Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

الإثنين 2 أغسطس 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة

من حقّي أن أحلم (5)

د. مصطفى عبدالله

(دعوني أحلم فأغلب ما نراه حولنا ونلمسه ونفتخر بإمتلاكه  كان قد بدأ بحلم في مكان ما، وفي زمـن ما ... وقـد يكون الحالم مـا زال يعيش بيننا وهو يرى حلمه وقد أصبح حقيقه)

{المشهد الخامس}

المكان:     ليبيا

الزمان:    2010  

العنوان:   حراك وطني

الغاية:     حياة أفضل

الدافع:     تفشّي الظلم والفساد

الوسيلة:   تغيير الوضع الراهن

الآلية:     جموع الشعب

المحرك:  غيارى الوطن

القائد:     عبد الله صلاح ليبيا

من الذي سوف يحكم ليبيا ؟

قال شاعر تونس الكبير أبو القاسم الشابّي:

إذا الشعب يوما أراد الحياة          فلا بدّ أن يستجيب القدر

ولا  بد  للّيل  أن   ينجلي           ولابدّ  للقيد   أن   ينكسر

كان من بين عموم الشعب الليبي؛ تربّى في بيئة ليبيّه صميمه، تأتّى له من خلالها تعلّم الكثير من أنماط الحياة في بلد تميّز شعبها بالخلق القويم، وإحترام الغير، ومساعدة المحتاج، وكذلك مؤازرة الضعيف.

تعلّم "عبد الله" القناعه والرضى منذ نعومة أظافره؛ وبذلك فقد كانت حياته كلها سعادة وتفاؤل ذلك لأن الطمع والجشع وحب الإستحواذ لم تكن من بين العادات التي تعلّمها، ولم تكن بالطبع من بين الأشياء التي فكّر كثيرا بشأنها.

تعلم عبد الله منذ صغره الكثير من شعائر دينه؛ فقد قرأ القرآن، وكان يواضب على الصلاة؛ لكنه بالطبع لم يكن يصدّق كل ما كان يسمعه من الناس؛ حيث أنه كان يبحث عن تفسير لكل شئ، وكان كثيرا ما يوازن الأشياء من خلال منطقها... أي أنه كان منذ صغره يقول: إذا كان 1+1=2 فمعنى هذا أن أي شئ لايتماشى مع هذه المعادلة هو ليس بالمنطقي.

كان عبد الله مسلما بطبيعة الحال لكنه لم يأخذ الإيمان كمسلّمة؛ بل إنه كان كثيرا ما ينظر بعيدا إلى الأفق الواسع، وكان يتعمّق بنظره متفحصّا في السماء العاليه وهو يراقب النجوم وكان يقول لنفسه: سبحانك ربنا ما خلقت هذا باطلا. كان عبد الله أيضا عربيا بحكم نسله وإنتمائه العرقي، وكان أن شبّ في عصر القوميه العربيه الذهبي في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكان من المعجبين جدا برائد القوميه العربيه.

عبد الله كان فخورا بقناعاته وإنتمائه العربي والإسلامي، وكان هادئا في تعامله مع الغير لأنه كان يحب كل الناس. لم يتعلّم عبد الله الكراهية فالقناعه التي تربى عليها علمته بأن يحترم كل الناس.

كان عبد الله منذ صغره يقول: إذا كنت أنا لا أحبّك؛ فلا يعني ذلك مطلقا بأنني أكرهك. فالحب والكراهية شيئان متناقضان، وكان عبد الله يؤمن بالوسطيه، ويبتعد عن التطرّف. كان يؤمن بمبدأ التعايش مع الكل؛ الأمر الذي يتطلّب المرونه في الحياة مع توافر خاصية "القناعه". المرونه عند عبد الله كانت تتطلّب عنصر الثقه بالنفس الذي بوجوده يتمكّن الإنسان من تقبّل المسئولية عن الخطأ، وتلك لوحدها تمكّن الإنسان من التعلّم من أخطائه؛ ومن ثم يستطيع الإنتقال الى الأمام. عندما يعترف الإنسان بأنه من الممكن أن يخطئ يستمع إلى أراء الآخرين، ويحترمها؛ بل إنه يتعلّم من الغير وتلك تضيف خبرة جديده لحياة الفرد الذي يعتبر جزءا من الجماعه... فالإنسان إجتماعي بالطبع.

كان عبد الله محبوبا من أقرانه، ومن زملائه في الدراسه، وبالطبع كان محبوبا من كل أفراد أسرته. كان شاطرا في دراسته، وبذا فقد كان من البديهي بأن يكون من المتفوّقين. 

في مرحلة تعليمه المتوسّط تعلم عبدالله الكثير من أصول وآداب الحديث. كان كثير الإستماع الى ما يقوله غيره، وكان ينصت بعنايه لمحدّثه، لكنه لم يسمح لكل شئ بأن يمر هكذا كمسلّمه. كان كثير السؤال، وكان سؤاله الأكثر هو "لماذا". كان زملاؤه كثيرا ما ينادونه ب "لماذا" من باب التندّر؛ لكنه قلما غضب من ذلك، بل إنه إعتبرها من أنواع المدح. سأله أحد زملاء الدراسه ذات مرة: لماذا تكثر السؤال ب "لماذا"؟.. فرد عليه بدون تردد... إنها فرضية واجبه على كل عاقل بأن يرددها كل يوم ولكن بشرط واحد وهو أن يبحث السائل عن إجابه. قال عبد الله: إذا كانت "لو" تفتح عمل الشيطان كما علمونا؛ فإن "لماذا" تفتح الباب على أسرار الحياة؛ أي أنها تبعد الشيطان، وتقفل الباب أمامه.

لماذا أنا هنا، ولماذا أنا أتحدث معك، ولماذا أتكلّم بالعربيه، ولماذا أؤمن بالإسلام ؟.  لماذا عليّ أن أصلّي، ولماذا عليّ أن أصوم، ولماذا أذهب الى المدرسه ... ولماذا، ولماذا؟.

عندما دخل المرحله الثانويه توسّعت مداركه أكثر، وتمكّن من الإختلاط بوجوه جديده، وبعقول وتفكيرات مختلفه. كان التحدي بالنسبه له أكبر؛ لكنه كثيرا ما أحب التحدّي، وعشق السؤال. قرأ حينها عن إفلاطون قوله: حياة غير مجرّبه (مختبره) ليست جديرة بأن نحياها، وتلك كانت قناعته.

كان يرى الناس من حوله يفعلون ما يؤمرون بفعله بدون التوقّف والسؤال: لماذا أنا أفعل هذا، أو لماذا يتوجّب عليّ أن أفعل ما كان يفعله أبي، أو جاري، أو حتى إمام الجامع في حيّنا؟.

ذهب في أحد الأيام ليصلّي الجمعه فإذا بخطيب الجامع يقول: ومن لم يواظب على الصلاة في مواقيتها فسوف يأتيه ناكر ونكير في قبره ليسألاه عن إهماله للصلاة، وعندما يتلعثم في رده على الملكين يقوما بضربه بعصى طولها سبعة قامات، ووزنها سبعة قناطير فتنزّله إلى سابع أرض، وهناك تتلقفه أفعى ذات سبعة رؤوس فإذا به يهرب منها مرتعبا ليقابله ناكر ونكير من جديد، وهناك يسألاه من هو ربّك؛ فيقول لا أعرف من شدة خوفه؛ ويسألاه: ومن هو نبيّك؛ فيقول لا أعرف من شدة التلعثم. يأخذه ملكا الموت من يديه ورجليه ويقذفا به من جديد الى قاع القبر فينظر حوله باحثا عمن يغيثه؛ لكنه لايجد غير الظلام الدامس، ولا يستأنس بغير الوحدانيه الموغله في الوحشه؛ وهناك ـ على قول الشيخ ـ يبكي تارك الصلاة ويقول: يا ليتني عملت لأخرتي عندما كنت حيا، ويجهش بالبكاء حتى يصيبه النعاس؛ وعندما يصبح في اليوم التالي تتكرر عليه نفس المشاهد، وفي كل يوم بعدد تلك الصلوات التي لم يؤديها في وقتها.

خرج عبد الله من الجامع مغتاضا، ومكتئبا بشكل لفت إنتباه أصدقائه الذين كانوا في رفقته. سأله أحدهم: ما بك؟.. لكنه لم يجب؛ بل رد السؤال لصديقه قائلا له: ما رأيك في كلام الشيخ ؟.

قال له صديقه: نعم؛ ذلك مصير تارك الصلاة، أو حتى من لايحافظ على أدائها في وقتها.

رد عبد الله حانقا: يا أخي.. ألسنا نسمع هنا كلاما ملفقا مثل الدّجل ؟

تردد صديقه، ونظر إليه البقيه بكثير من الإستغراب: ماذا تقول يا عبد الله ؟.

رد عبد الله قائلا: يا عالم، يا هوه.. من أين أتى الشيخ بهذه القصص، ومن هو ذلك العائد من القبر الذي أخبر الناس بما يحدث في القبر ؟. ألستم أيها البشر تصدّقون كل ما يقال لكم؛ حتى وإن كان "بهتانا" ؟. قال له أصدقاءه: أستغفر الله يا عبد الله.. ماذا تعرف أنت في الدين ؟.

رجع عبد الله الى بيته غاضبا بشكل كبير لاحظه عليه والده.... سأله الوالد: ما الخبر يا عبد الله؟.

فرد عليه قائلا: يا أبت؛ إما أنني غريب عن هذه الدنيا، أو أن الناس يعيشون غرباء في عالم لايعرفون عنه شيئا. لم يفهم الأب ما كان يعنيه عبدالله؛ فقال له: قل لي يا إبني ماذا يغضبك؟. فسرد عليه عبدالله ما سمعه في الجامع؛ فضحك والده عاليا قائلا: يا إبني نحن تعوّدنا على سماع مثل هذا الكلام في خطب الجمعه؛ حتى إنني قررت بأن أدخل الجامع قبيل الصلاة مباشرة كي أجنّب نفسي سماع تلك القصص التي كتبها السابقون في عصر الإنحطاط حين تقاتل الأمويون مع العباسيين وإنتصر العباسيون في نهاية المطاف فبدأ أمراؤهم يبطرون بنعمة الله. تحوّل سلاطين العباسيين إلى طغاة يحكمون بأمرهم وكان الناس يتقرّبون إليهم خوفا منهم فينافقونهم، ويغدقون عليهم بالمديح والإطراء من أمثال ما نظمه أبو العتاهية حين أنشد شعرا يمدح فيه أحد أمراء العباسيين { أمير المؤمنين المهدي العباسي يوم توليّه للخلافة } قائلا:

أتته  الخلافة  منقادةً ....... إليه  تجرّر  أذيالها

ولم تكُ تصلح إلا له ....... ولم يك يصلح إلا لها
 
كان ذلك في العصر العباسي الأول الذي ربما كان أكثر تماسكا وقوة من العصر العباسي الثاني الذي تميّز بالفوضى، والفسق والمجون، وبدأ الناس فيه يتغزّلون بالغلمان علانيه حيث إنتشر اللواط، وشاعت معاشرة الذكران بعضهم لبعض. قال المتنبي وهو يمدح سيف الدوله الحمداني:

وَاحَــرَّ قَلبــاهُ مِمَّــن قَلْبُـهُ شَـبِم .......... ومَــن بِجِسـمي  وَحـالي عِنْـدَه سَـقَمُ
ما لي أُكَتِّـمُ حُبّـاً قد بَـرَى جَسَـدي ....... وتَدَّعِـي حُـبَّ سَيـفِ الدَولـةِ الأُمَـمُ  

إِنْ كـانَ يَـجمَـعـُنـا حُبٌّ لِغُـرَّتـِه ......... فَلَـيتَ أَنَّـا بِقَـدْرِ الحُـبِّ نَقـتَسِـمُ

........ وقد نَظَـرتُ إليـهِ والسُـيُـوفُ دَمُ    قد زُرتُـه وسُيـُوفُ الهـِنـدِ مُغمَدةٌ  
وَ كـانَ أَحـسَـنَ خـَلـقِ الله كُلِّهـِـمِ ......... وكانَ أَحْسَنَ مـا في الأَحسَـنِ الشِيَـمُ. 

كتب الناس في ذلك الوقت الكثير، وأضافوا الكثير للدين، وألّفوا تلك الكتب الصفراء التي مازال الكثير من شيوخنا يرجعون إليها مع أنه في ذلك الوقت "الردئ" من العصر العباسي الثاني بدأ نفر آخر من الشعراء يسخرون من امراء الخلافه العباسيه على عكس أولئك الذين إختاروا المدح والتزلّف:

 الخزاعي الذي لم يتورّع عن هجاء الرشيد والمأمون والمعتصم: فقد قال دعبل
 

خليفة مــات لــم يحزن له أحــد .... وآخر قام لم يفرح به أحـــد.  
وهو هنا يقصد الخليفة المأمون والخليفة المعتصم

قال عبدالله: ولكن لماذا لايستخدم الناس عقولهم ليفكّروا حين يسمعون مثل هذه الأباطيل؟. لماذا لايختبر الناس صحة ما يسمعون؟.  

إلتحق عبد الله بالجامعه فوجد فيها التنوّع، ووجد فيها من الناس من لايقتنع بكل شئ. أعجبته حياة الجامعه، وفرح بوجوده في هذه البيئة المتفتّحه التي يتجادل فيها الناس عن كل شئ، ويشك البشرهنا في كل مسلّمه، وهنا فقط تجد من يسألك: لماذا؟.

كان في البداية مترددا ربما لأنه لم يقدر على تصديق ما رأى وكأنه كان يعيش في حلم؛ لكنه سرعان ما آلف حياة الجامعه، وبدأ هو بدوره يمارس هوايته المفضّله: النقاش، والحوار، والتحدّي أيضا؛ ولكن من باب معرفة المزيد.

بطبيعة الحال وجد الكثير ممن يسيرون في نفس المنوال الذي إختاره منذ صغره، وشبّ عليه ومن ثمّ كثر الأصحاب من حوله، وبدأ له مريدوه والمعجبين بتفكيره وفراسته أيضا.

إنخرط عبد الله في كثر من الأنشطه الثقافيه الجامعيه، وكذلك الأنشطه العلميه؛ كما أنه كان من المبادرين لإنشاء جمعيات وصحف جامعيه وبذلك فقد كثر الأصحاب من حوله، ولم يعد يزعجه ذلك بل إنه أحب بأن يكون محبوبا؛ وبذلك فقد كانت سنوات الجامعه بالنسبه لعبد الله ربيعا ثقافيا وإجتماعيا متواصلا ترك الكثير منه حين أنهى الجامعه وشق طريقه نحو الغد الذي كان يراه متفائلا، وسعيدا أيضا رغم واقعيته وعقلانيته، ورغم معرفته اليقينيه بالواقع السياسي الذي بدأت ليبيا تنجرف نحوه بعد أحداث 7 أبريل عام 1976 والتي وإن لم يكن طرفا فيها إلا أن أثارها المأساوية طالته، وغيرت الكثير من مفاهيمه السابقه عن نظام الحكم الذي ظن إلى حينها بأنه كان نظاما وطنيا يزاوج بين العروبه والإسلام، ويعمل على تكاملهما على أساس أن الإسلام نزل عربيا، وظل عربيا رغم إغترابه في مشارق الأرض ومغاربها، لكن العروبه ظلت روحه النابض حتى في أبعد غرائب الأرض وأصقاعها.

كان عبد الله لايجامل في قول الحقيقه، ولايباطن برأيه في إنتقاد الوضع المتردّي الذي أنتجته تلك الفوضى التي تمخّضت عن أحداث أبريل عام 1976 والتي أطلق عليها "سلطة الشعب" بما سمّي ب"الجماهيريه"؛ والتي كانت تسوّق للناس كذبا وبهتانا على أنها النعيم الأرضي، وعلى أنها الحل النهائي لمشكلة الديموقراطيه.

وجد عبد الله أن الجدران بدأت تتقارب حوله فبدأ يحس بضيق في التنفّس، وشعر بأن الكلمات بدأت تحتبس في مآقيه قبل أن يبوح بها ذلك لأن الكثير من أصدقائه أبلغوه بأنه عليه أن يصمت وإلا فسوف يفرض عليه الصمت الأبدي؛ وعرف عبد الله المقصود فكان أن حزم أمتعته وخرج باحثا عن الحريه حاملا معه مبادئه وإعتقاداته الراسخه قبل أن تتشوّه بفعل ثقافة "المشاع" التي بدأت تنتشر في ليبيا الحبيبه، وبدأ الناس يروّضون كي يجبلوا عليها لتصبح نمطا حياتيا مقبولا بالنسبه لهم جميعا.

خرج من سجن ليبيا الكبير قبل أن توصد أبوابه، ووجد نفسه في عالم رحب فيه الحريه، وفيه إحترام الإنسان، وفيه تنمو ملكات التفكير والإبداع ففرح بما رأى، وتمتّع بما توفّر لديه؛ لكنه لم يتحرر من التفكير في ليبيا، وفي أهل ليبيا.

ظلت ليبيا في عقله وتفكيره، وكان حب ليبيا هو الدافع القوي له من أجل أن يفكّر في البديل، ويبحث عن الوسيله التي ربما تمكنه من وضع يده في أيدي إخوته الذين بدأ يشاركهم نفس المصير، ونفس التفكير، ونفس الهواجس أيضا.

في الحلقه القادمه : الإنتقال إلى الأمام... القائد البديل ، وزرع خلايا التغيير في داخل البلد.

مصطفى


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home