Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

الجمعة 4 سبتمبر 2009

إنتهى عهد الثورة
 
د. مصطفى عبدالله

(الثوره تغيّر نظام الحكم لكنها لاتبني دوله. عندما تتكون الدوله وتستقر أمورها؛ يتوجّب على الثوّار أن يعودوا الى مواقعهم الطبيعيه بين عامّة الناس، ويتركوا الحكم لمن يقدر عليه... فالحكم ليس من شيم الثوار، ولا هم بقادرين عليه)

  

ريد أن أعود الى الوراء قليلا بغرض المحاوله لبناء جسر يربط الماضي بالحاضر حتى يمكننا العبور من خلاله الى المستقبل بدل المرواحه في آماكننا لما يزيد عن أربعة عقود من الزمن ونحن لانعرف وجهتنا، ولانمتلك خريطة سير واضحه أو ذات معالم ثابته. إن أصعب شئ في حياة الإنسان هو أن يمضي بدون هدف، وأن يعيش بدون هوية.

أنا ربما أختلف مع الكثيرين من إخوتنا الليبيين بخصوص ما حدث في عام 1969 الذي أعتبره ثوره بكل معاني الكلمه. نعم إن ما حدث في عام 1969 كان ثوره بتعريفها التقليدي؛ حيث ثار بعض من شباب الوطن على الوضع المتردّي حينها والذي كان قد حان موعد تغييره منذ سنوات قبل 1969.

إن الناس لاتتوق الى رفض الجيد، أوالى تغيير الأحسن، بل إن الثوره ـ أي ثورة ـ لايمكن لها من أن تنجح، وتستقطب الناس من ورائها لو كانت أوضاع الناس جيّده. الوضع الذي كان سائدا في ليبيا كان وضعا متخلّفا بكل المفاهيم، وكان وضعا ضعيفا، وكان وضعا تابعا يستمد شرعيته وحمايته من الغير؛ وهذا الغير تعارضت مصالحه مع مصالح الشعب الليبي.  أظن بأننا في حاجه ماسّة لأن نحاول الإتفاق على هذا المفهوم من أجل أن نلتقي كلّنا على هدف واحد وهو مستقبل وإستقراربلدنا ليبيا، ورفاهية وسعادة شعبها الذي هو نحن بطبيعة الحال. إذا نحن هنا نتكلّم عن أنفسنا، ونبحث عن سعادتنا، ونفكّر جميعا في حاضرنا، ونسعى سويّا لبناء مستقبلنا الذي هو مستقبل أطفالنا.

نعم هناك بيننا من يريد أن يقنعنا بأن العهد الملكي الذي كان يحكم ليبيا كان نظاما ديموقراطيا، وطنيا، وكانت فيه حريّات، وكان فيه رخاء، وكان فيه عدل... سموّه ب"العهد الباهي". أنا إختلف مع تلك التوصيفات، ولا أظن في قرارة نفسي بأن من يقول مثل هذا الكلام هو يعنيه بعيدا عن دواعي مصلحيه، أو ربما إنطلاقا من كراهيتنا كليبيين لهذا الوضع المحزن الذي حل محله والذي نعايشه الآن. إن الذي يحن الى الماضي هو ذلك الذي ليس له حاضرا يفتخر به ؛ ومن ثم فإنه يرى الحنين الى الماضي تذكرة له بأيام خلت لكنها كانت أحسن من هذه الأيام. إن الذي نعاني منه الآن هو وحده الذي يدفعنا الى الحنين الى الماضي؛ فلو كان حاضرنا مشرقا لما وجدنا الوقت ولا الدافع للتفكير في الماضي اللهم إلا أن يكون ذلك بهدف الإعتراف بأفضال السابقين، وإسداء العرفان لهم وردا لجمائلهم علينا حيث بأعمالهم الجيده تمكنا من تحقيق إستقلال بلادنا الذ نعيش الآن في ظلاله بغض النظر عن مصائبنا التي وإن طالت فسوف تنتهي.

الحنين الى الماضي قد يكون أيضا من باب التندّر والمقارنه الإيجابيه مثلا لو كان بالطبع حاضرنا أحسن حالا من ماضينا كما هو الحال في دول أوروبا الغربيه، وأمريكا الشماليه، وقد يكون الأمر كذلك في السنوات القليله القادمه بالنسبه لشعوب أوروبا الشرقيه، والهند، وإندونيسيا، وماليزيا، والصين حيث أن حاضر ومستقبل تلك البلاد بطبيعة الحال يعتبر الآن أحسن بكثير من السابق، لكن مستقبلهم يؤمل له بأن يكون أحسن من حاضرهم .

أنا أتفق بالكامل وبدون تردد مع كل من يقول بأن الوضع الذي نعيشه في ليبيا الآن هو وضع مترد إنتشر فيه الفساد، وعمت فيه الفوضى، وصعب فيه على الناس العيش في آمان وسلام نتيجة للمارسات الخاطئه، ونتيجه بطبيعة الحال للظلم والطغيان الذي يعاني من السواد الأعظم من ابناء الشعب الليبي. ليبيا اليوم يحكمها ديكتاتور متسلّط مفرط في الآنانيه وحب الذات، وهذا الطاغيه مارس في حق الليبيين جميع أنواع التنكيل والتقتيل، وفرض عليهم الفاقه والجوع والحرمان، ومنعهم من التمتع بخيرات بلادهم الغزيره التي تفضّل الله بها عليهم. لقد أيقن الليبيون الآن وربما أكثر من أي وقت مضى بأن هذا الرجل الذي يحكم ليبيا ومنذ أكثر من أربعين سنه ؛ ما هو إلا إنسانا حاقدا على كل الليبيين، ولاتهمه مطلقا مصالحهم الحيويه، ولا يحفل بسلامتهم، ولا يحس بمعاناتهم؛ بل إنه ربما يقر عينا ويبتهج حين يرى الليبيين وهم يكابدون شظف العيش، وهم يعيشون مكبوتين مهانين وبلا كرامة كالحيوان الذي لايشغله في حياته أكثر من تأمين لقمة العيش ولو أتى ذلك بعد إهانة.....  فالحيوان لايعرف معنى الكرامه، ولا يحفل كثيرا بعزة النفس، ولا يعبّر عن إستيائه إن تعدى أحد على خصوصياته؛ طالما أنه يجد الكثير من الأكل أمامه.   

هناك وضعية أخرى أنا شخصيا أؤمن بها وقد أكون في هذا ربما ساذجا، أو ربما طيّبا زيادة عن الحاجه؛ لكنني حتما لست مغفّلا. هذه الوضعيه التي أعتقد بها كثيرا، وأؤمن بإحتمالية صدقها تكمن في إحساسي بأن أولئك الشباب الذين قاموا بالثوره في ليبيا عام 1969 كانوا صادقين مع أنفسهم، وصادقين مع بعضهم البعض، وكانوا مخلصين لبلدهم؛ فقد كانوا كلّهم من أبناء الشعب الليبي، وكانوا بدون إستثناء من نتاج هذه الأرض التي نعيش عليها؛ بل ويجب التذكير بأنهم جميعا كانوا قد عاشوا في هذا البلد، ولم يكونوا من المهاجرين الذين ربما أنستهم الغربه حبّهم لبلدهم، وحبهم لأهلهم.

أظن بأن الأمر ظل كذلك حتى بعد الإستيلاء على السلطه، والإطاحه بالنظام الملكي؛ ولكن ما الذي حدث بعد ذلك، ولماذا بدأت الأحوال تتردّى بعد سنتين فقط من قيام الثوره... أي بعيد ندوة "الفكر الثوري" تلك ؟. أنا شخصيا لا  إستطيع الخوض في مثل هذه الأمور نظرا لأنني بعيدا عن دائرة الحدث، ولا توجد لدي مصادر موثوقه إستند إليها لمعرفة ماذا كان قد حدث بعد أول سبتمبر 1969. ربما أنه كان قد حدث صراعا بين الزملاء أثناء عملية تنصيب رئيس مجلس قيادة الثوره، وربما  بأن النفس الأمّاره بالسوء كانت قد تمردت على سكوتها المؤقت، وربما  أن طبائع أولئك الشباب ... بساطتهم، بداوة أغلبهم، محدودية تعليمهم، أو ربما إنعدام الخبرة السياسيه لديهم كانت من بين العوامل ـ أو ربما كلّها ـ التي  حسمت المواقف حينها. ربما كانت هناك أياد خفيه تلعب من وراء الكواليس ... ربما.

وليكن ما يكون؛ فالشئ الذي أذكره أن الليبيين ـ كل الليبيين ـ كانوا بالفعل فرحين مستبشرين بالتغيير الذي حدث، وبأنهم عن صدق إحتضنوه ، ورحبوا به، وشمل ذلك بطبيعة الحال أغلب رجالات العهد الملكي، والكثيرين من أعضاء حكومته مما يدل على أن أولئك لم يكونوا راضين عن الوضعيه التي كانوا يعيشونها أيام الحكم الملكي؛ وقد يرجع ذلك ربما للطريقه التي كان الملك وحاشيته يديرون بها أمور البلاد، وشئون العباد.

أدى إنسجام الليبيين مع الوضع الجديد، وتوقهم الى الأمام، ورغبتهم في تغيير أوضاعهم الى حدوث تحسّن مضطرد في جميع مناحي الحياة، وإنطلق الليبيون الى العمل بجد وإخلاص؛ فأثمر كل ذلك عن إحداث طفرة تنمويه كانت ملموسه وظاهرة لكنها بالطبع كانت قصيرة ومحدوده؛ حدث خلالها أن صدّرت ليبيا ولأول مره أطنانا من منتوجها الزراعي الى أوروبا . بدأت الثقه تتسرب إلى أعماق الليبيين،  وبدأت واضحة في تفكيرهم وفي تصرفاتهم. ظل الأمر كذلك لما يقارب الأربعة سنوات شهدت بلادنا خلالها الكثيرمن الإستقرار النسبي، والسعاده الإجتماعيه، وكذلك التقدّم الى الأمام.... ولكن كل ذلك لم يستمر طويلا؛ إذ سرعان ما تكشّفت الحقيقه، وسرعان ما تبين للعقلاء من أبناء ليبيا على أن الثوره في واقع الأمر لم تكن كما كانوا يتوقعون.... فقد بدأ الحمل الوديع يتحوّل الى ثعلب ماكر، ثم ما لبث أن تحول بعدها الى ذئب شرس، وإنتهى أخيرا الى وحش كاسر بمجرد أنه إطمأن الى دخول كل الليبيين في الحضيرة... حضيرة التبعيه لسيّد النجع الذي أعجبه ما رأى فبدأ يحس بالخيلاء، وبدأت أنيابه تتكشر، وبدأت مخالبه تتمدد، وأحس حينها ـ ومن حينها ـ بأنه عليه أن يتصرف وكأنه سيد الغابه الذي من أجل الإنفراد بتلك السيادة عليه أن يقوم بالقضاء على كل راغب فيها، أو حتى مجرد حالم بها.

إن التغيير المفاجئ في تصرفات وتفكير العقيد معمر القذافي قد يكون ربما ناجما عن خلل ما في تركيبته النفسيه؛ ولا أميل أنا شخصيا لهذا الإحتمال ذلك لأنه لو كان كذلك وبذلك الشكل لكان قد إكتشف منذ البدايه من قبل زملائه، ولكان ذكر ذلك من إستطاع أن يتكلّم بحرية لاحقا من أمثال الرائد عمر المحيشي، والرائد عبد المنعم الهوني. الذي أخمّنه أنا شخصيا هو أن محاولة المقدّم موسى أحمد، والمقدم أدم الحوّاز الإنقلابيه وفي ذلك الزمن المبكّر جدا من عمر الثوره الليبيه كانت ربما  هي السبب الجوهري وراء التغيير الكبير الذي حدث في سلوك وتصرفات معمر القذافي مع زملائه أولا، ومع الشعب الليبي لاحقا. فلو أخذنا بصدقية الإفتراض على أن أولئك الشباب كانوا بالفعل أصدقاء وإخوة قبل أن يكونوا زملاء مهنه والدليل على ذلك بطبيعة الحال هو وثوق بعضهم ببعض، وتداول الأسرار فيما بينهم بشكل ربما يكون مطلقا في ظروف بدون شك كانت غاية في الحساسيه والخطوره  أثناء فترة الإعداد للثوره؛  ومثل تلك العلاقه لابد وأن تكون علاقة شرف، وعهد، وثقة مطلقه؛ وهذا ربما كان السبب في ردة فعل العقيد معمر القذافي على محاولة أحمد والحواز الإنقلابيه.  بعد خمود حرارة حركة الإنقلاب الأولى كانت وكما نعرف المحاوله الثانيه للرائد بشير هوّادي، والرائد عوض حمزه، وما لحقها فيما بعد من قبل  الرائد عمر المحيشي، ثم إتهام الرائد عبد السلام جلّود بدعم محاولات ضباط ورفله الإنقلابيه... كل هذه المحاولات الإنقلابيه ربما يحق لنا أن ننظر اليها من زاويتين:

الأولى: أن العقيد معمر القذافي كان ربما بدأ بالإنفراد بالسلطه منذ الأيام الأولى للثوره، وبذلك فقد همّش البقيه مما أثار حفيظتهم.

الثانيه: أنه بعد إستقرار الأمور وتعيين العقيد معمر القذافي رئيسا لمجلس قيادة الثوره؛ كانت ربما تتواجد هناك طموحات مكبوته لدى البعض من أعضاء قيادة الثوره، وبأنه عندما لم يتمكنوا من تحقيقها بفعل الإختيار الطبيعي  (أي بالتي هي أحسن) عملوا على إفتكاكها بقوة السلاح كما ربما يبدو واضحا في محاولة الإنقلاب التي قام بها المقدمين موسى أحمد، وأدم الحوّاز.

وبغض النظر عن حقيقة ما حدث تماما؛ فإنني أظن بأن إحتمال ردة فعل العقيد القذافي "الطبيعية" على "غدر الأصدقاء" كانت ربما هي بدايات التغيير في سلوك العقيد القذافي وتصرفاته ضد زملائه أعضاء مجلس قيادة الثورة على وجه الخصوص، وضد الشعب الليبي ككل؛ والتي ربما كانت قد تدعمت بخلفية معمر القذافي الإجتماعيه حيث كان معدوما، فقيرا، منبوذا من قبل الليبيين مما ربما زرع في تفكيره الكراهية والحقد على الليبيين؛ والتي بدون شك بدأت تكبر مع الأيام. وجد العقيد معمر القذافي في تبعية أغلب الليبيين له، وفي إعلان ولاءاتهم المتتابعه، وفي خروجهم في مسيرات حاشده هاتفه بإسمه ... وجد العقيد معمر القذافي ضالته في أبناء بلده حيث تكشّف على سطحية وسذاجة أكثرهم، وكذلك النفسيه "الطمّاعه" لدى السواد الأعظم من الشعب الليبي؛ فلم يتأخر لحظه في إستغلال تلك الظروف لصالحه غير عابئ بمصائر الليبيين، وغير مهتم برفاهيتهم أو مستقبل حياتهم.

 كانت ربما كل تلك العوامل، وغيرها الكثير مما دفع العقيد القذافي الى التسّيد والتغوّل على الليبيين؛ ومن ثم الإنتقام منهم بعد ذلك .... وبكل حقد وسخط.

إن عمليات تفكيك الجيش الليبي، ثم إنشاء اللجان الثوريه، ثم بعد ذلك تعيين القذاذفه على رأس جميع المرافق العسكريه والأمنيه، وأخيرا تعيين إبنه المعتصم لرئاسة الأمن القومي في ليبيا، وكذلك تمكين كل أبنائه ـ بما في ذلك إبنته عائشه ـ من الولغ في ثروة الليبيين والتصرف فيها بدون حسيب ولا رقيب، وكذلك تمكينهم جميعا من السيطره على كل المرافق الحيويه في الدوله من أمن، وإتصالات، وإستثمار، وإعلام، وغيرها من مواضع السيطره والتأثير على وفي عقول وتفكير الليبيين... إن كل تلك التغييرات لتعد دليلا على مدى إنعدام الثقه بين العقيد معمر القذافي وبقية أبناء الشعب الليبي؛ والتي قد تكون نتجت وتركبت عبر السنوات التي حكم فيها العقيد معمر القذافي ليبيا، وتحكّم بذلك فيها من رقاب كل الليبيين... يضاف الى كل ما سبق ذكره بالطبع محاولة البعض إفتكاك "الغنيمه" من بين يديه كما حدث في محاولة الجبهة الوطنيه لإنقاذ ليبيا لتغيير نظام حكم القذافي في عام 1984 من خلال عملية باب العزيزيه، وكذلك محاولة الجماعه الليبيه المقاتله الإستيلاء على الحكم من خلال عمليات الجبل الأخضر في عام 1997.

وبغض النظر عن الأسباب، وبغض النظر عن الطريقه التي يفكر بها العقيد معمر القذافي، وبعيدا عن الخوض في سرد أحداث العقود الأربعه الماضيه ـ وهي مأساويه بطبيعة الحال ـ فإن المحصله والنتيجه التي هي بين أيدينا الآن تكمن في أن العقيد معمر القذافي كان قد تمكن من السيطره على كل شئ، والإستحواذ على كل شئ؛ وبذلك فهو يسيّر كل شئ في ليبيا. هذه هي حقيقه مدروكه ولا أظن بأن إثنين من الليبيين قد يختلفا عليها. الحصيله أننا كليبيين اليوم وجدنا أنفسنا أمام الأمر الواقع الذي لايمكننا تجاهله أو بطبيعة الحال التنكر له. العقيد القذافي تمكّن بوسائله الخاصه وبمعاونة أبنائه والطامعين في ثروات ليبيا التي يتحكم فيها من وضع العربه على الحصان من جديد، وإستطاع إستثمار الظروف الدوليه، وممارسات تنظيم القاعده لصالحه، وإستطاع أيضا الإستفاده من الوضع المتردي في العالم العربي والإسلامي؛ فتمكن أخيرا من إعادة تقديم نفسه للعالم؛ وفي هذا علينا الإعتراف بأنه تمكن من ذلك بكل ذكاء، وبحسابات متقنة.... وبالفعل كان قد حقق نجاحات مستغربه وربما كانت مفاجئة للكثير.

علينا كذلك أن نعترف صراحة بأن العقيد القذافي كان قد تمكن من القضاء على المعارضه الليبيه بشكل ملفت للنظر، وبعمل مدروس؛ ومع هذا فإنني أظن بأن الفضل لم يكن يرجع لحذق القذافي ومثابرته وحدهما؛ بل إن المعارضه الليبيه لم تكن هي بدورها معارضه ناجعه بكل معنى الكلمه، فمن ناحيه لم تبرهن المعارضه الليبيه ـ بما في ذلك قادتها ـ على أنها مؤطّرة كما يجب، وربما لم تكن مؤهله لحمل راية التغيير لأسباب عديده قد يكون أقلها فقدان النضوج الفكري، والعمق السياسي لدى أغلب مؤسسيها مما أدى الى التنافس فيما بينهم، والتناحر بين أعضاء تلك التنظيمات المعارضه أحيانا لأسباب تافهة، وأحيانا على نمط "الصراع على الحكم" ( وأي حكم !!)  حتى بلغ الأمر بالعديد من المنتمين إليها الى تنكيل بعضهم ببعض؛ مما سمح لأجهزة مخابرات القذافي بالتغلغل بين صفوفها فأضاف ذلك بالطبع الى تشرذمها وهامشيتها.

لقد أيقنت مؤخرا بأن المعارضه الليبيه الآن لم تعد معارضه ذات شأن، ولم يعد لها كيان يذكر أو قيمة إستراتيجيه ذات معنى. المعارضه الليبيه ربما كان من أهم أخطائها إنعزالها عن الشارع الليبي، وفي كثير من الأحيان ترفّعها عن المواطن الليبي العادي بشكل نفّر هذا المواطن منها؛ وبذلك فقد خسرت العمق الداخلي لأنها لم يسبق لها أن أعطت للمواطن "المقهور" في داخل بلده أية قيمه، ولم تشعره بوجودها، ولم يجد فيها المواطن الملجأ الذي يأويه في حالة تآلب الضباع ( ضباع السلطه ) عليه. هذا بدوره جعل المواطن نفسه لا يشعر بالإطمئنان تجاه المعارضه،  حيث أحسّ دائما بأنها مترفعة عليه؛ كما أن إرتباط بعض تنظيمات المعارضه بأمريكا، وإستلام بعض المنتمين إليها ـ بما في ذلك قادة بعض فصائلها ـ الدعم المالي من جهات مشبوهة، وغياب الشفافيه في ذلك.. كل هذه الأمور دفعت بالمواطن الليبي في الداخل الى العزوف عن الإهتمام بالمعارضه، أو الإحساس بقدرتها على تغيير نظام الحكم؛ فلم يبقى للمواطن جراء ذلك غير الرضاء بالأمر الواقع، والرضوخ  لسيطرة أجهزة الحكم الثوريه والأمنيه.

من هنا نرى أن المعارضه الليبيه إجمالا لم تفلح في الحصول على تأييد الليبيين، ولم تتمكن من إستقطابهم للإنظمام إليها، أو تشكيل فروع سريه لها في داخل الوطن؛  ومن هنا أيضا فإنني أرى بأن المعارضه الليبيه كانت بالفعل قد إنتهت،  وبأن الوقت كان قد حان لإنبعاث تنظيمات معارضه جديده بدماء شابه نظيفه، وعقليات متفتحه يتمشى تفكيرها، وتتناسب تصرفاتها مع الحاضر، ومع الواقع المعاش. أتمنى بأن يكون المثقفون والمتعلمون من مؤسسيها بحيث تعتمد الأخلاق، الإنفتاح، الشفافيه، والديموقراطيه الحقيقيه كأسس لها جميعا. إن المعارضات الليبيه القديمه كانت بالفعل قد هرمت وإستهلكت  فظمرت ومن ثم فعليها أن تحل نفسها وذلك ربما يحفظ ما تبقى من ماء وجهها؛ وقد يكون ذلك الإجراء بمثابة فتح الطريق وربما دعوة لميلاد معارضه ليبيه فاعله تضع الشعب نصب أعينها؛ لأن أية معارضه بدون دعم شعبي هي معارضه تولد مريضه، ما تلبث أن تضمحل وتتبخّر قبل أن تقوم بعمل نظالي ذا قيمة تذكر.   

ماذا لو أنه....؟             

أنا أعرف يقينا بأن الزمن يسير الى الأمام، وأعرف بأنه لايمكن إرجاع عقارب الساعه (ساعة الزمن) الى الوراء، وأؤمن أيضا بأن البكاء على الأطلال سوف لن يغير من الأمرشيئا؛ لكنني فقط أود أن أطرح هذا "السيناريو" من باب "الإتعاظ" فلعلّ هناك من قد ينصت.

ماذا لو أن العقيد معمر القذافي كان في عام 1973 ـ وفي مدينة زواره نفسها ـ بدل أن أعلن نقاطه الخمسه كما نعرفها كان قد أعلن هذه النقاط الخمسه عوضا عنها:

1ـ الإلتزام بسلطة القانون، والعمل على إستحداث بنوده بما يتماشى مع العصر الذي نعيش فيه.

2ـ حل مجلس قيادة الثوره، وتشكيل قيادة مؤقته لتسيير شئون المرحله الإنتقاليه

3ـ تشكيل لجنة لدراسة دستور عام 1951 وتحديثه بما يتلاءم ومستلزمات المرحله المقبله.

4ـ الدعوة الى تفعيل الأحزاب السياسيه التي كانت عامله أثناء فترة التحرر من الإستعمار، وبعيد الإستقلال.

5ـ الدعوه لإنشاء تنظيمات المجتمع المدني الحره.

وماذا لو أن العقيد معمر القذافي كان قد أعلن في نفس خطاب زواره عن الإنتقال من الثوره الى الدوله، وعلى أنه سوف يقود المرحله الإنتقاليه لفتره زمنيه مدتها ثلاثة سنوات غير قابله للتجديد أو التمديد على أن يحدد الأول من يناير عام 1976 كموعد لأجراء أول إنتخابات برلمانيه حرة في ليبيا بما في ذلك إنتخاب رئيس الدوله الليبيه على أن يكون العقيد القذافي من بين المرشحين لهذا المنصب إن رغب هو في ذلك.

ماذا لو أن العقيد القذافي كان قد أتم المهمه بنجاح، وتمكن من تسليم السلطه بالكامل لقيادات ليبيه منتخبه تكون قادرة بقوة القانون على إستلام زمام الحكم في ليبيا؛ وأعلن بعد ذلك إستقالته من جميع مناصبه السياسيه ليعود الى صفوف الشعب الليبي يراقب الممارسة السياسيه الحره، ويعمل على إصلاح الإعوجاج فيها، ويكون مستعدا للثوره من جديد لتغيير الأوضاع  في حالة أنه لاحظ وجود إي إنحراف في سير العمليه الديموقراطيه في ليبيا؟. إعتقد بأنه لو فعل ذلك لكان حالنا مختلفا تماما، ولكان هو بطلا ليبيا، ولكان إسمه قد حفر في قلوب وعقول كل أبناء وبنات ليبيا؛ ولما إضطر العقيد القذافي الى البحث عن الزعامه في أفريقيا، وما كان قد إستجداها من أعيان قبائل أفريقيه متخلفه ما زالت تعيش في الماضي المظلم. لو أن العقيد معمر القذافي كان قد ركز كل جهوده وأفكاره لخدمة الليبيين لأصبحت ليبيا دولة لها مكانتها في العالم وإحترامها، ولفرح الليبيون بأوضاعهم، وسعدوا بمن يحكمهم؛ ولكانت بالفعل ليبيا قد تفوقت على دولة الإمارات، ولكان العقيد القذافي بمثابة زايد بن سلطان آل نهيان في ليبيا... وربما أكثر مكانة من ذلك.

لو أن العقيد القذافي كان قد إهتم ببلده وأبناء بلده، وزهد في السلطه، وجعل نصب عينيه الإهتمام بالليبيين من أجل رفعة وتقدم ليبيا لكنا قد وفقنا أيما توفيق، ولكان هو قد جنّب نفسه كل هذا العناء، وكل تلك المشاق التي تحمّلها وهو يلهث وراء الزعامه والشهره بشكل ملفت للنظر، ومثير لكثير من الإستغراب والإستهجان في نفس الوقت. أليس هو العقيد معمر القذافي من يبحث عن الشهره المبتذله والرخيصه حين يهمل مواطنيه حتى إقترابهم من حافة الموت ثم بعد ذلك يقوم بإطلاق سراحهم ليس من أجل نواح إنسانيه، وليس رحمة بأسرهم وأطفالهم، وليس حبا لله وتقربا منه؛ وإنما لهدف واحد لا لبس فيه وهو الحصول على موضع صغير في وكالات الأنباء، أو سماع كلمة تمجيد ومدح من أحد المنافقين تشيد به وبإنسانيته ؟. أليس هو العقيد معمر القذافي من أمر بسجن الدكتور إدريس بوفايد لمجرد عزمه على الذهاب الى ميدان الشهداء والإعتصام هناك ؟... ذلك كل ما كان الدكتور بوفايد يعتزم القيام بعمله؛ ومع هذا لم يطقه العقيد معمر القذافي فأصدر الأمر بسجنه.

سجن الدكتور إدريس بوفايد وأبقاه مهملا في السجن حتى أصيب بالسرطان الخبيث في غشاء رئتيه ( أو ربما وهو المرجّح أنه تم زرع خلايا سرطانيه في جسده من قبل أجهزة الأمن التابعه مباشره للعقيد القذافي) وعندما تأكّد للقذافي بأن الدكتور بوفايد يعاني من سرطان خبيث عصيّ عن العلاج، وهو ينتشر بسرعه في أحشائه، وعلى أنه سوف يؤدي الى موته المحقق؛ قرر إطلاق سراحه مناولا بذلك جرعة دعائيه رخيصة لإبنه سيف وجمعيته الخيريه.

قرر العقيد القذافي سجن المهندس القدير "فتحي الجهمي" وتركه مهملا في السجن حتى أشرف على الموت، وأصبحت حالته ميؤوسا منها؛ وبعدها فقط أصدر أوامره بتسفير المهندس الجهمي الى الأردن وهو في غيبوبه ليموت هناك، وليستأثر العقيد القذافي بفضائل العفو "لأسباب إنسانيه" بغية تبييض وجهه، وحصد المزيد من الدعايه الرخيصه. تم تسفير المهندس الجهمي في عجالة الى الأردن وهو مغمي عليه ليقضى نحبه في أقل من يومين... رحمة الله عليك يا فتحي الجهمي، والخزي والعار لمن أرادك أن تكون ـ وأنت في الرمق الأخير من حياتك ـ مجرّد "دعاية إعلاميه" تضيف عليه بعض  من المجد المزيّف الذي تحيط هالاته ب"ملك الملوك" منذ أن بدأ يعشق السلطان، وينتشئ بالسلطه.

العقيد معمر القذافي هو بعينه من قام بإصدار الأوامر لتسليم السيد "عبد الباسط المقرحي" الى بريطانيا رضوخا للشروط الأمريكيه، ودرءا لإجراءات أمريكيه تستهدف حياة العقيد القذافي نفسه خاصة بعد أن قامت أمريكا بإستعراض قوتها الجويه في داخل ليبيا وضربها لمقر إقامة العقيد القذافي في باب العزيزيه. ترك العقيد القذافي السيد عبد الباسط المقرحي يعاني لوحده داخل السجن لمدة 10 سنوات كامله، وعندما عرف بأنه يعاني من سرطان متوزّع في جسمه، وعلى أن أيامه أصبحت معدوده؛ قام بالإتصال بحكومة "أسكتلنده" طالبا منها إطلاق سراح السيد المقرحي وبوجه السرعه قبل أن يموت في السجن الأسكتلندي. كان كل هم العقيد القذافي هو إرجاع المقرحي الى ليبيا ولو كان شبحا طالما أنه مازال قادرا على الوقوف والمشي حتى يقضي منه وطره... أي حتى يحصل على الهدف المنشود وهو "الدعايه الرخيصه"؛ وبالفعل قدّم العقيد القذافي لبريطانيا مقابل ذلك تسهيلات تجاريه، وعقود نفط ضخمه، وإستثمارات غير محدوده.

إستغلّ العقيد معمر القذافي عودة المقرحي الهزيل ـ وهو الذي كانت قدماه تقودانه ببطء نحو القبر ـ فأقام الإحتفالات الكبرى، وسخّر آلات الدعاية بجميع أشكالها وأنواعها، وأمر حوارييه بالقدوم في أعداد كبيره للهتاف بعودة السجين الذي ما لبث أن حوّلهه الى بطل ليبي في مرتبة المجاهد الشهيد عمر المختار، وأعتبرعودته بطولة كبيره وإنجاز عظيم؛ فالثوره كما قال "لا تنسى أبناءها" !!.

كان كل هم العقيد القذافي من وراء الإفراج عن المقرحي هو الحصول على الزخم الدعائي خاصة وهو يستعد للإحتفال بالذكرى الأربعين لأستيلائه على الحكم في ليبيا. لم يكن العقيد القذافي يحفل بحالة هذا الرجل الميؤوس منها؛ فأعمته الدعايه الرخيصه والمجد الصوري عن كل واعز إنساني، وعن كل عطف أو حنان وهو بمثابة ولي أمر الشعب الليبي بحكم موقعه كحاكم لليبيا؛ ولم يحفل ب أو يتحسس من حالة زوجة المقرحي المسكينه التي عانت لوحدها طيلة العشره سنوات الماضيه أي منذ أن سلمه العقيد القذافي الى بريطانيا وكان ذلك بمثابة كبش فداء لإعفاء "القائد" من المساءله القانونيه في جريمة لوكربي التي تعرف زوجة السيد المقرحي قبل غيرها بأن زوجها لم تكن له فيها لا ناقة ولا جمل، وهي تعرف أيضا بأن زوجها كان ضحية رخيصة لممارسات القذافي وأعماله الإرهابيه الغير محسوبة العواقب.

بينما كانت زوجة المقرحي وأطفاله ينتظرون عودته لإلقاء النظرة الأخيره على هذا الزوج والأب قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيره؛ كان هم القذافي الوحيد هو إرجاعه الى ليبيا حيا وبأي ثمن حتى يتمكن من عرضه أمام وسائل الإعلام معتبرا ذلك من الإنتصارات العظيمه للقائد الذي حقق للشعب الليبي العزة والكرامه، والإنتصار تلو الإنتصار وكأن الشعب الليبي لايعي ولا يرى ولا يحس.

قام العقيد القذافي بإستثمار عودة المقرحي له ولإبنه سيف بأقصى ما إستطاع ، وبسرعه كبيره قبل أن يموت الرجل فيذهب نسيا منسيا؛ لأن عودته أدت غرضها الدعائي المطلوب وذلك تحديدا ما كان يهم "القائد" اللاهث وراء الشهرة. السيد المقرحي يرقد الآن في حجرة العنايه الفائقه في مركز طرابلس الطبي مغميّا عليه منتظرا قضاء الله، وهو الذي سوف يترك هذه الدنيا الفانيه حاملا معه حكما قضائيا يقر بمسئوليته عن جريمة إنسانيه شنيعة، وسوف لن يهتم "القائد" بأمر براءته بعد وفاته لأن تبرئة المقرحي لم تكن تهم العقيد القذافي على الإطلاق ولا في أي يوم من الأيام منذ حدوثها؛ فالبراءة إن حدثت سوف تعيد فتح ملف لوكربي من جديد، وذلك بطبيعة الحال سوف يعيد العقيد القذافي من جديد كمتهم أساسي في هذه القضيه؛ وذلك من شأنه بأن يفسد تلك الطمأنينه التي ظلّ يتمتّع بها العقيد القذافي منذ صدور الحكم بإدانة السيد عبد الباسط المقرحي  منذ أكثر من 10 سنوات خلت. سوف يفارق السيد المقرحي الحياة، وسوف يغيب عن العيان، وقد تدفن معه قضية لوكربي بكاملها على أساس أنه كان هو الفاعل، وقد يعبّر ذلك عن غياب العدل، وجور القضاء الدنيوي حتى وإن كان مصدره أسكتلنده حيث يعتقد العالم من حولنا بأن قضاءها يعتبر من أعدل القضاءات على وجه الأرض؛ ولكن بالطبع يظل الإنسان إنسانا يخطئ ويصيب حتى وإن حاول مخلصا غير ذلك.  ربما يبقى المقرحي مدانا في عقول البشرالى حين قيام الساعه حيث الحساب العادل الذي سوف يحدد من هو المجرم الحقيقي؛ وعندها فسوف لن تغني أموال الدنيا كلها عن حكم الله شيئا، وعندها سوف ينال كل مجرم جزاء ما عمل.

لو أن العقيد معمر القذافي كان إنسانا ذا إحساس، ولو كان يحمل ذرة واحدة من الشهامه لما إنحدر بنفسه الى هذه المستويات الوضيعه التي لاتليق بجامع قمامه؛ فما بالك بمن يظن على أنه "منقذ البشريه"، و"المفكر الفريد" الذي كما قال عنه شاكروه في أجهزة إعلامه بأن "أفكاره أصبحت تراثا عالميا خالدا تستنير به البشريه جمعاء وفي كل العصور" !!.

 لو كان العقيد القذافي رجلا شهما لكان بحث عن المجد والشهره الحقيقيين من خلال خدمة بلده، وخدمة أهل بلده كما كان قد فعل من قبله الشيخ "زايد بن سلطان آل نهيّان" رحمه الله في دولة الإمارات. ذلك الشيخ الجليل الذي إنتقل الى جوار ربه قرير العين ومع تبريكات ودعوات كل أهالي الإمارات وملايين أخرى من العرب والمسلمين في كل مكان في العالم. إنتقل الشيخ زايد الى جوار ربه لكنه ترك أولادا مازالوا الى اليوم يتمتعون بإحترام وتقدير وحب شعب الإمارات  بفعل ذلك الإرث الأخلاقي والإنساني الذي تركه لهم من ورائه قبل إنتقاله الى رحمة الله. هل فكّر العقيد معمر القذافي في مصير أولاده من بعده عندما يقضي الله أمره فيه؟. إن أبناء معمر القذافي، ـ وبالطبع إبنته كذلك ـ  سوف يبصق عليهم الشعب الليبي، وسوف يحاكمون يوما ما بعد غياب والدهم الطاغيه، وسوف يحصدون ما كان قد فعله أبوهم بالليبيين، وسوف ينالهم الذل والمهانة جريرة أفعال والدهم، وجرائمه في حق الليبيين؛ وعليه أن يكون على بيّنه من كل هذا... فمهما طغى وتجبّر، ومهما تنكّر لجرائمه التي إقترفها طيلة الأربعين سنه الماضيه؛ فإن الله سوف لن ينساها له، ولن يمحوها، وبالتأكيد سوف يحصد ما عملت يداه في الدنيا، وسوف ينال جزاءه الكامل في الآخره... وربنا يمهل ولا يهمل.

ختاما... أنا أظن بأن الوقت ما زال متاحا للعقيد معمر القذافي الآن لكي يصحح مسيرة حياته، وأسلوب حكمه، فيقوم بتوجيه إهتمامه الى أبناء ليبيا بعد أن يستفيد من وضعه الجيد الآن والذي قد لايستمر طويلا نظرا للنفسيه المتذبذبه للعقيد معمر القذافي والتي خبرها الليبيون عنه طيلة العقود الأربعه الماضيه. على العقيد معمر القذافي أن يعود بعقله وتفكيره الى ليبيا، وأن يتخلّى عن كل أحلام المجد والشهره الزائفه ـ فقد بلغه منها أكثر مما كان يحلم به ـ ليبدأ بالإهتمام بالليبيين من أجل تحسين أوضاعهم، وإعادة قطار حياتهم الى سكته الصحيحه؛ وبعدها يقوم بنقل السلطه الى الليبيين بصدق عن طريق الإنتخابات الحره النزيهة بعد أن يسمح لهم بحرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية الإختيار، وحرية تشكيل الأحزاب السياسيه لمن يريد من أبناء وبنات الشعب الليبي، وكذلك بطبيعة الحال يقوم بالسماح لكل الليبيين بأن يؤسسوا منظمات وهيئات المجتمع المدني كما إرتضوا، وبكل حريه فتكون تلك التنظيمات معبره بصدق عن رغبة وتطلّع الليبيين بدون إستثناء، وبدون إقصاء.

إن كل هذه الأمور من الممكن عمليا تحقيقها وتثبيتها في ظرف زمني لا يتعدى الثلاثة سنوات يتم خلالها تطهيركل المصالح الحكوميه، والمرافق الخدميه من المصلحيين، والمنافقين، والسراق، والمتسلقين الذين لاتهمهم إلا مصالحهم الآنيّه المريضه؛ وذلك بالبحث عن الطيبين من الليبيين ـ وهم كثّرـ ليحلوا محل هؤلاء الذين برهنوا على أنهم عاجزون ومفلسون وغير قادرين على خدمة الناس.

هل بلغ العمر والنضوج السياسي بالعقيد معمر القذافي مبلغا من العقلانيه يمكّنه من أن ينظر الى المجد من نافذة أخرى ؟. هل يقدم العقيد القذافي على إلغاء الثوره، ويأمر بإنشاء الدوله وفق المتعارف عليه دوليا فيعيد بذلك السلطه والثروة الى الشعب الليبي بعد أن كان قد إحتكرها لنفسه ولآل بيته طيلة العقود الأربعه الماضيه ؟.. إنني أتمنى ذلك ومن كل قلبي وآحاسيسي وجوارحي؛ لكنني ـ وأصدقكم القول ـ لست كبير التفاءل في هذا المضمار؛ حكما بما عرفناه عن تفكير وتصرفات العقيد معمر القذافي طيلة الأربعين سنه الفارطه.  

مصطفى


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home