Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mukhadram

Monday, 29 May, 2006

Circle Of Fire

         

دائرة من النّار (2)

بقلم : أندرو سولومون
مجلّة "نيويوركير" الأميريكيّةـ 8 مايو 2006م

ترجمة وتعـليق : مخضرم

في عام 2004، بعد أن انتهت عشرون سنة من العقوبات الأمريكيّة إذ وافقت ليبيا على دفع التعويضات لضحايا لوكربي،وتخلّت عن أسلحة الدمار الشامل(وكان سيف مشاركا في التفاوض حول القضيّتين، وبذل جهدا ملحوظا لترميم سمعة ليبيا في العالم) برز السؤال الكبير في طرابلس: إلى أيّ مدىّ يمكن للإصلاح أن يتغلغل في بلاد كانت معزولة لعقود من الزمن. وكانت المعركة داخل الحكومة مريرة : المؤسّسة الوطنيّة للنفط (إصلاحيّة) ضد وزارة الطّاقة (متشدّدة) في صراع دائم. كما هو الحال بين وزارة الإقتصاد (إصلاحيّة) وبنك ليبيا المركزي (متشدّد). ومنذ أن أعلن القذّافي القرار الإيديولوجي الحاسم، أخذ المشهد يستحضر الجوانب السيّئة للديمقراطيّة متعدّدة الأحزاب، مع أنه لا أحزاب هناك ولا ديمقراطيّة.. وحسب وصف علي عبد الله حميده، المغترب الليبي الذي يرأس كرسي العلوم السياسيّة بجامعة نيو إنجلاند في ولاية مين، فالقذّافي : "يلعب إبنه البيولوجي سيف الإسلام ضدّ إبنه الأيديولوجي أحمد إبراهيم" وإبراهيم هو الأمين المساعد لمؤتمر الشعب العام، والأشهر بين الثالوث المحافظ النافذ الذي يضمّ أيضا موسى كوسه رئيس الإستخبارات الخارجيّة وعبدالله السنوسي المشرف على الأمن الدّاخلي. (منذ عام مضى صرّح إبراهيم بأن الولايات المتحدة قامت بأوامر من الرئيس بوش "بتزوير القرآن وتوزيع النسخ المزيّفة بين الأمريكيين بهدف تشويه المسلمين والإسلام"). وهذا الصراع الداخلي يساعد القذّافي على التحكّم في وتيرة التغيير. "لم العجلة؟" تساءل عبد الحفيظ الزليطني المخطّط الإقتصادي الرئيسي في البلاد، "إننا لسنا يائسين" قالها بأسلوب الحرص المداهن الذي يميل إليه المسئولون الليبيّون حتى يتجنّبوا الإنحياز إلى أحد المعسكرين. وفي مجالات أخرى حدثت التغييرات بسرعة إرتجاليّة منفّرة. وعلى الرغم من أن البلاد ما برحت متأثّرة بميراث مستعمريها الإثنين: الفساد البيزنطي والبيروقراطيّة الإيطاليّة، إلاّ أنها انفتحت على التجارة الدوليّة بسرعة، فهناك بضائع أجنبيّة للبيع،ولو أن القليل من الليبيين قادرون على شرائها. فبإمكانك أن أن تشتري نعالات مطّاطية من ماركة أديداس وأحذية إيطاليّة، مع فرشات ومعجون أسنان محليّة من نوع كروست. وفي المكتبات التي خلت يوما من الإصدارات باللغة الإنجليزيّة يمكنك أن تجد طبعات من "بيللي باد" و"الرجل الخفيّ" وأعمال "كونجريف". لقد رجع القطاع الخاصّ بقوّة. وثمّة مئات من القنوات الفضائيّة متاحة،كما تزدحم مقاهي "الإنترنيت" بالمستخدمين. وقد قال مسئول كبير "منذ عام مضى كان ذكر إسم منظّمة التجارة العالميّة خطيئة،والآن نحن نسعى إلى الإنضمام إليها". ورئيس تحرير جريدة الشمس ـ وهي صحيفة رئيسيّة مملوكة للدولة ـ وصف تحوّل سياسة التحرير لديه : "من الإعراب عن معاداة الغرب إلى الدعوة إلى العمل مع البلدان الأجنبيّة". وكما صرّح أحد المسئولين "إن القذّافي يفهم التركيبة القبليّة ولديه القدرة على أن يلعب بشخص ضدّ الآخر، وفريق ضدّ فريق، إنه ستراتيجي حاذق، فهو يفعل مع الإصلاحيين والمحافظين المتشدّدين مثلما يفعل مع القبائل، ويلعب بالعنصر الموالي للغرب ضدّ العنصر المعادي له".

بالنسبة للأجنبي ليس ثمّة برهان لفهم كيف تجري عمليّة "أدفعني أجذبك" في ليبيا الحديثة، أحسن من الدخول إليها، فالطلب الذي قدّمته في العام الماضي للحصول على تأشيرة دخول كصحفي، تاه في المجهول. على الرغم من أن الممثّل الليبي لدى الأمم المتحدة قد أكّد لي بشكل راسخ ومنذ خمسة أشهر أن التأشيرة جاهزة تقريبا. (عندما قابلت سيف في مونتريال، تطوّع بأن يهتمّ بها، دون أية نتائج ملموسة). وفي المرّة القادمة إنضممت إلى فريق دولي للحفريّات الذي وُعد بالدخول ـ ولكن عندما هممنا بصعود الطائرة التابعة لشركة الخطوط الليبيّة في روما، منعنا من دخولها. أحد مصادر الحكومة الليبيّة أبلغنا بأن وزارة المهاجرة انتقلت إلى مقرّ آخر ولذلك ضاعت أوراقنا. وآخر أعلمنا أن رئيس قسم التأشيرات أتلف الملفّات أثناء الإنتقال. وثالث أفاد بأن قصّة إنتقال الوزارة أشيعت كذريعة للتغطية؛ فالحقيقة هي أن القائد قرّر منع دخول أي أمريكي. ومما يصدّق ذلك أن جماعة متجوّلة من متحف متروبوليتان وصلوا إلى طرابلس بالسفينة في شهر أكتوبر ومُنعت من الرسوّ؛ وفي الشهر الذي يليه تعرّضت خمس سفن أخرى لنفس المصير. وباعتباري أحمل جنسيّة مزدوجة، تقدّمت بطلب التأشيرة على جوازي البريطاني،وللمرّة الثانية كعضو في فريق خبراء الحفريّات، وعملا بالنصيحة كتبت في الإستمارة أنني انتمي للطائفة الإنجيليّة. وأخيرا حصلت على وثيقة معلّم عليها "دعوة لفترة ستّين يوما" دون أن يعلم ألمرء هل الستين يوما تبدأ من تاريخ الوثيقة، أم ستين يوما من تاريخ طبع التأشيرة على جواز سفري، أم ستين يوما من تاريخ دخولي للبلاد. لقد خاطبت هاتفيّا القنصليّة الليبيّة في لندن كلّ يوم حول التأشيرة. في الصباح لا أحد يجيب، بعد الظهر أجاب أحدهم بأن الخدمات القنصليّة متاحة صباحا فقط. وقد سافرت إلى لندن حيث أعلمني الموظّف القنصلي أنه يمكنني دخول ليبيا في أيّ وقت في الخمس والأربعين يوما القادمة مع الإقامة لغاية تسعين يوما. ووصلت مطار طرابلس في منتصف نوفمبر. ومن خلال وكالة سفر ليبيّة جهّزت سيّارة لي في المطار، وفي طريقي للإنضمام الى طابور جامد من الركاب أمام المهاجرة، اقترب رجل من الوكالة يحمل لافتة عليها إسمي، وأخذني مخترقا الصفّ، حتى دون أن يتحقّق ضابط المهاجرة من أنني أنهيت الإجراء على الجواز. وهنا قال رجل الوكالة: "لقد انتهت مدّة تأشيرتك، كان من المفترض أن تدخل في بحر ثلاثين يوما، ومن حسن الحظّ أن رجل المهاجرة صديق، ولذلك لم تكن هناك مشكلة. "

لقد كان هذا مدخلا ملائما لبلاد يكون فيها القانون دائما مفتوحا للتأويلات، والإرتباطات الشخصيّة هي العملة الرئيسيّة المتداولة. لقد كنت في صفة رجل آثار بريطاني مسيحي، أفضل من حقيقة أنني صحفي يهودي أمريكي. ولكنني دخلت. وبسرعة توجّهت إلى مكتب الصحافة الدوليّة حيث أوضحت مهمّتي الصحفيّة، وحيث قام الرجل المسئول هناك بتلقيني محاضرة لمدّة ثلاثين دقيقة عن أفضليّة الديمقراطيّة الليبيّة على الأمريكيّة، وعن التشويه الفظيع للحقيقة عن ليبيا الذي ملأ به الصحفيّون الأمريكيّون صحفهم، وعن الإتجاهات الإمبرياليّة لأمريكا. ثمّ تطوّع بإعلامي أن المسئولين الذين أوّد التحدّث إليهم سوف يكونون مشغولين عنّي، وما كان لي أن آتي للبلاد. ولقد كان ذلك إجراء روتينيّا، ففي أبريل الفائت، وبعد شهور من التخطيط، أوفد مجلس العلاقات الخارجيّة في نيويورك وفدا عالي المستوى ـ من بين أعضائه ديفيد روكفيلير، بيتر ج. بيترسون،ألان باتريكوف، وليونارد لاودير ـ إلى ليبيا مع مواعيد لمقابلة معمّر وسيف القذّافي.. وعند وصولهم أُبلغوا بأن القائد لن يتمكّن من مقابلتهم، وأن النجم السّاطع أخطأ في برنامجه وهو الآن في طريقه إلى اليابان. ونادرا ما يقول المسئولون في ليبيا "لا" أو "نعم" فالليبيون يستعملون صيغة عربيّة دارجة هي أ.ب. م. أي (إن شاء الله، بكره، ممكن)، فكلّ البرامج مؤقّتة حتى على أعلى مستوى حكومي. فيمكنك مقابلة رئيس المؤسّسة الوطنيّة للنفط في فترة ساعة من الزمن،ويمكنك أيضا أن تقضي أسابيع لتنظيم موعد معه لن يتحقّق أبدا. لقد طلبت موعدا لمقابلة رئيس الوزراء شكري غانم، قبل أن أذهب إلى ليبيا مكرّرا الطلب كل يوم لمدّة ثلاثة أسابع عندما وصلت طرابلس. وفي آخر يوم لي رنّ هاتفي النقّال وأنا وسط مقابلة أخرى : "رئيس الوزراء سيقابلك" قال المتحدّث، فأجبته أرجو أن يقابلني قبل أن أغادر، فأجاب "رئيس الوزراء سيقابلك الآن" فقلت "حسنا سآخذ معي جهاز التسجيل" فقاطعني :"رئيس الوزراء يريد مقابلتك الآن..أين أنت؟" فأعطيته العنوان، فقال : "ستأتي سيّارة لنقلك في ثلاث دقائق."

كانت المسافة بالسيّارة إلى مكتب رئيس الوزراء مروّعة، كما هي قيادة السيّارة في ليبيا، فأهل طرابلس يظنّون أن إشارات المرور عبارة عن أدوات زينة من الزّجاج الملوّن نُثرت اعتباطا على الطرق، وهم يتمرّدون ضدّ الأحياء المنضبطين بغاية الصرامة، متجاهلين قواعد المرور، متوجّهين بمرح إلى أقصى الطريق المزدوج المقابل، ثمّ فجأة يقطعون خمسة مسارب من السيّارات المتدفّقة.. وقد لاحظ لي ليبي مطلّع في وقفة في إحدى المحطّات قائلا : "لا يوجد نقص هنا في حالة زراعة أعضاء الإنسان". ثم أنزلني السائق أمام مبنى خاطيء، وقد احتاج الأمر ساعتين من الزمن من المكالمات والإرتباكات حتى وصلت إلى غايتي. الدكتور شكري ـ كما يناديه المقرّبون إليه ومن يتظاهرون بأنهم مقرّبون إليه ـ يحمل درجة دكتوراه في العلاقات الدوليّة من كليّة فليتشير بجامعة تافتس، له ضخامة بدينة مع شنب أنيق وبدلة مضبوطة، يبدو أنه يجهد النفس لكي يظهر بمظهر الكزموبوليتاني {العالمي واسع الأفق} الذي يهمّه أن يسهّل عمليّة إعادة إدخال ليبيا في العالم أكثر من الفوز على المتشدّدين في الوطن. وعندما وصلت وجدته جالسا على مقعد {كنبه} مزركشة في غرفة مؤثّثة بأثاث عربي مقلّد بشكل سييء لطراز عصر لويس السادس عشرة،وأمامه أطباق عديدة من الحلويّات وكؤوس الشاي بالنعناع الذي لامناصّ عنه.. وفي إمبراطوريّة الإنحراف والغموض الليبيّة، تعتبر صراحته منعشة، وسخريّته المستفزّة كأنها دليل على العبث الذي يسم المراوغة الليبيّة. لقد ذكرت له أن كثيرا من زملائه يرون أن لا حاجة إلى تسريع وتيرة الإصلاح. وهذا ليس رأيه بالتأكيد. فقال : "أحيانا عليك أن تكون قاسيا على من تحبّ. إنك توقظ إبنك النائم لكي يذهب إلى المدرسة. ومن المستحسن أن تكون فظّا نوعا ما، ولا تسعى كثيرا نحو الشعبويّة." ثمّ تحدّث عن الحاجة إلى التدابير المسهّلة لأداء التجارة والتي من شأنها التخفيف من العوائق البيروقراطيّة والفساد الضارب أطنابه، مسترسلا : "الفساد يرتبط بالقصور وعدم الكفاءة والبطالة،وبالنسبة لإزالة الرّوتين الحكومي فهناك مقاومة لذلك، بعضها عن حسن نيّة والبعض الآخر عن سوء نيّة." وحتى لا يميل نحو تأجيل التطرّق إلى مبالغات النظام اللفظيّة عن السواسيّة، أضاف : "أن أولئك الذين يستطيعون أن يتفوّقوا عليهم أن يربحوا أكثر، فالحصول على قلّة غنيّة من شأنه أن يبني البلاد بكاملها. وقال : إن الكتاب الأخضر للقذّافي أمر بأن يكون "الناس شركاء لا أجراء". ولكن ليس من السهل أن تجعل كلّ واحد شريكا، ملاحظا : "الناس لا يريدون العمل. بل يريدون الحكومة أن تجد لهم العمل. وهذا غير غير قابل للتطبيق. " إن سلك الخدمة المدنيّة الذي يستوعب حوالي عشرين في المائة من الليبيين مبالغ فيه بشكل كبير؛ فالمؤسّسة الوطنيّة للنفط التي يعمل بها أربعون ألف شخص، لديها الضعف تقريبا ممن تحتاج إليهم، لهذا كُبحت المرتّبات، وكثير من الأشخاص يتقاضون مرتّبات لعدّة مهن، حتى ولو كانت هذه المهن عائدة لأفراد قبيلتهم، ولا يُسأل عن عدم المداومة على العمل. ومن ناحية أخرى ولأنّ المواد الغذائيّة مدعومة بشكل كبير، يتمكّن الناس من نيلها بقليل من النقود ممّا يجعلهم يرفضون العمل الذي يزدرونه. والأعمال المرهقة يقوم بها الأفارقة جنوب الصحراء،وأعمال أكثر مهارة نوعا ما يؤدّيها المصريّون. "لقد أصبح لدينا إقتصاد متناقض ظاهريّا، يتضمّن الكثير من الليبيين العاطلين عن العمل" ـ حسب الرّقم الرّسمي بلغت البطالة ثلاثين في المائة ـ ويضيف شكري غانم "إن هذه الخلطة كارثيّة" ـ والمعروف أن المزج بين يد عاملة مستوردة مع بطالة محليّة هي صفة مميّزة للبلدان الغنيّة بالبترول، غير أن المشكلة ملحّة خاصّة في ليبيا لأن سكّانها يزدادون بسرعة،فليس من غير المعتاد أن تقابل إناسا لهم أربعة عشر طفلا من زوجة واحدة. . ونصف عدد السكّان تقريبا هم تحت الخمس عشرة سنة. وفيما يتعلّق بالمتعصّبين الإسلاميين، تقترب آراء رئيس الوزراء من آراء القائد والنجم السّاطع، فهو يقول "الأصوليّة الجذريّة مثل السرطان، يمكنه أن يصيب أي مكان، في أي وقت ولا يمكنك التنبّؤ به، وما أن تكتشفه حتى يكون قد استشرى عميقا لدرجة عدم إمكانيّة إحتوائه. هل هناك هذا النوع من الأصوليّة؟ حقيقة لا أصدّق ذلك. ولكن قد تكون تفقس بهدوء غير مرئيّة منّا جميعا." والإسلام الغالب في ليبيا هو من السّنّي المالكي، وهو عقيدة نوعا ما لدنة بعيدة عن تلك التي يعتنقها الجهاديّون. على الرغم من أن بعض الليبيين أشاروا إلى أن الشروط التي أنتجت الإرهاب في أماكن أخرى ـ أي رخاء بدون عمل وعدد كبير من الشباب بين السكّان بدون هدف ـ أخذت تسود حاليّا في البلاد. ورئيس الوزراء كان أكثر حذرا بالنسبة لتوقّعات العلاقات الدبلوماسيّة بين الولايات المتحدة وليبيا، إذ قال "أجل نحن نريد علاقة ولكن لا نريد أن نذهب الى السرير مع فيل" قالها ضاحكا ملوّحا بعيدا بيده لتأكيد براءته مضيفا: "فقد يلتفّ علينا ويطحننا". ومن ناحيتي ذكرت له التصريحات العلنيّة من أنه أجبر على عدم قدرته على إحداث الإصلاحات،لأن عليه أن يعمل مع مجلس وزراء جمعه له القذّافي، متسائلا عن العوائق التي تعترض سلطته. وهنا تنهّد غانم كمن يحسن الظنّ بحقيقة تمسّ شخصه قائلا: "وزرائي مثل إخوتي" وأضاف، ضاماّ يديه على ركبته "لم أخترهم" وبعد هنُيهة استرسل مبتسما "لقد اختارهم والدي"!

ترجمة وتعـليق : مخضرم


         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home