Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

الأحد 12 أبريل 2009

الصادق النيهوم... فيلسوف من بلادي

د. مصطفى عـبدالله

( المفكّر هو ذلك الذي يرى أبعد مما يراه الآخرون، والفيلسوف هو من يستطيع تفسير الظواهر بحسّ أقرب الى الواقع منه الى الخيال )

كل بلاد العالم تهتم بأدبائها، وتكرّمهم، وتنصب لهم النصب والرموز التذكاريه في أهم ميادينها وشوارعها تعبيرا عن الإمتنان والتقديرلأعمالهم .

الدكتور الراحل والفيلسوف الصادق النيهموم كان يرى الدنيا بمنظار يختلف عن الآخرين، وكان من بين أولئك الذين ثاروا على واقعهم بهدف تغييره، والإنتقال به إلى الأمام .

كان الصادق النيهوم يرى الناس من حوله وهم يعايشون الواقع، ويتعاملون معه من باب أنه "أمر لابد منه"، وكان يراهم يعتنقون بلا نقاش، ويقومون بطقوس يرونها مقدسه بدون التوقف عندها والبحث فيها.. دلالاتها، مراجعها، مصادرها، والطريقة التي وصلت الينا بها؛ دون محاولة البحث فيها، أو نقدها، أو حتى مجرّد مناقشتها بجدية .

كان الصادق النيهوم يرى الناس من حوله وقد تسارعوا باحثين عما قد يقرّبهم من الله زلفى؛ زائغين عن الطريق المباشرة التي تصل بين الإنسان وربه دون الحاجه الى وسيط. كان الناس في بلادي يقومون بزيارة "الولي الصالح" بغرض التبرّك، وكانوا يحملون الكتاتيب والحجاجيب بين ملابسهم علها تشفيهم من الأمراض، أو تبعد عنهم شبح "العين"، أو تقيهم شرّ السحر. لم يعجب ذلك الصادق النيهوم مع أنه عاش في نفس البيئة، وتشبّع بنفس الموروث؛ لكنه تمرّد عليه، وأنكره على الآخرين أيضا فحاربه الآخرون، ونعتوه بكل الأوصاف لمجرّد أنه قال لمحيطيه توقفوا، فكروا، تدبّروا فلعلّ في الأمر أكثر من مفهوم، أو أكثر من رساله .

طالب النيهوم من الناس أن يتدّبروا، وأن يعترضوا على الموروث فما إستصاغوا وقفته؛ وبدل أن يتركوه لحاله تغوّلوا عليه، ونعتوه بجميع الأوصاف التي وصلت الى حد تكفيره. أرغموه على الهجرة هربا بحياته التي كانت مهدده لا لشئ عمله إلا لأنه إجتهد، وسوى أنه دعى الى التوقف والتفكير .

نعم لقد حاربنا الصادق النيهوم حيّا، وهجّرناه لأننا لم نتمكّن وقتها من الإرتقاء الى مستوى تفكيره؛ وعندما مات قررنا أن نفهمه، أو أن نتفهم تفكيره وفلسفته. إننا بمثل هذا لن نصنع العظماء في أمتنا أبدا، وعندما تصنعهم الحياة لنا نعرض عنهم.. وتلك هي مصيبة الأفق الضيّق في ثقافتنا وتفكيرنا؛ وهذا ما يجب أن يتغيّر إذا كنا بصدق نطمح الى حياة أحسن من التي نعيشها .

الذي يثير الشفقه لحالنا بالفعل، ويحسس العاقلون منا بالأسى والمراره هو أن الفيلسوف الراحل ـ رحمه الله ـ كان قد حظى القاهره (العاصمه الأبديه للثقافه العربيه والإسلاميه) ببواكير تفكيره وفلسفته بأن قدّم أطروحة الدكتوراه في الأديان المقارنة في جامعتها والتي أشرفت عليها الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، وما كان من الجامعة من رد سوى رفضها للأطروحة بحجة أنها معادية للإسلام، ليهيم الصادق على وجهه إلى ميونيخ ... حيث أتم في جامعتها بإمتياز أطروحة الدكتوراه تلك التي حجبتها عنه القاهره؛ ولم يتوقّف الصادق النيهوم عند ذلك الحد من التحدّي بل إنّه تنقّل بين أريزونا كدارس، وفي هلسنكي كأستاذ يلّم ما درسه، بل ويضيف إليه من حسّه وفلسفته في الحياة التي كانت رحبه فرحّب بها وتبناها العالم من حوله. ذلك هو إبن ليبيا البار وفخر أهلها جميعا بما في ذلك الذين إختلفوا معه حينها عندما لم يتمكّنوا من فهم فلسفته وإدراك أبعادها. رحمة الله عليك يا أستاذ العقل المتفتح.... يا فيلسوف ليبيا ومفكّرها الحقيقي يامن يتحوّل أمامك من يدّعون بأنّهم مفكرون الى هوامش لايحفل بها أحد غير المنافقين.

مصطفى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home