Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mukhadram

Sunday, 17 December, 2006

متى تـنهار ليبيا القذافي نهائيّا بلا رحمة؟
( خواطر عفويّة عن أحوال وطني )

بقلم : حافظ إبراهيم الغويل(*)

ترجمة : مخضرم

مرّ حتى الآن 37 عاما على استيلاء العقيد القذّافي بالإنقلاب العسكري على السلطة في ليبيا،وهو بذلك أجهض تكوّن الدولة التي بدأت غداة الإستقلال في ظلّ مملكة إدريس السنوسي. وحتى عام 1969 كانت عمليّة تشييد الدولة هذه تخطو خطواتها الأوّليّة،خاصة بعد أن تدفّقت عائدات النفط على الدولة المحرومة إعتبارا من سنة1964. في تلك السنوات كانت ليبيا تُحكم بدستور جرى تبنّيه عبر عمليّة مشاورات طويلة ضمّت في إطارها كافّة أنحاء وشرائح البلاد،وبمجلس منتخب للنوّاب،وبها هامش من الحريّة كانت تُحسد عليه من أغلب البلدان العربيّة. لقد تمتّعت البلاد بصحافة حرّة ناهضة،ودرجة من التسامح السياسي تجاه المنظّمات السياسيّة والمهنيّة،وحركة عمّاليّة وطلاّبيّة نشطة. وأقامت بها طائفة واسعة من الخبراء غربيين وعربا،والذين أحضروا معهم كميّة هائلة من الخبرات والمهارة لصالح المدن الكبرى على وجه التحديد. والأهمّ من هذا كلّه أنها كانت دولة ليست لديها أجهزة أمن ومخابرات لكي تتجسّس وتسجن وتعذّب المعارضين السياسيين.
ولإن لم تكن البلاد دولة حرّة ديمقراطيّة بالمعنى المتعارف عليه،إلاّ أنها بلا شكّ كانت تتحرّك على هذا الطريق،وفي اتجاه نظام ملكيّة دستوريّة كالنموذج البريطاني. غير أن نهاية الستّينات جلبت معها أيضا إلى ليبيا شعار القوميّة الطنّان الملتهب للقائد المصري جمال عبد الناصر،ممّا أجّج عواطف الشبيبة الليبيّة حيث اعتبرت الملك إدريس وحكومته عملاء للأمريكيين والبريطانيين،الذين كانت لهم قواعد عسكريّة كبيرة في ليبيا،والذين كانوا وما برحوا حتى الآن المساندين الرئيسيين لإسرائيل. وهكذا كانت الملكيّة الليبيّة،لا سيّما بعد الهزيمة المنكرة لعبد الناصر عام 1967،تبدو جليّة وكأنها أداة وخنجر في ظهر الإتجاه القومي المتمركز في مصر متصدّيا لتوسّع واستعمار الدولة الصهيونيّة،والتي تدعّمها نفس الدول الغربيّة التي تملك قواعد عسكريّة على الأرض الليبيّة،أكثر منها حكومة شرعيّة تحتضن تطلّعات وقيم المواطنين في ليبيا والوطن العربي الكبير. وكان فشل الملكيّة الليبيّة في تفهّم الإرهاصات الخطيرة ومواجهتها،وافتقارها لوسائل الإضطهاد حتى تكبحها،قد أدّى حتما إلى أن يصبح السكّان متلهّفين على التغيير وراغبين في تأييد من يقوم به كائنا من كان،ومن بين هؤلاء مجموعة صغيرة من الضبّاط العسكريين ممّن كان تعليمهم متدنيّا ومستواهم الإجتماعي هابطا،ولكنّهم مثّلوا نسخة ثانية أصغر سنّا من ناصر وزمرته. وهذا- كما تراءى لي شخصيّا على الأقلّ- قد طبع البصمة الأولى فيما سُمّي بالقصّة الليبيّة. لقد كانوا أنصاف متعلّمين (ليبيين) إستوردوا حلاّ خارجيا لمشكلة ليبيّة غير موجودة،فارضين إيّاها على البلاد بكاملها. علما بأن عبد النصر،في آخر المطاف،كان منتوجا للتجربة التاريخيّة المصريّة الفريدة،والتي سيطرت على الحياة السياسيّة المصريّة إبّان تحوّلات القرن العشرين،وأدّت إلى حدوث ثورة 23 يوليو 1952،التي جاءت به و"بضبّاطه الأحرار" إلى السلطة. بينما كانت لليبيا ثقافة وتجربة سياسيّة مختلفتان في تلك الفترة من الزمن،ولم يكن لها نفس التجربة التاريخيّة والنسيج الثقافي.
وتدليلا على ذلك شهدت السبعة والثلاثون عاما من حكم القذّافي – من سبتمبر 1969 حتى يومنا هذا- الكثير من الحلول الإقتصادية والسياسيّة نصف الناضجة،والتي فُهمت بسطحيّة من القذّافي بصفة خاصّة. وهي الحلول التي تمّ استيرادها لحلّ مشاكل ليبيّة غير موجودة،ولكن جرى ضغط البلاد وعصرها لكي تفصّل عليها هذه "الحلول النهائيّة" - التعبير الذي يحلو للقذّافي ترديده على لليبيين - والذي أدّى إلى نشأة مؤسّسات غير شرعيّة بالمرّة، وهياكل حكومة عاجزة فاسدة وفوضويّة.
ولا يختلف عن ذلك ما يُطلق عليه حاليا "الإصلاح الإقتصادي" والذي وُعد به الليبيّون،أي المزيد من الحلول المستوردة،وفي هذه المرّة من الشركات الإستشاريّة الخاصّة،التي لا تتورّع خلقيا عن أن تبيع للقيادة الليبيّة، ومن يتربّص لوراثتها،قطع الحلوى في سماء "الحلول الإقتصاديّة" لما يجب أن تكون عليه ليبيا عام 2019 بدون سيقان على أرض الواقع، وخالية من أسس الإقتصاديّات الجديّة، وبالتأكيد بلا شعور من تاريخ وثقافة البلاد التي يرسمونها على الورق، لمجرّد إرضاء تخيّلات قيادة فقدت الصلة، ليس فحسب بالبلاد وبالعالم، بل وبالواقع نفسه.
إن تفصيل المشكلة لكي تلائم الحلّ، والتي أخذت في ليبيا أبعادا تراجيديّة، ولو أنها تبدو أحيانا مثيرة للهزل، قد أدّى إلى أن تصبح البلاد اليوم منهكة،وبكلّ المقاييس دولة تقطّع نياط القلب،وتشهد على حالة الإفلاس الخلقي والفكري المشين لقيادتها،ولكنّها،فوق ذلك،حالة دولة لا تسمح حتى بالترّحم على انهيارها النهائي. لمجرّد سبب بسيط هو : أنها تدرّ عوائد نفط كافية،كفيلة بتغطية جميع هذه الثقوب التي تعتور واقعها،ولأن هناك في العالم دولا وشركات وأفرادا بلغ بهم الجّشع مبلغ الإستعداد لأن يبيعوا لها أي نوع من الدّواء،أو بالأحرى أدوات للإضطهاد وما يلمّع من سمعتها لإطالة عمرها. فالأوزّة التي تبيض ذهبا لا يُسمح لها بأن تموت،إلى أن يخرج كلّ ما بها من ذهب.. وكدولة،فليبيا اليوم بدون البترول،هي ببساطة عبارة عن عمليّة عبث رياضي... إستحالة حقيقيّة .. بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى!

ترجمة : مخضرم
________________________

(*) مشرف موقع "ليبيا نيوز ليست"
     واشنطن ـ 28 أكتوبر 2006


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home