Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

الجمعة 15 مايو 2009

أزمة الصحة في ليبيا

د. مصطفى عبدالله

( عـندما تكون للمواطن قيمه في عقلية وتصرّف النظام الحاكم؛ توظّف جميع الخدمات من أجله فينتفع منها لأنها بالأساس تعنيه.... وعندما يُعنى المواطن بالخدمات يحسّ بقيمته في بلده، ويحسّ بقيمة بلده في كل تصرفاته وتفكيره )

تعليق على مقال الأستاذ الدكتور علي سعيد البرغثي :

أشكر الدكتور على سعيد البرغثي على مقاله الجيد بعنوان "أزمة النظام الصحي الليبي (نموذج البيئة الطاردة)" والذي نشره في منبر كل الليبيين الحر "ليبيا وطننا" بتاريخ 14 مايو 2009.

أشكره أيضا على إختياره لقطاع حيوي هام يتعلّق بحاضر المواطن الليبي، ومستقبل حياته وحياة أطفاله من بعده.

جميع دول العالم التي تعي وتحس بمواطنيها، وتفكّر من أجلهم على إعتبار أنهم بصدق أصحاب المصلحة الحقيقيه في البلد كل البلد ـ هذه البلاد بالضروره تسيّر دفة الحياة فيها حكومه منتخبه من مواطنيها بدون إستثناء أو تمايز؛ وهم أنفسهم من يستطيع أن يحاسب هذه الحكومه، ويقرر مصيرها بناء على أدائها، وصلاحيتها.

في بريطانيا ينشغل مجلس العموم (مجلس النواب)، وكذا مجلس اللوردات (مجلس الشيوخ) هذه الأيام ـ ومنذ إسبوعين كاملين ـ بقضية ربما تعتبر جانبيه (هامشيه) في كثير من دول العالم الأخرى.. تلك هي قضية "مصاريف نواب الشعب الإضافيه". الذي أثار هذه القضية في البداية هو تسرّب بعض المعلومات للصحافه بأن بعض النوّاب المتخبين من الشعب ربما يتحايلون على القانون ـ من أجل إستغلال ذلك القانون الذي يجيز لهم الحصول على نفقات إضافيه كعلاوة وظيفية بسبب تواجدهم في مقر البرلمان وهو العاصمه لندن ـ بغرض الإستحواذ على مستحقات إضافيه منتهجين في ذلك آساليب ملتويه تقوم أساسا على لي ذراع القانون نفسه الذي يحكمون تحت مظلّته.

لم تسارع الحكومه هنا لتكميم الأفواه، أو قفل الصحف، أو سجن الصحفيين؛ وإنما إستغلّت المعارضه هذا الوضع لتحقيق نقاط إضافيه تفيدها للإنتصار على الحكومه؛ مع العلم بأن هناك نواب من المعارضه ثبت لاحقا بأنهم متورطين هم أنفسهم في هذه الطبخه.

ظلت أغلب المناقشات الحاميه بين الحكومه والمعارضه تتمحور حول هذه القضيه التي قال عنها محلل صحفي إيطالي رفيع المستوى بأنها في بلده ـ إيطاليا ـ لم تعد قضية ذات شأن، بل هى ربما أصبحت شأنا لايهم المواطن الإيطالي مطلقا نظرا لأن السرقات والتجاوزات في إيطاليا ـ على حسب رأيه ـ تتناول قضايا رشاوي، وعمليات تحايل ضخمه تبدأ من رئيس الوزراء بيرلسكوني، وتنتهي الى أقل وزير أو مسئول في الحكومه. قال المحلل الإيطالي الشهير نفسه في مقابلة له مع "راديو 4 " في شبكة البي بي سي عندما سوئل عن رأيه في مناقشات البرلمان البريطاني طيلة هذه المده حول قضية المصاريف الإضافيه: أنا إستغرب بأن قضية تافهة مثل هذه من الممكن أن تشغل الحكومه والمعارضه بهذه الحده ولمدة إسبوعين كاملين... وقال: في إيطاليا يسرق بيرلسكوني، ويدخل في مضاربات ماليه، ويقبل رشاوي وعمولات بملايين اليوروات ولا أحد في البرلمان ينبس ببنت كلمه؛ فما بالك بقضية بعض التلاعب في مصاريف إضافيه مجازه أصلا لنواب الشعب ولاتتجاوز قيمتها المتوقعه المليون جنيه إسترليني !!.

القضيه التي يحتدم النقاش حولها في بريطانيا هذه الأيام بين الحكومه والمعارضه تتعلّق بتجاوزات وصلت لأحد أعضاء البرلمان 16,500 جنيه إسترليني أدت الى إقالته من مهامه الحكوميه من قبل رئيس الوزراء، وتحويله الى القضاء من أجل محاكمته. أربعه آخرين من نواب الشعب ( 1 من الحكومه، و3 من المعارضه) تمت إقالتهم من وظائفهم بسبب هذه "الفضيحه".... هذه البلد تتصدّر قائمة الشفافيه الدوليه التي تصنّف ليبيا في ذيلها.

وعوده الى قضية الخدمات الصحيه في ليبيا....

إن الذين يفكّرون في محاولة إصلاح قطاع معين في ليبيا إنما هم ـ رغم صدق نواياهم، ورغم جديتهم في هذا الشأن ـ يحاولون تغطية عين الشمس بغربال عساهم أن يفسحوا المجال لسارق ما كي يهرب بعيدا عن أعين الفضوليين. إن الخراب في ليبيا كلّي، وهو يشمل جميع مرافق الحياة في هذا البلد بدون إستثناء واحد؛ وأتمنى من كل قلبي بأن يختلف معي مواطن أو مسئول ليبي في هذا التعميم بشرط أن يتحلّى هذا الشخص أو الأشخاص بالمصداقية. نعم إن الخراب في ليبيا شامل، وهو بالتأكيد يشمل جميع مرافق الحياة؛ وهذا ربما يؤكد ما سبق وأن قاله مواطن ليبي بسيط في أول الثمانينات في مؤتمر شعبي في مدينة طرابلس عندما طلب الإذن له بالكلام، وحين أذن له بذلك قال: أنظروا الى هذه اللقّاحه ( العكّاز) من أين هي معوّجه؟... هذا ما أردت أن أقوله؛ السلام عليكم. ذلك المواطن الليبي البسيط، والذي لايحمل أية مفاهيم سياسيه من أي نوع غُيّب عن الأنظار منذ ذلك اليوم وإلى يومنا هذا، ومازالت زوجته وأطفاله لايعلمون عن مصيره، ولا أين هو الى يومنا هذا.

نعم... إن "العوج" هو في رأس النظام؛ وهو بالطبع ما قصده ذلك المواطن البسيط حين أشار الى عصاه التي كان يحملها في يده وهي عباره عن "لقّاحه" معوجّه من رأسها.

إذا أردنا أن نصلح الفساد الذي ينتشر في جميع أنحاء ليبيا، ويشمل جميع مرافق الحياة فيها فعلينا أن نكون صادقين مع أنفسنا، ومع ظمائرنا، ومع أهلنا، ومع ربنا. علينا أن نقول الحقيقه البديهية والتي نعرفها جميعا.... تلك الحقيقه تقول: إن الذي أفسد كل شئ في ليبيا هو العقيد معمر القذافي؛ أما إذا كان قد فعل ذلك عن قصد، أو عن جهل فأنا ـ وبكل صدق ـ لا إستطيع أن أجزم، مع تخميني بأن كل هذا التردّي الذي نعاني منه الآن كان بكل بسبب تفكير وسياسة العقيد معمر القذافي؛ لكنني لا أظن مطلقا بأنه كان قد فعل كل ذلك فعل عن قصد. أنا أظن بأن كل ما أصابنا طيلة العقود الأربعه الماضيه كان بسبب جهل العقيد معمر القذافي وعجزه المركّب في شئون الحكم؛ وتلك لعمري تعتبر وصمة عار لنا جميعا أبناء وبنات ليبيا لأن بلادنا بها من المتعلّمين، والمثقفين، والمفكّرين، والوطنيين ما يزيد عن حاجتها؛ لكنهم جميعا مهمّشين، أو مهجّرين بسبب تشبّث العقيد معمر القذافي بالحكم من ناحيه، وبسبب ظنّه بأنه مفكّر، وصاحب نظرية عالميه في الحكم.... تلك هي مصيبتنا الكبرى؛ بل ربما تلك هي أم مصائبنا.

ماذا لو أن العقيد القذافي أراد أن يصلح الأمور في ليبيا.. هل بإمكانه فعل ذلك؟.

نعم، وبكل تأكيد... وكل الليبيين يعرفون ذلك، ولا أظن بأنه يوجد في ليبيا شخص واحد لايقر بهذه الحقيقه وعن قناعه. لماذا إذا لايقدم العقيد معمر القذافي على إصلاح الأمور في ليبيا؟. ذلك ما يحيّرني فعلا.

عندما تضايق العقيد معمر القذافي من محطة "الليبيه الفضائيه" ذهب اليها في زياره مفاجئة، ولمدة 5 دقائق توقّفت على إثرها تلك المحطه عن البث، وتم ظمّها الى "هيئة إذاعات الجماهيريه" في لمحة بصر مع العلم بأن هذه الإذاعه يمتلكها إبنه سيف، وهي بدون شك لم ترى النور بادئ ذي بدء بدون حصولها على الضوء الأخضر من العقيد معمر القذافي نفسه؛ لكنه عندما أحس بأنها لاتسير وفق رغباته، أو حسب تفكيره قام بالإنقلاب عليها بدون إراقة دماء ( إنقلاب أبيض آخر !!!). العقيد القذافي بيده تغيير كل صغيرة وكبيرة في ليبيا لو أنه أراد ذلك؛ ومن المؤكّد بأنه يستطيع أن يفعل ذلك في زمن قياسي قصير نظرا لتحكّمه في كل شئ في هذا البلد المنكوب.

العقيد معمر القذافي يعرف جيدا بأن جميع أعضاء حكومته هم من السرّاق، والمنافقين؛ وهو يعرف أيضا بأن كل أعضاء المؤتمرات الشعبيه، وأعضاء اللجان الشعبيه، وأعضاء اللجان الثوريه، وأعضاء السلك الديبلوماسي، ومدراء المصالح الحكوميه بما فيها المصارف، والشركات، والهيئات الإستثماريه هم جميعهم من بين أولئك الذين تم فرزهم من قبله شخصيا، أو من قبل أكبر المقرّبين لديه وبذلك تم ترشيحهم لشغل هذه الآماكن؛ ولو لم يرضى العقيد القذافي عن تصرّفات أيّ منهم لما بقى في موقعه دقيقة واحده. إذاً هؤلاء "الفاسدين" كما نعتهم العقيد القذافي في خطابات وكلمات متلفزه.... لو لم يكن براض عنهم لما بقوا في أماكنهم ووظائفهم لحظة واحده.

كنت في نقاش فكري مع أحد المثقفين الليبيين عن الوضع في ليبيا، وكنا بالطبع نحاول البحث عن البديل للوضع الراهن؛ فقال لي: وما هو العمل إذا كلّفنا أي ليبي بالعمل في وظيفة ما فإذا به يتحوّل الى سارق، وكاذب، ومنافق. قال: هذه هي ليبيا، وذلك هو الشعب الليبي وللأسف. قال بأن الحل الوحيد الذي يمكن به تغيير الأحوال في ليبيا هو أن نفعل كما فعل أهل الخليج ( الإمارات، الكويت، عمان، والبقيه)؛ أي أننا نقوم بطرح مناقصات عالميه مفتوحه لجميع قطاعات الخدمات مثل الصحه، والتعليم، والمواصلات، والكهرباء، وبقية الخدمات على نسق "المقاوله" المتعارف عليه في الشركات العالميه التي يكلّف بإدارة أعمالها الأصلح بغض النظر عن لونه، أو جنسه، أو معتقداته الدينيه، أو إنتماءاته الثقافيه والفكريه. المهم أن تتوفّر لدى ذلك الشخص كل الشروط الموضوعه سلفا لشغر تلك الوظيفه؛ وبعدها نراقبه، ونحاسبه حسب المعايير المتفق عليها... وإذا ثبت جنوحه تتم محاسبته وفق القانون، وإذا إقتضى الأمر عزله وإسناد مهامه الى من هو أصلح منه يكون ذلك.... وأضاف: بتلك الطريقه نظمن تحسين الأداء، ونتخلّص من الفساد، وتنتقل بالبلاد الى الأمام كما حدث في دولة الإمارات العربيه المتحده مثلا.

أنا لم إتفق معه في تلك الرؤيه؛ لكنني بالطبع لم أحكم بمنطق الخطأ والصواب في مثل هذه الحالات بقدر إستغرابي من بلوغ اليأس بنا الى هذه الدرجه. ليبيا بها 6 مليون إنسان.. كم من هؤلاء من يحملون مؤهلات علميه ، وتخصصيه رفيعه، وكم من هؤلاء من ما زال يحتفظ بكرامته وعزة نفسه، وكم من الليبيين من مازال يستهجن، ويتحسس من الإستحواذ على أموال الغير بغير حق ؟. هل بلغ بنا الطمع والجشع الى هذا الحد؟. هل بصدق لايوجد في ليبيا من أهلها من يخاف الله؟. هل إنتشر وباء "الآنانيه" و"حب الذات" إلى كل بيت في ليبيا؟. هل لايوجد من بين الليبيين من يتعفف عن السرقه، وأكل حق الغير بغير حق؟.

لا، وألف لا ... مازال في بلادنا أناس أتقياء، وبشر يخافون الله عن حق وحقيقه؛ أما هؤلاء الذين نراهم، ونعرف عنهم فهم حثالة المجتمع، وما كانوا ليصلوا الى هذه الوظائف، أو يشغلوا تلك المصالح الحكوميه لولا رضى العقيد القذافي عن أفعالهم. علينا أن نكون واضحين، وصادقين في هذا الشأن إذا كنا بصدق نبحث عن مخرج لمآزقنا.

ليبيا غنيه بأهلها، وأهل ليبيا قادرين على أن ينهظوا بكل شئ فيها لو أنهم تم تمكينهم من ذلك؛ ولكن لماذا أيها الليبيون والليبيات ننتظر حتى يسمح لنا بإستلام زمام الأمور في بلادنا، وممن ننتظر الإذن؟.

علينا أيها الإخوه ـ يا أبناء وبنات ليبيا ـ أن ننهض من نومتنا العميقه التي طال مداها. علينا أيها الإخوه أن نقولها بكل قوه: كفايه... كفايه... كفايه.

العقيد معمر القذافي هو من أفسد كل شئ في ليبيا، وعليه أن يفك عنا. على العقيد معمر القذافي أن يتركنا لحالنا ونحن سوف نقوم بتطهير بلادنا من هؤلاء السرّاق والمنافقين. نحن لسنا في حاجه الى العقيد معمر القذافي، ولسنا في حاجه الى أبنائه، ولا إلى لجانه الثوريه، ولا إلى كتابه الأخضر، ولا إلى نظرياته. نحن نستطيع أن نحكم بلادنا بلا نظريات، ولا مؤتمرات شعبيه، ولا ملك ملوك.

نحن أبناء وبنات ليبيا بمقدورنا أن نخرج من بيننا من هو بقادر على إعادة قطار الحياة في ليبيانا الى سكته التي زاغ عنها؛ وبإمكاننا بعدها بأن نقود ذلك القطار الى الوجهة التي نريد.. وهي بدون أدنى شك توفير خدمات الصحه والتعليم والضمان الإجتماعي لكل فرد في ليبيانا الحبيبه بدون تمييز أو إستثناء..... وهي إعادة البسمه لكل الشفاه، وإعادة الكرامه لكل من إفتقدها.

فكما أنك لاتستطيع أن تزرع ورده في صحراء قاحله، وتحافظ على نمائها ونظارتها؛ فإنك حتما لاتستطيع أن تصلح الخدمات الصحيه في بلد ينخر فيه الفساد في كل مكان، وتتحكم فيه حثالة من الحقراء الذين لاتهمهم إلا مصالحهم، ولا يستطيعون العيش بدون الإستحواذ على حقوق الغير. لايمكن لأحدنا بأن يذهب الى الخمّارات، ويضاجع العاهرات ثم يحافظ على أداء الصلوات.... تلك متناقضات لايمكنها أن تجتمع وتؤدّي الى نتيجة؛ لأنها عكس نواميس الحياة.

مصطفى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home