Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

الأحد 13 سبتمبر 2009

وقفة مع النفس

د. مصطفى عبدالله

( الفطن هو ذلك الذي يتدبّر من أجل فهم الأشياء بغرض إصلاح الذات؛ والدافع يجب أن يكون العوده الى الصراط المستقيم الذي حدد الله لنا معالمه ، ودعانا لتجنّب الحياد عنه من أجل صلاح يومنا والإستعداد لغدنا )

وهكذا يقترب شهر رمضان من بلوغ آخره، ونتطلّع نحن من إجتهد وأصاب، وتدبّر وإقتنع، وأطاع فخلص .... نتطلّع نحن المسلمون الى غدنا القريب والذي يتحدد مداه برؤية هلال شهر شوّال الذي سوف يأذن لنا بالعودة الى ما قبل رمضان، أو لنقل بالإنتقال الى ما بعد رمضان؛ فنأكل ونشرب ونتمتع بحياتنا كما يسّرها الله لنا  مع إحتفاظنا بالعظه التي إستفدناها من الصوم، والخشوع الى الله خالقنا الذي بحثنا عنه فوجدناه في أنفسنا وقريبا منا، ومحيطا بنا؛ فأنسنا وجوده حولنا، وإطمأنت إليه قلوبنا، وفرحت بإحاطته بنا نفوسنا ؛ فلم نرتعد منه، ولم نرتعب من مراقبته لنا، ولم نتوقّف بأكثر من التدبّر والإستدراك عندما رأيناه أمامنا لأننا لم نرفث، ولم نفسق، ولم نسرق، ولم نتعدّى على حقوق غيرنا اللهم إلا ما إختلط منه علينا وذلك ما نسأل الله فيه عفوه عنا، ورحمته بنا، وغفرانه لنا على أمل أننا سوف نتعلّم من أخطائنا فلا نكررها مع يقيننا ومعرفتنا لذواتنا على أننا مجرد مخلوقات صغيرة مجهرية لاحول ولا قوة لنا بالقياس بقدرة وإمكانيات خالقنا الذي بقدر معرفتنا بضآلة حجمنا وملكنا وعلمنا في عالمه فإننا نراه في كل شئ حولنا لنذكّر أنفسنا في كل يوم بأننا مجرّد بشر نخطئ ونصيب والفائز منا هو فقط ذلك الذي يتعلم من أخطائه فلا يكررها وبذلك فإنه يسير الى الأمام مع سريان هذا الكون من حولنا فنحافظ بذلك على مكاننا في قطار الزمن الذي لاينتظر وبالطبع لايسير الى الوراء مطلقا.

هكذا هو صيام شهر رمضان.. وكما هي عبادة الله ـ المسلم الحقيقي هو ذلك الذي يصوم شهر رمضان ليس ممارسة لطقوس، وليس مجاراة للغير، وليس خوفا من اللوم؛ وإنما يصوم المسلم الحقيقي من أجل التدبّر والإستدراك والتذكّر ... من أجل مراجعة النفس، والتوقف عند محطات الحياة الكثيرة.

الصيام في رمضان بالطبع ليس هو فقط بالإمتناع عن الأكل والشرب، وليس هو بفعل ما يفعله المحيطين بنا؛ وإنما هو خضوع لله وإعتراف بقدرته، وتذكير بضعفنا في عالمه . صيام رمضان يعني أيضا للمسلم الصادق الإحساس بمآسي الآخرين وعذاباتهم، والتطلع على أثار الجوع والعطش على الفقراء والمحرومين منهم بهدف مد اليد لهم، والعطف عليهم، والعمل على مساعدتهم للإحتفاظ بمقاعدهم في قطار الزمن حتى لايفوتهم فيضيعوا في دروب الحياة المتشعّبه دون أن يحس بغيابهم أحد.

صيام رمضان هو وقفة تأمل ومراجعه، هو مدعاة لمحاسبة النفس، وهو محطة نتوقف عندها لترتيب أوراقنا وتصحيح أخطاءنا، ورسم معالم جديده لحياتنا، وتحديد وجهة يرنو كل منا الى بلوغها في عامنا اللاحق ليبدأ كل منا بعدها في إعادة رسم المسارات والإتجاهات من جديد.... وهكذا هي الحياة تسير حثيثة نعم؛ لكنها أيضا تتجدد مع إشراقة كل يوم جديد. 

وحيث أنني أدعو الله مخلصا بأن يتقبل صيامكم وقيامكم وعبادتكم؛ فإنني أيضا أدعو أولئك الذين ظلموا وبطروا في هذه الدنيا، وأغرتهم ملذات الحياة فيها بأن يستفيدو من هذا الشهر المبارك بحيث يتوقفوا لحظة بغية التدبر والمحاسبه والمراجعه حتى لايضيعوا جريا وراء ملذّات لابد لها من أن تنتهي كما تنتهي أيام شهر رمضان في كل عام.

أود أن أدعو أولئك الذين طمعوا وضعفت نفوسهم أمام مغريات الجاه والسلطان، وأمام بريق المال والإثراء بأن يتوقفوا لبرهة من الزمن بغية التدبر والمراجعه فربما تستيقظ ضمائرهم، وربما تنتعش بقية من آحاسيسهم فتعود الحياة إلى كواهلهم قبل أن تموت الإنسانية في داخلهم.

أقول لذلك الذي حكم فتباهى وتعاظم وظن بأنه ملك الملوك... توقّف لحظة بغية التدبّر من حولك لوحدك وبعيدا عن بطانة السوء التي تحيط بك تنافقك وتكذب عليك لتبعدك عن إنسانيتك، وتغيّبك عن رشدك، وتفسد لك تفكيرك فلعلك ترى الدنيا على حقيقتها... أقول لهذا الذي إعتدى على حقوق شعبه، وإستحوذ على ثروات بلاده بدون أي وجه حق.. إجعل من هذه الأيام محطة للتوقف والتدبر فإن هذه الحياة الدنيا ماهي إلا متاع الغرور، وبأننا جميعا مهما كبرنا وتكبّرنا... ومهما تغوّلنا؛ فإننا سوف نسير الى نفس المصير الذي لانحدد نحن موعده، ولا مكانه، ولا طريقته. ذلك هو من أمر خالق هذا الكون الذي وللأسف يسهل علينا تغافله ونحن مشغولين بالتلذذ بما وضعنا أيدينا عليه.

أقول لمن قتل وشرد وعذب وطغى إمعانا في الغي، وخضوعا لأوامر النفس الطمّاعه بأن الوقت كان بالفعل قد حان من أجل التوقف لمحاسبة  تلك النفس قبل أن يفوت الآوان فوالله سوف لن يفلت أحدا منا من الموت ولو كان في بروج مشيّده من الذهب، أو الفولاذ، أو حتى من البلاتينوم. تلك هي سنة الله في خلقه، وذلك هو تحديدا ما نبصره ونحس به في كل يوم من حياتنا فلماذا نغرس رؤوسنا في الرمال ونتجاهل هذه الحقيقه؟.

إن الموت هو النهاية حتى لأولئك الذين كفروا بوجود الله، وتنكروا لقدرته بعد أن بلغهم العلم عنه... الى أين تظنوا أيها المشككون بأنكم سائرون؟. إن الموت سوف يلاقيكم أينما كنتم، وكيفما عشتم، وبأي دين أمنتم؛ فوالله إن كفركم بالإسلام سوف لن يقيكم من الموت، وسوف لن يعفيكم من قضاء الله الذي قدّره... وليتأكّد هؤلاء بأن قدرة الله سوف لن تغيب أو تضمحلّ، ولا سوف تضعف لمجرد أنهم تنكروا لوجوده. إنكم أيها الساده لن تكونوا أكثر من شذرة متناهية في الصغر ولا حول ولا قوة لكم في عالم الرب إلا به، وبأنكم سوف لن تغيروا شيئا من أمره ولو حاولتم... فتوبوا الى ربكم قبل أن يأتي أجلكم والذي سوف يكون بغتة رغما عن حساباتكم، وإختراقا لكل تحوّطاتكم.

أقول لملك الملوك، وعميد الحكام، وكبير المنظرين، وأستاذ المفكرين، وموحّد أفريقيا... إنك طغيت وتماديت وبطرت وغرتك الحياة الدنيا حتى نسيت نفسك فظننت بأنك القادر المقتدر، والآمر الناهي؛ فأنبّهك الى أنك والله تسير في الطريق الخطأ، وبأنه كان بالفعل قد آن الآوان لك في أن تتوقف لحظة بغية التدبر والإستدراك فما تبقى لك من العمر من بقية.... وتأكد بأنك لا تعدو في عالم الله أكثر من مجرد مخلوق ضعيف لا تملك من أمرك شيئا.

أقول لمن حكم فظلم، ولمن تولّى أمر الرعيه فإعتدى على حقوقها، ولمن أساء في حق الله... عليك بالرجوع الى التاريخ ففيه العبره، وفيه الموعظه. كم وكيف حكم النمروذ، كم وكيف حكم فرعون، كم وكيف حكم قياصرة الروم، كم وكيف حكم فاروق، كم وكيف حكم فرديناند ماركوس، كم وكيف حكم شاه إيران، كم وكيف حكم فرانشيسكو فرانكو، وكم كيف حكم نيكولاي تشاوشيسكو، وكم وكيف حكم سلوبودان ميلوسيفيتش، وكم وكيف حكم صدام حسين، كم وكيف حكم ماو تسي تونج، كم وكيف حكم أدولف هتلر... كم وكيف حكم العشرات من الطغاة الآخرين؟. هل يقرأ طاغية ليبيا التاريخ، وهل يتوقف عند سير حياة أولئك الطغاة، وهل يذكّر نفسه بالمصير المروّع الذي لاقاه كل واحد منهم؟. هل يتذكر طاغية ليبيا ما آل إليه كل من أولائك الطغاة، وكيف إنتهت حياة كل واحد منهم رغم إختلاف مواضعهم، وتباين مواقعهم على هذه الأرض الواسعه...؟. هل يتذكر طاغية ليبيا ما آلت إليه أحوال زوجات وأولاد وبنات أولائك الطغاة، وهل يعي أبناء طاغية ليبيا أنفسهم ـ وهم يتمتّعون بما نهبوا من ثروات الشعب الليبي ظلما وعدوانا ـ المصائرالتي تنتظرهم  بعد غياب والدهم عن هذه الحياة الدنيا ولو حدث ذلك بحكم القضاء والقدر؛ فما بالك لو أن نهايته كانت على أيدي الشعب الليبي الغاضب؛ والذي سوف يغضب بذلك القدر الذي يبعد الخوف عنه، ويدفعه حتما الى الثورة العارمه والتي بإذن الله  سوف لن يوقفها إرهاب هذا الطاغيه، ولن تهزمها كتائب أمنه مهما كبرت وتقوّت ؟.

أنا لا أريد أن أجيب على أي من تلك الأسئله؛ لكنني فقط أود ومن كل قلبي بأن أدعو العقيد معمر القذافي لأن يتدبر ويعتبر مستفيدا من قدسية هذا الشهر الفضيل فلعلّ الذكرى والتدبر تعيدانه الى إدراكه، ولعلهما توقظانه من سباته، وتصّحيانه من غفوته، وتخرجانه من أوهامه وخيالاته الغييّه ليتنبّه إلى أنه يوجد في هذا الكون عظيما واحدا أوحدا لا شريك ولا نظير له... وهو الله الحيّ القيّوم الذي لاتأخذه سنة ولا نوم. هذه هي الحقيقه التي لا ينكرها إلا من كان في عقله خلل، وفي تفكيره تشويش. 

ختاما... إنني أدعو الله بأن يغفر ذنوب الصادقين من عباده، المخلصين في طاعته وبأن يجعلني وأسرتي وأهلي وأصدقائي منهم؛ أما أولئك الذين إشتروا الآخره بمال وملذات الدنيا فإنني أدعو الله بأن يهديهم الى التوقف والإستدراك فلعلهم يتنبّهون الى أنفسهم، ويستدركون أخطاء ممارساتهم، ويكفّون عن سرقة أموال الناس؛ فليس والله يوجد في حسابات السوييّن من البشر أرذل من أن تتمتع بمال تعرف بأنك تسرقه، وليس والله بأكثر خزي وحقارة في دنيانا من أن تطعم أطفالك وآل بيتك من طعام تعرف يقينا بأنك تشتريه بأموال تسرقها من غيرك. أما ذلك الذي يظلم، ويعتدي على أرواح الأبرياء، ولا يعدل في حكمه...  فللّه درّه الذي سوف يسقيه من نفس الكأس التي شرب منها غيره من قبله؛ ويقينا فإن ذلك سوف يحدث بامر الله سبحانه وتعالى....... وإن غد لناظره قريب. 

مصطفى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home