏على ‏ ‏راحلته ‏ ‏وخلفه ‏ ‏أسامة ‏ ‏فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ ‏فشرب وسقى ‏ ‏فضله ‏ ‏أسامة ‏ ‏وقال ‏ ‏أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوا فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ) المصدر : صحيح مسلم }

نلاحظ هنا تسلسل الرواة في ذلك "الحديث" وكل ينقل عن آخر سبقه حتى ليخال إليك بأنك تستمع الى "خرّافة إمبسيسي"..... أما بقية الآحاديث التي أوردها في مقاله فكانت تتبع رواة آخرين بدءا بمسند أحمد، وسنن أبي داوود، والنسائي.

في البداية أود أن أقول إن كلام الله هو الفيصل، وأي حديث آخر إذا لم يتوافق مع كلام الله فهو "هراء" سواء نسب الى النبي محمد عليه السلام، أو نسب الى أي من الصحابه؛ وسواء رواه مسلم، أو رواه البخاري، أو رواه الزمخري. علينا أن نكون على بينه تامه في هذا الخصوص فالبخاري، ومسلم لم يكونا مع رسول الله في أيام حياته، ولم يعيشا في عصره، وقاما بتجميع تلك "الآحاديث" بعد ما يقارب من 230 سنه بعد وفاة الرسول، ولم يجدا شيئا مكتوابا؛ بل كل ما جمعوه كان عبارة عن بنات ألسنه... هذا من ناحية؛ ومن الناحية الأخرى فإن مصدر التشريع في الإسلام هو كتاب الله الذي لايدخله الباطل من بين يديه ولا خلفه، وكلّ حديث يشرح كتاب الله، ويفسّر المعضل فهمه منه يدخل في إطاره؛ أما ما يخالفه فالمرجع يظل أبدا هو كتاب الله.

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سورة المائدة؛ آية 90. ذلك هو كلام الله، ولا أظن بأن في ذلك تورية... فالآية واضحه، وهي سهلة الفهم لمن أراد أن يفهم، ويتعظ.

من المؤكّد بأن كلمة "نبيذ" لم ترد في القرآن جوازا أو تحريما لأنها لاتعني الخمر.

كل الآحاديث التي إستشهد بها السيد "رفيق" كانت تتحدّث عن النبيذ، ولم تتحدّث عن الخمر... هذا من ناحية؛ كما أن كلمة "نبيذ" في اللغه لا تعني الخمر، بل تعني "المنقوع".

النبيذ من نبذ؛ والنبذ تعني التخلّي عن الشئ.. أي طرحه جانبا، أو لفظه. فعندما يقوم شخص ما بنقع العنب، أو الشعير ( في هذا الإطار) فإنه حسب نيته سوف يستخدمه بعد نقعه ( أي قبل أن يتخمّر ويفسد) ـ وكما تنقع نساؤنا الأرز قبل طبخه، أو تبويخه ـ أما إذا تركه منقوعا لعدة أيام فإنه يتخمّر بفعل الجراثيم ( بكتيريا، فطر، ديدان، وما إليها) وعندها يصبح غير مستصاغ سواء للأكل أو للشرب؛ اللهم إلا لمن كانت له غايات أخرى غير الأكل والشرب الوظيفي... أي لسد الحاجه الطبيعيه.

كان الفرس أول من ترك النبيذ ( المنقوع من العنب والشعير) ليتخمّر، وبعد ذلك كانوا لا ينبذون نقعهم؛ بل كانوا يشربون خلاصته بغرض الإنتشاء؛ وكان هذا قبل الإسلام بمئات من السنين.... والذي حرّم في الإسلام هو الخمرـ وليس النبيذ ـ حتى لايختلط الأمر على ذي نية حسنه.

من المؤكّد بأن رسول الله عليه الصلاة والسلام ـ الذي جاء إلى البشر بكلام الله الموحى إليه وهو يحرّم الخمر ـ لم يكن راغبا، أو قاصدا شرب المنقوع وهو متخمّرا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن غنيّا، ولم يكن ملكا مرفّها حتى يبحث عن أبعد من سد الرمق.

مصطفى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home