Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mustafa Abdallah
الكاتب الليبي د. مصطفى عبدالله

الأحد 2 يناير 2011

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة

من حقّي أن أحلم (7)

د. مصطفى عبدالله

(دعوني أحلم فأغلب ما نراه حولنا ونلمسه ونفتخر بإمتلاكه  كان قد بدأ بحلم في مكان ما، وفي زمـن ما ... وقـد يكون الحالم مـا زال يعيش بيننا وهو يرى حلمه وقد أصبح حقيقه)

{المشهد السابع}

المكان:     ليبيا

الزمان:    2010  

العنوان:   حراك وطني

الغاية:     حياة أفضل

الدافع:     تفشّي الظلم والفساد

الوسيلة:   تغيير الوضع الراهن

الآلية:     جموع الشعب

المحرك:  غيارى الوطن

القائد:     عبد الله صلاح ليبيا 

أليّة التغيير : االمخاض الصعب، وبروز القائد البديل

{القائد لايصنع، ولا يجهّز؛ لكنه هكذا يبرز من بين أزقّة النضال تلقائيا.... ربما، أو من خلال الفرز الطبيعي } .

ذهب عبد الله إلى أرض الوطن بغرض قضاء قترة عيد الأضحى مع الأهل، وربما يتحيّن الفرصة للقاء بعض الأصدقاء الذين لم يرهم منذ فترة طويلة. حزم حقائبه وإتجه إلى المطار فإذا به ينزل هناك في أرض الوطن. لقد كان محظوظا فقد تمت كل إجراءاته بكل سلاسة وبدون مشاكل تذكر.

إستقبله بعض من أقربائه في المطار ومن هناك إنطلق الجميع نحو بيت الأسرة. إلتقى بأمه وأبيه وبقية إخوته فكان اللقاء بمثابة فتح لملف الذكريات العزيزة على قلبه بما فيها ذكريات الطفولة والصباء فغمرته تلك اللحظات بفيض من مفعم العواطف، وغزر من جياشة الآحاسيس لكنه تمالك نفسه أمام تدافع الدموع نحو مقلتيه فأخفى رغبته في البكاء حتى لايحوّل اللقاء إلى حزن ونكد. تمالك عبد الله نفسه محييا كل أفراد الأسرة، ومعبّرا عن غبطته بلقائهم الذي كثيرا ما إنتظره رغم أنه لم يتغيّب عن الوطن طويلا.

بعد تبادل عبارات الحب والسعاده ذهب عبد الله ليستحم ويستريح قليلا لتجتمع الأسرة من جديد حول مأدبة العشاء التي أعدت خصيّصا للعزيز المبجّل، وهناك يطول الحديث، ويمتد السهر حتى ومضات الفجر الأولى ليذهب بعدها كل إلى مضجعه على أمل أن يتجدد اللقاء على وجبة الإفطار.

قرر أخوا عبد الله تقديم مفاجأة كبرى له عند عشاء الليلة؛ لكنهما تركاها بدون إيحاءات أو إشارات حتى تؤدّي غرضها الذي أراداه لها.

قال عبد الله بأنه عازم على القيام بزيارة لبعض الأصدقاء بعد الظهر لكن أحد أخويه طلب منه أن يتفحّص له حاسوبه الذي لم يتمكن من تشغيله منذ أكثر من أربعة شهور لعطل أصابه لم يتمكّن "خبراء" الحواسيب في المنطقة من معرفة كنهه فبقى حاسوبه معطلا.

بعد تردد قبل  عبد الله الرضوخ للأمر الواقع والتنازل عن مشروع زيارة بعض الأصدقاء لسببين: أولهما بكل تأكيد هو حبّه الشديد لأخيه الأصغر، وثانيهما هو حبّه للمغامرة والتحدّي معتبرا أن سبر أغوار هذه الحاسوب الصغير الذي عجز خبراء المدينة الكبيرة عن إصلاحه نوعا من التحدّي الذي يبحث دائما عن مثله حتى يبرهن لنفسه على أنه قادر على الفوز حتى وإن كان النزال ليس في مجال يفقهه كثيرا.

أمضى عبد الله جلّ المساء وهو يحاول التحاور مع ذلك الجهاز الصامت إلى أن تمكّن أخيرا من إجراء الحوار الذي إنتهى إلى رضوخ الحاسوب لإرادة العقل البشري الذي كانت كل قوته تكمن في تطبيق لغة المنطق لبلوغ الغاية... وبالفعل نفذت قوة المنطق في أحشاء ذلك الجهاز المعقّد فخضع للمسات بنان عبد الله الحذرة على لوحة مفاتيحه وما لبث أن أصبح في حكم المروّض فإستجاب لكل ما طلب منه وما لبث أن إنفكّ عن عناده الذي إستمر لأكثر من ثلث سنة.

لم يتمكّن عبد الله من تنفيذ تلك العملية بسهولة، ولا بقليل من الوقت؛ فقد بدأت هنيهات الغسق التي بددت رغبة عبد الله في مشروع الزيارة لأصدقائه على إعتبار أن الوقت أصبح متأخرا، ولم يعد من اللباقة القيام بأية مفاجآت.

رضى عبد الله بقدره هذا مطمئنا نفسه على أنه في حاجة لأمسية أخرى مع العائلة فإستقل الدرج متجها إلى الطابق العلوي كي يرتدي ملابس النوم لكن أخوه إنتبه للأمر فطلب منه أن لايستعجل لذلك فقد يحتاج الأمر إلى ذهاب الإثنين لمحل الوجبات الشهية الواقع على ناصية الطريق بغرض جلب بعض المشويّات اللذيذة.

رست سيارة أمام البيت وسرعان ما تشرّعت أبوابها الأربعة ليخرج منها أربع من الرجال لازالوا في سن الشباب ولكن مع كثير من النضوج ولم تكن ملامحهم بغريبة عن عبد الله الذي كان يترقّب من بعد.

إرتسمت الإبتسامة على وجوههم جميعا وما لبثت الأحضان تنفرج عن رحابة الصدور وكان العناق، وكانت القبلات، وكانت الأحتضانات القوية التي أوقدت الشجون، وأخرجت الدموع من العيون.. وكان أول لقاء لعبد الله مع أربع من أعز أصدقاء الطفولة الذين مضى معهم كل سنوات المرحلة الإبتدائية ثم تفرقوا كل إلى حيث قاده قدره فكان لقاء هذا المساء أول لقاء منذ زمن بدأ طويلا؛ لكنه سرعان ما إنكمشت أطرافه حتى غدا وكأنه لحظة قصيرة في عمر الزمن.

بعد لحظات وصلت سيارة أخرى، ثم لحقت بها سيارت في داخل كل منها مفاجاة سارة لعبد الله ما كان مطلقا يحلم بحدوثها. كل أصدقاء الطفولة، وأصدقاء الصباء، ورفقاء الثانوي، والجامعه حضروا في تلك الليلة التي كانت لعبد الله أسعد لحظة في حياته. نعم لقد عمد أخوي عبد الله على دعوة كل من تمكنوا من الإتصال به من أصدقاء أخاهما العزيز عليهما حتى يحسّا بأنهما قدما له شيئا يدخل مباهج المسرّة على قلبه.

وبالفعل كانت المفاجأة حلوة جدا، وكان أثرها عميقا في قلب عبد الله إذ كانت علاقاته مع هؤلاء الذين حضروا هذه الليلة جيدة جدا حيث كان الصدق والوفاء والإخلاص عنوان تلك الصداقات، وكان فيها الكثير من العفوية.... وفيها الكثير من الإيثار والقليل من الآنانية وحب الذات.

تشعّبت أطراف الحديث ، وإمتد السمر حتى ومضات الفجر الأولى حيث بدأ الجيران وأبناء العمومه في الإنصراف تدريجيا حتى خلى المكان من الجميع عدا أصدقاء عبد الله القدامى إذ بقى كل منهم في موضعه بعد إستلام إشارة بذلك من أخ عبد الله الأصغر.

إقترب كل من الثاني، وتكونت بين الأصدقاء حلقة عفوية وهنا قال لهم عبد الله:

أنا سعيد جدا بالإلتقاء بكم، وقد لا أتمكّن من وصف مشاعري؛ لكنني أطلب من الجميع الخلود إلى الراحة وفي الصباح بإذن الله وحول مائدة الإفطار سوف نواصل الحديث حيث توجد لديّ الكثير من الأشياء أود إشراككم فيها وأخذ رأيكم بشأنها.

حول مائدة الإفطار بدأ كل واحد منهم متلهفا لسماع ما عسى عبد الله أن يقوله؛ فالجميع يتوق إلى سماع شئ ما يختلف عما تعود على سماعه الناس في ليبيا. لم يخطر ببال أحد من الأصدقاء شيئا عن تلك الأمور المهمة التي أراد عبد الله التحدث معهم بشأنها؛ وإنما كان أغلب الظن لدى الكثير منهم هو إمكانية أن يقوم عبد الله بعرض عليهم إستعداده لمساعدة كل منهم في الخروج من هذا الجحيم لعالم آخر ربما يجدون فيه ما يسرّهم ويبعث الأمل من جديد في نفوسهم بعد أن كان اليأس قد تسرّب إلى عقولهم.

بعد أن شرع الجميع في إلتهام محتويات الفطور وفي صمت شبه تام قطع عبد الله الصمت مازحا.. أنظروا إلي؛ أنا هنا بينكم في تمام صحتي وعافيتي.... لم ينتقل أيّ من أفراد أسرتي إلى بارئه، ولم يكن بينهم من كان مريض أو مكتئب... مالكم صامتون هكذا وكأني بكم في حضرة عزاء!!.... دعوني أحكي لكم قصة سمعتها بالأمس:

يقال بأن أسرة ميسورة كانت تقيم في بيت كبير به أكثر من طابق. كان الجميع ينامون في الطوابق العليا تاركين الطابق الأرضي للإعاشة... أي أكل وطبخ وغسيل وإستقبال الضيوف. كان بالطابق الأرضي أيضا خزانة في مكان سرّي بها مدخّرات الأسرة.

كان الجميع نائمون في أمان وسلام حين سمعت الأم صوتا وشوشرة في أركان البيت... قالت الأم في نفسها ربما يكون أحد الأبناء قد نزل يبحث عن حاجة ما. تواصلت الحركة، وبدأت بعض الفرقعات تتناهى إلى أسماع الأم بينما البقية ظلّوا في سباتهم يعمهون. همست في أذن زوجها حتى لاتزعج الأخرين منادية إياه بأن يسترق السمع فعساه يجد تفسيرا للضوضاء المحتسبة. أفاق الأب من نومته العميقه مستمعا إلى همس زوجته، وبعد أن فرّك جفنيه وفتح عينيه ناظرا إلى وجهها وعليه علامات الخوف؛ قال لها: يجب أن ينزل أحدنا لإلقاء نظرة ثم إستدار للجانب الآخر وواصل نومه.

لم يعجب ذلك الموقف الأم الحائرة فنهضت من فراشها لتهمس في أذن إبنها الأكبر؛ وبعد إن إستفاق الإبن قال لها بكل ثقة: لابد أن يكون بيننا من يستطيع النزول إلى أرضية البيت لإستكشاف ما يجري ثم بعد ذلك إستدار في سريره ونام.

ذهبت الأم إلى غرفة إبنها الثاني الذي كان جالسا أمام حاسوبه يتجوّل في محتوياته وعرفت الأم بأن إبنها هذا لديه علم بالضجة في أسفل البيت. طلبت منه بأن ينزل ليرى ماذا يجري لكنه قال لها: أنا مشغول الآن، ولايوجد لدي وقت.... لا تتضايقي يا أمي فأظنه أخي معروف كان قد رجع من سهريته، وأظنه عاد جائعا وقد يكون جهّز بعض الطعام ليسد رمقه.

لكن الأم  ظلّت قلقة ظانّة بأنه ربما يكون أحد الغرباء قد دخل البيت لكنها مع ذلك لم تجد الشجاعة الكافية للنزول إلى أسفل البيت؛ غير أن الأصوات أخذت في الخفوت تدريجيا حتى إنتهت وعاد السكون إلى البيت من جديد.

نام الجميع إلا الأم التي لم يجد النوم إلى عينيها سبيلا فظلّت متيقظة حتى الصباح؛ وما إن دخل شعاع الشمس إلى خلجات البيت حتى شعرت بالآمان فنزلت لترى بعينيها ما أذهلها.

يا هوه... يا مرخرخين... حوشكم إنخنب. نوظوا الله يرفعكم ويريّحني منكم.

نزل الجميع في عجالة فإذا بهم أمام مشهد محزن... لقد أخذ "السارق" كل ما له قيمة بالبيت. التلفزيون، الحاسوب، الدي في ديه، الميكرو ويف..... وحتى ساعة الحائط. يا إلهي.. لقد أخذ البساط العجمي.... ما خلالكم شئ يا قهرتكم.

قال الأب: أنا مش عارف كيف قدر يدخل للحوش.. كل البيبان مسكّرة؛ وبعدين نظنه قعد 40 وآل 41 دقيقه لكنه شال معاه كل ما حوّشناه في ال 17 سنة من يوم ما خشّينا هاالحوش. إسمع يا علي إجري شوف الخزنة.

سارع علي إلى المكان السرّي حيث الخزنة فوجدها في مكانها، ولم يؤحذ منها شيئا... قال علي: على الأقل قريشاتنا قعدين، والباقي توّه ندبّروا فيه.

ومضى اليوم كغيره، وجاء المساء، ثم حان وقت النوم. قال الأب لأبنائه ولزوجته: شوفتوا شن صار فينا البارح.. الليله واحد منكم لابد أن يرقد لوطه، واللا يقعد صاحي للصبح.

قال الإبن الأكبر: ما أظنّش الخانب يجي مرة تانية.. إنظنّه خذى اللي يبيه، وممكن يمشي يدوّر حوش تاني.

نام الجميع كل في موضعه... وبعيد منتصف الليل سمعت الأم ضجة بأسفل البيت، وقامت على الفور بإعلام البقيّه بما فيهم زوجها؛ لكن لاحياة لمن تنادي. لقد غلبهم النوم ليصحوا صباحا على مزيد من السرقه؛ لكن هذه المرة تمكّن السارق من وضع يده على خزينة الفلوس.

بلّغوا الشرطه.... وبعد بحث توصّلت الشرطة إلى أن السارق الأول كان معروف .. إبن الأسرة المنعزل المكتئب الذي قليلا ما يعود للبيت، وقليلا ما شارك بقية الأسرة أيامهم ولياليهم؛ لكنه بالطبع ما زال "رسميا" يقيم في البيت، وبذلك فهو أحد المقيمين بداخله.

كانت مفاجأة الأسرة أكبر عندما علموا من الشرطه بأن السارق الذي أتى في الليله الثانيه، والذي قام بسرقة خزينة الفلوس هو ولد معروف "ساسي" الذي أتى مساء الأمس للبيت مبديا إستيائه مما حدث في الليله السابقة مشيرا إلى أن السارق لابدّ وأن يكون أحد الغرباء الذين ربما لايقطنون في نفس المنطقه على إعتبار أن أهل المنطقة كلهم طيّبون. عندما سألوه عن مكان أبيه قال بأنه لايعرف؛ لكنه لايظن مطلقا بأن والده من الممكن أن يقوم بمثل هذا العمل "الدنئ". قال لهم إن والدي منزّها عن فعل مثل هذه الأشياء، وإنه يعتبر خطا أحمرا لأي منكم في أن يتهمه، أو يأتي شوره.

قال ساسي لأهله: لايهمكم.. أنا سوف أوفّر لكم كل ما سرق منكم، بل إنني سوف أشتري لكم حواسيب جديده، وآخر شاشة تلفزيون أنتجتها مصانع اليابان، وسوف أيضا أحضر لكم أكبر بساط عجمي من إيران عندما أذهب إلى هناك الشهر القادم لحضور مؤتمر مهم.

كان ساسي هو من سرق الخزنة إذا.. الله يقطع رقبته، وإنشاء الله ينصرفوا على كفنه... قالت الأم وهي ممتلئة غضبا وحقدا على حفيدها "الخنّاب، الغدّار". 

قال عبد الله لأصحابه أنا حكيت لكم هذه القصة ـ وهي حقيقية ـ في هذه الصباح السعيد حتى تكونوا متقيظين، وحتى لايعتمد أحد منكم على غيره إن هو أحسّ بحدوث مكروه. على كل منا أن يكون أول من يهرع لمقارعة الخطر فنكون أول من ينفر، وآخر من يستفيد إذا كنا بالفعل نحسّ بكرامتنا، ونعتز بأنفسنا.

هذه الليله سوف تأتي مجموعه أخرى من الأصدقاء والأحباب الذين أعرفهم جيدا، واثق بهم كل الثقه... إنهم يأتون من أغلب بقاع بلادنا الحبيبه من زوارة، ومن نالوت، وغريان، ومن صبراته، ومن مصراته، ومن إجدابيا، ومن بنغازي، ومن البيضاء، ومن سبها، وحتى من سرت.

أغلب هؤلاء يعتبرون من رفاق الجامعة، وكانت لي معهم علاقات ودية، وسبق لنا أن تزاورنا، وزرّدنا مع بعض، وحضرنا أفراح بعضنا البعض، وكانت لنا أيضا إختلاطات مع العائلات.. إننا نعرف بعضنا جيدا، وثقتنا ببعض لايمكن أن تزعزعها الأيام، ولا تؤثّر فيها نوائب العصر مهما كانت شدتها. عندما يتكامل وصول هؤلاء الأصدقاء سوف أعرّفكم على بعض، وبعدها سوف يكون لنا حديثا مهما معهم. علينا الآن أن نمضي كالمعتاد بدون أن نثير فضول أحدا من حولنا.

بعد تكامل وصول الأصدقاء، وبعد أن تم التعارف بين الجميع، وبعد أن أحسّ كل من الحاضرين بالإطمئنان تجاه الآخر تناول الحاضرون وجبة العشاء، وبعدها تبادلوا الآحاديث مع بقية الضيوف. تواصل السهر حتى الهزيع الأخير من الليل وبعدها بدأ الجيران والأقارب في الإنصراف مودعين الجميع بكل شوق وكأنّهم يعرفون بعضهم البعض لأماد طويلة لكنها هكذا طبيعة الليبيين يحبّون بسهولة، ويكرهون بسهولة.

بعد إنصراف "الغير" وهدوء المكان، وبعد أن قدّمت سفرات أخرى من المرطّبات والفواكه، وبعد أن أقفل باب صالة الضيوف من الداخل جلس عبد الله في مقعده ليبادر الجميع بحديث أخوي مسئول فيه الكثير من الصرامة، وفيه الكثير من الجدية. قال عبد الله: بالإضافة إلى أنني أرحّب بكم جميعا من جديد، وبالإضافة إلى طمأنة كل واحد هنا بأن جميع الحضور يعتبرون أهل ثقة ، وأهل عهد ولا أريد أي منكم بأن يتوجّس شيئا مهما كان نوعه لأنني أعرفكم جميعا، ولأنني أثق بكم جميعا فمجرد بقاءنا على نفس العهد طيلة هذه السنين يعني بكل تأكيد بأننا أصحاب مبادئ، وعلى أن صداقاتنا التي ظلّت قوية ومتينة إنما تعكس مدى الثقة المتبادلة بيننا وإنني أشعر بقمة السعادة على كل هذا.

إخوتي... إنتم تعرفون جيدا الأوضاع الصعبة التي تمر بها بلادنا ومنذ آواخر السبعينات، وكلكم بدون شك تحسّون بمقدار المعاناة التي يتضوّع من إثرها أهلنا في ليبيا الحبيبة.

نعم.. أنا أتفق معكم بأن الوضع صعب جدا، وبأن بلادنا تحكمها ميليشيات الأمن، وتسيطر على كل شئ فيها عصابات اللجان الثورية التي لاتعرف المنطق، ولا تحمل في قلوبها رحمة، ولا في عقولها ذرة من التفكير السليم. ربما يقول أحدكم ومالنا نحن بكل هذه، وهل بأيدينا أن نغيّر هذا الوضع المأزوم. نعم فقد حاول غيرنا من قبل، وكانت النتيجه وللأسف فشلا ذريعا، بل وإنتكاسات لاحصر لها؛ لكن يا إخوتي الحياة مستمرة، وقطار الزمن يجري بسرعة إلى الأمام وما علينا إلا ركوب هذه القطار وإلا فإننا سوف لن ننتقل من هنا.. من مكاننا هذا الذي نقعد فيه، ومن وضعنا هذا الذي نعيشه.

قد يقول بعضكم وما علينا.... لابد أن يخرج يوما ما بين ظهرانينا بطلا يقود مسيرة التغيير فيندفع وراءه كل الليبيون في ثورة شعبية عارمة تغيّر كل شئ.. قد يقول أي منا مثل هذا الكلام وغيره؛ لكن الحقيقة التي علينا تداركها هي أن التغيير في بلادنا لابد وأن يحدث، وإذا لم نكن نحن في المقدمة فلا يجب علينا توقّع أن يقوم غيرنا بأي شئ.

هنا يتدخّل أحد الأصدقاء: يا عبد الله ربما أنك أنت عشت طويلا خارج البلد، وربما أنك تظن أو تتوقّع بأن الناس لازالوا كما عهدتهم. لا يأخي... الناس تغيرت في بلادنا، ولم يعد هناك من يهمه البلد، ولا من يحفل حتى بصون الكرامة أو الإحتفاظ بعزة النفس. الناس وللأسف بدأت تجري وراء لقمة العيش، ووراء المال. نعم... لقد إبتلى الناس في بلادنا بحب المال، وهم في سبيل تجميع الأموال مستعدون للتنازل عن كل شئ. الشرف لم يعد له ذلك الرنين، والكرامة لم يعد لها ذلك الإحساس، أما إذا كنت تتحدّث عن العهد و "كلمة الرجال" فتلك إنتهت منذ زمن ولم يبقى منها بيننا حتى آثارها أو رائحتها. لقد تغيّر الناس في بلادي يا عبدالله والإخوة هنا يعرفون كل ذلك وأكثر.

رد عبد الله: قد يكون في كلامك بعض الحقيقة؛ ولكن يجب علينا أن ننظر إلى بلد بكامله، وإلى 6 ملايين من البشر يقيمون في هذا البلد منهم ما لايقل عن 4 ملايين من الرجال والنساء تقع أعمارهم بين 18 – 65 سنة وهؤلاء الناس هم بدون شك يكوّنون العمود الفقري الذي تستند إليه بلادنا. كم نعرف من هؤلاء ال4 ملايين، وكم يمثّل أولئك الذين تتحدثون عنهم منهم؟. لنقل إن عدد المنافقين والإنتهازيين، والمنتمين للجان الثورية، وعدد المنضويين تحت مظلة أجهزة الأمن، ولنضيف إليهم ما يسمى برفاق القائد، ومواليد الفاتح، وعائلة العقيد القذافي وأبناء عمومته... كم يمثّل هؤلاء من مجمل سكان ليبيا... 10% أو لنقل 15%؟. ماذا عن البقية الصامته، وماذا عن أولئك الليبيين والليبيات الذين إحتفظوا بكرامتهم فبقوا في آماكنهم ولم يهرعوا لمنافسة المتسلقين على السلطة والإستحواذ؟. لا يا إخوتي أنا على ثقة بأن بلادنا مازالت بخير؛ لكن الناس الطيبة تبقى دائما في الخلف يقف أمامها المفسدون والمنافقون والمرتشين ومحبوا الظهور. الإنسان الطيّب الذي يحترم نفسه لايرضى بأن يقف في طوابير هؤلاء، أو حتى يحاول منافستهم. الإنسان الطيب يرضى بما أعطاه الله لأنه بالطبيعة إنسان قنوع. الإنسان الطيّب لايبدّل قيمه ومبادئه بأموال الدنيا خاصة وأن الناس في بلادي يعرفون بأن كل أموالهم مسروقة، وبأن كل هذا الثراء الذي يسعون للحصول عليه تكون مصادره دائما ملوّثة وغير نقية.

علينا يا أيها الإخوة أن نثق بأنفسنا أولا، وبأهلنا الطيبين الذين لم تغيرهم الأيام برغم قسوتها، ولم يجرفهم الطمع حتى بعد أن ضاقت بهم السبل. أنا متأكد بأن بلادنا لازالت بخير، وبأن أهل ليبيا الشرفاء مازالوا هم الأغلبيه لكنك عندما تضع حبات من الحمص في كأس به ماء فإن الفاسد منها فقط هو ما يطفوا على السطح.

التغيير لابد أيها الأحبة من أن يبدأ بشخص ما، أو بمجموعة من الأشخاص؛ وإذا ظل كل منا يقذف بالكرة أمام الآخرين فإننا والله سوف لن نسجّل أي هدف، وسوف لن ننتصر. لابد أن يتحمل كل منا المسئولية، ولابد من التضحيات إذا كنا بالفعل نسعى إلى غد أفضل. كما أنني أريد هنا أن أنبّه الجميع إلى أن أيّا منا يجب أن لا يفكّر بأنه يضحّي من أجل الآخرين.. لا يا إخوتي؛ نحن نضحّي من أجل أنفسنا وتلك يجب أن تكون فلسفتنا التي ننطلق من خلال الإيمان بها وإعتناقها.

علينا أن نبدأ من الآن فالوقت لاينتظر، والمصائب التي تلحق بأهلنا تتزايد كل يوم، وما يحاك ضد بلادنا قد يكون أكبر بكثير مما نتصوّر، وهذه الخيرات الكثيرة التي يتم إستخراجها من باطن الآرض بشكل جنوني، وتلك البنى التحتيه التي يتم بيعها للأجنبي بأبخس الأسعار من أجل الإستحواذ على ريعها وتهريبه إلى خارج البلد.. كل هذا التخريب المتعمد، وكل هذا الإصرار على إستنزاف ثروات البلد لن يتوقّف، ولن يتباطأ طالما أننا نحن الليبيون والليبيات لانبالي بما يدور حولنا؛ بل وبما يكاد بنا. إنهم لن تصحى ظمائرهم، ولن يكتشفوا وجود الله حولهم هكذا فجأة. هؤلاء الناس قرروا سلوك طريق الشيطان، وسوف يمضون فيها إلى نهايتها فمن يريد حرث الدنيا يزد الله له في حرثه وهم يعرفون جيدا بأن الله لايحاسب البشر في الدنيا وإنما يتركهم إلى أجل مسمى. هؤلاء الحقراء لايوجد لديهم بعد نظر، ولا يمكنهم أبدا تصوّر ذلك اليوم الموعود. هؤلاء الناس يعيشون يومهم، ولا يفكرون في الدنيا الآخرة فالذي يعمي الله قلبه بحب الشهوات لايمكنه أن يتذكّر وجود الله. علينا أيها الإخوة أن ننبذ التواكل، وأن نتحمّل مسئوليتنا فإن لم يحمل المتعلمون والمثقفون في بلادنا زمام المبادرة فلا نتوقّع أبدا من عموم الناس أن تخرج للشوارع. الناس تحتاج إلى من يقودها، وما إن يطمئن المواطن إلى وجود البديل، وما إن يثق بقدرة البديل على إحداث التغيير حتى ينحاز إلى جانب البديل، وعندها سوف لن ترهبه أجهزة الأمن، ولن يأبه لعصابات اللجان الثورية، ولا إلى نداءات "القائد" وخطبة الحماسية... فما نفعت تلك الخطب الرنانة نيكولاي تشاوشيسكو ديكتاتور رومانيا السابق إذ في مساء 20 ديسمبر 1989 حين عاد تشاوشيسكو من زيارته إلى إيران محاولا السيطرة على الموقف المتدهور في العاصمة حيث دعى فور عودته مؤيديه ومن خلال خطاب متلفز بالنزول في اليوم التالي إلى الميدان الجمهوري – ميدان الثورة الآن – حيث مقر الحزب الشيوعي الروماني من أجل إظهار التأييد له وللحزب الشيوعي الذي يقوده ..
في 21 ديسمبر استجاب مائة ألف من المواطنين وفى المساء خرج لهم تشاوشيسكو من شرفة المبنى الضخم الذي أثقل بناءه ميزانية الدولة وأطلّ على الجموع المحتشدة على مرمى البصر في الميدان الفسيح وبدأ خطابه الذي نقله تلفزيون البلاد على الهواء .
كانت المفاجأة الكبرى في انتظاره هناك ، أخذ الناس يقاطعونه ويهتفون تيماشورا ، تيماشورا ، تيماشورا .. اشتعل لهيب المتظاهرين وقطع التلفزيون إذاعة ما يجرى واضطر تشاوشيسكو إلى مغادرة الشرفة ..
باتت الجموع المحتشدة ليلتها في الميدان الجمهوري الفسيح والمشرف على عدة شوارع حيث برد بوخارست القارس .. تضاعفت أعدادهم خلال الليل وسرت بينهم شائعات أن تشاوشيسكو أمر بإعدام وزير دفاعه الجنرال فاسيل ميليا لرفضه الأوامر بإنزال الجيش إلى الشوارع ..

في صباح 22 ديسمبر خرج تشاوشيسكو مرة أخرى من شرفة مبنى الحزب الضخم المطل على الميدان الجمهوري محاولا في يأس واضح تهدئة المتظاهرين .... وككل الطغاة في لحظاتهم الأخيرة وعد الطاغية الجماهير الثائرة  بتصحيح كل الأخطاء التي وقعت في عهده، وبإجراء بعض الإصلاحات الضرورية ؛ لكن وعوده زادت من هياج المتظاهرين ، فإشتد سخطهم عليه إلى أن وقعت الواقعة ..
أخذ الناس في الاستعداد لاقتحام المبنى وهنا رفعت كل من قوات الأمن الغفيرة التي تحيط بالميدان وتلك التي تحيط بالمبنى من درجة استعدادها ووجهوا بنادقهم ناحية المتظاهرين حتى لا تفلت الأمور من أيديهم ..
انطلقت زخات الرصاص من قوات الأمن على المتظاهرين مع أول تحرك من جانبهم لاقتحام مبنى البرلمان .. سقط العشرات من القتلى ولكن الطوفان واصل طريقه إلى داخل البرلمان فانظمّ الكثير من قوات الأمن إلى المتظاهرين .. لقد كان زمن الوعود قد ولّى وكان المتظاهرون يعلمون أن القتل في انتظارهم لو نجا تشاوشيسكو منهم هذه المرة ..
أسرع الدكتاتور بالصعود مع زوجته لينا إلى سطح مبنى البرلمان ليستقل طائرته الخاصة التي جاء بها وحلق فوق المتظاهرين إلى مدينة سيمبولنج التى تبعد مائة كليو متر عن العاصمة  .. دار قتال شوارع في بوخارست بين قوات الحرس الجمهوري والقوات التي انظمّت إلى الشعب وسقط في ذلك النزال أكثر من ألف قتيل ..
اضطرت طائرة الطاغية إلى الهبوط في أحد الحقول وأخذ مع زوجته يتلفت حوله باحثا عن مكان بين المزارع يختفي فيه .. ألقى بعض الفلاحين القبض عليهما وسلموهما إلى قيادة المتظاهرين .. عقدت محكمة عسكرية للطاغية ولزوجته وأعدما في 25 ديسمبر 1989 بتهمة القتل الجماعي مع بعض التهم الأخرى ..  

إذا من هنا نستطيع القول إن مصير كل طاغية لابد وأن يكون النهاية.. ولا بد أن تكون هذه النهاية مؤلمة جدا وقاسية ولكم في تاريخ الشعوب الكثير من الأمثلة.

ما وددت قوله لكم هذه الليلة هو أن التغيير في ليبيا لابد وأن يبدأ من الداخل..... لايمكن لأي تغيير ناجح في أي بلد في العالم من أن يأتي من خارج حدودها ولو كان القائمون به من بين مواطنيها؛ ولنا المثل الصارخ في العراق. لابد من وجود تكامل وتنسيق كامل بين الليبيين في الداخل والليبيين في الخارج؛ لكن شعلة التغيير لابد أن يتم إيقادها من الداخل، ولابد لأهل البلد من النهوض الجماعي من أجل كسر شوكة الطاغية وإرغامه على التنازل عن تجبّره وتكبّره كما حدث لتشاوشيسكو. لقد برهنت قصص التاريخ على أن جميع الطغاة ما هم إلا مجرد نمور من ورق؛ فما إن يحسّوا بلهيب ثورة الشعب حتى يصيبهم الهلع فيتصرفون كالمجانين وعندها يفلت زمام التحكم من بين أيديهم وينتهون شر نهاية.

الليبيون المقيمون في الخارج عليهم جوانب التعبئة، والتوعيه، والتنسيق، والإتصالات بشعوب وحكومات الدول الأخرى من أجل توضيح الوضع، وعليهم كذلك مد جسور قوية للداخل من أجل دفع الداخل للثورة على الظلم، ومن أجل تقديم السند اللوجستي، والإعلامي لحركة الداخل؛ كما أن الخارج بإمكانه توفير القائد البديل الذي بإستطاعته قيادة التغيير.

عليكم أن تبدأوا من الآن في تكوين خلايا سرية صغيرة الحجم تعمل في إستقلالية تامة عن بعضها البعض بحيث يكون هناك بينها تنسيقا تنظيميا يعمل على تكاملها مع إحتفاظ كل خلية بحريتها في التصرّف الذاتي وفق مقتضيات الموقف الحاصل أمامها.

أنتم هنا تمثلون الكثير من المدن الليبيه، وبحمد الله فإنكم تتوزعون على مساحات شاسعة من بلدنا الحبيب فإنني أرى فيكم الطليعة المثالية التي بإمكانها أن تبدأ منذ الآن العمل الجدي من أجل قيادة جماهير الشعب الليبي كلها بدون إستثناء أو تمايز للقيام بالثورة الشعبيه العارمة التي يكون هدفها الوحيد هو إسقاط هذا النظام الديكتاتوري وإحلال محله نظاما وطنيا يخرج من بين جماهير الشعب بدون وصاية من أحد......

يبدو أن بقايا بهيم الليل بدأت تتمازج مع ومضات الفجر الأولى، وأظن بأن وقت نومكم قد حان. أنا آسف بأنني أطلت عليكم لكنني أترككم الآن لتستريحوا وأتمنى أن تبقوا في ضيافتنا هذه الليلة حتى نكمل مع بعض الطريقة التي سوف تتشكل على إثرها خلايا التغيير في كل مدن وقرى بلادنا  مع بعض النظم واللوائح التي سوف نناقشها في الليلة القادمة بحيث ننتهي مع بعض إن شاء الله من عمل التصوّر النهائي للمرحلة القادمه.      

ــ  في الحلقه القادمه : بدء العد التنازلي لإحداث التغيير في بلادنا.

مصطفى


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home