Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mukhadram

Sunday, 18 March, 2007

   
   

إصلاح المستحيل ..
رشّ الملح عـلى جروح قديمة!
(6) ـ الأخيرة

بقلم أليسون بارقيتر ـ مجلّة (الإقتصاد السياسي الأفريقي) لندن 2006

ترجمة وتعـليق : مخضرم

"سمح النظام أيضا لبعض الأعمال التجاريّة الخاصّة بالعمل، وهي أغلبها من المنشآت ذات النطاق الضيّق مثل الفنادق والمطاعم ومقاهي الإنترنيت أو متاجر البيع بالتجزئة، ورغم ذلك فقد جرى التعهّد بأن مسيّري هذه الأنشطة لا يمكنهم التوسّع فيها إلى درجة هامّة. وثمّة البعض الآخر الذين اعترضت مشاريعهم البيروقراطيّة والتعقيدات الشكليّة،وحتى بعثة صندوق النقد الدولي لاحظت في تقرير لها عام 2005 أن لقطاع الخاص يعاني ممّا أسماه : "منظومة قواعد معقّدة،وسوق عمل مضيّق عليه في الحركة وتركة من السياسات المتعاكسة المتناقضة"، يضاف إلى ذلك المعوّقات التي يجدها الليبيّون في الحصول على القروض لتسيير أعمالهم. ولقد طرح القذّافي عام 2003 خطّة بموجبها يستطيع أيّ ليبي أن يحصل على قرض بدون فوائد من الدولة حتى ينشيء مشروعا تجاريّا. ووسّعت الخطّة بحيث تشمل شراء ملك كوسيلة لخلق سوق ملكيّات خاصّة، إلاّ أن الخطّة سرعان ما اكتنفتها المشاكل، ليس فقط بسبب البيروقراطيّة التي لا نهاية لها في عمليّة تقديم الطلب والحصول على الموافقة، بل لأنها تحوّلت إلى مدعاة للفساد. والليبيّون طالما اشتكوا من أن على الواحد منهم أن تكون له معرفة بمن هم في النظام لكي يمنح القرض فعلا، وأولئك الذين لهم هذه الصلات تهيّأ لهم أن يحصلوا على عدّة قروض وبأسماء مختلفة. والقذّافي بنفسه ربط بين منح القرض والولاء للدولة، مثلما قام به عندما أعطى روابط الشباب مسئوليّة أكبر في هذه العمليّة. وهكذا فالذين هم في أعلى السلَّم الإجتماعي من الصفوة الليبيّة، إتضح أنهم إستطاعوا تخطّي العديد من العقبات التي يواجهها غالبيّة أبناء الشعب. وبذا فالمستفيدون الأوائل من إنفتاح ليبيا الجديد على المجتمع الدّولي كانوا : عائلة القذّافي والآخرين ذوي المناصب العالية في النظام. وقد تمكّن أبناء القذّافي وأبناء البارزين في النظام من تحقيق فوائد تجاريّة هائلة، كانت هي التي خلقت البيئة الدّوليّة الجديدة في مجال الأعمال : فمحمّد القذّافي مثلا يمتلك كلا شركتي التليفون النقّال، ليبيانا والمدار، وكذلك الشركة العامّة للبريد والإتصالات. والسّاعدي القذّافي ذُكر بأنه يمتلك شركة بناء باسم "واثقون" تعاقدت على تنفيذ مشروعات بناء ضخمة عبر أنحاء ليبيا . وهانيبال القذّافي يمتلك مساهمات كبيرة في قطاع النقل البحري، وحسب مصادر المعارضة الليبيّة يمتلك كامل شركة النقل البحري الوطنيّة. وعلى الرّغم من أن سيف القذذافي أكّد في فبراير 2006 أنه لا يريد لليبيا أن تتّبع المثل الرّوسي وتكون بلادا أوليجاركيّة – أي تحكمها قلّة تستغلّها ماليّا - فهو كإخوته لديه جملة من المصالح التجاريّة تبدأ من الإعلام (مثل شركة وان ناين ميديا) إلى قطاع البترول (مثل شركة وان ناين بيتروليوم) إلى غير ذلك من الشركات، كما أنه يمتلك شركة الطيران الخاصّة الأولى في البلاد (البراق) ويشاع أنه في طريق إنشاء شركة طيران خاصة أخرى تحت إسم (وان ناين للطيران). وعلى نفس المنوال إستطاعت رموز أخرى من النظام أن تحقّق مصالح من خلال جوّ التحرّر الجديد. وتدّعي أطراف من المعارضة في الخارج مثلا أن شخصيّات نافذة قد إشترت أراضي وأملاكا إستباقا للحصول على أرباح جديدة في السّوق الليبي. وهكذا فعلى الرّغم من الإنفتاح الذي حدث، فثروة ليبيا تظلّ بإحكام في قبضة هذه الصفوة الصغيرة. وفوق هذا كلّه فعلى الرّغم من إعادة النظام لتأكيداته أنه يريد تخليص البلاد من الفساد،فإن إفتقاد الشفافيّة في الصفقات التجاريّة بين هؤلاء القريبين من القيادة أصبح وباء منتشرا بين أنحاء المجتمع الليبي.
وفي تقريره السنوي للعام 2003 إنتقد صندوق النقد الدّولي النظام الليبي لاستخدامه الميزانيّة الإضافيّة (وهي ما يسمّيها القذّافي بالمجنّب) فيما يزعمه من أغراض،وجاء في النقد "إن هذا الصرف جرى تنفيذه على قواعد مزاجيّة خارج إشراف ورقابة أجهزة الميزانيّة". فمنذ مجيئه إلى السلطة استند القذّافي بكلّ ثقله على فرض الأبويّة كوسيلة لتأمين الولاء له. فمثلا أرقى أنواع السيّارات منحت لأعضاء الجهاز الأمني الذين بدورهم باعوها إلى آخرين لقاء الحصول على الرّبح. وهذا النوع من الأبويّة خلق بيئة سمحت للمسئولين بأن يوزّعوا الأموال والعطايا، ممّا مكّنهم من تأسيس إقطاعيّاتهم الشخصية الصغيرة،وهذا النوع من السلوك امتدّ أيضا إلى أعضاء الوزارة، ولم ينجو منه معسكر الإصلاحيين..وبذلك فإننا نرى أنه بالرّغم من حملته ضدّ الفساد فالتساؤلات تطال أيضا دور شكري غانم في هذا المضمار.
وفي الحقيقة فقد صار الفساد متداولا بين الليبيين حتى أنهم تعوّدوا على الإتصالات خارج المكاتب الرسميّة لكي ينجزوا أعمالهم،فدفع الضرائب مثلا يجري بشكل تعسّفي وجزافي، وأصبح الناس يدفعون الرشاوى بانتظام للموظّفين والمسئولين حتى يوافقوا على المبلغ الذي يقرّرونه من هذه الضرائب، ومن ثم أصبح القطاع العام ضحيّة لهذا الضرب من الفساد. وقد اشتكى غانم شخصيّا من أن هناك أعدادا ممّن سمّاهم "المستخدمين الأشباح" الذين يتسلّمون رواتب من الدولة دون أن يزاولوا العمل فيها،كما أن رواتبا دُفعت لعدّة سنوات لأشخاص لم يوجدوا قطّ.. ولاحظ غانم أيضا في مارس 2006، أن إعتماد الناس على الدولة وفّر بيئة مناسبة لأولئك الذين لديهم روابط مباشرة مع المسئولين ذوي النفوذ حتى يمتلكوا المساكن والمزارع والإمتيازات الأخرى. وقد شدّّد – وهو محقّ - على أنه حتى ينجح الإصلاح الحقيقي فيجب أن تتغيّر عقليّة أفراد الشعب الليبي. ففي آخر أيّام رئاسته للوزارة صرّح بالملاحظة التالية : "إن أوّل وأهم مقتضيات الإصلاح هو العمل بقوّة على تغيير تفكير النّاس،أي عقليّتهم وثقافتهم التي يمكن تلخيصها في شعورهم بأن الدولة هي والدهم وضامنهم الذي عليه أن يدفع كلّ شيء من أجلهم، وأن يوفّر لهم السّكن والعلاج والعمل والأشياء الأخرى".
وربّما كان هذا إعترافا قد جاء متأخّرا، بأن مَهمّة الإصلاح في ليبيا، قد أصبحت خارج دنيا الإمكان.."

الملخّص
"وبناء على ما تقدّم يمكن القول إن عمليّة الإصلاح في ليبيا أُعيقت نتيجة لغياب الإرادة السياسيّة من أعلى سلطة. وهذا الغياب نابع من أن النظام مسكون بهاجسه الأمني المرجّح بقوّة على مقتضيات الحاجة إلى التغيير. وخطاب الإصلاح يهدف إلى خلق الإنطباع على أوسع نطاق بأن إصلاحا حقيقيّا وشيك الحدوث،بينما ظلّت الهياكل الأساسيّة على ما هي عليه. وفي الحقيقة فإن الملاحظات التي أبداها (ديرك فانديرواللّي) حول تجربة النظام الإصلاحيّة القصيرة في الثمانينات،ما تزال صحيحة. فقد لاحظ مثلا أن :"تدابير ليبيا الإصلاحيّة التي اتخذتها بعد عام 1987 أُتخذت بالدرجة الأولى كوسيلة للتخفيف من وطأة الشكاوى مع حماية النظام السياسي. وفي هذا النظام لعب عامل تعظيم رمزيّة القيادة وإضفاء الجاذبيّة عليها، دورا هامّا، ولأن النيّة كانت متجهة إلى القيام بحملة لتلميع سمعة الثورة اللييبيّة في عيون الخارج والدّاخل بغية جلب بريق جديد لتجربة سياسيّة مشوّهة."
وعلى ذلك فإن نتيجة القصور في الرغبة في الإصلاح جعلت الليبيين محبطين بصورة متزايدة إزاء شذوذ دولة تمتلك دخلا ملحوظا من عوائد النفط، ورغم ذلك فهي عاجزة عن تقديم حتى الضرورات الأساسيّة لشعبها. وفي حقيقة الأمر يعي الكثيرون أنه بغضّ النظر عن التدفّق المتجدّد للشركات الأجنبيّة على البلاد، فإن الإختلال الإجتماعي بين السكّان إزداد تفاقما، وفي كثير من الأحيان تدهورت أوضاعهم الشخصيّة. وبالنسبة لمعظمهم فإن شعارات الإصلاحيين تبدو وكأنها لا تزيد عن كونها وعودا فارغة من شأنها رشّ الملح على جروح قديمة.
إن هذه الإحباطات والتوقّعات الخائبة هي التي أدّت في نهاية المطاف إلى الإنفجارات الغاضبة التي وقعت في بنغازي في فبراير 2006."

خاتمة من المترجم
هكذأ أنهت الباحثة الإنجليزيّة دراستها (وهذا تصحيح لما ذكرناه في أوّل الحلقات من أنها أمريكيّة). وهي دراسة معمّقة ومستندة على توثيق من نصوص وشهادات مسئولين ومواطنين ليبيين، بما فيهم عناصر المعارضة الوطنيّة في المهجر، قابلتهم الباحثة وذكرت إسماءهم والمراجع التي نقلت عنها في هامش الدراسة التي قامت بها داخل البلاد في الفترة من 2004-2005. ولكنها كما نرى جدّدت معلوماتها وبياناتها حتى يونيو 2006. ويبدو أنها كتبتها إهتماما ومتابعة لتداعيات إنتفاضة بنغازي في فبراير 2006، والمذبحة التي ارتكبها نظام القذّافي ضدّ شبابها.. وكما قرأ القاريْ فالباحثة رصدت بدقّة وحلّلت ببراعة وصدق مسيرة ما أطلق عليه إصلاحات القذّفي وإبنه، متتبّعة مسيرتها منذ عام 1987. أي منذ عشرين سنة والقذّافي يحاول خداع الشعب الليبي والعبث بمأساته بسلسلة من الخزعبلات المتقطّعة، مرّة تشاركيّات وبنوك أهليّة وقروض مجّانيّة، ثمّ توزيع الثروة البتروليّة على هيئة دولارات، ثم تغييرها برؤوس أغنام. ومن حين إلى آخر يتيسّر له إستدعاء أحدهم من أمثال غانم والبغدادي ليضفي طابعا من الجديّة المزيّفة على مشاريعه، فيغرقهم في مباءة الفساد والفوضى بين زمرة عبيده من الغوغائيين. ثم يطلق العنان لإبنه ينشر التعهّدات بتكوين مجتمع ديمقراطي ينعم بالحريّة والإزدهار، ولكنّه قائم على أساس من الديمقراطيّة الشعبيّة الجماهيريّة المباشرة، وربما تعديلها لتكون مثل كانتونات سويسرا الخمسة عشر تسترشد بالإستفتاء ( أنظر تعليق كاتب هذه السطور بعنوان ـ أنتظروا مشروع سيف السرّي ـ على موقع ليبيا وطننا الوطني الرّائد بتاريخ الأول من يونيو 2004 ) ليأتي والده بعد ثلاث سنوات ويبشّر الليبيين بثلاثين ألف كومونة بدلا من ذلك، ويتركه ينثر الوعود على الشباب والمحرومين من منحهم سيّارات وأجهزة كومبيوتر ومساكن وقروض إسكان ومزارع، إلى أن ختمها الوالد بشهادات إستثمار هزليّة لا تساوي الورق الذي كتبت عليها، مع إسئثاره هو وعائلته بالشهادة الأولى! وإذا كانت مثل هذه الخدع، وهمّها الأول هو إطالة حكم الطاغية في جماهيريّة قذّافيستان، وضمان توريثها لأبنائه، قد رحّب بها المرتزقة والباحثون عن الربح السهل بما فيهم أكاديميّون وعلماء مرموقون، إلاّ أن أمثال (أليسون بارقيتير) الباحثة الجديّة كاتبة هذا البحث، إحترمت أمانتها العلميّة وعبّرت بصدق عن حقيقة العبث الفوضوي الذي ترتع فيه الجماهيريّة. ولا يستغرب المرء إلاّ لبعض الأقلام التي تكتب بمداد من الزئبق، فتتملّق موضوعة الإصلاح وتلوي معانيه وتزيّف مفاهيمه لتسير في الجوقة النفعيّة، فتتعرّى حقيقتها وتنال هزؤ الشرفاء ولعنة الأجيال..

ترجمة وتعـليق : مخضرم


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home