Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

الأحد 13 يوليو 2008

إنفضـّوا من حولك.. وتركوك قائما

د. مصطفى عبدالله

( عـندما تقدّم أفكارا للناس فيعـرضوا عـنك ، ويفرّوا منك، ثم يتركـوك وحيدا ؛ فذلك يعـني فقط   
بأنهم يظنون بأنّك مجنونا ولست بالمفكّر... وقد يكونون على حق؛ فالناس لا تجتمع على باطل )

عندما دعى العقيد القذافي قادة الدول العربيه المطلّه على البحر المتوسط للحضور الى سرت؛ لبّوا جميعا ما عدا رئيس لبنان، ورئيس السلطه الفلسطينيه. لقد إستغربت الأمر، ولم أتمكّن من تفسير ما حدث؛ وكان تحليلي بأن غياب رئيس لبنان له مبرراته التي نعرفها جميعا، وغياب رئيس السلطه الفلسطينيه لم أتمكّن من تكهّن مبرراته؛ لكنني ظللت مستغربا حضور البقيه الى ليبيا، والإستماع الى العقيد معمّر القذافي وهو يطرح عليهم أفكاره وتحليلاته فيما يتعلّق بدعوة الرئيس الفرنسي ساركوزي لقيام إتحاد لدول حوض البحر المتوسط.

كنت أظن ربما لبلاهتي بأن وجود إسرائيل في ذلك التجمع الموعود ربما كان السبب الذي حدا بالدول العربيه للحضور الى ليبيا، وتكوين حلف بقيادة العقيد القذافي يهدف الى إرباك هذا المشروع، وربما أيضا العمل على تعطيله. العقيد القذافي بالطبع تحدّث كثيرا عن الجامعة العربيه رغم أنه لم يعد يؤمن بها ككيان له قيمة أو شأن؛ غير أنني لم أجد صعوبه في فهم ذلك نتيجة لمعرفتي الجيده للتذبذب الذي تتميز به مواقف القذافي المعلنه؛ حيث أنّ جميع مواقفه تصب في خانة واحده عنوانها وأساسها مصالح القذافي الشخصيه البحته والتي تنبع في معظم الأحيان من أحلامه المتجدده في السلطه والنفوذ. كما أن القذافي تحدّث كثيرا عن الإتحاد الأفريقي، ونبّه الى أهمية الحفاظ على هذا الإتحاد على أساس أن دعوة ساركوزي تهدف من ظمن ما تهدف اليه تفكيك ذلك الإتحاد؛ ومع أنني لا أؤمن مطلقا بجدوى هذا الإتحاد، ولا أرى له مستقبلا ذا شأن؛ إلا أنني لم أستغرب دفاع القذافي عن هذا الإتحاد وتحمّسه اليه حيث يعتبره من إحدى بنات تفكيره، ومن أهم إنجازاته التي حققها طيلة فترة حكمه التي تقترب الآن من الأربعين سنه. القذافي نتيجة لإخفاقاته المتكرره في مسيرته السياسيه كحاكم لليبيا، وكذا إخفاقاته في كل محاولاته التوحيديه التي قام بها سواء كان ذلك على مستوى البلاد العربيه، أو محاولاته "الغريبه" الأخرى مثل التوّحد مع مالطا، وتشاد، وغيرها من "الشطحات" التوحيديه التي لايمكن وصفها إلا بالمستميته من أجل تحقيق شئ ما ولو مؤقتا.

تابعت كلمة القذافي كامله في تلك الأمسيه على مأدبة العشاء الفخمه التي أعدّها لأولئك الرؤساء العرب، وبعدها ذلك المؤتمر الصحفي؛ ولم يخالني أدنى شك بأن القذافي عند تلك الليله إستطاع أن يقنع أولئك الحكام بالتخلّف عن الذهاب الى باريس، والإلتزام بفكرة العقيد القذافي، ونظريته التحليليه في هذا الخصوص.

فوجئت ـ وأقولها بكل صراحه ـ عندما علمت لاحقا بأن هناك عدد من الرؤساء الذين جاءوا الى طرابلس كانوا قد غيروا رأيهم، وتخلّوا عن ما تم الإتفاق عليه مع القذافي وقرروا تلبية دعوة ساركوزي؛ لكنني ذهلت مساء السبت 12 يوليو 2008 حين أجمعت الأخبار على أن جميع من حضر الى طرابلس سوف يذهب الى باريس لحضور القمه المتوسطيه برئاسة ساركوزي والتي بالطبع تهدف الى تكوين إتحاد متوسطي يشمل "إسرائيل". سوف تحضر سوريا، وسوف تحضر الجزائر، وسوف تحضر كذلك قطر وهي ليست معنيه بهذا التجمع من الناحيه الجغرافيه؛ لكنها سوف تحضر كما قال أميرها بإعتبارها رئيس التجمع الخليجي وحتى ذلك لم يقنعني كمبرر لحضور أمير قطر لهذا المؤتمر بإعتبارالتجمّع الخليجي الذي يرأسه غير متوسطي؛ لكن أمير قطر قال "مازحا" بأن الفرنسيين كانوا من حفر قناة السويس التي خلطت مياه الخليج بمياه البحر المتوسط ومن ثم حسب رأي الأمير تأتي أحقية دول الخليج العربيه في الحضور الى هذه القمه ممثله بأمير قطر الذي سوف يكون أثخن حاكم يحضر هذه القمه من بين حوالي 43 حاكما متوقع حضورهم لهذه القمه "اللغز".

مرامي تلك القمه وأهدافها ربما تكون سهلة التوقع وبدون شك قضية دمج "إسرائيل" في الكيان المتوسطي تعد هي من أهم تلك الأهداف، بالإضافه بالطبع الى المنافسه المزمنه بين أمريكا وفرنسا على مسرح السياسه الدوليه، وقد يكون أيضا من بين أهدافها إثبات فرنسا للعالم بأن مستعمراتها القديمه في أفريقيا مازالت تابعه لها حتى وإن إنضمت الى كيانات لاتحتوي فرنسا مثل الإتحاد الأفريقي المهترئ والذي يعرف الجميع بما في ذلك فرنسا هشاشته وتفاهته أيضا كمؤثر في الأحداث الدوليه. بالنسبه للعقيد القذافي الذي كان المتخلف الوحيد عن هذه القمه، قد يكون الأمر بالنسبه له ليس مجرد "خنجرا في الظهر" من قبل أولئك الذين ضحكوا عليه، وإنما قد يعني له ـ لو كان لديه إحساس ـ نهاية أحلامه في الزعامه، وإنتفاء دوره "كمفكّر" حيث أن العالم ـ كل العالم ـ يظن أو يؤمن بأن أفكار العقيد معمر القذافي ما هي الا أضغاث أحلام، وهواجس جنون العظمه التي يعاني منها القذافي وتتعمق في كل مره يصاب فيها بإخفاقه جديده. نحن نعرف بأن العقيد القذافي كان قد أصيب بإخفاقات ربما هو نفسه لم يتوقعها في أفريقيا... من رئاسة الإتحاد الأفريقي، الى مقر المفوضيه الأفريقيه، الى تبني نظريته العالميه الثالثه، الى تبني أفريقيا للنظام الجماهيري البديع، الى تهزئ رؤساء أفريقيا بالقذافي وهو أمر بالفعل يحز في النفس لمن له إحساس، أو له كرامه. ربما كانت آخر تلك الإنتكاسات للقذافي في أفريقيا عندما وافقت زوجات حكام أفريقيا ( سيدات أفريقيا الأوّليّات) على إختيار جينيت كاجامي زوجة رئيس رواندا لتكون رئيسة لهذا التجمع، وبالكاد تمكنت صفيه فركاش زوجة "المفكر العظيم" من شغر النائبه لها.

من المؤكد أن العقيد القذافي تحز في نفسه كل هذه الإخفاقات، خاصة وأن قطار العمر يسير به سريعا الى الغياب عن مسرح الأحداث بدون تحقيق إنجاز ذا قيمه. فبعد أن أخفق في إقناع حكام أفريقيا بالإتفاق على تأسيس الولايات المتحده الأفريقيه، إتجه بكل ثقله الى تجمع الساحل والصحراء بإعتباره تجمعا لفقراء ومعوزين يسهل على القذافي تزعم قيادتهم؛ لكن مثل هذا التجمع لايشبع غرور القذافي، ولا يفي بتحقيق طموحاته في الزعامه التي ظل ينشدها طيلة العقود الأربعه الماضيه. كما أن محاولاته لإعادة بعث الدوله الفاطميه هي بدورها أيله للإحباط مثل سابقاتها؛ ومن هنا نلاحظ أنه لم يتبقى للقذافي من أمل في تحقيق ما قضى عمره وتفكيره من أجل تحقيقه... زعيم ولو على الورق، ولكن بشرط أن يكون أعلى من مستوى ليبيا.

إن تخلي كل الحكام العرب في أفريقيا تحديدا عن القذافي، وإستجابتهم لساركوزي تعتبر بكل المعايير إنتكاسه قويه، وصفعه لم يتوقعها القذافي؛ ولا أدري إن كان سيتعافى بعدها أم لا.. لكنه ـ ولا شماته في مهزوم ـ يستاهل.

مصطفى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home