Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mukhadram

Thursday, 13 April, 2006

مغـزى الخـطوة الأمريكيّة وأبعـادهـا

مخضرم

المغـزى :
قبل أن تجرف موجات التهليل والتهويل نظام قذّافيستان وأدواته، ويشرع في إقامة إحتفالات البهجة والحبور عن"الإنجازات العملاقة" التي أحرزها "القائد" بحكمته، جرّاء الخطوة الأميريكيّة الأخيرة بترتيب التمثيل الدبلوماسي على مستوى سفير بعد أن كان على مستوى مكاتب إتصال، أو قائم بالأعمال، يتعيّن التوضيح للكثيرين أن العلاقات الدبلوماسيّة المتبادلة إستؤنفت منذ تاريخ "الإنبطاح القذّافي" فهناك دبلوماسي أميريكي يرعى مصالح بلاده في طرابلس، مقابل دبلوماسي ليبي يرعى مصالح نظامه في واشنطن..والجديد في الأمر، حسب الفقه الدبلوماسي، أن ترقية التمثيل ليصبح بدرجة سفير من شأنه أن يعطي السفير إمتيازات له ولبعثته لا تتوفّر جميعها لبعثة على مستوى قائم بالأعمال أصيل أو بالإنابة. وأهمّها أن السفير يحقّ له مقابلة رئيس الدولة الموفد إليها مباشرة ليبلغه أمورا تخصّ العلاقات بين البلدين، إضافة إلى امتيازات وحصانات بروتوكليّة أخرى ليس هنا مجال تفصيلها. وما تفوّه به عبد الرحمن شلقم (وزير خارجيّة القذّافي) عقب الإعلان عن الخطوة، من أنّها تمّت بجهود واتفاق بين الجانبين وليس من الطرف الأمريكي فقط، الذي لا يستطيع بمفرده إعلانها، لا يدلّ إلاّ على جهل أو كذب أو مغالطة مفضوحة، فكم من مرّة عبّر هو نفسه ـمثل سيّده الحاكم بأمرهـ عن الحسرة لعدم مكافأتهم عمّا قدّموه من "خدمات ثمينة" لدعم حرب بوش ضدّ "الإرهاب"، بما فيه تسليم المطلوبين وقوائم الأسماء والتنظيمات التي تعاملوا وتعاونوا معها وكشفوا أسرارها عبر ثلاثة عقود من الزمن، إضافة إلى تسليم برامج أسلحة الدمار الشامل مع القائمين عليها وشبكتها التي شملت باكستان وإيران وكوريا الشماليّة وغيرها (وهو ما أكّد عليه ديفيد ويلش مساعد وزيرة الخارجيّة الأميريكيّة في بيانه الذي أعلن الخطوة مكافأة للقذّافي على هذه الخدمات مطالبا الدول المذكورة بالإقتداء بها). وكلمة "مكافأة" التي اعترض عليها شلقم في تصريحهـ بزعم أن تسليم البرامج تمّ بمحض الإرادة الليبيّةـإستعملها سيّده القذّافي تحديدا في مقابلاته لزوّاره الأميريكيين الكثر بدأ بأعضاء الكونجرس، إلى وفد جهاز الإستخبارات C.I.A ألبرت كالاند نائب رئيسها في نوفمبر من العام الماضي. ولقد شاهدت مساء الإعلان برنامج محطّة CNN الذي قدّمه الإعلامي المعروف "جوناتان مان" عن الموضوع، والذي بدأه بملاحظة أن الإعلان لم يصدر عن الرئيس الأمريكي بنفسه، بل لقد لاحظنا نحن أنه حتى وزيرة الخارجيّة إكتفت بإصدار بيان قُريء نيابة عنها، وتركت مساعدها يعقد مؤتمرا صحفيّا حوله. وهذه جميعها علامات حرج وتردّد إكتنفت الموقف الأميريكي في الإعلان عن الخطوة. وبعد أن أكثر البرنامج من عرض صور الحرائق وحطام لوكربي وغيرها، أعاد بثّ مقابلة أجراها الإعلامي الأميريكي في العام الماضي مع حاكم قذّافيستان وهو يرتدي زيّا أخضر مزركشا، ويهشّ بمروحة من سعف النخيل، ويضع نظّارات سوداء صبيانيّة تذكّر بعيني ميكي ماوس.. ويكفي الإشارة في العبارات القصيرة التي تبادلها معه قوله، ردّا على سؤال عن إنعدام الديمقراطيّة في بلاده، إن من يقول هذا الكلام يعرّض نفسه للحبس! كما أعيد بثّ برنامج أجراه منذ عامين مراسل نفس المحطّة مع سيف القذّافي (الرائد المزعوم لمبادرات الإنفتاح والإصلاح)، مصاحبا له على شاطيء البحر وفي سيّارته و(فيلته)، ليتمتّع المشاهد بردود تناثرت من بين شفتيه بلغة إنجليزيّة غير مفهومة وممزوجة بضحكات لا سبب لها.. ثمّ يجري "جوناتان مان" لقاء مع علي الأوجلي القائم بالأعمال الليبي في واشنطن، وأهمّ ما جاء فيه مناقضة على طول الخطّ لما قاله قبله بدقائق رئيسه شلقم، وهو أن ليبيا طالما تطلّعت إلى هذه الخطوة وانتظرتها طويل، وعجز عن الردّ على سؤال المذيع عن سبب تفجير لوكربي رغم تكراره، مقتصرا على القول إنها صفحة ماضية وانطوت. ليختتم البرنامج بظهور السيّدة الأميريكيّة بيرينجستاين أرملة أحد ضحايا لوكربي، والتي رفضت تسلّم تعويض عشرة مليون دولار، منتقدة الخطوة الأميريكيّة الجديدة ومصرّة على وجوب محاكمة القذّافي وعبد الله السنوسي على الجريمة النكراء، ولن تتخلّى عن ملاحقتهما قضائيّا، ولم تنس التنديد بسجن المعارضين الليبيين، وعلى رأسهم فتحي الجهمي دليلا على استبداد القذافي وقمعه للديمقراطيّة وحقوق الإنسان. وما قد يحلو للقذّافي وزمرته أن يفرحوا به هو إزالة جماهيريّته من قائمة "الدول الرّاعية للإرهاب" التي تصدرها وزارة الخارجيّة الأميريكيّة سنويّا. ولكن هذا في حدّ ذاته كان السوط أو العصا مقابل الجزرة ومفعولها يمكن أن يتأتّى بأساليب أخرى كما سنرى..

الأبعاد :
لقد بذل القذّافي ـلاسيّما في السنوات الثلاث الماضية بعد الإنبطاح الشهيرـ محاولات ذليلة واستعمل جميع أساليب التملّق والمداهنة و"طلب القربى" دون أن يخجل من إصدار التصريحات المشبعة بالنفاق للسيّد الأمريكي، موسّطا رؤساء عرب مرتشين ومبتزّين له، وأفارقة متسوّلين على خيمته لكي يُحذف إسمه من القائمة. وعندما أبرز له سيّد البيت الأبيض قضيّة الممرّضات البلغاريّات، دون أن يسمح له باستخدامها للإبتزاز مقابل إزالة إسمه من القائمة، بل أصدر الأمر الصريح له بالإفراج عنهن، وقع في حيص بيص واحتال بالإجراءات القانونيّة لتمرير لعبته، بعد أن أبان عن النيّة للإنصياع لأمر بوش، ومن ناحية أخرى عاد إلى ممارسة أساليبه القديمة في التهجّم والتشهير الكلاميين ـمستغلاّ إلتهاب الوضع الذي خلقته صرامة المقاومة الإيرانيّة وشجاعة قيادتهاـ وكذلك صمود سوريا أمام إستهدافها، فأمسينا نرى زيارات الضيوف التافهين لمنزله الذي هدمته "الغارة الوحشيّة الأميريكيّة الفاشلة" بل والإحتفال ـ إعلاميا ظاهريّاـ بموسيقى مطرب البوب الأمريكي الشهير أمام المنزل إحياء للذكرى، وتنديدا بالعدوان، بينما اختار نفس التوقيت لإقامة حفل زفاف إبنته الباذخ، والذي جاء المطربون في الحقيقة لإحيائه مأجورين بملايين الدولارات. وبذلك تسنّى له أن "يشرح لها عالحالتين"! وهكذا جرى قطع إرسال بثّ الحفل من فضائيّته..

ولكنّه من ناحية أخرى أوعز لإبنه ممارسة التملّق الرّخيص طيلة هذه المدّة وآخره قوله الذي نشرته مجلّة "نيويوركير" خلال الأيّام القليلة الماضية، والذي جاء فيه "إن الأمريكيين سيأتون لحماية ليبيا عندما تتعرّض للمتاعب، وإذا غزت مصر ليبيا فإن الولايات المتحدة ستتدخّل لوقف هذا الغزو!" أرأيتم كيف يكشف عن سرّ أبيه وحقيقة نظرته لمصر ورئيسها الذي ما فتيء يزوره مع مخابراته ويكثر من الإتصال الهاتفي به للتشاور في قضايا القارّة و"القضايا الدوليّة ذات الإهتمام المشترك"؟! فمن يحترم من الآن فصاعدا الذي سيتحدثّ عن علاقات الأخوّة والإحترام المتبادل والمصير المشترك والتعاون الوثيق والتكامل ووووو من القائدين الأخوين وطاقمهما؟ واستطرد الإبن المستهتر كأبيه قائلا :"إن الليبيين متوجّسون من أبي مصعب الزرقاوي في أن يكوّن خلايا لمهاجمة المصالح الأميريكيّة في ليبيا وشركات البترول والمدارس الأميريكيّة(؟) وهذه كارثة بالنسبة لنا لأننا نحتاج الحضور الأميريكي" ثمّ ربط التصريح بعد ذلك بين الغضب الذي يشعر به نظام قذّافيستان لعدم إزالته من القائمة المشئومة، وبين تغيير شكري غانم لأنه أخفق في ذلك .. وهذا قول يفضح فعلا دسائس ونوايا خبيثة ما تزال هذه العائلة تتوهّم أنها تستطيع بها إستمالة السيّد الأمريكي المنفلت لحماية مملكتها البتروليّة إلى أبد الآبدين.. وبالنسبة لنا ليس هناك إلاّ تفسيران لهذا التبجّح الرّخيص : إمّا أن ما هدّد به سيكون سلاحا تستخدمه هذه العصابة وقت الحاجة، وتلصقه برمز الإرهاب المذكور ـ ولنا في المذبحة التي ارتكبتها امام القنصليّة في بنغازي دليلا مشابهاـ ولذلك فعلى أميريكا الحضور وتسلّم مقاليد الأمور لتطمئنّ العصابة بقضّها وقضيضها في ظلّها. وتصبح جماهيريّتها محميّة أميريكيّة "عيني عينك" أمام البعيد والقريب!

وإمّا أن الأميريكيين قد استكملوا خطّتهم وشرعوا في تنفيذها، بعد مشاورات ولقاءات مكثّفة مع صنّاع القرار في واشنطن الذين مثّلهم أعضاء الكونجرس العديدون ومسئولو جهاز الإستخبارات الذين تزاحموا على خيمته كما أوضحنا سلفا. وهم محيطون بالحالة الصحيّة المتدهورة لرأس النظام، وعليهم أن يعدّوا لامتطاء الجواد الجديد، وكما سبق الذكر، فتواجد سفير بجهاز قويّ سيفاجأ الشعب الليبي بضخامته وقدرته على التغلغل والإمتداد، كفيل بتحقيق المهمّة..أمّا ما سيشاهده أبناء هذا الشعب المتفرّجون قريبا جدّا، فهو إنطلاق الأنجال في أصقاع ومدن ناطحات السحاب العالم الجديد الذي طالما سال لعابهم في الحديث عنه، وأقضّت مضاجعهم رؤيته والتمتّع بماهجه اللامحدودة.. ولكن لن يكون هذا هو الثمن على المدى المتوسّط أو القصير، وهو ما علّمته سياسة أميريكا في المنطقة منذ ستين عاما!

مخضرم


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home