Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

Tuesday, 4 December, 2007

من الذي أساء الى الإسلام؟ (1)

د. مصطفى عبدالله

( عـندما يحل الحقد والكراهيه محل الحب والرحمه، يتحول الإنسان الى حيوان
  كاسـر يدمّـر كـل شئ يقـع في طريقه بدون هدف؛ اللهـم الا الإنتقام الأعـمى )

أود في البدايه التوقف عند بعض المشاهد الواقعيه والتي حدثت بالفعل في عالمنا المعاصر قبل أن أضيع بين طيّات هذا الموضوع الشائك والذي أرى أن الخوض فيه يعتبر من الأمور المهمّه جدا في حياتنا؛ مع أن الكثير منكم ربما يرى بأنّه خارج إهتماماتنا الملحّه كليبيين... إذ أن ما يعتري حياتنا من معاناة، وكبت، وطغيان نتيجه لممارسات أجهزة نظام حكم القذافي البغيض يحتاج الى تكاتف الجهود من أجل تعرية هذا النظام المتسلط، والعمل على التخلص منه ؛ إلا أنني أرى بأن هناك إرتباطا وثيقا بين ما نعانيه اليوم تحت نير التخلف والعبوديه المفروضه علينا لأكثر من 38 سنه، وبين ما أود التعرّض اليه في هذا المقال والذي سوف يكون من ثلاث حلقات متتابعه بإذن الله.
أود أن أنبّه أيضا في بداية هذا الحديث إلى أن الهدف الرئيس من وراء كل ما سوف أتطرّق إليه في هذا المقال ـ والذي وللأسف تشعّب وتمددت أطرافه رغم محاولاتي الجديه لحبكه في حلقة واحده يمكن هضمها بدون الكثير من المعاناة ـ هو الحث على العمل الجدي من أجل التخلّص من هذا النظام البغيض والذي بالفعل نتنت رائحته حتى إشتمها أولئك الذين يعيشون آلاف الأميال بعيدا عنا، والذين ربما لايعرفون حجم معاناتنا الحقيقيه؛ لأننا لم نتمكن من إعلامهم بذلك نتيجة لضعفنا وقلة مواردنا. كما أنني أود أن أنبّه أيضا إلى أنني مسلم أؤمن بالله عن قناعه، وأعتز بديني ولست متأثرا بأحد؛ كما أنني أكتب من خلال قناعتي الشخصيه، ولا أعتبر نفسي متبحّرا في علوم الدين؛ بل أنا إنسان عادي مثلي مثل بقية البشر؛ وكل ما أكتبه هنا أو أحاول مناقشته إنما يعبر فقط عن وجهة نظري الشخصيه وهو بالطبع ليس بفتاوى، ولن يكون حكما قطعيا؛ كما أنه ليس ملزما لأحد بالإقتناع به، وهو خاضع للنقاش الموضوعي بكل أريحيه ورحابة صدر. كما أنني أود أن أنوّه الى أنه لو شعر أحدكم أو ظن بأنني أحاول النيل من الإسلام أو أن أهين أي مسلم صادق وحقيقي فأقول بأن ذلك الظن إن حدث فهو فقط يعكس وجهة نظر من يظن أو يصدر الأحكام؛ فلست أنا بذلك الصدد أبدا والله أعلم بالنوايا. و أود أن أنبّه أيضا بأنني على يقين وعلم بما سأتطرق اليه في هذا المقال وواثق تمام الثقه بأنني لست من المغرّر بهم، ولا من المرتدين عن الإسلام، ولست متأثرا "بالحضارة الغربيه"، ولست بناكر لهويتي العربيه والإسلاميه، وسبق لي بأن تعرضت الى ذلك في مقال نشر على هذا الموضع الإليكتروني المحترم جدا من قبل كل الليبيين بما في ذلك أذناب القذافي وحوارييه وكان ذلك المقال بعنوان ( العروبه.. رفعة وسمو). وأود أن أنبّه أيضا أولئك الذين ينصّبون من أنفسهم حماة لهذا الدين، أو أوصياء عليه بأن الدين لله وبأن كل منا مسئول عن أعماله يوم القيامه؛ حيث لا تزر وازرة وزر أخرى حين نهرع جميعا من قبورنا لملاقاة ربنا حيث بعدله يحاسبنا ومنها يجازي كل منا حسب أفعاله في دنياه التي كان قد عاش فيها... فعلى أمثال هؤلاء "الأوصياء" أن يحترموا أنفسهم، وأن ينتبهوا إلى ماذا يفعلون قبل أن يقدموا على الحكم على الغير جورا، وظلما، وبهتانا؛ ولسنا في حاجه الى محاكم "فقهية" صوريه تكون شبيهة لتلك المحاكم "الثوريه " الإستثنائيه التي عانى ومازال يعاني منها شعبنا الليبي الطيب تحت نير هذا النظام الفاشي المتسلّط.

المشهد الأول
كنت إستمع الى إحدى محطات البي بي سي البريطانيه وبالتحديد راديو فور، وكان المتحدّث مراسل المحطه من بغداد الذي كان يعرض التغييرات التي طرأت على المجتمع العراقي نتيجه لتخليصه من حكم صدام حسين الديكتاتوري على أيدي القوات الأمريكيه، والتي تحوّلت الى محتل مهين لكل العراقيين الذين سمحوا لأنفسهم بأن يأتي غيرهم ليغير شئون حياتهم لهم؛ حيث أنهم كانوا قد عجزوا في أن يفعلوا ذلك أنفسهم. قال المذيع في ثنايا حديثه: من بين التغييرات "الحضاريه" التي حدثت في العراق أنك تجد الشباب يشربون الخمر في المقاهي، وتجد الفتيات تتجوّلن في الشوارع وهن سافرات....وواصل ذلك المذيع يصف الواقع المعاش في العراق من وجهة نظر غربيه محضه كما ربما كان واضحا؛ لكنني حينها أحسست بغضب شديد، وبأسى أشد، وقلت في نفسي أين هي الحضاره من شرب الخمر، وأين هو التخلف من تحجّب الفتيات أو من سفورهن، وكدت أحقد على هؤلاء الناس وأصفهم بالمعادين للإسلام؛ بل إنني وللوهله الأولى حمّلتهم جريرة كل ما أصابنا، وما لحق بنا من مآسي وضياع؛ لكنني تمالكت نفسي وتذكّرت حينها بأنني أنا من ينادي بمحاسبة الذات قبل وضع اللوم على الآخرين. قلت في نفسي متداركا... ربما هم يحاولون جهدهم لمحاربة الإسلام، والعمل على تدمير كل أسسه، وربما هم صادقون فيما يفعلون؛ لكن هناك إختلاف ثقافي وحضاري بيننا وبينهم، وربما.. وربما؛ غير أن الأمر بالنسبه لنا كمسلمين لم يكن مفاجئا... فعبر كل العصور كان هؤلاء يحاربون الإسلام، وما الحملات الصليبيه بغريبه عن أي مسلم آمن بكتاب الله وبحث في مسيرة وتاريخ الدين الذي يؤمن به. قال الله تعالى في كتابه العزيز في سورة (الصف) آية 8: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون) صدق الله العظيم. إذا هؤلاء الذين يحاربون الإسلام من خارجه لايخيفونني أبدا؛ لأنهم حاولوا من قبل مرارا وتكرارا وبكل ما أوتوا من قوة، وما زالوا يحاولون إلى يومنا هذا، وسوف يحاولون غدا وبعده؛ ولكن فليكن.... فكل مخلوق في هذه الدنيا يحاول جهده من أجل البقاء، وما علينا نحن إلا أن نحاول أن ننقّي أنفسنا ونقف أمام هؤلاء بقوة إيماننا، وصدقنا في إيماننا، وعلينا أيضا أن نتيقن بأن الحياة صراع مستمر، وبأن البقاء فيها دائما يكون للأصلح.
نعم إنهم في نهاية الأمر سوف يهزمون، وسوف يوجد الله الآليه لتحقيق ذلك لأنه قالها صريحة في كتابه العزيز بأنه متم نوره ولو كره هؤلاء الكافرون؛ وما علينا نحن المسلمون إلا الإيمان الصادق بذلك.
عندما تريثت وفكرت في الآمر أيقنت بأنني في الواقع لست بخائف على هذا الدين بقدر غيرتي عليه، وإنتبهت حينها إلى أن الخطر على الإسلام لم يكن أبدا من أعدائه الظاهرين، وإنما هو ـ وللأسف ـ يأتي من "المؤمنين به" وهنا تكمن الطامه الكبرى.
تغيّرت المعادله حينها في رأسي وتنبهت الى أن لومنا على الغير ليس هو ما يدفع الشر عنا، وإنما علينا أن نبدأ من داخلنا أولا.... تذكّرت حينها بأنني أنا من سبق وأن قلت بأن الخطوة الأولى نحو الإصلاح تبدأ بمحاسبة الذات، وعلى أن الخطأ دائما يبدأ من هنا.. من داخلي. فأنا المذنب الأول في كل ما يحدث لي، ولايحق لي مطلقا لوم الآخرين إلا بعد تبرئة نفسي. فالله سبحانه وتعالى قالها لنا واضحة وصريحة (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) سورة الشورى؛ آية 30 ، وهذا بالنسبه لي يعني أنني أنا أول من يشار اليه بالبنان عندما يعتريني أي مكروه، وعليّ أن أبرّئ نفسي قبل أن أتّهم الغير حتى أجنب نفسي القذف الذي نهانا الله عنه. قلت في داخل نفسي إذا هل يجوز أن نكون نحن السبب في كل ما آصابنا وفي كل ما وقع بيننا ؟.
تذكّرت أيامنا الخوالي في الأندلس وقلت في نفسي هل هم هزمونا أم أننا نحن هزمنا أنفسنا؟.
كنت أشاهد حلقة من حلقات "ربيع قرطبه" وحدث أن تلك الحلقه كانت تدور أحداثها حول مجموعه من شباب الإسلام في ديار الأندلس وهم ضائعون، تائهون، ظالّين طريقهم، فاقدين صوابهم، وبايديهم زجاجات من الخمر يعاقرونها علهم ينسون همومهم. كانوا يسكنون في العراء، ويقضون ساعات حياتهم في ضياع مطلق؛ فقلت سبحان الله هل كان حالنا في الأندلس كالذي شاهدته في هذه الليله؟. من حسن حظي أن تلك الحلقه كانت الحلقه الأولى والأخيره إذ لم أكن قد وجدت فيها ما يشدّني لمشاهدة لاحقاتها؛ لأنها وبكل صدق سببت لي تقززا وإمتعاضا كنت في غنى عنه، وتمنيت لو أنني لم أشاهد التلفاز تلك الليله؛ لكنني وبكل صدق لم ألم المؤلّف، أو المخرج، ولا حتى الممثلين؛ بل على العكس لقد أبدع الجميع في نقل الصوره الحقيقه لما كان يفعله أجدادنا بالأندلس قبل أن تكتب لهم الهزيمه. هل هزمهم الصليبيون أم أنهم هم هزموا أنفسهم؟.
نعم أيها المسلمون الصادقون ـ وأنا أعنيها ـ الصادقون؛ فليس كل مسلم في هذه الأيام وللأسف الشديد بصادق.. أيها المسلمون الصادقون إن قوتكم في دينكم، وهي هنا بين أيديكم ولستم والله مضطرين للبحث عنها في آماكن أخرى. فلا أمريكا، ولا روسيا، وبالتأكيد لا "إسرائيل" هم من ينتصر لنا ويحمينا؛ بل نحن وبأيدينا وقوة إيماننا نستطيع أن نحمي أنفسنا إن أردنا.
قال الله تعالى في سورة (الصف)، أية 9:
بسم الله الرحمن الرحيم: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) صدق الله العظيم. الله يا إخوتي تدبروا هذه الآيه عسى الله سبحانه وتعالى أن يعيد لكم ثقتكم في أنفسكم. هو الذي أرسل رسوله "بالهدى" و "دين الحق" ليظهره على "الدين كله"... يهودي، مسيحي، بوذي، زرادشتي، وثني ، وغيرها من المعتقدات البشريه. ذلكم هو دينكم أيها الغلابه يا من تبحثون عن الآمان في بلاد الأمريكان واليهود. "ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون". هل يحق لنا أن نخافهم ونرتعب من حملتهم الصليبيه الثانيه بقيادة المخبول جورج بوش المتصهين؟. ربما لمن ضعف إيمانه بالله، أو ربما لذلك الذي يكمن الإيمان بالنسبه له في ملء الجيوب، أو ملء البطون من رشاوي، وعمولات يبيع من أجلها ليس إيمانه فقط... وإنما وطنه وأهله.

المشهد الثاني
فتاة في التاسعه عشره من عمرها، كانت تمتلك كل شئ… الشباب،الجمال، والحريه. قررت الدخول في الآسلام، وخلعت ملابسها القصيره لترتدي عن طيب خاطر الحجاب. من الذي أجبرها على ذلك؟. كيف بها تدحل الإسلام في وقت تترك فيه مئات من الفتيات المسلمات دينهن بدعوى التحرر من "العقد"، في حين تختار هذه "المتحرره من العقد" الدخول في الإسلام و "تعقيد نفسها" كما تعتقد بعض فتيات الإسلام؟.

المصدر The Sun (الشمس) البريطانيه الصادره بتاريخ 23 مارس 2007.

بينما تبلغ الحمله الشعواء على الإسلام أشدّها بتحريض متواصل من السيد جورج دبليو بوش الرئيس الحالي للولايات المتحده الأمريكيه، وبينما يزداد نفور العالم وحقده على الإسلام كل يوم نتيجه لممارسات القاعده ومن يتعامل أو يتعاطف معها، وفي وقت ترتفع فيه حدة العداء للإسلام في بريطانيا لتبلغ ربما أشدّها منذ الحروب الصليبيه نجد هذه الفتاة الإنجليزيه الشابه تترك دينها الذي وجدت عليه أباءها، وتعتنق دين الإسلام متحدية بذلك الرأي العام في هذا البلد الذي تم تطويعه من قبل القوى الحاقده أصلا على الإسلام من أمثال الجبهة الوطنيه التي تتنكّر لأية ديانه غير المسيحيه، وتكره أي عرق غير ذلك الأنجلو-ساكسوني. أقول لأولئك الذين يخافون على الإسلام لإعتقادهم بأنه مثل فقاعة الصابون ما إن لمستها حتى تنفجر وتضمحل.. أقول لهم بأن الإسلام دين إختاره الله ليكون المعتقد الحقيقي لكل البشر بغض النظر عن التسميات، وختم به رسالات السماء رغم كيد من لم يؤمنوا به.. إن مثل هذا الدين سوف يكون له من يحميه، وسوف يبقى الى أن يرث الله الأرض ومن عليه...ا فأرفعوا وصايتكم عن هذا الدين، وأتركوه لخالقه يعنى بشأنه، وحسبكم أن تراقبوا أنفسكم، وتختبروا صدقية إيمانكم أمام خالقكم، ودعو الناس لحالهم فكل في دين الإسلام مسئول عن نفسه، وكل في شريعة الله يحاسب يوم القيامة من لدنه عزّ وجلّ عن أعماله في الدنيا.

المشهد الثالث
كنت في أحد الأيام خارجا من المسجد بعد صلاة الجمعه، وكان المسجد مكتظا بالمصلين بشكل لم أشهده من قبل. كان المصلون يصطفون على الرصيف إذ لم يتبقى في داخل المسجد الكبير مكان لمصل آخر؛ مما أضطر المصليّن الى الجلوس على الرصيف مستمعين الى خطبة الجمعه عبر مكبرات الصوت، وحين وقف الإمام للصلاة تفاءل البعض بالحصول على شبر بداخل المسجد حين يتراص المصلون، ولكن لم يحدث من ذلك شيئ... فمع تراصّ المصلين بشكل كبير جدا لعلمهم بالجموع المنتظره خارج المسجد، ظلّ المكان رغم كبره ورحابته عاجزا عن إحتضان الجميع، فوقف المصلون خارج المسجد، وعلى الرصيف، وأتموا صلاتهم؛ وكنت أنا واحدا منهم بعد أن تكرّم عليّ أحد المصلين بأن دعاني لإقتسام سجادته معه، وبعد أن شكرته فعلت؛ وإنتهت الصلاه وذهب كل الى غايته. في طريقي الى سيارتي، مررت بشاب ثخين يأكل شذرات البطاطس وهو يمشي في الشارع الى غايته أيضا، والتي من المؤكد أنها لم تكن غايتي. ظننت في البدايه أن ذلك الشاب من "الجبهة الوطنيه" وهؤلاء عنصريون لدرجة التشدد، وهم بطبيعة الحال من أكبر الحاقدين على الإسلام ، ومن أشد المحاربين له أيضا خاصة بعد تفجيرات لندن في العام الماضي، وبعد أحداث مطار أسكتلندا في هذه السنه. مررت بجانب هذا الشاب بدون حتى النظر اليه، لكنه سألني بكل أدب " هل هذه كانت صلاة جنازه، أم صلاة عاديه؟". فوجئت بهذا السؤال الذي ما كنت أتوقعه أبدا؛ لكنني أجبته بكل هدو: بل هي صلاة عاديه؛ وشعرت بكثير من الفخر لأن ديننا برغم كل ما يحاك ضده مازال بألف خير.
لم أكن أدري بالضبط ماذا كان الدافع وراء هذا السؤال في عقل ذلك الشاب؛ لكن النبره في صوته، والحيره التي كانت بادية على وجهه حينما بادر بالسؤال ربما أوحت إليّ بأنه كان بالفعل يبحث عن إجابه شافيه لسؤاله... ربما لأنه كان يظن بأن المسلمين بدأوا ينفرون من دينهم نتيجة للحمله القويه ضد الإسلام والمسلمين في بريطانيا. ومهما كان الأمر فإن المحصّله مفادها أن الإسلام مازال بألف خير رغم الإساءات المتكرره له من قبل تابعيه و "المؤمنين به"، ورغم إستغلال الحاقدين عليه تلك الممارسات المسيئه للإسلام التي يقوم بها "مسلمون" في أنحاء مختلفه من العالم الذي نعيش فيه. قلت في نفسي حينها.. نعم إن للإسلام رب يحميه، وإن كل إساءه لهذا الدين تقابلها قناعه وإيمان من قبل أولئك الذين كانوا يجهلون الكثير عنه؛ فكلما تصدّر الإسلام واجهة الأحداث، كلما إزداد الشغف به بغرض التعرّف عليه من قبل من كان يجهل عنه.. وتلك هي سنة الله.

المشهد الرابع
إنها في السادسه من عمرها... فتاة يانعه من أسرة متعلمه ذات مستوى معيشي متقدم بالنسبه لما يحيط بها من الأسر في مكان سكناها. أسرتها مسلمه وكعادة أهل قريتها قررت الأسره ختان الفتاة؛ لكن الفتاة الصغيره إرتعبت من عملية الختان فرفضتها، وإعترضت عليها بشده، وعملت كل ما في وسعها للهروب منها؛ لكن أمر الأسره كان ملزما في نهاية المطاف.. وختنت المسكينه لكن عملية الختان لم تكن كما كان متوقعا منها فإنتهت الى إلتهابات، والإلتهابات أدت الى مضاعفات، والمضاعفات أدت الى معاناة كانت ضحيتها تلك الفتاة الفطنه الذكيه، والتي كانت متفوقه على كل أترابها. كبرت الصغيره رغم معاناتها، وواصلت تعليمها الى أن أكملت دراستها الجامعيه وتخرجت طبيبه بتفوق. لم تتوقف عند ذلك التفوق؛ بل إنها واصلت تعليمها العالي فتحصلت على الماجستير، ومن بعدها الدكتوراة. لم تتوقف صاحبتنا عند هذا الحد، بل إن مواهبها التي حباها بها الله دفعتها الى التجديف في محيط الأدب المترامي الأطراف، ونجحت في الوصول الى شاطئ الآمان برغم المشاغل والصعاب. كان هم هذه الإنسانه التي تعذبت كصغيره بإسم الإسلام هو تقديم شئ ما للمرأة في بلادها. كتبت في قضايا المرأة، وطالبت بكل جرأة بتحرير المرأة من الإضطهاد، ودعت الى أن يسمح للمرأة بحرية التعبير عن نفسها حتى لايتم ظلمها من أهلها، أو زوجها، أو رب عملها. ألّفت هذه الدكتوره المتفوقه الكثير من الكتب والروايات في مجال حقوق المرأة منها على سبيل المثال لا الحصر: المرأة والجنس، المرأة والصراع النفسي، ذكريات من سجن النساء، الوجه الخفي لحواء، هبوط الإيمان، ذكريات المرأة الطبيبه، وغيرها من الروايات القيّمه التي نالت على إثرها الكثير من الجوائز التقديريه منها على سبيل المثال: جائزه تقديريه من المجلس الأعلى للآداب في مصر، جائزة جبران خليل جبران للأداب، وسام الجمهورية من الدرجه الرفيعه من ليبيا، وغيرها. كما أن نجاحاتها لم تقتصر على الأدب والطب؛ بل إنها شغلت مناصب وطنيه، وعالميه مهمة جدا منها: باحثه في جامعة عين شمس، رئيسة لمركز البحوث والتدريب التابع للأمم المتحده في أثيوبيا، مستشاره لمكتب الأمم المتحده الذي يعني بغرب أفريقيا، محاضرة في جامعة كولمبيا في الولايات المتحده الأمريكيه، وغيرها من المناصب المهمه. إنها الدكتوره المصريه المسلمه "نوال السعدواي" التي أدت كتاباتها ومواقفها من حرية المرأة الى صراعات بينها وبين علماء الدين في مصر الذين لم يستصيغوا جرأتها، ولم تعجبهم أفكارها؛ فأصدروا الفتاوي بتكفيرها، ومن ثم طالبوا بهدر دمها بإعتبارها "كافره"، وأمروا بتطليقها من زوجها المسلم الدكتور "شريف حتاته" الذي وقف معها يؤازرها، ورفض قطعيا الإمتثال لأوامر رجال الدين له بتطليقها، بدأ "الأوصياء على الدين" في تتبعها بغرض هدر دمها؛ لكنها تمكنت من الهروب الى الولايات المتحده، ومكثت هناك أكثر من سته سنوات إشتغلت أثنائها بالتدريس في جامعة كولومبيا الى أن هدأت العاصفه "الدينيه" فعادت الى بلادها لتواصل نشاطاتها العلميه، والمهنيه، والأدبيه دون الخوف من أحد.
لقد حاول غلاة الدين، ودعاة إستعباد المرأة قتلها للتخلص من نجاحاتها على المستويات المهنيه، والشعبيه أيضا لكن إرادة الله شاءت لها إلا أن تواصل العطاء. لو أنهم قتلوها؛ فهي لامحاله لن تكون أول من قتل في سبيل أفكاره، ولعل المثال الحاضر هو إقدام الكنيسه في العصور الوسطى المظلمه على شنق المفكّر الفيلسوف جاليلو لأنه قال بكروية الأرض، وبأن الأرض هي التي تدور حول الشمس، وهو بذلك كان قد خالف رأي الكنيسه الذي كان يقول ويؤمن بدوران الشمس حول الأرض؛ وبرهنت الأيام على أن جاليلو كان صائبا، وعلى أن جهابذة الكنيسة كانوا مخطئين؛ لكن كل ذلك لم يمكّن روحه المزهوقه من العوده الى جسده، كما أنه لم يوقف تلك الممارسات الجاهله التي يقوم بها رجال الدين المتزمتون الى يومنا هذا.

المشهد الخامس
ربما يتذكر بعضكم ذلك الفيلم القصير للمخرج الهولندي ثيو فان جوف والذي كان بعنوان submission أو الخضوع حيث قامت الأديبه الصوماليه إيان هيرسي علي بكتابة مادة الفيلم مستنبطة فكرته من الواقع التعيس الذي عاشته في الصومال قبل هروبها الى هولنده. أحداث هذه القضيه كانت في عام 2004 وتوابعها ربما يعرفها الكثير منكم، والتي بالطبع أدت الى قيام المهاجر المغربي محمد بويري بقتل المخرج الهولندي، ثم قامت الدنيا وقعدت في هولنده من قبل الجاليه الإسلاميه هناك، وتمت ملاحقة الكاتبه الصوماليه بغرض قتلها، لكن الشرطه الهولنديه حالت دون ذلك؛ بل على العكس تم الإهتمام بهذه الأديبه حتى أصبحت الآن عضوه في البرلمان. بالطبع تم كل ذلك لأن أغلب لقطات الفيلم كانت تسئ مباشرة الى الإسلام، وبشكل ربما يعتريه كثير من الحقد والكراهيه لهذا الدين، ولكن وراء كل قصه يكمن سبب، ووراء كل مهانه تكمن غايه.
يقال بأن تلك الفتاة عندما كانت في بلدها الصومال ـ وهي مسلمه بطبيعة الحال ـ كانت قد تزوجت من شاب صومالي مسلم، وكان يؤمن ـ كما هو العرف في بلاده، وفي أغلب بلاد المسلمين ـ بأن المرأة هي ملكية كامله للرجل يفعل بها ما يريد، ومتى يريد دون إعتبار لرغباتها، ولا حتى لحاجاتها. الناس في بلاد الإسلام يعتبرون المرأة إنسانا ناقصا لايستطيع أن يعيش بدون الرجل. ألزموها بالطاعه والخنوع طيلة حياتها؛ فمن طاعة الأب الملزمه، الى طاعة الزوج الواجبه ـ وفي كل شئ ـ حتى وإن كان الزوج يطالب بما هو خارج حدود المعقول. يقال بأن إيان هيرسي علي كانت قد عانت الكثير من الإستعباد على أيدي زوجها، وكان كل ذلك يتم بإسم الإسلام؛ فولّد في عقلها وتفكيرها شعورا بالمراره والكراهية لهذا الدين السمح الذي أساء اليه تابعوه بحجة حمايته والدفاع عنه لأن كل مسلم في بلادنا يعتبر نفسه وصيا على هذا الدين دون الله سبحانه وتعالى.
المشاهد في هذا السياق لا تنتهي، ولو تعرضنا اليها كلها لما وجدنا الوقت، ولما أثقلنا عليكم؛ لكنني أعيد الى الأذهان فقط قضية الأديب الهندي سلمان رشدي الذي كان مسلما، وربما لازال كذلك بينه وبين ربه, والذي كتب ما كتب لأسباب هو أدرى بها، لكنني ربما أجزم بأنها تتجذّر من فهم الناس للإسلام، ووصايتهم عليه، وكذلك ربما تعود الى نمط الحياة التي يريدها المتشددون بإسم الإسلام؛ وذلك يحدث في الهند، وباكستان، وهو على علمنا اليقيني كان في أفغانستان أيضا أيام الطالبان.
كان سلمان رشدي رغم كل ما كتب نكره لايعرفه إلا القليلون؛ لكن الإمام الخميني قدم له دعاية مجانيه حولته الى معلم في مجال الأدب بين عشية وضحاها. بدأ العالم؛ كل العالم يبحث عن هذا "الإنسان المظلوم" الذي أصدر الخميني فتوى إسلاميه في حقه تقضي بإهدار دمه لأنه كتب قصة أسماها "آيات شيطانيه". لنكن واقعيين، وصادقين مع أنفسنا.. ماذا كان الهدف الحقيقي وراء تلك الفتوى الخمينيه؟. ألم يكن محاوله جاده من أجل إعادة العلاقات مع بريطانيا؟. أليس ذلك هو ما حدث بالضبط؟. لماذا إذا يجر بالإسلام من أجل تحقيق تلك الغاية السياسيه؟.
مات الخميني، وبدأت الإتصالات السريه مع بريطانيا، وبدأت المقايضات، وإنتهت الصفقه بعودة العلاقات الديبلوماسيه بين إيران وبريطانيا، وتمت عقود تجاريه ضخمه، ونجى سلمان رشدي من عقوبة الإعدام بعد أن تم إسقاط الفتوى.. من الذي أساء الى الإسلام بحق الله؟.
تقابلت مع شاب باكستاني إسمه الأزهري وكان يحفظ القرآن ظهر عن قلب، وعندما جاء الى بريطانيا إكتشف أن الحياة مليئة بجميع الأصناف، وإكتشف أيضا أن الناس هنا يفعلون ما يريدون دون وجود للأخ الأكبر الذي يراقب كل شئ، ويتحكم في كل شئ؛ كما كانت خبرته في بلاده التي خرج منها باحثا عن العلم في بلاد "الكفره".... نظرا لأن الأزهري كان قد وجد نفسه مسلما على نهج أمه وأبوه، ونظرا لأنه منع من أن يسأل: لماذا أنا أفعل هذا، أو إمتنع عن ذلك؛ بل قالوا له هذا ما يجب عليك فعله دون أن يشرحوا له عن هذا الدين الذي أمن به عن طريق الوراثه. عندما فتح الأزهري عينيه على العالم الذي لم يكن يعرف عنه شيئا من قبل سواء أنه عالم الخمر، واللهو، والخلاعه... عالم الكفره الذين يستغل كل منهم الآخر بدون وجه حق... عندما فتح الأزهري عينيه على هذا العالم إكتشف العكس؛ فكذّب أهله، وصدّق هؤلاء لأنهم سمحوا له بأن يفكر، وبأن يختار.. لأنهم أحسوه على أنه إنسان، ومن حقه بأن يرضى، ومن حقه بأن يعترض.. عندها ترك الأزهري وللأسف الإسلام، وبدأ بالفعل يحقد على كل ما هو مسلم. هل نلومه ونصدر في حقه الأحكام، ونطالب بقتله بصفته مرتد عن الإسلام؛ أم أنه من الأحرى بنا أن نبحث عن أسباب هذا الإرتداد عن دين الله الذي أعلمه ثم بعد ذلك خيّره؛ لكننا نحن المسلمون لم نرضى بذلك فقد نصبنا من أنفسنا حماة للدين، وبدأنا في إصدار فتاوي التكفير، ومنها أبحنا هدر دم كل من حكمنا عليه بالرده.
كما أنني أريد أيضا أن أذكر بتلك الكاتبه البنجلاديشيه المسلمه المسماة "تسليمه نسرين" وما حدث لها في بلدها، وعلى أيدي أهلها؛ وكان كل ذلك فقط لأنها كمرأة أرادت أن تعبّر عن رأيها فكان "حماة الدين" لها بالمرصاد، ولو بحثنا في سيرة حياتها لإكتشفنا العجب.
وقبل أن أختتم هذا الجزء من المقال؛ أود أن أتعرض الى المدرسه الإنجليزيه "جيليان جيبونز" والتي إستجلبها السودان من أجل تعليم بعض من أطفاله اللغه الإنجليزيه. كانت جيليان تدرس أطفال في عمر السابعه في مدرسة الوحده الإعداديه، وكل ما فعلته هذه الإنسانه هو ما يفعله كل مدرس في بريطانيا، والذين منكم عندهم أطفالا صغارا ويذهبون الى مدارس إنجليزيه يعرفون بالضبط كيف يتم تعليمهم!!.
طلبت المدرسه من الأطفال في فصلها بأن يحضر كل منهم لعبته المفضّله الى الفصل.... وحدث ذلك بكل براءه. من أجل جعل التعليم ممتعا، ومن أجل أن يشارك الجميع في تعليم أنفسهم ( وهو أمر يفتقده التعليم الإبتدائي في بلادنا) سألت كل واحد من هؤلاء الأطفال في أن يسمي لعبته المفضله بإسم هو يختاره، وفي هذا دعوه للإعتماد على النفس، وأيضا وسيله لتشجيع روح المبادره والإقدام الأمر الذي نفتقده نحن العرب نظرا لأساليب التعليم "الزمنيه" في بلادنا ـ وعندما إحتار محمد في الإسم الذي سوف يطلقه على دبه الصغير؛ إقترحت عليه مدرسته في أن يسميه بإسمه ( وفي بعض الروايات كان محمد هو من أطلق إسمه على الدب) وفرح محمد بإقتراح مدرسته فسمّى دبه المحبوب بإسمه... أين هي الإهانه للإسلام يا "أعداء الإسلام"؟. لعن الله عقولكم الضيقه، وتفكيركم المحدود يا جهله.
هل هو دين الإسلام بذلك الضعف؛ وذلك الضياع بحيث أن إطلاق إسم محمد على دبيب من الممكن أن يهدم هذا الدين!!. في أي عصر تعيشون يا أيها التافهون.. لعنة الله عليكم يا من رضيتم بالحفاظ على جهلكم دون أدنى محاوله بهدف تطوير أنفسكم. أطلقوا سراح هذه الإنسانه البريئه، وأعتذروا لها، وبينوا لها أن الإسلام هو دين الحب والإخاء بين الشعوب؛ فإنها والله سوف تفكر في إعتناق الإسلام يا أيها الناس. اللهم إلا إذا كان للفريق البشير رئيس السودان رأي آخر..أي على رحبك يا خميني؛ فهذه قد تكون فرصتي من أجل تحسين علاقات السودان مع بريطانيا، أو من أجل الحصول على بعض المساعدات من بريطانيا نظير هذه الصفقه ... نعم قد يكون الأمر كذلك، فهؤلاء الناس يفكرون بأحذيتهم!!.
قالت المدرسه على لسان إبنها "جون جيبونز: "أخر شئ ممكن أفكر فيه في حياتي هو الإساءه الى الإسلام، أو المسلمين"، وقالت أيضا: "لا أريد من هذه المشكله أن تكون سببا لإهانة أي شخص.. ليس لإهانة الشعب السوداني، وليس لإهانة المسلمين، ولا لإهانة أي شخص". هذا ما قالته المرأه.. ألا تغفروا لها، وتتركوها تعود الى أهلها؟. قولوا لي بالله عليكم.. من الذي آهان الإسلام؟.

للحديث بقيه.. والبقيه قد تكون أكثر إثاره ... ومراره أيضا.

مصطفى

ـ الجزء الثاني من هذا المقال سوف يتناول تاريخ الإسلام: من الذي كتب لنا التاريخ الإسلامي، وماذا سمحوا لنا بمعرفته؟. ماذا تم إخفاءه عنا من تاريخنا، ولماذا؟. ما حقيقة تلك المسلّمات الملزمه التي فرضوا علينا الإيمان بها دون السماح لنا بمناقشتها على إعتبار أنها من الخطوط الحمراء؟.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home