Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mukhadram

Sunday, 26 March, 2006

         

إيطاليا والقذافي.. عـدوّ ما من صداقته بدّ! (3)

مخضرم

لقد كانت لدى الحكومات الليبيّة المتتالية أسس قانونيّة وتاريخيّة لا يطرّق إليها الشكّ للمطالبة بالتعويضات،ويكفي الإستناد إلى قوانين الإدارة الإستعماريّة الإيطاليّة ذاتها التي بموجبها استولت على الأراضي في ليبيا،لكي تبرّر مطالبها،وفقا لمنطوق قرار الأمم المتحدة الذي اشترط إحترام أملاك الإيطاليين – بعد التحرير – بأن يكونوا قد حصلوا عليها شرعا، بينما قوانين الإستيلاء الإيطاليّة كانت في الحقيقة إغتصابا بالقهر وقوّة السلاح وتهجير أصحاب الأرض الحقيقيين(1). لقد تعلّلت الحكومة الإيطاليّة في احتجاجها لدى الحكومة الليبيّة بعد قرار مجلس إنقلاب القذّافي بأنّ القرار جاء خرقا لقرار الأمم المتحدة للعام 1950 المشار إليه وللإتفاق الليبي الإيطالي للعام 1956بل ولبيان ثورة القذّافي نفسه الذي نصّ على احترام حقوق ملكيّة الأجانب(2) . وبالنسبة للنقطة الأولى فلا يُعتدّ بها بعد شرح الخلفيّة التاريخيّة للإغتصاب الإيطالي للأرض،وبالنسبة لمواد إتفاقيّة 1956 فقد كانت كريمة مع إيطاليا ورعاياها –رغم ما اقترفوه في حقّ الليبيين لفترة ثلاثة عقود من الزّمن- إذ سمحت،بموجب المادّة 15،للإيطاليين الذين غادروا بعد 10 يونيو 1940 بأن يبيعوا بحريّة أموالهم المنقولة وغير المنقولة،وأن يحوّلوا ممتلكاتهم ورؤوس أموالهم،ومُنح نفس الإمتياز لأولئك الذين كانوا بليبيا قبل 15 ديسمبر 1950،كما سمحت لأي واحد منهم بنقل أموال في حدود 5000جنيها،وبمبلغ إجمالي سنوي في حدود 300,000 جنيها معفاة من رسوم التصدير،وجاءت في رسائل بن حليم المتبادلة إمتيازات أخرى مثل : دفع إيجار مدى الحياة لبضعة إيطاليين لاستعمال ما كانوا يمتلكونه من أراضي بمنطقة الملاحة؛والسماح لإيطاليا بإخراج مائة مليون ليرة من أموال مؤسّسة الضمان الفاشيستيّة. كلّ ذلك مقابل المبلغ الزهيد الذي دفعته إيطاليا كتعويضات،وتعهّدها بإرجاع القطع الأثريّة التي نقلتها بعد عام 1940 . (وهو ما لم يتمّ حتى الآن بشكل كامل) .
فحظوظ المصالح الإيطاليّة – إذن- بعد إنقلاب القذّافي كانت أفضل من حظوظ المصالح الأنجلو أميركيّة التي جرى تأميمها (جرى أيضا تأميم بنكو دي روما وبنكو دي نابولي بقرار منفصل) . ولو لم يكن نظام القذّافي همجيّا في تصرّفاته التي جلبت النقمة والكراهيّة الدوليّة للبلاد،لقام بتأميم أراضي وأملاك الإيطاليين ،كما فعل مع شركة بريتش بتروليوم مثل،دون أن يلجأ إلى التدابير القمعيّة ضد أبناء الجالية الإيطاليّة كأفراد بما فيها ترحيل موتاهم ! لاسيّما أنهم شرعوا في مغادرة البلاد من تلقاء أنفسهم،فنجد في الفترة من قيام الإنقلاب وحتى يوليو 1970،تاريخ صدور القرار بترحيلهم،أن أربعة آلاف منهم غادروا البلاد. وفي مهلة الأشهر الثلاثة التي أعطيت لهم للرحيل حتى أكتوبر من نفس العام،غادر منهم 14,000 البلاد . بل لاحظنا الإرتباك في تصرّفات النظام الفوضوي،إذ أنه خشية إنهيار كثير من المرافق،فقد أبقى على الإيطاليين المقيمين لفترة طويلة في البلاد مع عائلاتهم والعاملين في حقول النفط أو مشروعات البناء والأشغال العامّة والخدمات البحريّة والجويّة وقُدّر عددهم بألف وخمسمائة . والدليل الآخر على فوضى الإجراءات والإرتجال في اتخاذها،أن الإنقلابيين عرضوا في البدء تعويضا للإيطاليين الذين استردّت منهم الأملاك على هيئة (كوبونات) أوسندات حكوميّة ليبيّة تسيّل لفترة 15 سنة،شريطة أن تُحسم منها تعويضات الإحتلال،ثمّ عُدّل هذا العرض بحيث لا يُعوّض المرحّلون عن أملاكهم إلاّ بعد أن تدفع إيطاليا التعويضات عن أضرار الإحتلال،دون معرفة أو تحديد قيمتها!
أمّا الإيطاليّون المرحّلون فقد عوملوا من قبل حكومتهم عند وصولهم إلى إيطاليا،معاملة اللآجئين المؤقّتين الجديرين بالعطف والرعاية،فمنح كلّ رئيس عائلة منهم 200,000 ليرة إيطاليّة إضافة إلى 150,000 ليرة لكل فرد في الأسرة،مع مجانيّة العلاج الطبّي لمدّة ستة أشهر،وإسكانهم في مجمّعات أو بيوت ضيافة أو دور رعاية الشيخوخة لكبار السنّ من بينهم. كما أن الحكومة أعطت تراخيص عمل لأولئك الذين أرادوا ممارسة حرفهم أو تجارتهم أو وظائفهم كالسّابق (3).
فماذا استفاد الليبيّون من إجراءات الإنقلا بيين التي ما انفكّت الآلة الدعائيّة لقذّافيستان تصدّع بها رؤوسهم لأكثر من ثلاثة عقود كونها من بطولات وإنجازات القائد وثورته ؟ لقد شاهد الليبيّون بأم أعينهم كيف احتلّت شراذم الغوغائيّين المباني والمقرّات الجميلة في الشوارع الرئيسيّة،خاصّة بمدينة طرابلس،وكيف دمّرت مرافقها وأدواتها،وحطّمت نوافذها وأبوابها،حوّلتها إلى مباءات للمخابرات ومراكز التعذيب،وكيف تقاسمت أزلام النظام المزارع المستردّة وبُدّلت من إنتاج للمحاصيل إلى ضياع مخرّبة لتزجية الوقت،ومقار رديئة لسكن عائلاتهم،وأوكار لممارسة المفاسد والفحشاء! وتكفي هذه المقارنة الآن بين ما نال الطليان وما أصاب الليبيين من منجزات الفاتح العظيم،الذي انقلب على أبناء شعبه فعاملهم بأسوأ ممّا عامل الإيطاليين،حين صادر مساكنهم وممتلكاتهم،ونهب متاجرهم ومعاملهم وورشهم وكلّ موارد رزقهم. وعلى القاريء أن يتبيّن من استفاد ومن تضرّر من جردة الرّبح والخسارة التي استعرضناها!

أرض النعيم .. والعمولات!

عقب هذه الأحداث انتهجت حكومات إيطاليا المتعاقبة،بغضّ النظر عن ألوانها السياسيّة من اليمين الليبرالي،ثمّ اليسار الليبرالي،حتى اليمين المحافظ الآن،سياسة جديدة ثابتة مع القذّافي هدفها الأساسي : ضمان تدفّق النفط من ينابيعه المتفجّرة في ليبيا،إلى ماكينة الصناعة الإيطاليّة التي لا تستغني عنه لجودته وقربه ورخص تكلفته . ودرست هذه الحكومات عقليّة الجالس على البرميل، النفطي (وليس صندوق الرّمال المقفل كما سمّى الإيطاليّون ليبيا وقت إستعمارهم لها) وأتقنت أسلوب معاملته من أيسر المداخل وهي : عدم إغضابه،حتى إن عصا وتجاوز الحدود؛إشباع غروره وإرضاؤه بما يجعله يُمعن في نسج أحلام العظمة. وكان مدّه بالسلاح آلة الدّمار التي سيكدّسها أكثر ممّا يستعمالها لجهله،أو لعجزه عن تخطّي الخطوط الحمراء،الحيلة الماكرة التي اهتدت إليها إيطاليا لتوقع حاكم ليبيا المطلق والمجنون في شراكها،فتكسب مع غيرها من بلدان العالم الصناعي المتطوّر،ويخسر شارب حليب الناّقة مع بلاده على المدى غير البعيد . وإليكم المحطّات الرئيسيّة في مسيرة هذه العلاقات الجديدة :-
ـ في سبتمبر 1972 استنّت دول منظّمة الأوبك سياستها الجديدة التي عبّر عنها آنذاك أحمد زكي اليماني وزير نفط مملكة آل سعود المتحكّمة في مفاصل المنظّمة بالرعاية الأميركيّة الدّائمة،بما سمّاه "الزواج الكاثوليكي" –أي محرّم الطلاق- بين الدول المنتجة والدول المستهلكة،أي "المشاركة" بين الجانبين بدلا من النظام السّابق الذي كانت الشركات تتحكّم في أسعاره. وشرعت السعوديّة في تنفيذ عقود زواجها مع الشركات الأميركيّة والبريطانيّة لديها. وبدت لإيطاليا الفرصة سانحة لعقد قرانها الكاثوليكي مع القذّافي،بحيث تسري قاعدة المناصفة لكافّة شركلت (أيني) الإيطاليّة العاملة في ليبيا(4). واعتبارا من 30 سبتمبر مُنحت (سنام بروجيتّي) عقدا ببناء معمل تكرير،وبدأ البترول الليبي يصل إلى إيطاليا مباشرة،ليس مقابل تصدير المنتجات الإيطاليّة المعهودة فقط،ولكن هذه المرّة احتلّ منتجّ محبّب للقذّافي قائمة السلع الإيطاليّة وهو السلاح . وبُدأ بتصدير مائة قاذفة من نوع M-113 وإثني عشر مدفعا ثقيلا من نوع M-109 . وتعاقدت شركة (Riuniti للصناعات البحريّة) على بيع أربع طرّادات لنظام القذّافي من نوع (وادي) تُسلّم في الفترة ما بين 1979-1981 ، وشركة Elicotteri meridionali على تزويده ب 30 حواّمة من نوع (شينوك) تُسلّم بعد ثلاث سنوات. ونلاحظ هنا أن هذه السنة هي التي شهدت أول صفقة أسلحة سوفييتيّة ضخمة (5).
ـ في فبراير من نفس السنة جاء عبد السلام اجلود(رئيس الوزراء) إلى روما ووقّع مع رئيس الحكومة الإيطاليّة ماريانو رومور إتفاقيّة تعاون علمي وفني ودبلوماسي (يا علم كما يقول الليبيّون حين يسخرون!) فمؤدّاها عقود ببناء مجاري صرف (عرّبها أبو زيد دورده إلى الآبار السوداء!) ومعامل تكرير،وبناء عمارات سكن،ومعامل للتعدين وإنتاج السّماد،والتزويد بمعدّات النقل والإتصالات .
ـ وفي 21 سبتمبر من نفس السنة منحت حكومة القذّافي شركة (ايني) أربعة عقود تنقيب جديدة،إثنين منها في برقة والأخريين في البحر . أي أن هذه الفترة من تاريخ العلاقات أصبحت ليبيا بالنسبة لإيطاليا ما سمّاه المؤرّخ الإيطالي الخبير بالشئون الليبيّة أنجيلو ديل بوكا :"أرض النعيم التي تتدفّق منها العمولات بلا انقطاع والسداد في وقته بشكل فريد"!

مخضرم
________________________________________________

(1) ما أن شرعت إيطاليا في غزو ليبيا حتى باشرت بإصدار القرارات والقوانين المتعلّقة بهذا الإستيلاء ونذكر منها :الأوامر العسكريّة بتاريخ 24 يوليو 1912 و27 أبريل 1912 و 16فبراير 1913 بتصفية أصول المصرف العثماني الزراعي في طرابلس الغرب وبرقة وتحويلها الى بنك إيطاليا وبنك سيشيليا ثمّ لصناديق الإدّخار التي أُنشئت لتمويل المستعمرين الأوائل. وفي بداية عهد الجنرال فولبي 1922 تضخّمت الأراضي المصادرة،بموجب عمليّة شراء شكليّة وقسريّة لجزء منها . امّا الغالبيّة منها فكانت تّنزع ملكيّتها ويُجبر المالك الليبي على التنازل بالأمر العسكري "تنفيذا لنظريّة أملاك المتمرّدين وأقربائهم الذين رفعوا السلاح في وجه الجيش أو عرقلوا عمليّاته في حركة الإحتلال" كما أثبت بادوليو حاكم عام ليبيا في تقريره . وما أن جاء عهد بالبو عام 1933 والذي بدأ فيه جلب المستوطنين ضمن برنامج التوطين لمليون مستعمر،حتى بلغت مساحة الأراضي المغتصبة أكثر من نصف مليون هكتارا،إزدادت حتى بلغت 1938 ما مساحته 738,316 هكتارا في جميع أنحاء ليبيا،ومن ثمّ وصل عدد هؤلاء الوافدين حتى عام 1940 تاريخ بدأ إندحار إيطاليا في الحرب،إلى 108,405 (معمّرا) . بينما لم يتجاوز عدد السكّان الليبيين– بما فيهم الرّعاة- 800,223 نسمة،حسب،إحصاء الكتاب السنوي (للمعهد الفاشيستي لإيطاليا الأفريقيّة) للعام 1940 . ولسنا في حاجة إلى التذكير كم حصدت منهم فظائع الحرب والتقتيل والتشريد حتى بلغوا هذا العدد!
(2) أثناء صدور قرار القذّافي قُدّرت مساحة الأراضي في حوزة المستعمرين الإيطاليين بحوالي 20,000 هكتارا أغلبها مزارع كبيرة ،حسب جريدة الكورييريديلاّ سيرا في عددها بتاريخ 8 سبتمبر 1970 .
(3) جريدة "كورييري ديلاّ سيرا" بتاريخ 26 يوليو 1970،مع ملاحظة قيمة الليرة المرتفعة في ذلك الزّمن .
(4) كانت هذه الشركة الإيطاليّة الكبرى تصارع ما كان يُسمى حينذاك الأخوات السبع (أي الشركات الأمريكيّة The majors التي تحتكر حقول الإنتاج العالمي) وكان إنريكو ماتاي رئيس ENI يقود الشركات المستقلّةThe independents في المنافسة، ويروي مصطفى بن حايم في كتابه (صفحات مطويّة من تاريخ ليبيا السياسي) ص333 أنه توصّل في أكتوبر 1957 مع ماتاي على عقد مشاركة بنسبة 75%لليبيا و 25% لشركة "أجيب" التابعة لأيني . ولكن عبد الله عابد أوعز لعبد المجيد كعبار رئيس الوزراء الذي حلّ محلّ بن حليم برفض العرض وإعطاء الإمتياز لشركات أمريكيّة بدلا من ذلك،فالملك لا يوافق على إعطاء إمتيازات لشركات تابعة للحكومة الإيطاليّة.. ويشكّ المرء كثيرا في أقوال بن حليم الذي ساق هذه الرّواية ليضفي على نفسه صفات الدّفاع عن المصالح الوطنيّة بعكس عبد الله عابد الذي اتهمه بالإضرار بهذه المصالح. وحين واجهه بذلك ردّ عليه بأن الله أحلّ التجارة وحرّم الرّبا ! ومبعث الشكّ أن الرجلين كانا حليفين سياسيين وتهمّهما مصالحهما الذّاتية سويّا بالدرجة الأولى. ثم ذكر بن حليم أن الشركة رغم ذلك مُنحت الإمتياز بعد خروجه من الوزارة،لأن عبد الله عابد قايضها بالحصول على أملاك في بنغازي كانت تابعة لبنك روما . والصّحيح أن العقد مُنح لشركة "كوري للتنقيب" التابعة لأيني بتاريخ 9/11/1959 أمّا أجيب فهي مختصّة في التسويق.
(5) على الرّغم من أن البحث لا يتطرّق لعلاقات القذّافي مع الإتحاد السوفييتي السابق،إلاّ أن السياق التاريخي يستدعي أن نثبت تفصيلات هذه الصفقة التي كانت تتكوّن من : سبعين طائرة Mig-23 و TU-28 وخمس عشرة رادار أرضي ومائة بطاريّة صواريخ أرض-أرض من نوع سكود .


         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home