Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

الأثنين 13 اكتوبر 2008

تجارة... أم ربا ؟

د. مصطفى عبدالله

( أحكام الله سبحانه وتعالى لا تتغيّر، ولكن فهمنا لها هو الذي يتغيّر.
أحكام الله موجّهة الى البشر ، وهي بالضروره تعني حياتهم ؛
ومن عاش في القرن الماضي ليس كمن يعيش في هذا اليوم
)

في هذا المقال :
■ تجارة أم ربا ؟.. مع مناقشه
■ الأزمه الماليه الحاليه
■ الإسلام والعلمانيه
■ ما هي البدائل؟

القرآن الكريم كما نعلم رساله موّجهة من الله سبحانه وتعالى الى البشر، وهي بالضروره تعنيهم؛ ومن أجل أن ينعم هؤلاء البشر بفضل الله؛ عليهم أن يفهموا رسالته، وأن يهتدوا بهديه.

القرآن نقل من عند الله الى نبينا محمد عليه السلام عن طريق ملك الملائكه جبرائيل عليه السلام؛ وإنتقل بفضل الله من فم النبي المبجّل الى آذان المسلمين؛ الذين شعروا بقيمته وقدسيته فحافظوا عليه أكثر من محافظتهم على أنفسهم... بدليل أن هناك من المسلمين من وهب نفسه في سبيل كلمة الله؛ والأمثله على ذلك كثيره. حافظ المسلمون على دينهم، وتم ذلك بمحافظتهم على روح هذا الدين المتمثّله في كتاب الله المبجّل ( القرآن الكريم). كتاب الله هذا لم يكن في يوم من الأيام مشروعا دستوريا للحكم، ولم يكن دليلا مروريا للطرق، ولم يكن أيضا مشروعا لحزب إسلامي؛ بل إن القرآن الكريم كان رساله من الله الى كل البشر تدعوهم الى الصراط المستقيم الذي حددت معالمه واضحه في أركان الإسلام الخمسه، والتي من أهمها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.... هذين الركنين لابد من توفرهما لأي شخص كي يصبح في عداد المسلمين، والذي يتنكر لأي منهما يخرج عن الإسلام، وهذه إمور "حدّيه" معروفه، ولا يجب الإختلاف عليها مطلقا بين المسلمين. الأركان الثلاثه الأخرى ( الصلاة، الزكاة، والحج) تعتبر غير حديه؛ بمعني أنه بالإمكان البقاء على الإسلام حتى لو لم ننفّذ هذه الأركان؛ ولكن فقط يجب علينا أن لا ننكرها، وأن لا ندعوا الغير الى تركها بحجة أنها مثلا " دعوه للتخلّف" أو ما شابه ذلك. هناك أيضا أشياء دعانا الله الى إجتنابها والإبتعاد عنها منها ما قد يخرجنا عن الإسلام مثل نكران وجود الله، أو الإقرار بعدم وحدانيته، وهناك أمور أخرى نهينا عنها ولكن لو فعلناها فإن الله سوف يحاسبنا على فعلها في موعد أو ميقات إسمه يوم الحساب، أو يوم القيامه. جعل الله ذاك اليوم سرا من أسراره، ولم ينبئ بهذا السر حتى لملائكته، وأنبيائه المقربين.

جعل الله يوم الحساب سرا وذلك حتى تكون أعمال المسلمين فيها إستعدادا لذلك اليوم؛ حيث أن الكثير من البشر يموتون قبل أن يدركوا ذلك اليوم، ولذلك فعليهم أن يراقبوا الله في كل ما يفعلون. فالموت هي بدورها تعتبر من الأمور الغيبيه اللهم إلا أن يقرر الإنسان أن ينهيها بنفسه قبل وقتها؛ وفي ذلك إثما كبيرا، ويعتبر ذلك العمل من أكبر الكبائر.

هناك من المتشددين من يفتئ بشرك من لا يؤدي الصلاة ، وخروجه عن الإسلام؛ أي ـ أكرمكم الله ـ كفره وهؤلاء عادة يستندون للبرهنه على كلامهم بحديث نبوي يقول ( بين الرجل والكفر ترك الصلاة). السؤال الذي يطرح نفسه هنا قد يتمحور في عدة أشكال وتركيبات كلاميه.. مثلا؛ وماذا عن المرأة؟. الحديث ذكر الرجل، والرجل هنا لايمكن تعميمها على المرأة أبدا لأن الرسول لو أنه أراد أن يعني الإثنين لكان قال "المرء" بدل "الرجل".

السؤال الثاني في هذا المضمار هو: وماذا عن أولئك الذين يتركون الصلاة لوقت ما، ولأسباب ما؛ مهما كانت... هل يكفر أولئك عند ذلك الوقت، ويسلمون ثانية عندما يبدأون في الصلاة من جديد؟. ثم ماذا عن ذلك الذي لسبب ما يترك الصلاة، لكنه لاينكرها ويموت وهو لا يصلّي.. هل يموت ذلك كافرا؟.

أنا أرى ـ لكنني لا أفتي ـ بأن علينا كمسلمين أن نفهم ديننا، وأن لا نغالي في تفسيرنا للأشياء مهما كانت المبررات؛ فأغب شيوخ الدين، والمتشددين منهم على وجه الخصوص إنما يبالغون في فهمهم للأشياء، ويتشددون في الحكم على غيرهم بدافع ربما حبّهم لهذا الدين، وحرصهم عليه؛ وقد يكون الدافع الى كل ذلك هو الخوفهم على الإسلام من "الإنقراض" مثلا!.

أنا ارى أن كتاب الله ( القرآن) كان قد أنزل في ثلاثه أجزاء، أبواب، أو مصنّفات وهي:

الأوامر والنواهي: وهذه واضحه ولا يجب علينا التفلسف فيها كثيرا. إنها أحكام أرادها الله أن تنفّذ وبذلك فقد ذكرت بدون توريه. يقول الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ) سورة النساء، آية 23. لا أظن بأننا نختلف على تفسير هذه الأحكام، حيث أنها آوامر واضحة لا تورية فيها؛ فالمقصود هنا هو نحن كبشر، وبذلك فقد كانت هذه الآيات واضحه، وسهلة الفهم.

سير السابقين: وهذه ذكرت في القرآن من أجل التدبّر، والإتعاظ، وهي تخبرنا عن قصص الأولين وبعض من سلوكياتهم إختار الله أن يخبرنا بها بغرض إعطاءنا المثل ، وكذلك إعلامنا عن ما حدث بعد ذلك. هذا بدون شك بالنسبه لنا تعتبر من الأمور الغيبيه حيث أننا لم نشهدها بأعيننا؛ لكننا لا محاله ـ لو أردنا ـ يمكننا إثباتها، والتأكد من حدوثها كما يبحث العلماء من حولنا في حيثية بدء الخلق، وكيف كانت الدنيا قبل أن يخلق الله البشر، وما إلى ذلك من الأمور السابقه. نعم قد نختلف في فهمنا لمثل هذه الأمور، وقد نختلف أيضا في المقصود من سردها علينا؛ لكننا ربما نتفق على أنّها أشياء كانت قد حدثت بالفعل. يقول الله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) سورة القصص، آية 7. ويقول: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) سورة ص، آية 34، ويقول الله تعالى: ( وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) سورة البقره، آية 102. ... ويقول الله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ) سورة يوسف، آية 102.

الغيبيات (أمور الله): هذا الجزء من القرآن قد يصعب علينا فهمه، والتأكّد من حقيقته؛ وقد يتوجّب علينا الإيمان به كما هو. نحن المسلمون لانعترف بالمسلّمات إلا بعد أن نناقشها، ونتباحث فيها، ثم ربما نقتنع بها؛ أما إذا عجزنا عن إيجاد تفسير لها حسب علمنا فإننا نقول (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) سورة آل عمران، آية 191، وكلّما بحث الإنسان، وكلما إزداد علمه كلما ترك الأمر لله بعد أن يؤمن بحقيقته عندما يعجز ذلك العالم عن تفسير ظاهرة ما : (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) سورة أل عمران، آية 7، ويقول أيضا: (لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ) سورة النساء، آية 162.

فمثلا عندما يقول الله سبحانه وتعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) سورة الإسراء , آية 85. وكذلك قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) سورة الأعراف، آية 18.... فإنه لا محاله يريدنا أن نفهم بأن هناك أشياء ليست في متناول البشر، وهي خصوصيات إلهيه لم يعطي الله سرّها حتى لأنبيائه، ووسطائه من الملائكه.

تجارة أم ربا ؟

عودة الى موضوع هذا المقال الذي أرى أنّه من الأهمية بمكان بحيث يجب علينا مناقشته، والتوصّل الى مفاهيم واضحه حوله. إنها قضية تهم كل مسلم، وبالطبع تهم كل إنسان سوي؛ فالإسلام جاء لكل البشر، ويهدف الى إصلاح الجميع.

لقد تجادل المسلمون، وتناقشوا حول هذا الموضوع كثيرا؛ لكنهم في نهاية المطاف عجزوا عن إيجاد تفسيرات واقعيه بخصوص موضوع الربا خاصة فيما يتعلّق بالتعاملات المصرفيه من قروض، وسلف، وفوائد إدخار، وما في إطارها.

أنا بدون شك لن أتمكّن من التوصّل الى تفسير لهذه الحاله، ولن أقفل باب النقاش حولها؛ لكنني في حقيقة الأمر أدعو الى مزيد من النقاش، والحوار بخصوص هذا الموضوع خاصة في ظل الظروف الإقتصاديه الحرجه التي يمر بها العالم ـ ونحن منهم ـ في هذه الأيام. أود في البدايه أن أذكر بعض الأمثله الحياتيه المعاشه، ثم بعد ذلك سوف أقوم بطرح وجهة نظري بخصوص هذا الموضوع الشائك.

لنفترض جدلا أن العقيد القذافي سوف ينفّذ فكرته "الغريبه" بخصوص إلغاء الحكومه، وتوزيع الثروه على الليبيين، ولنفترض بأن نصيب كل ليبي من الثروه كان في حدود 10,000 دينارا ليبيا في السنه، ولنفترض بأن كل ليبي، وليبيه أعطي هذا الحق بدون محاباة، أو إغفال، وبدون حرمان أي مواطن ليبي من ثروة بلاده. أعرض هنا خمسة من الأمثله ـ وهي نظريه ـ لكنها ليست غريبه عن الواقع؛ أي أنها بالإمكان حدوث مثلها تماما.

المواطن الأول:

عندما إستلمت حصتي من الثروه فكّرت في طريقه إستثمارها حتى لا أنفق هذه الثروه على تفاهات، وملذات وذلك من أجل ضمان حياة محترمه لنفسي، ولأسرتي. قمت بفتح دكان، وذهبت الى محلات الجمله بسوق الثلاثاء حيث إشتريت مجموعه من علب الطماطم، الزيت، وعدد من أكياس السكر كبداية. إشتريت 5000 علبه طماطم كلفتني الواحده 80 قرشا بعتها بسعر دينار للعلبه الواحده. كما أنني إشتريت 2000 لتر من الزيت المعلّب بثمن 2.5 دينارا للعلبه، وقمت ببيعها بسعر 3 دينارات للعلبه. ثم قمت أيضا بشراء 10 أكياس من السكر سعة كل كيس 50 كيلو جراما بسعر 100 دينار للكيس. قمت ببيع كيلو السكر بثلاثة دينارات حيث أن السكّر نادر هذه الأيام؛ وبعد ثلاثة أشهر بالتحديد تمكنت من بيع جميع بضاعتي؛ وكانت مجموع أرباحي قد بلغت 2500 دينارا ليبيا لا غير.

المواطن الثاني:

بعد أن إستلمت حصتي من الثروه فكرت في وسيله لإستثمارها، ونظرا لأن لدي خبرة جيده في السمسره في سوق الحيوانات؛ قمت بالذهاب الى سوق الجمعه فإشتريت 10 خراف بمتوسط سعر 600 دينار لكل خروف، ثم أيضا إشتريت 20 جديا من الماعز بسعر متوسط قدره 200 دينارا لكل جدي. تحصلت على صفقه وقتيه في الخراف حيث عرض علي أحدهم ـ وكان يشتغل جزارا ـ مبلغا قدره 700 دينارا للخروف الواحد؛ وأنا مازلت في السوق فوافقت على بيعه كل الخراف... ربحت في هذه الصفقه السريعه 1000 دينارا. بعد ذلك حملت معي كل الجديان في اليوم التالي الى سوق السبت، وهناك تمكنت من بيع كل الجديان بسعر متوسّط قدره 250 دينارا للجدي الواحد؛ وربحت من هذه الصفقه 1000 دينارا أخرى؛ فبلغت بذلك مجموع أرباحي 2000 دينارا. حمدت ربي وعدت الى أسرتي بكثير من الهدايا، والملابس الجديده، وفوق كل ذلك عدت ومعي العشره آلاف دينارا كما إستلمتها.

المواطن الثالث:

بعد أن إستلمت حصتي من الثروه والتي بلغت 10,000 دينارا ليبيا؛ قمت بشراء عربه بحصانها ( كرّوسه). قمت بالعمل على العربه في ميدان الشهداء، والسرايا الحمراء، وقرقارش، حتى حي الأندلس؛ وكانت فكرة جيده جدا حيث أن البلاد كانت مليئة بالسواح. كان معدّل الرحلات في كل يوم خمسه، وكنت أحصل من وراء كل فسحه على 30 دينارا. بلغ مجموع ما جنيته بعد شهر من العمل المتواصل 4500 دينارا. عرضت بعد ذلك العربه والحصان للبيع، وتمكنت من بيعهما بمقدار 12,000 دينارا. بلغ مجموع ما كسبته من وراء هذه الصفقه 6,500 دينارا إشتريت بها سياره مستعمله لأسرتي، ورجعت الى بيتي وفي جيبي العشره آلاف دينارا كما إستلمتها.

المواطن الرابع:

بعد أن إستلمت العشره آلاف دينارا فكرت في طريقه للإستفاده منها من أجل تحسين أوضاع أسرتي الماليه؛ فقمت بشراء سيارة شحن، وكان في تخطيطي أن أقوم بالعمل عليها بين مقطع الحجر، ومناطق جنزور، والغيران حيث كانت هناك تجري عمليات بناء متواصله لأولئك أصحاب الملايين من الأطباء، والمحاميين، وبعض من كبار موظفي الأمن. إشتريت الشاحنه، وفي أثناء عودتي بها الى البيت أصبت بجلطه في المخ كدت أضيع فيها لولا رحمة الله. المهم أنني لم أعد بعدها بقادر من الناحيه الصحيه على قيادة الشاحنه، فقمت بتأجيرها بمبلغ 1000 دينارا في الشهر. ظلت شاحنتي مؤجره بإستمرار بحمد الله لمدة ثلاثه أشهر متواصله تحصلت خلالها على 3000 دينارا؛ وظلت شاحنتي على حالة جيده جدا بعد ذلك، فعرض علي السائق الذي كان يؤجّرها بأن يشتريها مني وقال بأنه مستعد لدفع 15,000 دينارا فوافقت. تحصلت من تلك الصفقه على 8,000 دينارا على هيئة أرباح ساعدتني على تسديد كل مصاريف العرس لإبني، وإحتفظت بالعشره آلاف دينارا كما إستلمتها.

المواطن الخامس:

بعد أن إستلمت العشره آلاف دينارا فكّرت في طريقه لإستثمارها؛ حيث كانت توجد لدي مزرعه، ولم أكن أمتلك الوقت للمتاجره. إحتفظت بالعشره آلاف دينار في بيتي الى أن آتاني من يطلب إقراضها له. عرض علي ترجيعها بعد ثلاثه أشهر بربح قدره 6%. طلبت منه ضمانه، فعرض علي سيارته الجديده كضمانه، وتمت الرهنيه لدى مكتب الخدمات القانونيه بوثيقه وقع عليها كل منا، وقمت بتسليمه المال. أعاد الي كل العشره آلاف دينار بدون نقصان، وفوقها 600 دينارا كما كان الإتفاق. قمت ببناء حمام إضافي لأطفالي بتلك السته مائة دينار، وإحتفظت بالعشره آلاف كما إستلمتها. علمت بعدها بأن الشخص الذي إقترض مني تلك العشره آلاف كان قد إشترى بها حاويه معبأة بالملابس المستورده من تركيا، وقام ببيعها للتجار فتحصّل من تلك الصفقه على ما يقارب الخمسه آلاف دينار. لم أحسده على أرباحه، بل تمنيت له مزيدا من الأرباح؛ فقد كان أمينا معي، ولم يتلكأ في إسترجاع وديعتي الي، ومعها أرباحها كما إتفقنا.

المناقشه:

جميع الحالات المذكوره أعلاه تعاملت بالتجاره ، وتمكنت من تحقيق أرباحا معقوله؛ مع أنها كانت مختلفه، ولكن لم يخسر أي من المواطنين برغم إختلاف تجارتهم، وطريقة تفكيرهم. السؤال "الكبير" المطروح للنقاش هو: أي من تلك المعاملات تعتبر تجاره، وأيها يعتبر ربا حسب المفهوم المتعارف عليه في ليبيا، وبقية بلاد الإسلام؟.

ذكر الله الربا 8 مرات في القرآن الكريم، لكنه لم يعرّف الربا في أي منها، ولم يفسّره لنا مطلقا. ذكرالله الربا، وذكر معه في معظم الأحيان العقاب، والذي كان قاسيا.... قال الله تعالى في كتابه العزيز: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) سورة البقره، آية 27.

من الواضح أن الله لايحب الربا، ولايحب آخذه، أو التعامل به، وقد خيّر الإنسان بين الربا والإيمان، وهنا قد يذهب البعض الى درجة تكفير من يتعامل بالربا. يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) سورة البقره، آية 278. مع كل ذلك التركيز على الربا، وإعتباره أمرا منكرا، وإلى ذلك القدر؛ إلا أن الله لم يفصّل لنا الربا، ولم يتحدّث عنه كحرفه، كمهنه، أو كتعامل. قال بعض "الفقهاء" في العصور الماضيه بأن الربا يعني الزياده في المال؛ وكانوا يستندون في ذلك على الآيه الكريمه: (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) سورة البقره، آية 276... فهل كل زياده في المال هي ربا؟، وهل كان المفسرون على حق، أو لنقول: هل كان تفسيرهم صحيحا؟.

لو قال لنا أولئك "العلماء" إن القرآن يعني أن كل زياده غير مشروعه في المال تعتبر ربا؛ لقلنا بأنهم كانوا على حق، ولقلنا إنهم كانوا صادقين مائه بالمائه؛ ولكن علينا أيضا أن نعرّف ماذا نقصد بالزياده المشروعه للمال والتي لا تعتبر ربا. ماذا لو أن أحدا منا ذهب الى إنسان ميسور، وطلب منه سلفه لأجل محدد، ورد عليه ذلك الشخص الميسور بأنه مستعد لإقراضه ما يريد ولكن بشرط أن يعطيه ضمانه أو رهنيه تطمئنه على سلامة ماله حتى يحين موعد إرجاعه ؛ واظن بأن ذلك الشخص الميسور من حقه أن يطمأن على ماله... ولو إفترضنا بأن ذلك الشخص الميسور إشترط على طالب القرض أن يرجّع قيمة القرض وبزيادة مقدارها 5% تسجّل كفائده. الى حد هنا أطن بأن كل ما دار بين الإثنين من مناقشات، وتفاهم يعتبر إتفاقا تجاريا كان المال هو السلعه المتبادله فيه. كانت كل الشروط في هذه المعامله واضحه، وشفافه، وكل معالمها محدده، وحتى المبلغ الإضافي كان معلوما سلفا؛ بل وفوق كل شئ فإنه كان من حق المقترض أن يبحث عن عروض أحسن من هذا في آماكن أخرى، وأن يناقش كل جوانب هذه المعامله؛ وإذا أراد أن يستشير خبيرا ماليا بغرض النصيحه فإن ذلك أيضا من الأشياء المتاحه، والمتوفره. بعد أن تتم كل تلك المداولات نفترض بأن المقترض كان قد إقتنع بالعرض، وقرر أن يستمر فيه بعد أن حسب كل حساباته ، ووافق بمحض إرادته على أخذ القرض وتمت كل العمليه بعد أن تم تثبيتها قانونيا، وفي وجود شهود كما نصّت عليه الأيه : : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) سورة البقره، آية 282... وإستلم صاحبنا القرض كاملا، ثم بعد ذلك ذهب الى حاله لإنفاق قرضه وفق مشيئته بدون تدخّل، أو شروط من أحد. ربما قرر الذهاب الى سوق السيارات وإشترى سياره مستعمله، ثم قام بإجراء بعض التشطيبات عليها، وقام بطلائها ثم بتلميعها؛ وبعدها حملها الى السوق وتمكن من بيعها بعد أن كسب في هذه الصفقه أرباحا تجاوزت قيمة الفائده التي كان قد دفعها خدمة لذلك القرض الذي يستفيد الآن منه في القيام بعمليات تجاريه متنوعه....هل يعتبر هذا القرض حراما، وهل تعتبر الفائده المتفق عليها بالرضاء التام بين الدائن والمدين ربا؟. أليس ذلك يعد نوعا من أنواع التجاره؟. لماذا هي تجارة الطماطم مسموحا بها، ولكن تجارة المال نفسه يعتبرها بعض "فقهاء الدين" تعاملا بالربا؟. كنت إستمع الى محطة الشارقه الفضائيه، وكان المتحدّث فيها أحد شيوخ الدين المعتبرين، وكان بطبيعة الحال يتحدّث عن أزمة العالم الإقتصاديه التي تعاني منها الآن أغلب دول العالم.... إن لم نقل كلّها؛ ولكن البعض مازال إما نائما، أو هائما، أو غافلا، أو متغافلا، أو مكابرا، أو أنه مازال يعيش في زمن تتم فيه المبايعه بتبادل البضاعه.... مثلا أعطني شوال قمح، وأنا أعطيك خروفا وربنا يسامح الجميع. المهم أن ذلك الشيخ الملتحي كان ينصح بأن التعامل بالبيع والشراء ( خبز ، وطماطم، وما على شواكلها) يعتبر تجارة مجازة شرعا؛ أما المتاجره بالمال فهي تعد "حراما" لايجيزه الله. لا أدري من أين أتى شيخنا المبجّل بتلك المعلومه أو لنقل "الفريّه".

ربط الله أخذ الربا بأكل أموال الناس بالباطل، وقد تكون في هذا دلاله على أن الربا ربما يعني تلك الزياده في مقدار الفائده التي ربما فرضت لاحقا بعد أن تم الإتفاق لأسباب ربما يكون دافعها الجشع، وتحقيق مزيدا من الكسب. ربما يعني الربا تلك الزياده من طرف واحد قي قيمة الفائده في وقت لايجد فيه المقترض بدا من الرضوخ للأمر الواقع بعد أن سدت أمامه كل السبل، ولم يعد يتمتع بذلك العرض التنافسي لأسباب معينه. إن ذلك إن حدث يعد لامحالة ظلما، وإستيلاء على أموال الغير بدون وجه حق، وفي هذا ربما لايختلف إثنان على أن مثل هذا النوع من التعامل لم يكن ناتجا عن إتفاق من حيث المبدأ، ولم تتم كتابته، ولم يشهد أحد عليه؛ وهنا نستنتج بكل وضوح أن شروط التعامل التي ذكرها الله في القرآن لم يتم إتباعها، وبذا يمكن الحكم على أن ذلك المال المكتسب من الزياده الغير مشروعه في سعر الفائده ربما يعد غير شرعيا، ومن ثم فهو يعتبر مالا مغتصبا، وبذلك فيجوز إعتباره من الزياده الغير مشروعه في المال؛ وهنا يمكن تسميته بالربا. قال الله تعالى: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) سورة النساء، آية 161. ربما في هذا نجد بعض التوضيح عن الربا... شئ يؤخذ ـ أي أنه ليس وفق عملية تجاريه ـ ولم يكن وفق تعامل متفق عليه سلفا، وربما لم يكن قد تم تدوينه في وجود شهود.... فالشئ الذي يؤخذ ربما ليس بالضروره أن يكون قد أخذ نتيجة إتفاق ، وقد يكون أخذ على هيئة هبه، أو "بخشيش"، أو كضريبه، أو فائده، أو ربما حتى كجائزه في مسابقه. هناك في تلك الآيه ربطا واضحا بين أخذ الربا، وأكل أموال الناس بالباطل فهل يساعدنا هذا على إيجاد تعريفا أكثر قبولا للربا؟.

. هنا بيّن الله لنا بأن الربا ليس كمثل البيع؛ لكن الله لم يعرّف لنا الربا، ولم يذكر لنا أوجه الفرق أو الفروق بين الربا والبيع. نحن نعرف البيع بأنه عملية تسليم ما تمتلك ولا تريد لطالبا له بثمن تتفقان عليه؛ وما إن يدفع الشاري ثمن البضاعه، وما إن يرضى البائع بالعرض، ويقبله بمحض إرادته حتى تتم عملية البيع. البيع بدون شك يعتبر جزءا من التجاره، وليس التجاره نفسها، والتي تعني عمليات الشراء،والبيع المتتاليه وما ينجم عن ذلك من أرباح أو خسائر.

ذكر الله البيع 7 مرات في القرآن.. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) سورة الجمعه، آية 9، وذكرالشراء 13؛ حيث قال: ( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) سورة آل عمران، آية 199، وقال أيضا: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) سورة آل عمران، آية 77.، وقال الله تعالى كذلك: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) سورة لقمان، آية 6. ثم تحدّث الله عن عمليات البيع والشراء كعمليتين متكاملتين حيث أنه لكل بائع لابد من شار يشتري بضاعته: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) سورة التوبه، آية؛ 111؛ وتحدّث الله عن البيع، وتحدّث عن التجاره كأمرين مختلفين حيث قال: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ) سورة النور، آية 37.

وتحدّث عن التجاره بإعتبارها تكاملا لعمليات البيع والشراء، ثم ربما البيع ثانية، وهكذا؛ فذكر الله التجاره 8 مرّات في مواضع مختلفه من القرآن الكريم.

التجاره كما نعرفها لا إختلاف عليها. تقوم بشراء بضاعه معينه بسعر معروف؛ ثم تقوم ببيعها حسب الطلب، وقد تغيّر الأسعار بين يوم وآخر حسب المنافسه. أنت من يحدد سعر البيع، ولا يلزمك أحدا بأن تذكر الثمن الذي دفعته أنت عندما إشتريت هذه البضاعه، ومن هذا المنطلق فإن الشاري لا يعرف كم كسبت أنت من عملية البيع. يقول الله تعالى في باب التجاره: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) سورة النساء، آية 29. تجارة عن تراض بين البائع والشارئ؛ لكن الله سبحانه وتعالى لم يحدّثنا عن مكوّنات تلك التجاره ولا نوعيتها، وإنما فقط إشترط علينا "التراض"....أي أن تناقل المال بينكم يعتبر من باب التجاره إذا تمت تلك العمليه "بالتراض". بالطبع لم يحدد لنا الله الشكل الذي به ينتقل المال بين الأيادي والجيوب.. بمعني لم يذكر لنا الله أن الوسيله الوحيده "المحلله" تكمن في عمليات شراء وبيع مكوّنات التجاره التي نعرفها مثل المواد الغذائيه، والملابس، ومواد البناء، وما إليها؛ لكن من الواضح أن مكوّنات التجاره في عهد الرسول، والصحابه الأولين، ومكوّناتها اليوم تختلف تماما من حيث النوعيه، والكيفيه، والكميه أيضا. فمثلا لم يعرف الناس حينها تجارة النفط، ولا برامج الحواسيب، ولا أقراص الآغاني المدمجه، ولا تجارة الأسهم. كذلك لم يكن الناس حينها يعرفون المصارف، وعمليات التجاره المصرفيه من بيع القروض، وبيع السلف المصرفيه، وبيع السندات، وبيع وشراء الأموال نفسها. هل من العقل أن نستند الى أقوال الأولين، وشهاداتهم، وفتاويهم في أشياء لم يكونوا يعرفوا عنها شيئا، ولو في الخيال؟. أظن أن ذلك لا يعد عدلا، ولا إنصافا لنا جيل اليوم، ولا يعتبر إنصافا لهم أيضا أن نقوم بإستخدام فتاويهم حينها في أمور حياتيه تحدث بعد 1400 سنه من إصدار تلك الفتاوى، أو أن نقوم بتطبيقها من باب "القياس" على شئون لم تكن معروفه في وقتهم على الإطلاق. إننا بذلك لا نظلمهم فقط، بل نحن نسئ اليهم بدون ما نشعر كأن نعرضّهم للسب، والتقليل من شأنهم عندما نستند الى حكمهم في أمور لم يحكموا فيها ولم يكونوا حينها قد عنوها.

وهناك أيضا عمليات التداين بين الناس التي لم يغفلها الله فضمّنها في كتابه العزيز؛ حيث قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) سورة البقره، آية 282. ونرى هنا أن الله وصف التداين ( وهو مشروع) بالمبايعه؛ أي التبايع في الدين، والتبايع لابد وأن يتم بأخذ وعطاء، وكل عملية لها ثمنها. عندما تتم عمليات التبايع بالدين ( وفي هذا تدخل عمليات الرهان، والفائده، والأرباح الأخرى من تسمية للأسهم، وإستثمارات، وما إليها من العمليات المصرفيه) يأمرنا الله بكتابة المداينه مهما كان نوعها حيث قال " إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ " أي وثّقوه في وجود شهود ترضون عنهم.... في عهدنا الآن تتم كل تلك العمليات تحت غطاء قانوني يقوم بتوثيقه على الواقع أناس مهنيون يسمون بالمحامين، أو محرري العقود؛ وتفصل المحاكم في كل الإشكالات التي ربما تصاحب أي من هذه التعاملات الماليه. وهناك أيضا عمليات التبايع في الأموال كالذي يحدث بين المصارف، وأسواق العمله.. يقول الله تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) سورة التوبه، آية 24. وتحدّث الله عن التأجير: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) سورة القصص، أية 27.

والذين يتحدثون عن معاملات مصرفيه واضحه، وشفافه 100% ويحرّمونها في حين لايتحدّثون عن سرقة المال العام، والرشوه، والعمولات، والغش المباشر والغير مباشر؛ إنما هم يغفلون كلام الله: (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) سورة التوبه، آية 85، ويقول الله تعالى أيضا: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) سورة الحديد، آية 20، ويقول أيضا: ( إِنَّمَا الحيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ) سورة محمد، آية 3.

الأزمه الماليه الحاليه

بسبب الأزمه الإقتصاديه التي يعاني منها العالم الآن بدأنا نسمع "لمتشّفين"، وبدأنا نسمع "الشامتين"، وبدأنا نسمع أيضا "الفطاحل" وهم يعرضون خدماتهم المصرفيه "الإسلاميه" على العالم، وكأننا نحن المسلمون نمتلك نظاما إقتصاديا متطورا وناضجا يسير وفق مقتضيات الشريعه الإسلاميه بكل شفافيه وصدق. لمن تقولوا هذا الكلام وأنتم أول من كان يهرّب الأموال ويستثمرها في المصارف السويسريه، ومصارف أمريكا.

دعونا أيها الإخوة نكون واقعيين، ومنطقيين، وفوق كل شئ إنسانيين. لماذا أيها السادة نعتبر أنفسنا دائما "غرباء" في هذا العالم؛ وكأننا خلقنا من طينة مختلفه؟. لماذا نحن المسلمون دائما نرى أنفسنا مضطهدين، ومحتقرين، وربما أيضا مهمّشين. نحن وللأسف نرى العالم من حولنا وكأنه مخالب، وأنياب مكشّره تنتظر اللحظه المناسبه للإنقضاض علينا وإلتهامنا. علينا أيها الساده أن نكوك بشرا مثل غيرنا، وأن لا نشمت لمآسي الآخرين حتى وإن إعتبرناهم أعدائنا لأننا في نهاية المطاف بشر مثلهم، وقد يلمّ بنا ما لمّ بهم؛ وقد نحتاج اليهم لتخفيف كرب الحياة التي قد تصيبنا. ماذا أيها المسلمون لو أن الإقتصاد الأمريكي كان قد إنهار تماما.. هل تظنون بأننا سوف نكون في مأمن؟. لا.. إن إقتصادنا سوف لن يصمد، وكل أمور حياتنا سوف تصاب بالشلل؛ لأننا لانستطيع الإعتماد على أنفسنا في أي شئ، وعلينا أن نكون واقعيين؛ حتى لا ننتهي ونحن نعيش في عالم الخيال. هل تعلمون أيها الساده أن إقتصاديات الدول العربيه كلّها مجتمعه بإحتياطات نفطها، وأرصدة حكامها في سويسرا لاتساوي ثلثي إقتصاد أسبانيا لوحدها؛ وبأن كل أموال القاره الأفريقيه مجتمعه لاتساوي أموال فنلنده التي ينادي بعضنا بمحاصرتها إقتصاديا حتى تدفع الى الإفلاس؟. ألسنا نعيش في عالم ألف ليله وليله؟.

نحن جزء من هذا العالم، ولا يوجد من يضطهدنا غير أنفسنا، ومن غير أهلنا الذين يتحكّمون في رقابنا. العالم لايضطهدنا، ولا ينتظر اللحظه المناسبه للقضاء علينا، أو إلتهامنا. نحن من نهين أنفسنا، ونحن من يرضى بالذل، ونحن من يعتمد على الغير... ونحن لم نعرف قيمة أنفسنا لأننا محطّمون، ولأننا مهمّشون، ولأننا محقّرون؛ ولكن الذي يفعل كل ذلك بنا ليس هم، بل "نحن"، وأن الذي يفعل بنا كل هذا، وأكثر.... هم حكّامنا الحقراء.

بدأنا نستمع الى الآراء تأتي تباعا من كل مكان في عالمنا العربي، والإسلامي وهي تشخّص أسباب الأزمه الإقتصاديه التي يمر بها العالم الآن على أنّها بسبب "الربا"، و"الغش"، وعلى أنّها "لعنة الله". كفانا هراء، وكفانا شماتة؛ وعلينا أن نكون واقعيين، ومن الفاهمين لأمور ديننا إذا كنا بالفعل نريد غيرنا أن يلتجئ الى الإسلام ليجد فيه الحلول الملائمه لبناء إقتصاد عالمي حقيقي مبني على القناعه، والشفافيه، والصدق. نعم في دين الإسلام يوجد المخرج، ولكن ليس كما يفسّره "علماء ديننا" ذوي اللحي الشاعثه، والسروايل المشمّره، والكروش الكبيره؛ بل كما وضعه الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز الذي أرسله للعالمين جميعا. علينا أيها الساده أن نحاول فهم كتاب الله كما يجب، وكما يتمشّى مع عصرنا بأفكار نعيشها؛ وليس بإجتهادات مضى عليه أكثر من ألف سنه... وبذلك فقط نصبح نحن رسل الخير، والمحبه، والسلام لكل متعذّب، أو محروم، أو متذمّر نتيجه لهذه الأزمه والتي سوف تنتهي كما إنتهت أزمات قبلها مثلها أو ربما كانت أكثر حدة منها. هم أيها الساده سوف يتعلّمون من أخطائهم، وسوف يصلحون أمورهم ... فهؤلاء الناس لايتنكرون للواقع، ولا يزيّفونه، ولايغطّون عنه كما غطّينا نحن من قبل على كل هزائمنا، وإنكساراتنا. هؤلاء الأقوام يعيشون الواقع، وينتقدون أنفسهم علانية، ويشرعون فورا في البحث عن البدائل وهم في ذلك يستندون الى لغة العقل؛ والكلمة الأخيره عندهم هي دائما لنتائج الأبحاث العلميه... وليس لفتاوي رجال الدين.

لو كان بإمكاننا أيها الإخوه طرح البدائل للعالم لكان حالنا أحسن من غيرنا، ولكانت أمتنا أكثر تقدّما، أو على الأقل لكانت حياة أبنائها أكثر رخاء.. لكننا لم نكن كذلك أبدا قبل هذه الأزمه، ولن نكون كذلك بعد إنجلائها؛ وعلينا أن نتوقف عن هذه المكابره، وذلك التبجّح. أنا كم تمنيت لو أننا بالفعل كنا كذلك، وكم تمنيت لو أننا بصدق درسنا ديننا وفهمناه جيدا، وعملنا كما أمرنا الله ؛ لأننا لو فعلنا ذلك لكنا بصدق روّاد التقدّم والحضاره... فديننا، وقرأننا ظلاّ بين أيدينا لما يزيد عن 1400 سنه فماذا فعلنا بهما لأنفسنا؟. إننا الآن.... والأن فقط نريد أن نخرج الى العالم لنقدّم لهم الحل الجاهز وعلى طبق من فضه، ونقول لهم... إن كل الحلول الإقتصاديه هي موجوده في الدين الإسلامي. لو كان الأمر كذلك ـ وأنا على يقين من أنّه فعليا كذلك ـ لكنّا نحن السبّاقين في كل شئ.

نعم إن في الإسلام يكمن الحل، ولكن هل بحثنا في ديننا بكل صدق وواقعيه من أجل العثور على ذلك الحل؟. الإجابه.. لا، وألف لا. نحن أضعنا عمرنا في التوافه، والفتاوي "السخيفه"، والتفسيرات "الغبيه" لكثير من كلام الله لأننا وللأسف ظل تفكيرنا جامدا، ولم يتطور أبدا، وظلّينا نستشهد بأقوال، وتفسيرات أولئك الذين عاشوا في القرن الأول للميلاد، وليس للهجره ؛ فلو كان الأمر كذلك لكنا ربما أقرب الى الواقع مما نحن فيه الآن.

متى قال الله تعالى أيها "المفسّرون" بأنه يحاسب البشر، أو يعذبهم في الدنيا؟. الله قال لنا: ( مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ) سورة الشورى، آية 20. أما لمن قال بأن الله ينتقم من هؤلاء لأنهم كانوا يتعاملون بالربا... فأقول إن الله لايعذب أحدا في الدنيا (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ) سورة فاطر، آية 45 . نعم لقد عذّب الله أقواما من قبلنا نتيجة لأعمالهم المغشوشه، ونعم إن الله دمّر قرى، وقضى على أمم بكاملها لأنهم عصوا أمره؛ لكن ذلك كان في وقت نشوء الدين لغاية، وأسباب يعلمها الله. ربما ليكون كل ذلك عظة وتذكرة للناس، وربما كان دين الله ينزل الى الناس على مراحل، وربما كانت تلك رسالة من الله لعباده لكي يتأكدوا بأنه يعني ما يقول. مهما كانت الأسباب ، ومهما كانت التفسيرات؛ فتضلّ أحداث الماضي التي ذكرها الله في قرأنه مجرّد أحداث وقائع لأمم خلت، وكان كل ذلك قد حدث قبل ختام رسالة الله الى البشر على لسان نبينا محمد عليه السلام..... لقد تم كل الذي نقرأه في قصص القرآن في زمن الأنبياء والرسل، وربما قبلهم أيضا. كان الناس حينها مازالوا يتلقّون الوحي من الله عن طريق الأنبياء والرسل؛ ولكن بمجرّد أن أكمل الله لنا ديننا، وأتم نعمته علينا (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) سورة المائده، آية 3. قال لنا الله بعد ذلك إنني سوف أترككم الى أجل مسمى: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) سورة طه،آية 129 ، وقال (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) سورة العنكبوت، آية 53 . قال الله لنا .. لكم الحريه الكامله في دنياكم، وبإمكانكم أن تفعلوا ما تشاءون؛ ولن يصيبكم عذاب في الدنيا أبدا إلا بما فعلت أيديكم. قال الله لنا إنني ناظركم الى يوم البعث (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) سورة إبراهيم، آية 41، وقال أيضا (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ) سورة ص، آية 53.... ذلك هو اليوم الذي يحاسب الله فيه كل منكم بما فعل في دنياه ؛ وحينها لن ينقص عذابكم في الدنيا شيئا من نصيبكم من العذاب في الآخره؛ لأن ما آصابكم في الدنيا لم يكن من عند الله، بل كان من عند أنفسكم ( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) سورة الشورى، آية 30؛ وهناك يكون الله عادلا، وعدله سيكون ـ كما هو الآن ـ مطلقا.

الإسلام والعلمانيه

على المسلمين في جميع أنحاء العالم البرهنه على أنفسهم، وتحديد إتجاهاتهم وتفكيرهم. السؤال الملح الذي يفرض نفسه علينا جميعا هو: هل الإسلام هو شجرة الحياة، أم أنه مجرد فرع في هذه الشجره؟. إذا تمكنا من الإجابه الشافيه على هذا السؤال نستطيع بعدها أن نفهم أنفسنا، ومن ثم نقدّم أنفسنا الى العالم؛ والعالم حينها فقط سوف يتمكّن من فهمنا، والإطمئنان الينا. وقد يقول قائلا: وما حاجتنا نحن الى العالم إذا كان بأيدينا نصا ربّانيا لاريب فيه؟. نعم هذا التوجّه، أو التفكير هو أيضا مقبولا بالنسبه لنا كمسلمين نؤمن بهذا الكتاب أبا عن جد؛ ولكن ماذا عن أولئك الذين لايعرفون عنه شيئا، أو هم غير مقتنعين بما نقول نحن؟. هل نتجاهل كل أولئك ونقول بين أنفسنا "وما يضير السحاب نبح الكلاب"، أو "القافله تسير والكلاب تنبح"؟.

أنا شخصيا أؤمن إيمانا صادقا بأنه لافرق بين الإسلام والعلمانيه على الإطلاق؛ وعلى أن الإسلام يمثّل شجرة الحياة، وكل شئ في هذه الحياة هو فرع من تلك الشجره.

قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) سورة الأنبياء، آية 107، ويقول أيضا: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) سورة الأنعام، آية 38. إذا.. إذا نحن تمكنّا من تعريف أنفسنا، وتوضيح رسالتنا؛ فإننا لا محاله سوف نخرج من ذلك الجدال العقيم.. إسلامية الدوله، أو دولة الإسلام؟.

إذا كنا نؤمن بأن الإسلام هو مجرد ملف من ملفات حياتنا؛ فعلينا أن نطالب بفصل الدين عن الدوله؛ كما كان قد فعل من قبلنا العالم الغربي الذي عانى الويلات في القرن الخامس عشر الميلادي من هيمنة الكنيسه على كل نواحي الحياة، وسيطر حينها المتشددون الدينيون الذين كانوا يفتقرون الى "مفهوم شامل للحياة". كانوا يرون كل شئ من منظور الدين والعباده، وبذلك المفهوم الضيّق ضيّقوا الحياة على الناس؛ وعندما بدأ العاقلون في إعلان العصيان لم يعجب ذلك أساطنة الكنيسه "الرهبانيون"؛ فبدأوا حينها بالشروع في فرض هيمنتهم بإسم الإنجيل، والروح المقدّس، واليسوع، وما إلى ذلك من مفاهيم كانت متواتره في ذلك الوقت. عمد القساوسه، والرهبانيون الى تسويق الدين للناس؛ لكنهم فشلوا في ذلك أيما فشل... لماذا؟. كان رجال الدين المسيحيون ينظرون الى الدين على أنّه هو الدوله، وينظرون الى أنفسهم المتحدّث المفوّض بإسم الله فإحتكروا التصرّف في كل مجريات الحياة، ومنعوا الناس من البحث والتفكير بعيدا عن ما كانوا يسوّقونه لهم. عندما بدأ الناس يفكّرون عاليا من أمثال "جاليلّوا"، و "كوبر نيكوس"، وحتى "إسحاق نيوتن" كان رد فعل الكنيسه " التكفير" و"التنكيل"، ثم "الحرق" بالنار. لم تتمكّن الكنيسه من مواكبة العصر فثار الناس على الكنيسه، وبدأت الدعوات الملحّه حينها لفصل الدين عن الدوله؛ وذلك ما حدث لأوروبا بعدها. هل تأثرت أوروبا من التخلّص من سيطرة "الدين"؟.. بالطبع لم تخسر أوروبا بالمعنى المجازي للخساره. تقدّمت أوروبا الى الأمام بخطوات متسارعه، ولحقت بها أمريكا بعد ذلك، ووصل العالم الغربي الى ما هو عليه اليوم من تقدّم وإزدهار في كل مناحي الحياة.... ولكن؟.

هل كان كل ذلك التقدّم والإزدهار في حياة الإنسان الغربي من إقتصاد، وحرية، وكرامه كان تقدّما حقيقيا، أم أنه ربما كان تقدّما مؤقتا أو لنقل "ظاهريا"؟.

إن الذي تعاني منه أسواق المال هذا الأيام، وما آل إليه إقتصاد أوروبا إلا دليلا على أن فصل الدين عن الدوله برغم كل إنجازاته التي تحققت؛ لم يكن قرارا متوازنا أو لنقل "حكيما"؛ ولكن هل يعني هذا أن أوروبا كان عليها أن تبقى تحت سيطرة الكنيسه، ورحمة وتفكير أولئك الذين كانوا يكذبون على الناس، وكانوا يبيعونهم "صكوك الغفران" لتحقيق مآرب آنيه دنيويه لا علاقه لها بالدين أو التديّن؟. بالطبع لا، وإلا لكنا بقينا في ظلام العصور الوسطى، ولظل التخلّف، والعقليه المتجمده يسيطران على كل مناحي حياتنا. ماذا كان على أوروبا أن تفعل في وقت كنا فيه نحن نلملم جراحنا، ونبكي هزائمنا وإنكساراتنا التي كنا قد ألحقنا بها أنفسنا في الأندلس، وغيرها من البقاع التي كنا قد حكمناها، وسيطرنا على معالم الحياة فيها؟.

لو أن رجال الكنيسه في أوروبا كان لهم بعد نظر، ولو كانت لهم مدارك متّسعه وفهم أشمل للحياة لكانوا إحتظنوا، ورعوا، وشجّعوا جميع أنواع تفعيل العقل ... لكن ضيق أفق رجال الكنيسه، وضحالة تفكيرهم، ومحدودية ثقافتهم؛ لم تمكّنهم من التفاعل مع الحياة ففاقد الشئ لا يمكن له أبدا أن يعطيه... وما تستطيع أن تدفع إلا من ما كان في جيبك!.

بينما كانت أوروبا تتقدّم الى الأمام بعد أن أزاحت الدين من طريقها، كان العرب في أوج أيام إنتصاراتهم لكنّهم بعد أن قرروا التوقّف عن التمدد في إسبانيا؛ لم يبق لهم ما يوحّدهم. ظلّ العرب متوحدين بعد إنتصار العباسيين الساحق على الأمويين، وظلّوا كذلك طيلة رحلة فتوحاتهم التي إتجهت غربا عبر شمال أفريقيا، ومنها شمالا وعبر المتوسط الى الأندلس. لم يكن "الإسلام" وللأسف ما كان يوحّدهم؛ بل كانت الإنتصارات المتواصله، والفتوحات المتتاليه، والولوج الى عوالم جديده لم يكونوا يعرفوا عنها من قبل؛ والدليل هو أنهم بمجرّد التوقف عن "الفتوحات" حتى شرعوا في إنشاء ممالك متنافسه في بادئ الأمر، ثم إذا بها تصبح متناحره في نهاية المطاف... الأمر الذي أدّى الى بعث الثقه في قلوب المسيحيين الذين ظنّوا بأنهم لن تقوم لهم قائمه بعد هزائمهم الكبرى في إسبانيا. زحف الأوروبيون بزعامة الأميره الشابه "إيزابيلا" ـ والتي كانت قد توّجت ملكة حديثا ـ على مواقع العرب في الشمال أولا؛ فهالهم ما رأوا. كان أول إنتصارهم على العرب سهلا جدا، فواصلوا الزحف جنوبا حتى سقطت كل ممالك الأندلس العربيه في أيديهم، وكانت آخر المفاجأت لإيزابيلا وعشيقها الشاب أن ملوك ممالك الجنوب الإسباني العرب بعد أن يأسوا من هزيمة إيزابيلا بدأوا في الإقتتال فيما بينهم فزاد ذلك من تسارع تقدّم المسيحيون حتى تمكنوا من طرد العرب من إسبانيا، بل واللحاق بهم الى ديارهم في المغرب وبقية شمال أفريقيا. إنهزم العرب "المسلمون" وتحيّن الأتراك الفرصه فبنوا إمبراطوريه عثمانيه على أتقاض الإمبراطوريه العربيه؛ لكنّهم وللأسف لم يستفيدوا من الدرس؛ فقد ظل رجال الدين على رأس السلطه في هذه الإمبراطوريه الجديده والتي بدورها كان يوحّدها ويحافظ على تماسكها ـ ليس الإسلام وإنما ـ الإنتصارات المتلاحقه في ميادين القتال .

بعد أن إستقر الحال للأتراك، وبلغوا الهند والسند؛ أحسّوا بأنّهم بلغوا ما كانوا يصبون إليه فتوقفوا عن القتال، وإتجهوا كما فعل أسلافهم الى إنشاء الممالك التي هي بدورها بدأت تتناحر على السلطه والنفوذ الى أن لحق بهم الأوربيون مرة أخرى في الحرب العالميه الأولى فقضوا على ما تبقى من أمجادهم، وتم تقسيم الإمبراطوريه العثمانيه، وتملّكوا سلطنات بني عثمان بحيث بدأت تركيا نفسها مهدده في عقر دارها. خرجت تركيا من هذه الحرب منهزمه منكسره، وتبخّرت تلك الأمبراطوريه التي كانت لاتغرب عنها الشمس هكذا وفي لمحة بصر، وبدأ الأتراك يلفظون أنفاسهم الأخيره إلى أن خرج من بينهم "المصلح" الجديد الذي تعلّم من الدروس الأوروبيه السابقه في فصل الدين عن الدوله، وكرر آتاتورك نفس السيناريو بكل أخطائه بأن أعلن فصل الدين عن الدوله، وبدأنا منذ ذلك التاريخ نسمع عن "العلمانيه" التي حلّت محل "العثمانية" . تلك الكلمه الرنانه أصبحت اليوم حلما لكل "الإنفتاحيين" من العرب "الشيوعيين".

يبقى نفس السؤال بدون إجابه.. هل العلمانيه هي الحل؟. أنا شخصيا لا أظن ذلك أبدا؛ مع أنني من المنادين وبكل قوة الى إنهاء هيمنة " أصحاب اللحي" على مناحي الحياة في بلادنا، ولا أرى مطلقا حلا وسطا في هذا المجال.

بدون شك أن الثوره الثقافيه، وهيمنة شبكة المعلومات على كل شئ في حياتنا كانت قد فلّصت سلطة " شيوخ الدين" وأصبحنا نجد كل إحتياجاتنا "الروحيه" بعيدا عنهم؛ فلم يروقهم ذلك أبدا. هناك طائفة أخرى في عالمنا العربي والإسلامي تضررت هي بدورها وبشكل مروّع من تحوّل العالم الى قرية صغيره... تلك هي طائفة "الحكّام" الديكتاتوريون. من المؤكّد بأن هؤلاء "الفراعنه" قد عرفوا الآن بأن البساط كان قد سحب من تحت أرجلهم؛ لكنهم بدون شك لن يستسلموا، وسوف يبحثون عن كل وسيله لإختراق هذا العالم الغريب عليهم، والذي أثبت على أنه كان قد بني على أسس علميه متطوره جدا كانت بكل المعايير خارج نطاق تفكير أولئك المتزمتون الذين يفلحون الى درجة "التفوّق" في التفنن في كل أشكال العنف ، والسيطره ؛ لكن هذا النوع من البشر لايعترف بالهزيمه، ولا يقر بإنتصار العلم؛ ومن ثم فإنهم سوف يتمكنون من البقاء رغم كل النوائب.

ما هو الحل؟

الحل ربما ليس هو بذلك السهل، لكنه لا محاله ليس بالمستحيل. علينا نحن المسلمون جميعا أن نجلس ونفكر في كل شئ من حولنا. علينا أن "نتمرّد" عن مفاهيم رضعناها في حليب أمهاتنا، وتربينا عليها منذ نعومة آظافرنا؛ بل إننا ظلّينا نعلّمها لأطفالنا، وهم بدورهم ـ لو إستمعوا إلينا ـ سوف يعلّمونها لأطفالهم، وهكذا.. لكن هل بإمكاننا تغيير هذا الواقع المتوارث؟.

الإسلام هو الحل ولا أجد بديلا عن ذلك أبدا... ولكن بشرط وحيد هو أن نفهم جميعا بأن الإسلام هو شجرة الحياة، وكل مناحي الحياة بجميع أشكالها، وأطيافها، ومفاهيمها، وأنماطها يجب أن تكون فروعا لهذه الشجره. هل تستطيع هذا الشجره تغذية كل فروعها، والمحافظه عليها من الجفاف، والموت؟. هذا هو السؤال الذي يجب علينا البحث في إجابة شافية عليه.

إذا كان الإسلام يعني الحياة، وإذا كانت الحياة بهذا التنوّع الذي نعرفه، وبذلك التنوّع الذي سوف يأتي مستقبلا.. هل بإمكان أولئك "الشيوخ" المنغلقين الخروج من مجرد العنايه بالفرع الى العنايه بالكل؟. أنا إستطيع أن أجيب على هذا التساؤل بالقول بأنه من المستحيل على هؤلاء الناس أن يستوعبوا الحياة ، أو أن يتصوّروا حتى أبعادها. لقد ظل شيوخ الدين في عالمنا الإسلامي يعيشون الماضي، ويعتمدون عليه في كل شئ. الماضي لايمكنه ابدا أن يسيّر الحاضر؛ لأن الحاضر يعتبر بكل المعايير أكبر تطورا من الماضي، وعلينا أن نعترف بهذه الحقيقه كبدايه. شيوخ الدين يقولون لنا في حديث نسبوه الى النبي عليه السلام: "إن خير القرون قرني هذا، ثم الذين يلونه، ثم الذين يلونه" . "علماء" الدين في بلادنا يصمّون أذاننا بالحديث عن "السلف الصالح"، ويستدلّون ب "إجتهادات" أجدادنا السابقين لتفسير أمورا حياتيه نعيشها اليوم. كيف بالله عليكم نستدل بما قاله إبن سينا أو الرازي في الطب مثلا، أوجابر بن حيّان أو الخوارزمي في عالم الرياضيات، أوعبّاس بن فرناس في علم الطيران، أو غيرهم من أولئك العلماء الذين بصدق كانوا علماء في زمانهم، وكانوا عباقرة في وقتهم بدون شك، ونحن نجلّهم ونحترمهم؛ لكن أفكارهم مهما كانت عظيمه في وقتهم لايمكنها أبدا أن تفسّر مسارب، وتشعبات حياتنا اليوم؛ كما أن أفكارنا اليوم لا يمكنها أبدا أن تفسّر أحداث الغد وعلينا أن نعترف بذلك.

كان الكندي، إبن سينا، والفارابي، والخوارزمي، وإبن النفيس، وغيرهم من علماء الإسلام القدماء يفقهون في كل شئ، مع أن بعضهم ربما إشتهر في مجال أكثر من غيره.. كانت تلك هي سنة وطبيعة الحياة حينها؛ حيث أن العلم كان في مهده وحداثته، وحيث أن مسارب الحياة كانت ـ على الأقل بمقاييسنا اليوم ـ ضيقه، وبسيطه جدا. كان عدد المتعلمين قليلا جدا، وكان مستوى التعليم متواضعا؛ لكن أولئك الذين أبدعوا في مثل تلك الظروف بدون شك كانوا نابغين، واذكياء، وربما كانوا عباقرة زمانهم لأنهم بكل بساطه تفرّدوا عن الآخرين في ظروف كانوا يعيشون فيها جميعا. كان الشخص حينها يفقه في كل شئ، وكان كل عالم يعتبر حكيم زمانه يفصل في جميع شئون الحياة، لأن الحياة حينها كان يسيّرها العقل، والحكمه المكتسبه من الوسط المحيط. ربما كان ذلك النوع من "الموسوعات البشريه" ضرورة في ذلك الوقت؛ لكن هل بالإمكان المحافظه على ذلك النمط من الحياة؟. بالطبع لا؛ وإلا لما تخصص الناس في عصرنا في فروع دقيقه جدا يتعلّق كل منها بجانب مهم من حياتنا، وربما سوف يأتي بعدنا من يقر بأن تخصصاتنا الرفيعه هذه التي نفتخر بها الآن ما هي إلا عموميات في عالم الغد؛ وعلينا الإعتراف بهذا وبدون خجل أو حساسيات. العالم من حولنا يسير بسرعه، وعلينا إما أن نواكبه، وإما أن نفسح الطريق لغيرنا... ليس لنا من خيار منطقي غير هذا.

ما هي البدائل؟

أنا لست من يضع البدائل، ولا أظن مطلقا بأن البدائل يجب أن تأتي من شخص واحد. نحن جميعا من يضع البدائل، ونحن من يسعى الى تطبيقها؛ فهذه هي حياتنا، ونحن مسئولين عنها.

أنا أريد هنا أن أطرح بعض الأفكار، وأتمنى من كل من يقرأ هذا المقال المتواضع أن يقول رأيه فيه سلبا أو إيجابا؛ طالما أن الهدف يكمن في البحث عن الأصلح:

1 ـ تحديث طريقتنا في تقديم الإسلام للآخرين:

في بدايات الإسلام الأولى كانت الصرامه والشده من الأمور اللازمه لنشر رسالة الإسلام، وذلك ربما لأن العالم وقتها كان لايعرف شيئا عن الإسلام؛ كما أن مقاومة التغيير كانت قويه جدا وذلك لتشبث الناس بمعتقداتهم التي كانوا ربما يظنون بأنها الأفضل. بعد إنتشار الإسلام، وتحّول الديانة الإسلاميه من دخيل جديد، الى حقيقة واقعه؛ وبعد أن إكتملت رسالة الإسلام كما أرادها الله توقفت التوصيات فلم تعد هناك حاجة الى المزيد. لقد إبتدأ الدين بالإسلام، وختم بالإسلام، وكرّم الله العرب بأن جعل آخر الأنبياء من بينهم، وبأن جعل ختام المسك بلغتهم.. وأي تكريم أكبر من هذا لمن يريد أن يتدبّر. إنتهت رسائل الله الى البشر، وإنتهى معها زمن الرسل والأنبياء، وكان محمدا صلّى الله عليه وسلم آخرهم، وبرهنت القرون اللاحقه على صحة ذلك الكلام فلم يخرج علينا من قال بأنه نبي جديد.

بعد أن أكمل الله دينه، طلب من الناس بأن لايكرهوا أحدا عليه؛ قال الله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) سورة البقره، آية 256. لماذ إذا يصر الوهابيون في السعوديه على إجبار الناس على تتبع طقوس، وإرتداء تلك التلابيب التي ما أنزل الله بها من سلطان. ثم عن أولئك الذين في ليبيا في فترة سابقه كانوا يجولون الشوارع في شهر رمضان وهم يبحثون عن الفاطرين فيلقوا عليهم أمعاء الحيوانات، وفرثها. هل هذا ما دعانا الله لفعله، أم أننا أحرص على دين الله من الله نفسه؟.

هناك أيضا آساليب المتشددين من "المسلمين" الذين يسرعون الى تكفيرك ـ والعياذ بالله ـ بمجرد أن تختلف معهم في أمر ما؛ أحيانا هم أنفسهم لايستطيعون الجزم فيه. ثم ننتفل الى أولئك الأغبياء ـ أغبياء القاعده ـ الذين أرادوا نشر الإسلام بالعنف، وتفجير الطائرات، أو قطارات الأنفاق، أو حافلات الركاب، أو دور عرض السينما.. هل هذه هي تعاليم الإسلام كما وردت في كتاب الله؟. يقول الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) سورة النحل، آية 125، ويقول الله تعالى : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) سورة آل عمران، آية 64، ويقول عزّ من قال (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) سورة العنكبوت، آية 46. هل آن لنا في أن نقول للناس بأن الله كان قد خلقهم جميعا، وهو المسئول عن إستمرارية حياتهم الى أن يأتي يوم البعث. نقول للناس وبالتي هي أحسن. .. نعم هلمّوا بنا نتعاون من أجل بناء حياتنا، والبحث عن إيجاد مستقبل لنا جميعا بدون إستثنا، أو إقصاء، أو تحقير، أو تقليل، أو تمييز.

2 ـ تحديد من يحق لهم الإفتاء:

الفوضى السياسيه التي تعم العالم الإسلامي تصاحبها فوضى في كل شئ؛ بما في ذلك فوضى في الشئون الدينيه. العالم الإسلامي، كما هو العالم العربي يشهد الفرقه، والتنافر، والكراهية أيضا بين دوله الأعضاء في المؤتمر الإسلامي، أو في الجامعة العربيه.. لماذا؟.

أليس كل حكام هذه البلاد مسلمين، وأليس كل هؤلاء الحكام يقولون بأننا مسلمون، وألم يقرأ كل هؤلاء الحكام كتاب الله؟. هل هم يفهمون ما يقرأون، أم أنهم كذلك الذي يحمل أسفارا، لايعرف ما هي، ولا إلى أين سيذهب بها، ولا متى يجوز له إنزالها من على ظهره؟.

في عالمنا الإسلامي وللأسف كل من يستيقظ من نومه أولا يقوم بإصدار فتوى؛ حتى أضحت الفتاوي فارغة لا قيمة لها.. لماذا؟. لأن دور الإفتاء في عالم المسلمين تتبع الحاكم، والحاكم في بلادنا لايخاف من الله، والذي لايخاف من الله لايمكنه أبدا أن ينصف أحدا. هناك الكثير من أولئك "الدعاة" المسلمين، والشيوخ الكبار من يتبع السلطان، ويأتمر بأمره ولو كان ذلك على حساب مخافة الله. إنني أحسست بالمراره، والأسى عندما رأيت الأستاذ الدكتور العلامه الشيخ القرضاوي وهو يقبل على خيمة العقيد القذافي، ويعانقه بالأحضان مقبلا يده واصفا إياه بأنه راعيا للإسلام. ذلك العلامه الشيخ يعرف جيدا مناقب القذافي، وتصرفاته ضد الإسلام والمسلمين؛ لكن بريق المال يبدو أنه أكثر توهجا من بريق نور الله عند هؤلاء المنافقين. الأستاذ الدكتورالشيخ العلامه عمر عبد الكافي هو بدوره زار خيمة العقيد القذافي، وإحتظنه، وقال فيه ما قاله الشيخ القرضاوي؛ وعندما أجزل له العطاء "المالي طبعا" في المرة الأولى، عاد ثانية ليحل ضيفا هذه المره على إبنة العقيد القذافي رئيسة جمعية وأعتصموا التي تسمى خيريه؛ لكن كل أموالها تأتي غصبا من أموال الشعب الليبي الذي لايعرف كم أخذ منه لهذا الجمعيه، ولا كيف تنفق هذا الجمعيه أمواله. الشيخ عبد الكافي يعرف عن يقين مآسي الشعب الليبي تحت حكم العقيد القذافي؛ لكن بريق المال بالنسبه له أيضا كان أشد وقعا من بريق نور الله. من أمثال هؤلاء عشرات الألاف كلهم من المنافقين الذين يخافون السلطان، ولا يخافون الله. هل تحدّث العلاّمه الشيخ عائض القرني عن العمولات التي تقاضاها الأمير سلطان بن عبد العزيز، وإبنه بندر؟. هؤلاء الناس وللأسف لايتركون شاشات التلفزيون للحظة واحده طيلة الأربع وعشرين ساعه وهم يرهبون الناس بإسم الإسلام، ويخيفونهم بإسم كلمات الله، ويضيقون حياة الفقراء عليهم بإسم الحرام، ومال الربا. قال القرني رادا على أحد السائلين من الغلابه الذي يدرس على حسابه الخاص في أوروبا وهو يستلف قرضا من البنك بفائده بسيطه جدا من أجل إعانته على إتمام دراسته.. عليك أن ترد ذلك القرض، ولو دعى الأمر الى أن توقف دراستك، وتعود الى بلدك؛ لأن الفائده ربا، والربا حرام. من أمثال هؤلاء هو من يفتي لنا في شئون حياتنا وللمراره. مادام حياتنا قد تغيرت، وتشعبت، وتنوعت، وأمورها قد تشابكت بهذا الشكل المعقد جدا.. هل يستطيع شيخ الدين "المتزمت" الذي لايرى من الدنيا إلا جهنم، ولا يسمعنا من القرآن إلا العذاب، والخزي في الدنيا والآخره؟. كيف يجوز لهؤلاء أن يفقهوا الحياة التي نعيشها الأن؟.

يجب أن يتشكل في كل دوله إسلاميه مجلسا للإفتاء يكون عدد أعضائه مائه يكون من بينهم شيخ الدين، الطبيب، رجل القانون، خبير الشئون الإجتماعيه، خبير الشئون العسكريه، خبير الإقتصاد، خبير القانون الدولي، خبيره في شئون المرأة والطفل، وخبير في اللغه العربيه أيضا لتفسير أيات الله كما وردت في كتابه العزيز. هذا المجلس المتنوّع هو وحده من يحق له الإفتاء في شئون الحياة، وشئون الدين. يتشكّل مجلس إفتاء أسلامي من رؤساء هذه المجالس يقوم بالإشراف على جميع شئون الإسلام في البلاد الإسلاميه. بهذا نستطيع أن نوقف أولئك الذين يسيئون إلى الإسلام، والمسلمين بفتاويهم، وأفعالم الغير مسئوله والتي تأتي بإسم الإسلام.

3 ـ تحديد من يحق له التحدّث بإسم الإسلام:

كثيرا ما تابعت برامج القناة الإسلاميه التي تصدر من لندن وتبث على كثير من الأقمار الصناعيه من بينها أسترا. هذا المحطه من خلال متابعتي لها أعطتني الإنطباع على أن القائمون عليها أناس مثقفون، واعون، وأذكياء أيضا. إنها تقدّم الإسلام بإسلوب عصري مدروس يختلف عن بقية المحطات الفضائيه الإسلاميه، وكذلك عن تلك التي تصدر من مواضع إليكترونيه معروفه. هذه المحطه تحاول جاهده تنظيف كل الأوساخ والقاذورات التي علقت بالدين الإسلامي نتيجة لتصرّفات بعض المحسوبين على الإسلام مثل أسامه بن لادن وقاعدته.. قاعدة الشر.

إقتراحي: أن تقوم البلاد الإسلاميه بتبني هذه المحطه الفضائيه مع تركها بكامل حريتها، وتدعيم كل القائمين عليه، بل وتطعيمهم بالخبرات الإعلاميه المتوفره في العالم الإسلامي مثل مصر، ولبنان، وسوريه، والأردن وكذلك دفع رواتب كبيره لخبرات إعلاميه دوليه متزنه للقيام بنشر رسالة الإسلام الأخويه كما أمرنا الله سبحانه وتعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) سورة النحل، آية 125.

اللهم إني قد بلّغت، اللهم فأشهد.

مصطفى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home