Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Belhaj
الكاتب الليبي د. محمد بالحاج (مصطفى)

الاحد 15 مايو 2011

التفكير الإستباقي

د. محمد بالحاج

( حين تتغلّب العاطفة على العقل يفسد العمل، وحين يتجرّد الإنسان من العواطف يتحوّل إلى حيوان كاسر. إن سر النجاح والتقدّم إلى الأمام يكمن في التوفيق بين الإثنتين.... وتلك تعرف ب "الواقعية" أو "البراغماتية" والتي تعني في أبسط معانيها حساب الخسارة والربح في كل نقلة وفي كل فعل؛ فإن كان الربح أكثر من الخسارة ينتقل الإنسان إلى الأمام، وإن كانت الخسارة أكثر من الربح يحدث النكوص.... أما إذا تعادلت الإثنتين فذلك يعني المراوحة في نفس المكان أو بمعنى آخر "الجمود")  

إن أهم ما يميّز الأنظمة الشمولية هو تسلّط الفرد على كل شئ في الدولة، وهذا الفرد يحكم بأمره ولايستمع إلى الآخرين. الأنظمة الديكتاتورية تبدو في ظاهرها قوية متماسكة؛ لكنها في الحقيقة هي أنظمة "عاجية" برّاقة تشيّد على أسس واهية تتساقط أركانها بمجرد تعرّضها لأول إختبارجدّي هادف.

الأنظمة الديكتاتورية يسيّرها في العادة مجموعة من البشر تربطهم جميعا مصالح مشتركة وهي في أغلب الأحيان تتركّز أساسا على خدمة أهداف شخصية يغلب عليها طابع الآنانية وحب الذات..... هذه المجموعة من البشر قد تطلق على نفسها حزبا، أو رابطة، أو تنظيما، أو أنها ربما تتستّر وراء أسماء أخرى حسب الظروف ومقتضى الحال.

قد يبدأ العمل في مثل هذه التكتلات عند تأسيسها جماعيا طالما أن كل أفراد الجماعة يشتركون في التفكير والأهداف والغايات؛ ولكن مع مرور الوقت تتضارب المصالح وتبدأ الرغبات الفردية في التمايز بين الأفراد، ويعتبر كل فرد مع مرور الوقت بأنه أكثر أهمية من غيره، أو على أنه ربما يتوفّر على ميزات ذهنية أو فردية تختلف عن الآخرين فتكبر الآنانية في عقول الأفراد، ويبدا التنافس الغير معلن في أول الآمر لكنه ما يلبث أن يخرج على السطح فيعمد الأقوى إلى إسكات الأضعف ولو أدى ذلك إلى التخلّص منه بوسيلة ما وهي عادة ما تكون "تصفية جسدية" بهدف إخفاء أثار الصراع حتى لايشعر بها المراقبون عن بعد؛ لكن القريبون عادة يعلمون بكل بواطن الأمور غير أنهم لايكترثون لها طالما أن مصالحهم لم تتأثّر.

يتواصل الصراع بين هؤلاء الأفراد أو الجماعات، وتتكوّن الشلل في داخل التنظيم والتي هي بدورها تتجه حثيثا نحو مزيدا من الصراع فيما بينها حتى ينهي بعضها البعض ليطغى في نهاية المطاف الطرف الأقوى والذي يرأسه أشدهم بطشا وطغيانا بحيث أنه على البقية إما الطاعة أو مواجهة المصير المحتوم حتى تتحوّل مؤسسة الحكم إلى شبه إقطاعية يملكها شخص واحد يتصرّف فيها كما يشاء.... وهذا مثل ما حدث تحديدا في ليبيا تحت قيادة الطاغية معمر القذافي.  

 نتيجة لذلك نجد أن الأنظمة الديكتاتورية تسقط بمجرّد سقوط رئيسها (القائد) ويكون سقوطها ربما في كل الأحوال متشابها إلى حد كبير بحيث أنها تندثر في لحظة غير متوقّعة حتى من رئيس الشلة نفسه؛ ذلك لأن أمثال هؤلاء البشر كثيرا ما يتصرفون بدون حسابات أو تقديرات ( عشوائيا) وبذا تسقط هذه الآنظمة في رمشة عين وتترك وراءها فراغا يصعب تصوّر تداعياته..... كما حدث في العراق في آواخر أيام حكم الطاغية صدام حسين؛ لكن الأمثلة في العالم من حولنا كثيرة منها ما حدث في ألمانيا الهتلرية، وفي إيطاليا الفاشية، وفي الفليبين الماركوسية، وفي إيران الشاهنشاهية، وفي رومانيا التشاوشيسكية، وغيرها من الأنظمة البرجعاجية التي نامت في "الليلة الأخيرة" قوية صامده وأصبحت في اليوم التالي متبخّرة هامده ومندثرة.

إذا والحالة هذه فيمكننا نحن الليبيون القول بأن نظام الطاغية القذافي يعتبر تجسيدا قويا، ومثالا واضحا لذلك الشكل من أنظمة الحكم؛ ومن ثمّ فإننا نرى الآن نظام القذافي وهو يحاول الصمود بكل قوة حتى يظهرللبعض وكأنه مازال يتحكّم في كل شئ في ليبيا، وعلى أنه ربما في يوم ما قد يتعافى ويعيد سيطرته على كل شئ؛ لكن الناس من حوله سرعان ما يجدون أنفسهم في فراغ حكم وفوضى عارمة يضطر فيها كل شخص للدفاع عن نفسه حين لايجد من يحميه.

تعم الفوضى وتنتشر الإضطرابات في كل مكان نتيجة لكل ذلك، ويعمل المشاغبون على السيطره على الشوارع والميادين مما يشعل حربا أهلية تقضي على كل شئ في البلد كما حدث في العراق على سبيل المثال.

ماذا على الليبيين عمله ؟   

الشعب الليبي يعتبر ـ بكل تواضع ـ شعبا ذكيا له مقدرة فريده على الإبتكار، والإبداع، والتخيّل الواقعي؛  وهو شعب سريع التعلّم، وله من الحذق ما يمكّنه من قراءة الواقع بكل تروّ وعقلانية .... كما أن الشعب الليبي يعتبر شعبا طيبا، ومن السهل إدارته؛ وحكمه؛ لكنه مع ذلك يعتبر أيضا شعبا لايحتمل الظلم، ولا يرضى بالإهانه مهما صبر عليها.

من ناحية أخرى يمكن القول بأن الشعب الليبي لم يمارس السياسة من قبل ولا أظنّه يفقه كثيرا في هذا الشأن؛ لكن الناس في بلادي تتحدث عن السياسة غير أن الحديث في السياسة ليس كممارستها.

الشعب الليبي يريد إسقاط النظام كما نعرف لكنه يريد نظام حكم يحل محلّه فيكون هذا النظام وطني التوجّه، حر الإرادة، وعقلاني التفكير بما يتماشى ذلك مع واقعنا المعاصر بعيدا عن النظريات السفسطائية والأفكار القديمة الموروثه عن بشر عاشوا في عصور مختلفة عن العصر الذي نعيش فيه. الشعب الليبي بدون شك يأمل خيرا من ثورة السابع عشر من فبراير فلعله على هداها وإرادتها يتمكن من إستلام أمره ولكن بطرق منظّمة، وأسلوب عصري مستفيدا في ذلك من تجارب الأمم التي سبقتنا وسوف يتحقق له كل ذلك بإذن الله..... غير أن لهذا الشعب كجماعة وأفراد أن ينتبه إلى الآتي:

1-الحفاظ على وحدة الوطن وتجنّب عمل كل ما يفسد هذا المسعى.

2-إعطاء الفرصة للمجلس الوطني حتى يتمكن هذا المجلس من تنظيم شئون البلاد والتمهيد لإنتخابات وطنية حرة ونزيهة.

3-التحلّي بروح المواطنة والمسئولية وذلك بالتطوّع في لجان مختلفة كل حسب مقدرته من أجل السير بالبلاد إلى الأمام بغرض العمل على قهر التحديات التي تواجه بلدنا في هذه الأثناء.

4-العمل على تشكيل مجالس محلية كل في منطقته تكون مهمتها بالتنسيق مع المجلس الوطني الإنتقالي إستلام السلطة المحلية والقيام بالأعمال التنظيمية والإدارية.

5-مباركة الخطوات التي قام بها المجلس الوطني الإنتقالي من أجل إعادة بناء الدولة في ليبيا بما يشمل ذلك من إجراءات تنظيمية وإدارية بغية وضع القطار على السكة بعد أن ظل زائغا عنها منذ عام 1973 حين ألغيت الدولة وحكمت بلادنا بشريعة "السلطة الثورية" والتي عنت بكل تجرّد "سلطة الفرد" كما عرفها كل الليبيين.

6-تقديم النصح للمجلس الوطني الإنتقالي كل بما يستطيع بشرط أن تهدف هذه النصائح إلى دفع قطار التغيير في بلادنا إلى الأمام بعيدا عن المصلحة الفردية أو الجهوية.

7-أن نتكيّس في نقدنا، وأن نتلبّق في كلامنا، وأن نتلطّف في تعاملنا مع الإخوة أعضاء المجلس الإنتقالي بحيث أننا نكون واقعيين في مطالبنا، وكرماء في دعمنا ومساندتنا لهم فهم بشرا مثلنا لكنهم حملوا على عواتقهم مهاما غاية في الصعوبة والتعقيد وهم في سبيل ذلك يضعون حيواتهم في أكفّهم نظرا لأن الطاغية وأعوانه يتربّصون بهم ولا يطيقون وجودهم كسلطة وطنية بديلة تتمتع بحب الليبيين الحقيقي.

8-التنبّه إلى أن المجلس الوطني الإنتقالي هو مجلس حكم مؤقّت، وعلى أن ظروف المرحلة الراهنة تحتم علينا كليبيين بأن نتقبّل حالة إسثنائية لفترة من الزمن قد تصل إلى السنتين يكون خلالها أعضاء المجلس غير منتخبين، وقد نقبل بأنهم إنما عيّنوا أنفسهم في هذا المجلس ذلك لأن ظروف بلادنا حتمت علينا هذه الفترة الإستثنائية لتكون بديلا عن الفوضى، وربما بديلا عن الإنقلاب العسكري الذي بإمكانه أن يعيدنا إلى نقطة البداية في عام 1969. المجلس الإنتقالي هو نظام حكم مؤقّت لن تتجاوز فترة حكمه السنتين في أصعب الأحوال، وقد تتقلّص إلى ال 6 أشهر في ظروف مثالية لا أظن بأننا بالغيها إن كنا بالفعل فكرنا بالعقل والمنطق وإن كنا بالفعل واقعيين كما يجب.

9-على كل ليبي وليبية أن يروا أنفسهم من خلال ليبيا وليس من خلال رغباتهم ومصالحهم الشخصية. لابد أيها الإخوة والأخوات يا اهل ليبيا أينما كنتم، وأينما كانت مراتبكم، ومهما كانت مستوياتكم الإجتماعية أن تنبذوا "الأنا" في داخلكم، وأن تذوب مصالحكم الشخصية في بوتقة مصلحة الوطن لأن مصالح الوطن هي في الحقيقة مصالحكم جميعا، ورفاهية الوطن هي في الواقع رفاهية لكم.

10-الإيمان اليقيني بأن نظام الطاغية القذافي، وكتابه الأخضر، ونظريته، وجماهيريته كلها إنتهت، وسوف لن يكون لها وجودا في بلادنا بعد اليوم. القذافي ظلم الليبيين، وإحتقرهم، وتكبّر عليهم، وقتل أبناءهم بدون رحمة أو شفقة فلم يعد له مكانا بيننا لأنه كان بالفعل قد أفسد في الأرض فنال جزاء ما فعلت يداه.       

ماذا على المجلس الوطني الإنتقالي أن يفعل ؟

أريد في البداية أن أشير إلى أن أعضاء المجلس الوطني الإنتقالي في بلادنا كانوا قد قاموا بأعمال كثيرة لمصلحة الشعب الليبي، وعلى أنهم برغم صعوبة الوضع في بلادنا إستطاعوا أن يمهدوا الطريق، وأن يمدّوا السكة على الأرض، ثم إذا بهم الآن يضعون القطار على سكته فعلينا جميعا أن نركب هذا القطار، وأن نعمل مجتمعين على دفعه إلى الأمام واثقين في السيد مصطفى عبد الجليل كقائد لهذا القطار إلى أن نحدد وجهتنا، ونتمكن من رسم معالم طريقنا فنختار حينها قائدا جديدا لقطار حياتنا من بين خيرة المؤهلين لتلك المهمة حتى نتمكّن حينها من الإنطلاق إلى الأمام بسرعة عسانا أن نلحق بمن سبقونا.... وسوف نفعل بإذن الله، وبفضل عقول وسواعد أبناء وبنات ليبيا الذين تفخر بلادنا بإنتمائهم لها.

كما أنني أود التنويه إلى أن فكرة المجالس المحلية التي يعمل المجلس الإنتقالي على تأسيسها في ليبيا تعد فكرة صائبة، وعملية، ومتحضّرة أيضا حيث أن هذه المجالس سوف تكون بإذن الله بمثابة النواة للديمقراطية المنشوده في ليبيانا الحبيبة.

ربما لاحظ الكثير منكم بأن الثورات الشعبية التي حدثت في منطقتنا منذ نهاية السنة الماضية ولازلنا نراها تنتشر في كل مكان وهي تقضي على الأنظمة الديكتاتورية التي جلست على رقابنا وتحكمت في كل شئ في حياتنا بدءا بثورة الشعب التونسي ( إيقونة الثورات العربية الحديثة) ومرورا بثورة الشعب المصري، ثم هناك في اليمن، وفي سوريا، وفي البحرين، والأردن، وقريبا بإذن الله في الجزائر، والسودان، وبقية البلاد العربية...ربما لاحظ الكثير منا بأن لكل ثورة من هذه الثورات ميزاتها وخصائصها؛ لكن ثورة شباب ليبيا ربما تميّزت عنها جميعا بأنها إستطاعت أن توحّد أبناء الداخل والخارج معا وهذا يعد ذخرا لبلادنا، ومفخرة لأهلنا الذين لم يتنكروا لتضحيات الليبيين المهجّرين في الخارج خلال العقود الأربعة الماضية.

نعم.. إنني أشعر بالفخر والإعتزاز بليبيتي حين أرى أبناء بلدي في المهجر وهم يوصلون الليل بالنهار من أجل البحث عن الدعم المادي، والدعم السياسي، والدعم اللوجستي لإخوانهم في الداخل فإمتزجت تبرعات أبناء وبنات ليبيا في الخارج بدماء أبناء وبنات ليبيا في الداخل لتشكّل الأرضية الصلبة التي عليها تقهقرت مليشيات الطاغية القذافي المتمثلة في كتائب الموت التي إنشغل بتأسيسها وتسليحها وتدريبها خلال العقود الأربعة الماضية من أجل تحقيق هدف واحد وهو قمع وقتل أبناء الشعب الليبي الباحثين عن الحرية والكرامة لأن هذا الطاغية لم يرى في ليبيا طيلة عقود حكمه المظلمة سوى إقطاعية يملكها هو وأبناءه معتبرا بقية الشعب الليبي كخدم له في بلادهم لايحق لهم إلا ما يحق للعبيد في زمن الجور والإستعباد. 

كما أنني في هذا الإطار أبارك فكرة المؤتمر ( مؤتمر المجالس المحلية) الذي إنعقد الإسبوع الماضي في دولة قطر بغية تشكيل أنوية لمجالس محلية إنتقالية من أبناء وبنات ليبيا المقيمين في داخل البلد والمقيمين في خارجه بهدف المسك بزمام الأمور في حالة حدوث فراغ مفاجئ في السلطة نتيجة لسقوط وشيك لنظام حكم الطاغية القذافي وإرتخاء  قبضته الحديدية على رقاب الناس.

نعم ... فقد تواجد ليبيوا الداخل والمهجر في قاعة واحدة وبمودة وحب قل نظيرها؛ وهذا يدل دلالة أكيدة على أن ابناء الشعب الليبي يظلّون دوما إخوة متحابّون حتى وإن باعدتهم المسافات، أو فرقت بينهم الحواجز وهذا يعكس تماسك اللحمة الوطنية، وإنسجام الليبيين مع بعضهم البعض، وتعاضدهم وقت الشدائد؛ وهذه الأشياء ليست بغريبة على شعب ليبيا الطيّب المعطاء.

بطبيعة الحال هناك من تحسس من مثل هذه الإجراءات والإستعدادات بحجة أنها لم تأتي من خلال صناديق الإقتراع، وبحجة أن مثل هذه التعيينات ربما شملت البعض وأهملت البعض الآخر؛ لكنني أود أن أذكّر إخوتي الذين أحسّوا بمثل هذا على أننا في هذه المرحلة الحرجة يجب أن نسارع في عمل كل شئ من شأنه أن يحافظ على تماسك بلدنا وترابطه بغية منع الفوضى التي غالبا ما تنمو وتترعرع في وجود أي فراغ مفاجئ للسلطة خاصة في ليبيا التي لم تعرف في تاريخها الحديث نظاما غير نظام الديكتاتور القذافي الذي يتميّز بالكبت والترهيب وفرض الأمر الواقع على الناس بحيث يتركهم في خوف دائم قد ينضبطون بإثره ظاهريا ولكن تتواجد بداخل كل منهم نزعة الجنوح نحو الفوضى كتعبير للرغبة في التحرر من القيود. أظن بأن المجلس الإنتقالي تنبّه لمثل هذا الأمر بحيث أنه دعى لعقد هذا المؤتمر كخطوة إستباقية يشكر عليها أعضاء المجلس وتضاف هذه المأثرة إلى ميزان حسنات أعضاء المجلس الإنتقالي الكثيرة والتي على جميع أفراد الشعب الليبي إعتبارها والإشادة بها. بالنسبة لإخوتي المتحسسين من تشكيل المجالس المحلية بمثل هذه الطريقة أقول لكم أيضا علينا الإنتباه إلى أن هذه المجالس هي هيئات إدارية مؤقتة ( إنتقالية) وسوف تحل محلها مجالس منتخبة بطريقة ديموقراطية نزيهة بحيث يتاح لكل من له رغبة في الترشّح لها بممارسة حقة في ذلك وسوف تعطى الفرص للجميع بدون أفضلية تذكر اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلّق بمؤهلات أو صفات معينة تكون مطلوبة حسب اللوائح والنظم التي سوف تطبق على الجميع بدون إستثناء.          

أظن بأنه على المجلس الوطني الإنتقالي أن يسارع إلى إعادة هيكلة التقسيم الإداري في ليبيا بحيث يستبق هذا التقسيم تشكيل المجالس المحلية حتى تكون الإجراءات سليمة. أود هنا أن أطرح وجهة نظري في هذا الشأن علّها تكون منوالا يقتدي به المجلس الإنتقالي حين يعزم على الخوض في مشروع إعادة التقسيم الإداري في ليبيا كإحدى مقتضيات التغيير الطبيعي للبشر على إعتبار أن الزمن كان قد تغيّر، وعلى إعتبار أن الإنسان هو بدوره كان قد تغيّر نوعا وكمّا.

مشروع تقسيم إداري جديد في ليبيا ( وجهة نظر)

نظرا للتغيّر الحاصل في كل شئ يحيط بنا من تغيّر في عنصر الزمن، وتغيّر في الإنسان ( كما وكيفا)، ونظرا للتطوّر الطبيعي في حياة البشر عبر الزمان، وحيث أن بلادنا كانت قد ظلّت معزولة عن العالم المحيط بها وهي ترزح تحت نير نظام حكم العقيد القذافي البدائي المتخلّف الذي ينبذ التحضّر، ويجسّد فكر "البدونة" كنقيض لحركة التاريخ، وطبيعة البشر التي تسعى إلى بلوغ أفاق جديدة في عالم التحضّر الرحب الذي وقف ضده الطاغية القذافي بكل قوة وصلت إلى حد معاداة التمدّن كظاهرة حضارية على إعتبار أن المدينة في فكر وعقل الطاغية القذافي تعتبر منبوذة ومستهجنة بحيث أن هذا الطاغية كان قد غيّر كلمة "مدينة" بكلمة "شعبية" حتى يقضي على المدينة على إعتبار أن المدينة تعني "التمدّن" وهذه تعني "التحضّر" الذي لم يتمكن العقيد القذافي من التكيّف معه بحكم ثقافة "البداوة" التي كان الطاغية القذافي يتفاخر بإنتمائه العميق لها، وتشرّبه منها في مهده وفي صباه.

نحن نعرف جميعا بأن ليبيا كانت في العهد الملكي الذي سبق إنقلاب القذافي في عام 1969 تنقسم إلى 10 محافظات، وكل محافظة إلى عدد من المتصرفيات، وكل متصرفية إلى عدد من البلديات وهذا يعتبر تقسيما إداريا غاية في التحضّر والتنظيم، وبالطبع كان يتجانس مع العالم المحيط بحيث أن ليبيا كانت تمثّل إنسجاما مع محيطها.

ربما كانت هناك مشكلة في تقسيم ليبيا الإداري في العهد الملكي وتلك المشكلة كان سببها النفوذ القبلي في ليبيا من ناحية، ووجود عنصر المحاباة والمجاملات من ناحية أخرى؛ وبالطبع كان هناك عامل النفوذ الفردي لبعض المتنفذين في البلد في ذلك العهد. التقسيم الإداري القديم في ليبيا كان يراعي في الأساس العوامل المكانية أكثر من مراعاته للعوامل البشرية (السكانية) وتلك في رأيي كانت نقطة ضعف كبيرة جدا فالأرض بدون شعب لايمكن أبدا تسميتها بالدولة؛ حيث أن الدولة = أرض+شعب... والشعب يعتبر هو العنصر السائد في هذه المعادلة إذا إعتبرنا أن الشعب بدون أرض يستطيع أن يصنع الحياة؛ أما الأرض بدون شعب فتتحول إلى أرض بور مهملة لاقيمة لها.

دول المنظومة الإشتراكية (الشيوعية) إهتمت بالأرض ( العمران) وأهملت ساكن الأرض (الإنسان) فإنتهت تلك الأنظمة وتبخّرت؛ في حين أن الدول الرأسمالية التي إهتمت بالإنسان وأهملت الأرض التي ذابت في "العولمة" فإنتعش الإنسان وتطوّر وحافظ النظام الرأسمالي بذلك على وجوده لأنه كرّم الإنسان، وإعترف بقيمته.

أنا أحمد الله بأن حدث في ليبيا إنقلابا عسكريا بحيث جعل من إمكانية إعادة التقسيم الإداري في ليبيا أمرا ممكنا نظرا للتغييرات التي أحدثها القذافي في الهيكلية الإدارية لليبيا طيلة العقود الأربعة الماضية حيث لم تعرف فيها بلادنا إستقرارا إداريا كجزء من تلك "الفوضى العارمة" التي حكم بها العقيد القذافي ليبيا. 

أود هنا أن أطرح مشروعا لنظام إداري في ليبيا مرتكز على الوجود البشري كبعد يتفوّق على البعد الجغرافي آملا في أن يلقى هذا المشروع قبولا من أصحاب الشأن في بلادنا:

1)يبلغ عدد سكان ليبيا حوالي 6 مليون نسمة.

2)يتركّز معظم سكان ليبيا في مدن طرابلس (25%)، بنغازي (16%)، مصراته (7%)؛ أي أن ما يقارب من 50% من الشعب الليبي يقيمون في ثلاثة مدن على الساحل وهذا يجعل من التقسيم الإداري المعتمد على الجغرافيا غير عملي في عالم اليوم على أساس أن الإنسان يعتبر أهم من العمران.

3)النظام الديموقراطي العادل يجب أن يعتمد على الكم السكاني وليس الكم المكاني ذلك لأن كل الخدمات يجب أن تركّز على إسعاد الإنسان وليس على جمالية ومعمار المكان... فمعمار بلا إنسان هو مآوي للخفافيش والجرذان.

وبناء على المفاهيم المذكورة عاليه فإنني أقترح التقسيمات الإدارية التالية:

أولا: تقسّم ليبيا إلى 15 محافظة يكون عدد سكان كل محافظة فيها 400 ألف نسمة ( 300 – 500 ألف نسمة).

ثانيا: تقسّم كل محافظة إلى عدد 4 بلديات يكون عدد سكان كل بلدية 100 ألف نسمة ( 75 – 125 ألف نسمة).

ثالثا: تقسّم كل بلدية إلى عدد 10 محلاّت يكون عدد سكان كل محلة 10 آلاف نسمة ( 7.5 – 12.5 ألف نسمة).

رابعا: يتشكّل في كل بلدية مجلس محلّي يتكون من 10 أعضاء يهتم كل واحد منهم بشئون 1000 مواطن؛ ويتم إنتخاب هؤلاء الأعضاء بنظام الإنتخاب الحر المباشرعبر صناديق الإقتراع في كل بلدية.

خامسا: يتكون مجلس كل محافظة في ليبيا من 4 أعضاء يمثّل كل واحد منهم بلدية وهم جميعا يتم تعيينهم من بين الفائزين في إنتخابات البلدية المذكورة أعلاه.

سادسا:يتكون البرلمان من 600 عضو هم أنفسهم كل أعضاء مجالس المحافظات الخمسة عشر، ويتم من بين هؤلاء تشكيل الحكومة بحيث يقترع ال 600 عضو في البرلمان إنتخاب رئيس الحكومة من بينهم.  

وختاما..... في نفس السياق ( التفكير الإستباقي) فإنني أود القول بأن ليبيا تحتاج أيها الساده إلى الآتي ( وهذا الكلام يعتبرموجّها بالخصوص إلى المجلس الوطني الإنتقالي):

  1- نظام حكم ديموقراطي عصري تتساوى فيه الفرص أمام كل الليبيين بجميع خلفياتهم العرقيه، والثقافيه، والإجتماعيه بدون إستثناء أو تمييز.

  2- دستور وطني يضعه خيار البلد من علماء، ومثقفين، ومن أهل الفضيله والنبل في هذا البلد المعطاء.

  3- جهاز قضاء عادل يتساوى أمامه كل الليبيين من الحاكم الى أصغر محكوم.

  4- جهاز شرطه متحضّر يسهرعلى راحة المواطن، وأمنه في بيته، وأمنه في خصوصياته( شرفه وكرامته)، وأمنه في ممتلكاته .

  5- صحافة حرة تكون بمثابة عيون الشعب على الحكومه، ونافذة الحكومه على الشعب.

  6- تنظيمات مجتمع مدني يشكلها أفراد الشعب الليبي بإرادتهم الحرة بعيدا عن نفوذ الحكومة أو تدخّلها.  

لو توفرت كل هذه الأساسيات تصبح عمليات الإنتقال الى الأمام بعدها من أيسر الأشياء؛ ومن ثم تبدأ عمليات البناء، والترميم، والصيانه لكل شئ في حياتنا.... ومن خلالها ينعم المواطن في بلادنا بخيرات ترابه في سكنه، وفي مأكله، وفي صحته وعلاجه، وفي رفاهيته أيضا.

محمد بالحاج      


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home