Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

الثلاثاء 7 يوليو 2009

الثاليدومايد ومجزرة أبوسليم

د. مصطفى عبدالله

( عندما يقسو قلب الإنسان وتتبلّد مشاعره؛ يفقد الإحساس بقيمة الغير... وعندها يتحوّل الى مثل حيوان كاسر لايهمّه إلا الإنقضاض على الفريسه والتنعّم بلحمها؛ أما ما يسبق ذلك فيدخل في تعريف "الغايه تبرر الوسيله" عند ذلك الحيوان المتوحّش. مثل ذلك الحيون يضرب ولا يلام لأنه حيوان؛ أما الإنسان حينما ينحدر الى تلك المستويات الدونيّه فإنه لامحاله يسقط من مراتب البشر وعلى البشر أن يعاملوه بمثل ما يعامل به الحيوان المتوحّش عندما يخرج عن السيطره)  

أظن بأن عدد من الإخوة القراء يعرفون الكثير عن قصة الثاليدومايد؛ ذلك العقار "السحري" الذي كما يقول الدكتور "مارتن جونسون" ـ رئيس وديعة الثاليدومايد التي تهتم بشئون ذوي العيوب الخلقيه الناجمه عن تناول أمهاتهم لعقار الثاليدومايد أثناء فترات الحمل ـ  كان العلماء في عهد "أدولف هتلر" قد قاموا بإنتاجه لأول مرة في عام 1944 كمضاد لغاز الأعصاب المعروف ب"السارين"، وكان إنتاج الثاليدومايد موجّها تحديدا لأغراض عسكريه محضه تتناسب مع تلك الفتره التي أنتج فيها. بعد هزيمة هتلر وإنتهاء الحرب العالمية الثانيه قامت شركة "جروننثال الدوائيه" في ستولبرج بالإستمرار في إنتاج هذا العقار بعد أن تحصّلت على براءة إنتاج وتطوير الثاليدومايد من حكومة ألمانيا الغربيه. تم تسويق العقار بعدها كمسكّن للألم، ومخدّر أيضا.

في عام 1958 تحصّلت شركة ديستللرس البريطانيه ( وهي شركه كانت تعني في الدرجه الأولى بتقطيروصناعة المشروبات الكحوليه) على إمتياز من الشركة الألمانيه بتصنيع الثاليدومايد في بريطانيا؛ ومن هناك إنتشر في بريطانيا وفي أوروبا بشكل كبير جدا، وأعتبر الثاليدومايد في ذلك الوقت كدواء سحري لم يسبق إكتشاف دواء شبيها له من قبل وخاصة في مجال تسكين الألم، والمساعده على النوم بالنسبه لأولئك الذين يعانون من الأرق. برهن الثاليدومايد على قدرته الخارقه على إيقاف أعراض التقئ الصباحي عند الحوامل، مع عدم حدوث أية متاعب جانبيه تذكر مما أدى الى إستلطافه من قبل جميع الحوامل اللائي جربنّه وكانت أعدادهن بالملايين على مستوى العالم؛ وخاصة في الفتره من عام 1957 وإلى عام 1961.

بعد النجاح الباهر لعقار الثاليدومايد، وتلك الإيرادات الهائله التي حققتها الشركه البريطانيه صاحبة إمتياز التصنيع والتوزيع من وراء تسويقه؛ قامت الشركه المذكوره بالتركيز على صناعة الثاليدومايد على حساب إختصاصها السابق مما أدى في النهاية الى تخلّي تلك الشركه عن الصناعات الكحوليه  وغيرت إسمها الى  "ديستللرس بيوكيميكاليس ليميتد".

بدأ بعض الأطفال يولدون مشوّهين؛ ولكن لم يكن أحد يحفل بذلك حيث أن إنجاب أطفال ببعض العيوب الخلقيه في تلك الفتره لم يكن يثير الكثير من الإهتمام، وكانت الأمهات حينها كثيرا ما يتخلّين عن الأطفال المشوّهين وذلك بالتنازل عنهم لدور الرعايه، أو للمنظمات الإنسانيه التي كانت تهتم بالرفق بالمعاقين واليتامى.

أخصائي الولاده الأسترالي "ويليام مكبرايد"، وأخصائي الأطفال الألماني البروفيسور"ويدوكايند لنز" كانا أول من ربط هذه العيوب الخلقيه في الأطفال حديثي الولاده بتناول عقارالثاليدومايد أثناء فترة الحمل؛ وكان ذلك في عام 1961.
 

Thalidomide children

ضحايا الثاليدومايد ونكران ديستللرس لحقوقهم

الشركه المصنّعه في بريطانيا المسماة ديستللرس بيوكيميكاليس ليميتد رفضت قطعيا ربط العلاقه بين الثاليدومايد وتلك التشوّهات الخلقيه الحادثه في تلك الفتره، وتنكّرت لمسئوليتها عن إحداث أية تشوّهات جسديه مروّعه؛ بل إنها قامت بحملة قويه لمحاربة الأطباء الذين أصرّوا على أن كل التشوهات الخلقيه التي حدثت لأمهات تناولن الثاليدومايد أثناء الحمل كان سببها الوحيد هو الثاليدومايد. قدّمت الشركة رشاوي مالية ضخمه بطريقة سريه جدا للأطباء الذين شخصّوا عيوبا خلقيه كي يلتزموا بالصمت حيالها؛ لكنها لم تفلح في كل  محاولاتها الحثيثه لتكميم الأفواه خاصة وأنها تتعامل لسوء حظها مع بشر يلتزمون بشرف المهنه، ويعتبرونه شرفا مقدّسا لايستطيعون ممارسة مهنتهم بدونه.

بدأت أعداد المشوّهين تتزايد، وبدأ الربط بينها وبين الثاليدومايد ينتقل من عنابر المستشفيات، وعيادات الأطباء الى الشارع. بدأ الناس يبدون إهتماما بالغا بهذه القضيه؛ وذلك بالطبع شجّع أمهات المشوّهين الى التحدّث عاليا؛ بل والصراخ مستنجدين بكل متعاطف للوقوف معهم، وكان لهن ما بحثن عنه.

تقدّمت الأمهات في بريطانيا بشكوى ضد الشركه المصنّعه، وبلغ الأمر مجلس العموم البريطاني فقام بإصدار أمرا للشركة المصنّعه للتوقف عن بيع هذا الدواء، وسحبه من جميع الصيدليات، كذلك صدر أمرا بالتوقف عن وصفه كلية في بريطانيا عام 1961؛ ثم حذت معظم دول أوروبا الغربيه حذو بريطانيا وسحب العقار من الإستعمال في معظم دول أوروبا الغربيه عام 1963؛ لكن إستعماله إستمر في دول أخرى من العالم حتى عام 1968. بلغ عدد ضحايا الثاليدومايد 1200 ضحيه في أوروبا الغربيه في الفتره من عام 1957 وإلى العام 1963 ( لاحظ العدد 1200 ضحيه !!).

 بعد أن خرجت القضيه الى الشارع، وبدأ الناس يتكلّمون عاليا، وبدأت الصحف تتحدّث عن العلاقه بين الثاليدومايد وولود أطفال بعيوب خلقيه؛ شعرت الديستللرس بأنها تعيش في عالمها التنكّري لوحدها، وحين عرفت بأن القضية كانت قد خرجت عن السيطره بدأت في إرسال ممثليها الى عدد من أمهات الضحايا في محاولة لشراء سكوتهن بأن عرضت عليهن تعويضات ماليه سخيّة مقابل التوقيع على وثيقة تنازل كلية عن حقّهنّ في القيام بأية ملاحقات قانونيه ضد الشركه في المستقبل القريب أوالبعيد؛ محاولة إستغلال فقر الناس وعوزهم، وكذلك ضعفهم أمام شركة غنيه بإمكانها أن تشتري أصوات العديد من أعضاء البرلمان، وكذلك بعض الصحافة التجاريه، والكثير من وسائل الإعلام. قبلت الكثير من الأمهات عرض الشركه لهن بالتعويض؛ لكن الشركه تمادت في إبتزازها لأسر الضحايا بأن إشترطت عليهم قبل دفع أية تعويضات بأن يوقّعوا على قفل الملفات والتنازل الكلي عن أية حقوق للقيام بملاحقات قانونيه للشركه في المستقبل. الشركه إشترطت كذلك على أهالي الضحايا من أجل إتمام الصفقه بأن يقوم جميع آهالي الضحايا بدون إسثناء ـ ولو شخص واحد ـ بالتوقيع على وثيقة التنازل؛ وإلا فإنها لن تدفع بنسا واحدا لأي منهم.

ناقش أهالي الضحايا الأمر فيما بينهم، وتوّصلوا الى قناعه بأنهم لن يكون في مقدورهم مقاضاة الشركة المصنّعه لأنهم فقراء والشركه غنيه... ونظرا لحاجتهم الملّحه للمال قرر الآهالي التوقيع على الوثيقه وهم كارهون لكن واحدا منهم فقط قال مذكّرا أقرانه "إن الدم أغلى من المال" ولذلك رفض التنازل عن حقه ولو دفعوا له أموال الدنيا كلّها؛ فرفض العرض ولم يوقّع على الوثيقه المعده سلفا.

بناء على ذلك قامت شركة ديستللرس برفض دفع التعويضات إنتقاما من كل آهالي الضحايا بجريرة ذلك الرافض.

قام الأهالي كرد على تعنّت الشركه، وتجاهلها لحقوقهم ـ التي كانوا يرونها مشروعة ـ بتشكيل جماعة ضاغطه إتّصلت بنواب الحكومه، والحقوقيين، ووسائل الإعلام، وقاموا كذلك بعمل بعض الندوات للتعريف بقضيتهم؛ لكن الشركه إستمرّت في تعنّتها، وإصرارها على شروطها التي لاتقبل النقاش، أو التعديل.

إنظمّت جريدة "الصنداي تايمز" البريطانيه الى جانب أهالي الضحايا، فقامت بحملة مكثّفه من أجل نصرة الأهالي مما شجعهم على تأسيس لوبي ضاغط يتألف من كل المتضررين من الثاليدومايد، والمتعاطفين معهم من الشارع البريطاني، وكذلك بعض أعضاء مجلس النواب، وشخصيات مرموقه من الوسط الفني. بدأ لوبي الضغط يفرض وجوده في الشارع وفي وسائل الإعلام، ولم يستسلم لكل محاولات الإبتزاز التي كانت تقوم بها الشركه، ومن كان وراءها والتي كانت تهدف الى تكسير لوبي الضغط؛ لكنها وبعد 8 سنوات كامله من المرواغه، والتهديد، والمماطله، والتلاعب بآحاسيس الناس مستغلّة حاجتهم الماديه.. إضطرت الشركه في نهاية المطاف الى الرضوخ لمطالب الآهالي، وأعلنت لأول مره قبولها بأن جميع التشوّهات الخلقيه التي حدثت لأطفال الحوامل اللائي تناولن عقار الثاليدومايد أثناء فترة حملهن كانت كلّها بالفعل نتيجة لإستخدامهن لهذا العقار، وقررت الشركه الإستجابه لطلب الأهالي بدفع تعويضات غير مشروطه بل وطلب الأهالي حينها مبلغا من المال وصل الى 10 أضعاف المبلغ المعروض أولا..... قامت الشركه كذلك بإصدار إعتذار علني لكل عائلة من آهالي الضحايا. الشركه أيضا وافقت على دفع رواتب شهريه مدى الحياة لكل ضحية تحت تأثير لوبي الضغط الذي شكّله آهالي الضحايا، والذي حظي بتعاطف وتأييد قطاعات عريضه من أبناء المجتمع الإنجليزي، ونال أيضا دعما خارجيا من دول أوروبا الغربيه، وكذلك أمريكا التي لم يتجاوز فيها عدد ضحايا الثاليدومايد ال 17 مشوّها وذلك لأن شركة "ريتشاردسون ميللر" في الولايات المتحده رفضت تسويق الثاليدومايد رغم موافقة إدارة الغذا والدواء الأمريكيه ( إف دي إيه ) على جوازية إستعماله في أمريكا. الشركه المذكوره لم تقتنع حينها بتوفّر المعلومات الكافيه عن سلامة هذا العقار وبذلك فقد رفضت تسويقه في أمريكا.

وأريد أن أنبّه هنا الى أن الخطأ لم يكن مطلقا في عقار الثاليدومايد، ولم يكن في إستعماله بتلك الصوره، وبتلك الكثافه؛ فلكل وقت ظروفه وحساباته، ولايجب علينا أبدا أن نحاسب الأمس بمعايير اليوم، ولا أن نتعامل مع اليوم بمفاهيم الأمس. الذي حدث لأولئك الأطفال رغم كارثيته عموما، وتأثيراته علي مجرى حياتهم خصوصا كان مجرّد مضاعفات جانبيه لعقار ما؛ وهذه من الممكن أن تحدث في أي زمان وأي مكان؛ ولكن الذي يثير الإهتمام بحق هو الطريقه التي تعاملت بها تلك الشركه المنتجه مع ما حدث مغلّبة في ذلك مصالحها الماديه فوق كل الإعتبارات الإنسانيه، والخلقيه... وتلك التي بصدق التي أهتم منها وأنصب، وذلك التصرف هو الذي يدعونا جميعا لأن نستنكره بكل قوة، وأن نعتبر منه بكل جدية. كما أريد أن أضيف للإخوة المعنيين في مجال العلاج والتطبيب بأن عقار الثاليدومايد ظل موضع إهتمام للأطباء على وجه الخصوص، والعلماء بصفة عموميه نظرا لمزاياه الفريده من نوعها والتي ظلت كذلك رغم مرور الزمن والتقدم العلمي الذي حصل خلال العقود الخمسه الماضيه التي عاصرها هذا العقارمنذ إختراعه وتصنيعه.

في فترة الستينات فتر إهتمام العالم بالثاليدومايد وذلك بسبب الهلع الذي أحدثته مضاعفاته الجانبيه؛ لكن ما إن إنقشعت تلك السحابه، وما إن بدأت العيوب الخلقيه المرتبطه بالثاليدومايد في التناقص حتى عاد أهل الفضول العلمي الى هذا العقار السحري ليجربوه على حالات مرضيه كانت لازالت عصيّه على ما توفّر من بلاسم شفائيه. أستعمل الثاليدومايد في كثير من الحالات منها:

Leprosy, Erythema nodosum lerprosum,  multiple myeloma, macular degeneration, Kaposi sarcoma, HIV, aphthus ulcers, prostate cancer, glioblastoma, lymphoma, arachnoiditis, Behçet's disease, and Crohn's disease.

القضية التي تهمّني من طرح هذا الموضوع هي: هل يمكن لذوي ضحايا مجزرة سجن أبوسليم الإقتداء بأولئك الذين رفضوا تبديل دماء أبنائهم وأقاربهم بالمال، وبيع إرادتهم، والسكوت على فاعل تلك الجريمه؟. هل يستمر أهل الضحايا في بلادنا على موقفهم القوي الذي يرفض قطعيا مبادلة السكوت على قضية إغتيال أبنائهم، والتنازل عن حقهم المشروع في معرفة الحقيقه كامله بحفنة من الدينارات الليبيه والتي يقال بأن الحكومه الليبيه كانت قد وافقت على زيادتها من 120 إلى 200 ألف دينار ليبي ؟. وليكن... ما قيمة هذه الدينارات الحقيره مقابل حياة إنسان برئ تزهق هكذا بدون رحمه، وبدون أية إعتبارات أخلاقيه، أو إنسانيه؟.

أنا أعرف جيدا بأن ضحايا الثاليدومايد لايمكن أبدا مقارنتهم بضحايا الغدر في سجن أبوسليم، وعلى أن مضاعفات الثاليدومايد وما تبعها من إبتزاز لأهالي الضحايا لم تصل في دنائتها ونذالتها، وحقارتها الى واحد في المليون من جرائم مذبحة سجن أبوسليم التي نفّذت بدم بارد مع سبق التخطيط، والترصّد، والإصرار على الفتك بأناس مسالمين مغلوب على أمرهم وهم قابعون في سجن ظروف الأمن فيه تبلغ قمتها في دولة بوليسيه بقدر ديكتاتورية الحكم في ليبيا.   

 إن مواقف أهالي الضحايا ـ رغم الظروف الصعبه، ورغم عدم إكتراث أو لنقل سلبية وبرود عموم الشعب الليبي بعمق مأساتهم ـ تعتبر قمة في الشجاعه، وقمة في الإعتزاز بالكرامه؛ لكن هؤلاء أيها الناس في ليبيا يحتاجون إلى دعمكم العملي، ومساندتكم الفعليه لهم لأنهم في نهاية المطاف قد يضعفون لاسامح الله ولا أستغرب إن حدث ذلك فالذي يواجههم هو النظام القاتل بعينه، وليس المتستّر فقط عن القتل، أو الغافل عن هذه القضية لسبب أو لآخر.

أود أن أشير الى أن تلك الجهود الجبّاره التي يقوم بها الليبيون في الخارج ربما كانت قد بدأت تؤتي ثمارها في الضغط على أجهزة الحكم، وإرباك مرتكبي هذه الجريمة، كما أنها ابتدأت تشدّ إليها انتباه وأنظار الرأي العام العالمي، والمنظّمات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان، وكذلك الصحافة العالمية؛ وهذا ما جعل النظام يرفع من قيمة التعويضات التي يلوّح بها من أجل شراء الذمم، وهو النظام نفسه الذي بدأ أخيرا يسعى لإقحام القبائل من أجل المساعده في حلحلة هذه القضيه التي من المؤكّد بأنها تشغله الى درجة الإرتعاب خاصة إذا تمكنت هذه القضيه من الوصول في نهاية المطاف الى أروقة المحاكم الدوليه سواء على مستوى الدول، أو على مستوى المنظّمات الدولية. 

مصطفى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home