Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

Monday, 15 October, 2007

ديموقراطيتهم.. وديموقراطيتنا

د. مصطفى عبدالله

( عندما يهزمك عدوك في أكثر من نزال، وعندما يتفوق عليك في أكثر من مجال، وعندما تقتنع في قرارة نفسك بحط الرحال؛ عـندها يكون لزاما عليك طرح هذا السؤال : ما هو السر في كل الأحوال ؟ )

كثيرا ما تساءلت عن السبب الكامن وراء هزائم العرب المتلاحقه أمام "إسرائيل"، وقلت في نفسي مستغربا .. كيف يمكن ل 15 مليون يهوديا في العالم من هزيمة 150 مليونا عربيا؛ وراءهم دعم ما لايقل عن 1000 مليون مسلم في العالم. بحثت عن الإجابه هنا وهناك وما وفقت في إيجاد تفسيرا منطقيا ولا واقعيا لذلك؛ والسبب بدون شك هو غياب مصادر المعرفه ومنها:
1) عدم وجود تحقيقات جديه في أسباب الهزيمه من قبل قادة البلاد العربيه سوى بعض الأراء والإجتهادات المتواضعه.
2) عدم إعتراف الأطراف العربيه التي شاركت مباشرة في الحرب مثل مصر، سوريه، والأردن بالهزيمه؛ وإنما إلتجأت هذه الدول وعلى رأسها مصر إلى إستخدام عبارات تقلل من وقع الهزيمه مثل "نكسة" في حرب 1967 المدمره،. وكذلك التركيز على الإنتصارات الأوليه في حرب أكتوبر 1973، وإستخلاص نتائج المعركه من أيامها الأولى بدل الإعتراف بالنتائج النهائيه والتي كانت كارثيه مثل محاصرة الجيش المصري الثالث في سيناء، والإختراق الى غرب قناة السويس، والتهديد بإحتلال القاهره، وأخيرا الى تلك المشاهد المخجله لإستسلام من تبقى من قادة الجيش المصري الثالث لقادة الجيش "الإسرائيلي" والتكتم على تلك المشاهد إعلاميا.
3) التهليل المبالغ فيه لنتائج حرب أكتوبر ( حرب رمضان "المجيده") بحيث غطت تلك الضجه الإعلاميه في مصر وما تبعها في سوريا والأردن ولكن بأقل مبالغه على توابع تلك الهزيمه من زيارة السادات "المخزيه" للقدس، وإتفاقات كامب ديفيد المهينه.
4) لم يكن وضع سيناء بعد إتفاقية كامب ديفيد ذا شأن في الإعلام المصري ـ ولا العربي ـ ؛ فالجميع كان يتحث عن "إنتصارات أكتوبر"، وبأنها كانت السبب في إعادة سيناء إلى أهلها.. لكنهم بالطبع لم يحدثونا عن الكيفيه التي عادت بها سيناء الى مصر، وعن الشروط الإسرائيليه المهينه للجيش والقياده السياسيه في مصر.
5) في عام 1956 كانت هناك هزيمة أخرى، لكنهم في تلك المره غطوا على الهزيمه بحجة العدوان الثلاثي، وبخروج إسرائيل من سيناء والسويس تحت الضغط الأمريكي حيث لم تشارك أمريكا مباشرة في تلك الحرب، وربما لم يعجبها التنازل عن إنتصار رخيص لكل من فرنسا وبريطانيا حيث يعد ذلك إنتصارا لأوروبا تغار منه أمريكا ولا تريده أن يسجل في التاريخ لصالحها؛ فوضعت أمريكا ثقلها فارضة على فرنسا، وبريطانيا، وإسرائيل الإنسحاب من الآراضي المصريه المحتله. الإعلام المصري، والرأي الرسمي في دوائر الحكومه المصريه كان يتحدث عن إنتصارات حرب السويس، وتأميم القناة، وهزيمة العدوان الثلاثي، لكنهم لم يحدثونا عن شروط إنسحاب تلك الدول، أو بمعنى آخر ثمن "دحر العدوان الثلاثي" ونحن هنا لانتحدث عن التضحيات في الأرواح من قبل الجيش المصري؛ فتلك تعتبر مبجله ومحترمه بغض النظر عن النتائج النهائيه للحرب.
إذا كان ما هو مسموحا بمعرفته للمواطن العربي لم يكن يتعدى ما أراده له الحاكم، فإن المواطن العربي لم يكن قد سمح له بمعرفة الحقيقه أي أنه تم خداعه والضحك عليه؛ ولكن ما يضير الحاكم في بلادنا طالما أنه إحتفظ بكرسي الحكم. ما يضير الحاكم في بلادنا طالما أن الجماهير العريضه تخرج للشوارع لتهلل بذلك "النصر".. ما يضير الحاكم إذا كان الشعب في بلادنا لايمتلك خاصية "البحث عن الحقيقه"... ما يضير الحاكم إذا كان الشعب لاتهمه مقاضاة الجناة؛ فالشعب يعرف من هو الجاني، ويعرف الجرم، ولكن المواطن في بلادنا من السهل عليه أن يتنازل عن حقه، بل عن كل حقوقه من أجل الإحتفاظ بحياته.
الخلاصه أننا لم نشهد تحقيقات لاعلنيه ولا سريه عن أسباب الهزائم في كل تلك الحروب؛ وذلك لأن الإعتراف بالهزيمه لم يحدث. فالذي لم يعترف بوجود شيئا ما لايمكنه أن يسمح بالتحقيق في نتائجه، أو البحث عن الأسباب التي أدت إليه.
الذي أعاد الى إهتماماتي حروب العرب مع إسرائيل هو خبر قرأته في محطة الجزيره الفضائيه يقول ( الشرطه الإسرائيليه تحقق مع أولمرت في قضية بيع بنك).. شدني هذا الخبر وأثار حفيظتي، مع أن لكل خبر أثر، ولكل حدث معنى؛ إلا أن هذا الخبر كان له وقعا خاصا. الذي شد إنتباهي في هذا الخبر ـ ونحن نعيش في عالم يعتبر فيه الحاكم عندنا من الخطوط الحمراء ـ هو أنه وفي هذا العالم نفسه، توجد شعوب جبلت على الإعتقاد بأن طاعة الحاكم ( ولي الأمر) هي من طاعة الله . الناس في بلادي تعلموا، وربما إعتقدوا أيضا مصدقين بأن أسلافنا كان يحكمهم سلطان أطلقوا عليه "أمير المؤمنين" وكان ذلك الحاكم ـ ولا يزال ـ يحكم "بأمر الله " (الحاكم بأمر الله، حفضه الله ورعاه؛ صاحب العصمه....) وكان ولا يزال ذلك الحاكم من الممنوع مناقشته فما بالك بمساءلته. كان الحاكم في بلادي وما يزال يعتبر من "المحرمات" أو "الخطوط الحمراء" حيث يستمد شرعيته من ( وأطيعوا ولي الأمر) كما عمل على إقناعنا به شيوخ الدين في بلادنا والذين هم بدورهم يعتبرون من "المحرمات" أيضا. فالحاكم في بلادنا، وكذا شيخ الدين (الفقيه) يعتبرون من الخطوط الحمراء. هكذا هي ثقافتنا، وذلك هو نمط حياتنا، وتلك هي حدود حريتنا فيما يتعلق بشئون الحكم في بلادنا حيث أقنعونا ، أو لنقل أجبرونا على الإعتقاد بأنها ـ أي شئون الحكم ـ ليست من شئوننا.. فنحن الرعيه؛ وما علينا إلا السير وراء الحاكم، كما تسير الخراف وراء الراعي.
الخبر الذي قرأته في الجزيره كان يتحدث عن أمور غريبه عن تفكيرنا، وربما "شاذه" عن معتقداتنا.. الشرطه تحقق مع رئيس الوزراء في قضيه تجاريه بسيطه جدا بالنسبه لمستوى التعاملات في الدوله، وأي دوله. إنها بكل بساطه عباره عن معامله تجاريه تقضي ببيع مصرف. نحن نسمع في عالمنا "النائم" عن صفقات شراء أسلحه تتجاوز الأربعين ألف مليون دولار، ونسمع عن عمولات لمصلحة فرد واحد تتجاوز الستة ألاف مليون دولار، ونسمع أيضا بأن المياه تضخ في آنابيب ليتم نقلها من جنوب البلاد الى شمالها ـ غصبا عنها ـ ويدفعون ثمنا لذلك يتجاوز الخمسه والعشرين ألف مليون دولار مع عمولات لانعرف عنها شيئا، ونسمع عن بيع البنيه التحتيه في بلادنا بأثمان وعمولات لانعرف عنها شيئا، ونعرف عن أراض تقتطع من وطننا لتباع بأثمان لاتعلن لنا، ولا يحق لنا معرفتها فما بالك بمناقشتها. نحن نسمع عن ألاف الملايين من الدولارات تهرب خارج دولنا ليتم "إستثمارها" في بلاد أخرى؛ لكننا لانعرف تحديدا ـ لا كما ولا كيفا ـ عن ماذا حدث لتلك المليارات. نحن في بلادنا لايحق لنا مناقشة أيا من مثل هذه الأمور، فما علينا إلا "الثقه" في ولي الأمر الذي إما أنه يحكم بالتفويض الإلهي ( الحكومات الوراثيه)، أو أنه يحكم بالشرعيه الثوريه ( الحكم الجماهيري).. نحن ملزمون بالإذعان لأمر الحاكم حيث أنه " يعرف أكثر مما نعرف"، وحيث أن "للحاكم حساباته"... هكذا يسير الحكم عندنا، وهكذا تدار شئون حياتنا.
الشرطه في "إسرائيل" تحقق مع رئيس وزراء دوله هي في حالة حرب مع جيرانها، وتعتبر مهدده بالإجتياح من قبل المحيطين بها في أية لحظه؛ وتحقق الشرطه في أية قضيه أمنيه كبرى؟. إنها قضية بيع مصرف صغير من مصارف الدوله، ولم يكن فيها رئيس الوزراء طرفا مباشرا اللهم إلا ما أشيع على أنه إستغل نفوذه كرئيس للوزراء من أجل تمرير عملية البيع.. هذه الدوله تحترم نفسها، وتحترم عقول شعبها، وفوق كل شئ تحترم القوانين التي سنّتها، وألزمت نفسها بالسير وفق هداها... إنها دولة ديموقراطيه وما علينا إلا الإعتراف بذلك.
نعم إسرائيل دوله عدوّه بالنسبه لنا، وستظل كذلك كما حدثنا التاريخ؛ لكن هذه الدوله تستحق منا الإحترام لأنها تحترم شعبها، ولا يهم القضاء فيها إلا العدل والإنصاف؛ ولو كان ذلك بحق الحاكم.. فلا يوجد شخص فوق القانون في البلاد الديموقراطيه.
لم يكن هذا الأمر من الأشياء الغريبه أو الشاذه في "إسرائيل"؛ حيث أن الشرطه سبق لها من قبل وأن حققت مع رئيس الدوله ـ وليس رئيس الوزراء فقط ـ من أجل قضية تحرش جنسي بسكرتيرته.. نعم إنها قضية تحرش جنسي بسكرتيرة .. ليس إلا أدت الى فقدان رئيس الدوله لكرسي الحكم.
كم أيها الساده من قضايا تحرش جنسي، وممارسات جنسيه، وإغتصابات، وشذوذ، وإنتهاكات أعراض تحدث في عالمنا العربي والإسلامي من قبل الحاكم، وأبنائه، وأصهاره، وأبناء عمومته، وأجهزة أمنه. كم من إنتهاكات ومعاملات تجاريه تحدث في بلادنا ولا من يدري، ولا من يسمع، ولا من يهتم؛ فعندما يكثر الفساد في بلد ما يتحول الخير الى شر، والشر الى خير، ويحتلظ الأمر على المواطن ؛ وكأننا ننتمي الى أمة لاتخجل من المخجل، أو أننا لم نعد نكترث لشرفنا وكرامتنا؟. هذا هو عالمنا الذي نعيش فيه، وذلك هو واقع حياتنا وللأسف.
في حرب "إسرائيل" العام الماضي مع حزب الله اللبناني قام الجيش الإسرائيلي بحرق كل ما طالته آلته العسكريه في ذلك البلد المسالم، وقتل الجيش الصهيوني ما إستطاع من البشر... توقفت الحرب وجيش "إسرائيل" يحتل أجزاء كبيره من جنوب لبنان؛ لكنهم لم يعتبروها إنتصارا؛ بل إنهم إعتبروها أمرا مخجلا، ونظروا إليها على أنها هزيمة لجيش لم يتعود على الهزائم. سارعت الصحافه "الإسرائيليه" الى إنتقاد قادة الجيش، ووزير الدفاع، ورئيس الوزراء... وبدأت التحقيقات، وسقطت الرؤوس إعتبارا من رئيس اركان الجيش، وإلى وزير الدفاع، وكادت أن تطال رئيس الوزراء نفسه. حدث كل ذلك في دوله لم تتعود على الهزائم ليس لأن جيشها قويا كما علمونا بأن نعتقد، وإنما لأن الجيش الخصم كان مجرد صور ورقيه، ونياشين، ورتب ومراتب عسكريه مفرغه من المحتوى... حقق اليهود وبكل حده في كل شئ لأنهم يريدون المضي الى الأمام بدون ترك الفرصه لتكرار مثل هذه الواقعه. إنهم يبحثون عن الأصلح لأنفسهم، ويعملون من أجل بلدهم؛ فالحاكم عندهم ليس من الخطوط الحمراء، ومساءلة الحاكم في ثقافتهم ليست من أجل التشهير به، أو التقليل من شأنه؛ وإنما الهدف هو الوصول الى الأحسن من أجل البلد ومن أجل الشعب؛ فالبلد عندهم فوق كل شئ، والحاكم بالنسبه لهم هو مجرد خادم للدوله والشعب، وليس العكس كما يحدث عندنا.... فهل نتتدبر؟.

مصطفى
________________________

* أتقدم بأخلص التعازي والمواساة للأخ سليم نصر الرقعي في وفاة والدته المغفور لها بإذن الله.
** أتقدم بالتهاني لجميع إخواننا وأخواتنا أبناء ليبيا بمناسبة عيد الفطر المبارك أعاده الله علينا جميعا، وعلى ليبيانا الحبيبه بالخير واليمن والبركات... وكل عام وأنتم بخير.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home