Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mukhadram

Thursday, 27 July, 2006

 

كلّ ما أريده معـرفة مصير والدي(*)
( 1 من 2 )

هشام مطر "للإنديبيندنت" اللندنيّة ـ 16 يوليو 2006

ترجمة : مخضرم

"أمنيتي أن أكون رجلا سعيدا.. في النهاية كأب عمّر حتى الشيخوخة في منزل له ملكه إلاّ أن الموت المجهول والصمت.. كانا مصيره"     هوميروس في" ألأوديسّه"

((في ليبيا العقيد القذّافي،أثناء الفوضى الدمويّة في السبعينات،أضافت السلطات التي كانت في حمّى الإتهامات "الثوريّة"،إسم والدي إلى قائمة المطلوبين للتحقيق معهم. كان في ذلك الوقت خارج البلاد وأرسل إليه أصدقاؤه رسالة تنصحه بعدم الرّجوع. بينما كانت أمّي وأخي زياد وأنا لم نبرح ليبيا بعد. وهي نفس الفترة التي كانت تعدّ فيها ليبيا لحربها الظّالمة على تشاد المجاورة. وفي محاولة يائسة لزيادة العدد،ووفقا لرؤية القذّافي في "تجييش الجماهير"،خفّض الجيش سنّ الخدمة الفعليّة إلى سن الرابعة عشر بأن جعل التدريب العسكري جزءا من المنهج الدراسي. كان زياد في سنّ الثالثة عشر. وبواسطة رسائل متبادلة باليد،قرّر الوالد والأم أن ترحل العائلة كلّها. وهكذا بدأت والدتي تخطّط للهروب. لقد كنت في الثامنة من عمري،وهذا تطلّب منها أن تنتظر عاما حتى نخرج.
منذ انقلاب العقيد القذّافي اللادموي عام 1969،غيّر القائد في مدى تسع سنوات،العلم الوطني مرّتين،وغيّر تصميم العملة بهدف مخاتلة الناس فيسلّموا ما في حوزتهم من نقود سائلة،وإرهاق نواياهم الطيّبة،وهم الذين رحّبوا أصلا بعهد الجمهوريّة. واليوم توغّل النظام الجديد في كلّ ناحية من الحياة المدنيّة: زرع "اللجان الثوريّة" في كلّ مؤسّسة ومنظّمة،أخضع الصحافة،وحلّ أحد أكثر إتحادات الطلبة الجامعيين تقدميّة واستقلالا في العالم العربي بعد الحرب: فأعدم قادته في الميادين العامّة،وسجن المئات من أعضائه. لقد طورد أفراد المجتمع في عقر ديارهم،إلى أن أصبح داخل البيت هو المكان الوحيد الذي لم يُرصد.
وحتى هذا المجال الخصوصي جرى غزوه بواسطة إذاعة تحقيقات من اعتبرهم النظام "معادين للثورة" أو "خونة" على شاشة التلفاز. في غرف جلوسنا كنّا نرى رجالا متيبّسين من الهلع تحت أضواء الكاميرا القاسية،ويجيبون على أسئلة توجّه إليهم من أشخاص بلا وجوه،وبنبرة مزعجة مهتاجة. ثم إن الجيش أُمر أفراده باقتحام مراكز بيع المطبوعات والمكتبات في طرابلس،حاملين قوائم طويلة بغرض مصادرتها. وقد حُرقت الألاف من الكتب في إحد الميادين العامّة،وكلّ ما بقي في رفوف باعة الكتب المرعوبين كانت كتب التعليم والكتب "الثوريّة". وهكذا بدأت عمليّة معتادة بين الديكتاتوريّات في كلّ مكان: إعادة كتابة التاريخ؛إعادة توصيف الحاضر،ورؤية وحيدة للمستقبل. والعائلات المتعلّمة الموسرة وذات الإطّلاع العالمي،مثل عائلتي،كان ينظر إليها كونها "برجوازيّة"،"متأخّرة،"تريد إيقاف الزحف (الأبدي)". ولهذا السبب أُدرج إسم والدي في القائمة. وهكذا بدأ بالظهور أمام أبواب بيوتنا رجال،ليس لهم من سلطة سوى عُصب خضراء ثوريّة يلفّون بها رؤوسهم. لقد اقتحموا حديقة الورود وأخذوا يدقّون الباب الخلفي بعنف طالبين إعطاءهم مفاتيح أحدى السيّارات،لأنه من غير الأخلاقي أن يمتلك صاحب بيت أكثر من سياّرة واحدة،وقالوا إننا نملك أربعة .لازلت أتذكّر كيف كادت عروق رقابهم أن تنفجر من الصراخ. وفي إحدى المرّات فكّت والدتي الميدالية في حلقة المفاتيح –كانت آية قرآنيّة منحوتة بالفضّة- وبيد مرتجفة رمت برزمة المفايح إليهم بعد ذلك. وبعكس المعتاد في مثل هذا المأزق،قام الرجال بقيادة السيّارة المنهوبة بعيدا في التراب. وواصلت السلطات تعقّبها لوالدي،وفي ظنّهم أن أحسن وسيلة للقبض عليه هي انتظار رجوعه الحتمي إلى عائلته في طربلس. ومن هنا منعونا من الرحيل. والفرصة الوحيدة أمام والدتي للهرب هي إقناعهم بأنهما لم يعودا متزوّجين،وأن الرجل الذي يبحثون عنه بدأ في تربية عائلة جديدة في أوربا،وليست لديه نيّة في الرجوع. وقد أخبرتنا بالخطّة ،وبقينا لمدّة عام كامل محافظين على هذا الإدّعاء.
ولقد خطر في بالي تساؤل عما إذا لم يقم أبي حقيقة-ببدأ حياة جديدة في مكان ما من العالم. وتخيّلت يوما أقابل فيه نصف صهرة لي بشعر أصفر وعينين زرقاوين: إمرأة أوروبيّة أرى في وجهها شيئا ما من والدي،ولهذا السبب منّي أنا أيضا. وقمت بالتقاط صورة لوالدي مع عائلته الجديدة في سويسرا،حيث أمضينا عدّة شهور صيف هناك في (مونترو) نتجوّل بين قمم الألب المغطّاة بالثلج،ونطوف بالسيارة بحيرة جنيف،نعضّ على الشفاه في صمت فرحا وبهجة،مقرّبا وجنتيّ من النار وشادّا كتفيّ إلى أعلى وأنا أهرول مسرعا،متظاهرا بعدم الإهتمام. وبالنسبة لصبي من شمالي أفريقيا،كانت سويسرا أعظم البلدان سحرا على وجه الكرة الأرضيّة : هواء نضير منعش،التفريق المضبوط بين الخطوط البيضاء والصفراء على الطرقات المعبّدة،المطر الرومانسي،المزارع المسوّرة بطفوليّة على سفوح الجبال،الأبقار النظيفة كأنها ملوّنة بيد رسّام خجول لم يستطع تطويع نفسه على الإعتراف بالبراز!الناس الغائبون بغرابة (شوارع سويسرا تبدو دائما خالية بالمقارنة مع شوارعنا). وهكذا كان يسليني أن أتصوّر نفسي شخصا آخر يعيش هناك مع والدي وزوجته السويسريّة الجديدة والتي كانت،عدا أنها شقراء الشعر،تشبه والدتي تماما.. ومؤخّرا علمت من والدتي أنها في بعض الأحيان ما كانت تستطيع مغالبة الإغراء بأن تحادثه هاتفيّا،لكي تسمع صوته،وربّما لتقنع نفسها أن الأسطورة التي نسجتها- في ساعة غفلة من الليل- لم تتحوّل إلى حقيقة مفزعة. وحدث أن قرّرت،وهي مصيبة،أن ترفع السمّاعة وتدير رقمه متشوّفة في قلق إلى أن تنصت إلى صوت سويسري دقيق بلا اكتراث يردّ عليها،غير أن إرادته الفولاذيّة في البقاء وفيّا لها،لم تجعله يستسلم،وهنا جاء ردّه :"لا تكلّمي هاتفيّا مرّة أخرى!"ثم وضع السمّاعة.. وفي إحدى الأُمسيات طلبت منّا الوالدة أن نحزم أمتعتنا قائلة :"سوف نذهب إلى المصيف لأسابيع قليلة،في الوقت الذي يعمل فيه العمّال في تبييض المنزل،وخذوا معكم فقط ما هو ثمين". وغالبا ما كان والديّ يؤجّران إستراحة على المصيف في نهاية الأسبوع،ولكن لم يسبق أن طُلب منّا أخذ "ما هو ثمين" من قبل. وعندما سألتها ماذا تعني بالثمين،أجابت "الأشياء التي تحبّونها أكثر". فكان أن أخذت معي زجاجة عطر كان والدي قد إشتراها لي مؤخّرا. وعلى الرغم من أن عمري كان ثمان سنوات،إلاّ أنه دليل على أنه بدأ ينظر إليّ كرجل..أخذت معي راديو "سيفين أب" وبه جميع الموجات،فلم أجد مثيلا له،كان مظهره كعلبة القصدير ولكنه كان من القوّة بحيث يلتقط عدّة موجات إيطاليّة وكذلك محطّة الإذاعة البريطانية (أخبار العالم) و"صوت العرب" القاهريّة. بينما أخذ زياد معه (ميداليّات) البطولة الوطنيّة للسباحة،إذ حاز آنذاك،ولم يتجاوز عمره الثالثة عشر،على الذهبيّة في السباحة على الظهر،والفضيّة في سباحة الفراشة،والبرونزيّة في سباحة الأذرع ،كما حقّق رقما قياسيّا في مسافة المائة متر سباحة خلفيّة،وعلمت أخيرا أنها قد تحسّنت.
في الطريق إلى المطار بكى زياد،لم أفهم لما لم يندهش مثلي من إمكانيّة ركوب طائرة لأوّل مرّة. وفي المطار لم تنطل على ضابط المهاجرة قصّة أمّي.. ما زلت أتذكّر صمتها الفولاذي الثقيل،وفزعها الظاهر للعيان،عندما اتجهت بنا السيّارة رجوعا إلى الحياة التي هجرناها،وحتى زياد لم يبدو سعيدا. وبعد أيّام قليلة استيقظت يداعبها أمل جديد. إذ طلبت منّا أن نحزم حقائبنا مرّة أخرى.،وما أن استقلّينا السيّارة،وهي آخر مرّة،ركضت راجعة وفتحت البوّابة الأماميّة واختفت في داخل المنزل،ثمّ رأيناها تغالب ثقل جهاز التليفزيون وتودعه في صندوق السيّارة ثمّ تعود لنقل جهاز الفيديو. وفي المطار توجّهت إلى نفس الشخص الذي أرجعنا ورفعت أمام ناظريه مفاتيح السيّارة قاءلة له :"في الخارج ستجد سيارة جديدة من نوع ب.أمّ.فو.وبها تليفزيون وفيديو،دعنا نمرّ!" فأخذ الرجل المفاتيح وقال :" أنتظري هنا" وبعد انتظار طويل، أرسل أحد زملائه إلى أمّي الذي قال لها :"إن زوجك في القائمة،ولن يُسمح لكم بالمغادرة حتى يعود،فطلبت أمّي أن تقابل الشخص الذي أخذ المفاتيح،فقيل لها لقد غادر وسيغيب طوال اليوم. وكان علينا أن تستقلّ تاكسي إلى البيت.
القذّافي فريد من نوعه بين الطغاة كونه يملك القليل من المعتقدات الثابتة. وهو مركز هيّيء له مقدرة خارقة على البقاء. وهكذا،في عام 1979 وبعد شهور من ظهور إسم والدي في قائمة المطلوبين،فإن رجال الأعمال كوالدي،والذين حتى وقت قريب اعتُبروا أشخاصا بارزين في الممارسة الإقتصاديّة الشرّيرة،وُعدوا فجأة بالعفو عنهم. ولأن والدي لم يستطع مواصلة العيش بدوننا ،فقد قرّر أن يخاطر ويعود بالطائرة إلى طرابلس. ولم يُعتقل،ولكن صودر جواز سفره. وبذلك عدنا إلى العشرة العائليّة نحن الأربعة. وكانت السنة التي قضاها والدي خارج البلاد قد علّمته أن العيش هناك هي نوع من الموت اليومي،وأن المنفى في جوهره هونحيب لا نهاية له. إنما وبصرف النظر عن عودته،كانت والدتي مقتنعة أنه علينا أن نرحل. وبعد أسابيع قليلة من عودته،بدأت تعدّ العدّة للرحلة. فجوعها للحياة وحبّها للنور وتصميمها على أن نحيا أحرارا وبكامل إرادتنا،كلّ ذلك ساد بيننا،وألهمني وزياد إنفتاحا على العالم،صار الآن شاهدا على سلامة حكمها. وسأعيش طوال حياتي مدينا لعزيمتها الهادئة التي وجّهت بها سفينتنا خارج ليبيا القذّافي.
ظلّ والدي صامتا وهو يقود بنا السيّارة إلى المطار. فنحن نرحل عن ليبيا بدونه. ولابدّ أنه كان يعرف كم من وقت يستغرقه قبل أن يلحق بنا. وفي المطار عندما رآنا الشخص الذي قبل رشوة أمّي منذ شهرين مضت نقترب،فرّ برشاقة واختفى خلال باب مكتوب عليه (خاص). والآن وقد عاد والدي،فقد سمح لنا ضابط المهاجرة الآخر بمطار طرابلس الدولي بأن نستقلّ الطائرة إلى نيروبي،حيث يقيم أخ لوالدتي.
كانت كينيا الترياق المطلوب،وجنّة خصبة حمراء التربة وأوراق الشجر عريضة كملاءات السرير. كانت أيضا المكان الذي تحصل فيه على آخر إسطوانات مايكل جاكسون- وكانت تبدو لي في ذلك الوقت أمرا في غاية الأهميّة- ولقد جعل خالي من هروبنا كأنه إجازة. ولمّا أن اتضح لنا أن والدي لن ينضمّ إلينا في المستقبل القريب،أدركت أمّي ضرورة أن تجد لنا وطنا ومدرسة. ومرّة أخرى وبواسطة الرسائل المسلّمة باليد،أبلغنا والدي بالتفاصيل عن رجل أعمال شريك له في مصر ومدين له بمبلغ كبير من المال. وكانت القاهرة الإختيار الواضح،ليس لأنها المدينة العربيّة النابضة بالحياة فقط، بل إن لعائلتي أصدقاء فيها. على أن شريك الوالد المذكور كان يتباطأ في التسديد لنا،ولذلك أقمنا في شقّة متواضعة بسيطة في العاصمة ممّا زاد من حدّة اشتياقنا لمنزلنا الجميل الذي تركناه وراءنا في طرابلس. والمدرسة التي توفّرت لنا كانت تتسّع لسبعين تلميذا في الفصل الواحد.وكان زياد وأنا مستضعفين لأننا أجانب. وكردّ فعل منه أخذ زياد يحيط نفسه بأولاد ليبيين في المنفى من عمره،بينما ركّزت أنا على تحسين لهجتي المصريّة،لدرجة إستحالة تمييزي عن أهل القاهرة. أمّا الآن فزياد الذي يقيم في القاهرة هو الذي يجيد لهجتها بينما أنا،وقد مرتّ عليّ عشرون سنة في منفاي الثاني لندن،أتكلّم العربيّة بلهجة ليبيّة لا يخطئها السّامع. وكلّ ما نجحت الوالدة في توفييره لنا من الترف هو تعلّم السباحة لزياد. وقد أرسلتنا إلى مدرّب ماهر سمعت عنه. وبدا زياد عصبيّا بشكل غريب عندما طلب منه المدرّب أن يسبح مسافة مائت متر بالأذرع،ولم يستعد ثقته إلاّ عندما دخل في الماء،وأراد المدرّب أن يمتحن زياد وسأله عن عمره،ولكن عندما أجاب زياد قاطعه :"من أي بلد أنت؟" فقال،وهو يغطس ثمّ يظهر: من ليبيا"، فنهره الرجل قائلا :"كان عليك أن تقول ذلك منذ البداية"،ملوّحا لزياد أن يخرج من حوض السباحة"،واستطرد "مالي ومال تدريب واحد أجنبي"! ومنذ ذلك الحين لم يشارك زياد في مسابقة سباحة قطّ ..))

ترجمة مخضرم
________________________

(*) ذكرت سابقا أن الحديث طويل،ولكن تبيّن أنني عنما طبعت النسخة من الموقع المختصّ ظهرت صفحات طويلة،ولكنها مكرّرة لنفس الحديث،الذي سيظهر في حلقتين إثنين فقط. فلزم التنويه.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home