Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mukhadram

Friday, 21 March, 2006

         

إيطاليا والقذافي.. عـدوّ ما من صداقته بدّ! (6) ـ الأخيرة ـ

مخضرم

خرافة التعويضات :
طبّقت الحكومات الإيطاليّة المتعاقبة، مثلها مثل الحليفات الأوربيّة، العقوبات على نظام القذّافي تمشيّا مع السياسة الأمريكيّة التي جرّت معها المجتمع الدولي إعتبارا من عام 1992، وبذلك نُعتت جماهيريّة القذّافي بالدولة المنبوذة والمارقة لمدّة سبع سنوات. ولكن العقوبات الإيطاليّة اقتصرت على الجانب السياسي:(تخفيض عدد ومستوى التمثيل الدبلوماسي- حظر الطيران – حظر تصدير السلاح والمعدّات الستراتيجيّة.- تجميد الأصول الماليّة في الخارج ما عدا تلك الناشئة عن تصدير البترول.. إلخ). دون أن تمسّ المصالح الإقتصاديّة وخاصّة إستمرار ليبيا كسوق أوّل للمنتجات الإستهلاكيّة الإيطاليّة، والأهمّ من ذلك نشاط مجموعة (أيني) البتروليّة وشركاتها والتي مّنحت الإمتيازات منذ 1959 وأخذت (أجيب) تسثمر لسنين طويلة حقول (أبو الطفل) و(الفيل) وتضخّ منها 200,000 برميلا يوميّا بتقديرات السنة الماضية، حتى أصبح الخام الليبي يشكّل ثلث حاجيات إيطاليا من البترول. إلى أن دشّن القذّافي بصحبة اليميني المتطرّف بيرليسكوني في فبراير من عام 2004 مشروع إمداد إيطاليا ب 800 مليون مترا مكعبا من الغاز عبر الأنبوب تحت البحر الذي يمتدّ من منصّة صبراته غربي ليبيا إلى صقليّة، وبتكلفة تبلغ8,5 مليارد أيورو.
لم يكابد زمن العقوبات هذا، وخاصّة في ضائقة العيش اليومي والسفر إلى الخارج، إلاّ الليبيّون العاديّون، أمّا القذّافي وأبناؤه وأقرباؤه و لجانه فلم يكن أسهل عليهم من الإنطلاق بالطائرات من جربه والقاهرة وبالبواخر عبر مالطا.وهكذا استمرّ في ممارسة لعبة الإبتزاز مثل إطلاق التصريحات الجوفاء طالبا التعويضات من إيطاليا، وإرسال أزلامه المجنّدين في أجهزة إستخباراته بالسفن إليها بحجّة معرفة مصير المنفيين الليبيين وقت الجهاد، أو إحياء هذه المناسبات في البلاد وتعليق الشارات السّوداء بشكل متقطّع كلّما عنّ له مزاجه، أو غضب من مسألة شخصيّة في علاقاته مع الإيطاليين. ثمّ تتوقّّف هذه البهلوانيّات لفترات متباعدة، دون إبداء الأسباب، ممّا أفقد الذكرى جدّيتها وجلالها. وتناسى تصريحه للصحفيين الإيطاليين، قبل عقد صفقة (فيات)، والذي أبدى فيه إستعداده للتنازل عن التعويضات إذا ما أبرم صفقة ماليّة مع إيطاليا (1). وأدرك الإيطليّون أن إرضاء طاغية ليبيا يؤتى من موضوع التعويضات هذا في إطار (مصالحة تاريخيّة) تطوي صفحة الماضي، ومن خلالها يتحقّق حلمهم الذي راودهم طويل، وهو الإستحواذ على نبع الغاز الطبيعي، والذي ألمحنا إليه، دون أن يفقدوا شيئا أو يتنازلوا عن شيء..
وسعت إيطاليا نحو هذا الهدف بالتدريج بعد أن سنحت الفرصة بتولّي رومانو برودي(2) رئاسة الحكومة يساريّة النزعة فأبدت إستعدادها لترقية التبادل الدبلوماسي إلى المستوى الكامل مع نظام القذّافي الذي أظهر من ناحيته "مواقف مشجّعة تجاه نظرته إلى الإرهاب الدولي".
وفي نفس الفترة كان زعيم جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا يقوم بوساطته حول تسوية لوكربي، كما دعا البابا يوحنّا بولس الثاني إلى إنهاء الحظر الجوّي على ليبيا. وعلى الرّغم ممّا أثارتها هذه الخطوات من غضب واشنطن ولندن المعلن، غير أن وزير الخارجيّة لامبيرتو ديني زار طرابلس في 7 يونيه 1998 أسفرت عن الإتفاق مع نظيره عمر المنتصر وزير خارجيّة القذّافي عن التعهّد بالتوقيع في أقرب وقت ممكن "من أجل إغلاق ملفّ التراث السلبي للماضي بين البلدين وفتح صفحة جديدة تشتمل على اتفاقات بشأن السياحة والطاقة والنقل والإتصالات والزراعة وصيد الأسماك، ولا تنتهك العقوبات الدوليّة المفروضة على ليبيا التي وافقت حكومتها على التعاون للتخفيف من الإضطراب في حوض البحر الأبيض بما في ذلك محاربة الإرهاب والحدّ من إنتشار أسلحة الدمار" كما ورد في بيان وزارة الخارجيّة الإيطاليّة عقب الزيارة . وواضح أن البيان كان يمهّد لإدخال نظام القذّافي في "الحضيرة" المعروفة، ويبعث برسالة إلى الحليف الأمريكي الأكبر بقرب ترويضه.. وفعلا بدأ تحقيق الهدف ، إذ زار عمر المنتصر روما ووقّع مع مضيفه الإيطالي "وثيقة المصالحة" يوم 4 يوليو وهلّلت لها الصحف الإيطاليّة لأنها حقّقت لهم ما يلي : إلتزام نظام القذّافي بمحاربة الإرهاب ومنع إنتشار أسلحة الدمار الشامل – توافق ليبيا على السماح للإيطاليين المطرودين بالعودة لأغراض العمل والأغراض العائليّة والسياحيّة – أن تسدّد ليبيا ديون الشركات الإيطاليّة المتراكمة. ومقابل ذلك نالت ليبيا ما يلي :أن تتعاون إيطاليا في إزالة الألغام التي زُرعت أثناء الحرب من خلال " إنشاء وحدة متخصّصة مع مركز مشترك لعلاج الضحايا. والبحث عن المواطنين الليبيين المرحّلين إلى إيطاليا" كما تقرّر تأسيس شركة ليبيّة إيطاليّة يتبعها صندوق يموّل جميع هذه الأنشطة وتساهم فيه الشركات الإيطاليّة العاملة في ليبييا من قيمة عمولاتها. يضاف إلى ذلك سعي الطرفين سويّا للبحث عن الآثار والنفائس التي نهبت من مدن الأطلال والمتاحف التاريخيّة وإرجاعها لليبيا. وكان ردّ فعل أفرد الجالية الإيطاليّة المطرودين من ليبيا أن صرّحت جوفانا أورتو رئيسة الجمعيّة التي تمثّلهم :"بأن النصّ على حريّة العودة والعمل تعتبر مواساة معنويّة ولكن ليست عدالة فعليّة" وطالبت باعتراف ليبيا بالإستيلاء على ممتلكاتهم والتي قُدّرتها وقتها ب 400 مليارد ليرة إيطاليّة أي ما يعادل 2000 مليارد ليرة بسعر صرف عام 1998 عند إعلان المصالحة. هذا فيما يتعلّق بالجوانب الماديّة للمصالحة والتي لاحظنا خلوّها من أيّة مزايا ملموسة لصالح ليبيا، وحتى مركز العلاج الموعود به يشارك فيه الجانبان، والصندوق الذي سينشأ للصرف منه تأتي أمواله من عمولات الشركات الإيطاليّة العاملة في ليبيا، وهذا يعني في بلاد وصلت في عهد القذّافي الفوضوي مرتبة متقدّمة في قائمة الرشوة العالميّة، أن هذه الشركات ستضخّم هذه العمولات لتأتي في النهاية من خزائن ليبيا! أمّا فيما يتعلّق بالجوانب السياسيّة والقانونيّة فقد نصّت الوثيقة على ما يلي: "إعراب إيطاليا عن الأسف للأحداث التي مضت، وتصميم الجانبين على إقامة علاقة جوار تستبعد الأعمال العدائيّة مهما كان مصدرها من طرف ضد الطرف الآخر" و"يؤكّد الجانب الليبي أنه لم يعد هناك أساس لنزاع أو جدل حول الماضي" و"الإتفاقيّة مصمّمة لتغلق إلى الأبد الإرث السلبي للماضي على الجانبين، وترسم منهجا جديدا أكثر حيويّة للعلاقات بين الأمّتين". وفي محاولة لتعليق قصير منّا على هذا الجانب، يستوقفنا ما يلي : أن الإعراب عن الأسف أو الحزن وجاء في النصّ الإيطالي Rammarico ، وفي الإنجليزيّة تعني Regret أو Sorrow. والقبول به من الجانب الليبي، قد أبطل أيّة مطالبة منه بالتعويض. لأنه لم ينصّ على كلمة Scusa وبالإنجليزيّة Apology التي تعني طلب السماحة، وهي عادة يرافقها تعويض. ولذلك نلاحظ في النزاعات الدوليّة المعاصرة تجنّب الدول المعتدية في الحروب إستخدامها في الوثائق أو التصريحات الرسميّة، ويحضرنا هنا كمثل على ذلك، عدم تصريح الرئيس الأمريكي كلينتون بها تجاه فيتنام، ورئيس وزراء اليابان كيوسومي تجاه كوريا، وأخيرا الجدل الجاري الآن بين فرنسا والجزائر حول نفس المسألة، لأن هذه الدول تعرف جيّدا النتائج القانونيّة التي قد تترتّب على استعمال الكلمة. وهو ما فات إدراكه من حكّام ليبيا الجهلة .. وقد عزّز الجانب الإيطالي موقفه هذا بالنصّ على "غلق الإرث السلبي للماضي إلى الأبد" و"وتأكيد الجانب الليبي على عدم وجود أساس لنزاع أو جدل حول الماضي". وهي عبارات تحمل معاني لا يخفى مدلولها إلاّ على هؤلاء الجهلاء.
وإذا ما ذهبنا نستقصي رأي السياسيين الإيطاليين في وثيقة المصالحة لرأينا الإنقسام الكلاسيكي الذي يفصل عادة المواقف السياسيّة بين اليمين بأطيافه، واليسار بألوانه خاصة إزاء قضايا العالم الثالث وماضي الإستعمار : ففي الفريق الأوّل أيّدها الزعيم المسيحي الديمقراطي المعروف جوليو أندريوتّي رئيس الوزراء السابق أكثر من مرّة، واعتبرها تاريخيّة:"لأن القذّافي تعهّد بالتخلّي عن الإرهاب، ولم نجد منه ما يناقض ذلك حتى الآن.. وليس علينا أن نشاهد العفاريت في وضح النهار!". وهو بذلك كان يردّ على زعماء اليمين المتطرّف المتحالفين حاليا مع مجموعة بيرليسكوني صديق القذّافي والممثّلين للفاشيست الجدد مثل (ميركو تريماليا) الذي وصف الوثيقة :"بالمخجلة لأنها تريد أن تقلب الحقائق وتعتبر الإستعمار قد جلب الضرر لليبيا!"مطالبا بفحص النصّ من قبل البرلمان. أمّا الفريق الثاني فأشاد بها اليساريّون الديمقراطيّون مثل الناطق باسمهم في الشئون الخارجيّة (أومبيرتو رانييري)الذي قال:"لقد أغلقت نزاعا قديما كان يعرقل استئناف العلاقات الإيجابيّة والجديدة بين ليبيا وإيطاليا". وعن الشيوعيّين الجدد صرّح (رامون مانتوفاني) "لقد شجّعنا دائما الحكومة على انتهاج سياسة مستقلّة في البحر الأبيض لا سيما بالنسبة للبلدان الواقعة تحت المقاطعة الأمريكيّة"(3).على أن الفريق الثالث والذي لعب الدّور الحاسم في تمهيد الطريق للوصول إلى هذه النتائج كان فريق رجال الأعمال والتجارة والبترول، وهم كثيرون بينهم السماسرة والمرتزقة الذين دأبوا على تقاسم الرشاوى والعمولات مع أتباع القذّافي، وبينهم شخصيّات لها مصالح ستراتيجيّة ضاربة الجذور، كالمدير المالي السابق لمجموعة أيني (فلوريو فيوريني) الذي أصبح نزيل السجن بتهمة الفساد، ولكنّه كان يُفرج عنه من حين إلى آخر ليسافر إلى طرابلس ويشرف على إتمام الصفقات، ثم يرجع إلى سجنه بروما!(4) ففي تلك السنين من العقوبات كان أكثر من ثلاثين شركة إيطاليّة لها ممثّلون ثابتون بطرابلس ومئات من المقاولين والباعة صغارا وكبارا في رحلات مكوكيّة، ويبيعون كلّ شيء من الأحذية إلى أنابيب التوصيل وموادّ البناء. ناهيك عن صناعات التجميع بطريقة التشارك مثل حافلات (إفيكو) . وعندما عّلّقت العقوبات من قبل الأمم المتحدة في أبريل 1999 يوم خنع القذّافي وسلّم المتّهمين فحيمة والمقرحي، كان أوّل الزائرين لطرابلس هو لامبيرتو ديني وزير الخارجيّة، وفي يوم 4 أغسطس من نفس العام أعاد الكرّة بمناسبة توقيع عقد أنبوب الغاز المعروف. ولم يكن ديني وزير الخارجيّة الأوروبّي الأول الذي تطأ قدماه طرابلس بعد السنين السبع العجاف، بل إن أوّل رئيس وزراء أوربّي أيضا يزورها كان ماسّيمو داليما، زعيم حزب اليسار الديمقراطي (الشيوعي سابقا) ورئيس الحكومة بتاريخ 2 ديسمبر 1999 ولمدّة 24 ساعة، وقابل القذّافي في خيمته لييؤكّد معه تعزيز روابط التعاون ومواصلة إيطاليا لجهودها حتى تُرفع العقوبات نهائيّا عن نظامه. وبهذه المناسبة أحضر الزائر الإيطالي معه أنفس قطعة سُرقت من الآثار في ليبيا، وهي تمثال (فينوس) ألهة الجمال الذي سطا عليه بالبو عام 1940 من لبدة ثمّ أهداه لقائد سلاح الجوّ الألماني النازي هيرمان جورينج. وقد تمكّنت إيطاليا من استعادته من برلين ورمّمته ، وقام داليما مع محمد المنقوش رئيس وزراء القذّافي بإزاحة الستار عنه في حفل قال فيه داليما :"هذه علامة على الإتصال بين حضارتي البحر المتوسّط العظيمتين لبلدينا". وفي بادرة تصالحيّة أخرى وضع إكليلا من الزهور على شهداء الهاني ضحايا الإستعمار الإيطالي.الذي وصفه بأنه كان فترة قاتمة جاء ليقيم على أنقاضها علاقات تكافؤ وصدافة جديدة.(5)

قلب ظهر المجن
وتلت هذه الزيارات الودّيّة واتفاقات المصالحة مظاهرإيطاليّة على نفس المنوال، مثل عقد الندوات في إيطاليا والتي ندّد فيها الأكاديميّون والمسئولون بفظائع الإستعمار والفاشية الإيطاليّة، ومن بينها الندوة التي التأمت بروما يوم 28/1099 وحضرها مدعوون من ليبيا قيل إنهم أحفاد المنفيين المفقودين، وأخرى لإحياء ذكرى استشهاد شيخ المجاهدين عمر المختار. ولكن القذّافي ما أن حقّق المصالحة الحلم التي طالما داعبت أحلامه، أي مع سيّدة "العالم الحرّ"أمريكا، عقب مسلسل الخنوع والإنبطاح المعروف، وطفق رؤساء أوروبّا الكبار مثل شيراك وبلير وشرودير وأزنار يزورون الخيمة، ويخرجون منها بالعقود والصفقات، حتى قلب ظهر المجن مثيرا من حين إلى آخر قضيّة التعويضات بنفس الأسلوب التهريجي المعتاد، وآخر موضة كانت مطالبته إيطاليا بتعبيد طريق سريع يربط الحدود الليبيّة مع تونس بتلك مع مصر وبقيمة تقدّر ب 6 مليارد دولارا. والواقع وبعد مرور كلّ هذه السنوات الطويلة على إبرام إتفاق المصالحة، لم يطبّق من بنوده شيء يُذكر..فقد أدرك الإيطاليّون عدم الجديّة في مطالبات القذّافي، فمثل هذا الممشروع الذي رماه "عفو الخاطر" كما يقول المثل لا يدلّ إلاّ على الإرتجال والإستهتار . فلوكان رجل دولة مسئولا لسارع بتكوين اللجان القانونيّة والفنيّة من الخبراء تنكبّ على الإتفاقات الموقّعة وتلاحق الإلتزام بها وتطبيقها مع الجانب الإيطالي الذي سيضطرّ إلى الإستجابة، ولكنه لاحظ مثلا في موضوع إزالة الألغام (وهي قضيّة مآسي إنسانيّة تكوّنت من أجلها حملات دوليّة وجمعيّات تطوّعيّة عالميّة) أن إبنه الذي يعدّه للوراثة يصرّح أن هذه الألغام ليست من صنع الإيطاليين ولكنها من صنع الحلفاء أثناء الحرب العالميّة الثانية التي أعقبت الإستعمار الإيطالي! وحين جاء بيرلسكوني في زيارته الثانية لتدشين مشروع الغاز في 12/2/2004 ردّ ردّا مائعا عندما سأله الصحفيّون حول مشروع الطريق مشيرا إلى أنه يحتاج إلى دراسة جدوى. وفي نفس الوقت استغلّ الإيطاليون هزال وهزل القذّافي فطالبوا هم أيضا بديون مستحقّة على ليبيا تجاه شركات إيطاليّة وتقدّر ب 642 مليون أيورو. وجرى ذلك في شهر يوليو 2004 أي بعد زيارة بيرليسكوني، من قبل جمعيّة تمثّل تلك الشركات مدعومة من البرلمان. ومن ناحيته واصل القذّافي مطالباته المشفوعة بالتهديدات ففي 8 أبريل 2005 قرّر عدم عودة الإيطاليين من أفراد الجالية المطرودة إذا كانوا يقلّون عن 65 سنة مما أثار سخط وشجب الحكومة الإيطاليّة، ودفعت بنائب رئيس وزرائها زعيم حزب الفاشيست الجدد (جان فرانكو فيني) يعتبر هذا التصريح إستفزازا يتناقض مع الإتفاقيّات المبرمة، ويستدعي القائم بالأعمال الليبي بروما ليقدّم له الإحتجاج الرسمي، .. وفي نهاية أكتوبر 2005 أعلن القذّافي "يوم الثأر" والحداد في ليبيا على المنفيين، وأعاد وزير خارجيّته شلقم نفس المطالب : معرفة مصير المنفيين وعودة الأحياء منهم (أي بعد أكثر من مائة سنة!) وخرائط الألغام والتعويض والعلاج لضحاياها ..إلخ.. ومرةّ أخرى اغتاظت الدوائر الإيطاليّة واتهم فيني المذكور القذّافي باتباع أسلوب الخداع فهو يُظهر التعاون مع إيطاليا وفي نفس الوقت يقذف بأفواج المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين إلى الشواطيُ الإيطاليّة!. وحتى جوفانّا أورتو رئيسة جمعيّة الإيطاليين المطرودين إعتبرت أن الإتفاقات مع القذّافي "ذهبت هباء منثورا". أما اليسار الديمقراطي فقد عبّر هو الآخر عن إستيائه لهذا التقلّب القذّافي لأن حكومة حزبه هي التي أبرمت أتفاق المصالحة معه، وقال (ساندرو باتيستي) الناطق باسمه "ينبغي أحترام شرف والتزامات الذين وقّعوا الإتفاق"! ضاغطا على حكومة بيرليسكوني لكي "تحصل على الإيضاحات اللازمة".
وعندما ارتكب القذّافي المذبحة أمام القنصليّة الإيطاليّة ببنغازي في 17 فبراير الماضي، ووسط ردود الفعل العيفة التي أثارتها في إيطاليا، فضح تآمره عندما ظهر في التليفزيون الإيطالي في 19 مارس الماضي مطالبا إيطاليا مجدّدا بالتعويضات، وإلاّ فستسوء علاقاتها مع ليبيا، مشيرا إلى أن تدخّل البوليس (أي قتل الليبيين بالجملة) هو الذي أنقذ حياة القنصل: لأن الليبيين يكرهون الإيطاليين بسبب الإستعمار"! ولا ننسى هنا أن شكري غانم الذي جلبه القذّافي واستعمله لفترة كرئيس للوزراء ثمّ لفظه، استقبل يوم 12 فبراير -أي قبل المذبحة بأيّام قليلة- وفدا من مجموعة أيني الذي عرض عليه استعداد الشركة العاملة في استخراج الغاز الليبي لإقامة مشروعات"تعليميّة وصحيّة وسياحيّة" مع تطوير القدرات الليبيّة العاملة في الصناعة النفطيّة . أي أن الإيطاليين ما فتئوا يمارسون نفس سياستهم السابقة مع القذّافي . ولقد شاهدنا على شاشة الفضائيّة الجماهيريّة منذ أسابيع وقبل الإنتخابات الإيطاليّة الأخيرة، مقابلة أجراها مندوبها مع رومانو برودي، االذي عبّر مجدّدا عن صدق نواياه لمواصلة التعاون مع ليبيا – لاحظنا عدم ذكره لشخص الطاغية- وتذليل كلّ الصعاب، إذا ما فاز وتولّى الحكم في إيطاليا، وعندما سأله المراسل عن رأيه في مسألة التعويضات، كان جوابه مائعا أيضا مؤكّدا على ضرورة تكتيل جهود الجانبين لطيّ صفحة الماضي والتوجّه لبناء علاقات المستقبل . أما تصريح بيرليسكوني أثناء حملته الإنتخابيّة والذي قال فيه إن هناك مبرّرا لتنفيذ مشروع الطريق السريع إذا ما أريد حفظ علاقات جيّدة مع ليبيا لأهميّتها البتروليّة. فقد جاء في آخر لحظة، وكأنه استشعر الهزيمة التي مُني بها أمام برودي، فألقى بذلك لفتة حسنة تجاه القذّافي تفتح له فرصة اسئناف (البيزنيس) معه لأنه أغنى رجال إيطاليا ويملك ثلاثمائة شركة، ومهنته في الأساس البناء والتشييد، بما فيه بناء الطرق السريعة! وبقي أن ننتظر ماذا يفعل برودي الذي سيتولّى في الأسابيع القادمة مقاليد الحكم، هل يواصل أسلوب المسايرة و(الطبطبة) على كتف القذّافي، وهو الذي كان أوّل من حقّق المصالحة معه، وقاده إلى السوق الأوربيّة في بروكسيل، وحضر (عرسه) الأفريقي الأخير في سرت؟ أم يقلب له ظهر المجن هو الآخر؟ فلننتظر لنرى. والليالي حبلى بكلّ جديد .

مخضرم
________________________________________________

(1) جاء ذلك في لقائه مع الصحفي جان فرانكو فيني لحساب مجلّة (أوربويو) ونشرته (كورييراي دي إنفورماسيوني) بتاريخ 2 ديسمبر 1976.
(2) يعتبر هذا الأستاذ الجامعي غير المنتمي لحزب معيّن متعاطفا مع بلدان العالم الثالث وقضاياه لإيمانه أن موقع إيطاليا ومصالحها تقتضي هذه السياسة، فشرع منذ عام 1998 في فتح قناة الإتصال المباشر مع إيران التي زارها في أوّل يوليو كأوّل زعيم أوربّي وقابل رئيسها محمّد خاتمي ليعلن "أن إيران اليوم يمكنها أن تلعب دورا إيجابيّا"، وأوفد وزير خارجيّته لامبيرتو ديني إلى الجزائر التي كانت مضرّجة بدماء الحرب الأهليّة، في 12 من نفس الشهر "للمساعدة في العمليّة الديمقراطيّة".
(3) وليس بمستغرب أن هذا الفريق الثاني الذي أنجزت حكومته برئاسة رومانو برودي إتفاقيّة المصالحة، هو الذي فاز في الإنتخابات الأخيرة برئاسة نفس القطب السياسي.
(4) جريدة كورييري ديلاّ سيرا بتاريخ 10 يوليو 1998.
(5) تدليلا على إرضاء الغرب وأمريكا بالتحديد شرع القذّافي في تنفيذ تعهّداته حول مكافحة (الإرهاب)في تلك الفترة فشاركت قوّاته عام 1996 في هجمات عسكريّة مع الجيش الجزائري على مواقع المتمرد السعيد مخلوفي على حدود البلدين قّتل فيها 300 من الإسلاميين. وفي عام 1997 أخذت أجهزة القذّافي تراقب وتطارد الجزائريين المقيمين في ليبيا أو الذين يعبرون الحدود إلى الجزائر، إذ سلّمت المئات منهم للسلطات الجزائريّة بتهمة تهريب الأسلحة . ومن ناحية أخرى برهن القذّافي للحكومة البريطانيّة عن صدق قطعه للعلاقة مع الجيش الجمهوري الأيرلندي، حيث سلّم إليها ما لديه من ملفّات حول شحنات أسلحته التي دعّمه بها سابقا.


         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home