Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mukhadram

Thursday, 13 July, 2006

Love, Loss And All Points In Between

الحبّ والخسران... وبينهما نقاط!(*)

ترجمة وتعـليق : مخضرم


هشام جاب الله مطر حديث لندن السّاخن في صيفها القائظ!

هذا هو العنوان الذي اختاره ستيفن موسّ المحرّر الأدبي لصحيفة (الجارديان) البريطانيّة، أعرق وأهمّ صحف اليسار الليبرالي، لمقالته بتاريخ29 يونيو الماضي عن ظاهرة أدبيّة هزّت الأوساط الأدبيّة البريطانيّة هي النابغة الليبي الشّاب هشام جاب الله مطر . وقدّمت الصحيفة للمقالة بالفقرة التالية : "لقد جرى إخفاء والد هشام مطر من قبل البوليس السرّي الليبي .. لقد شُنق أصدقاؤه ؛ لقد سُجن أقرباؤه. هل يعني ذلك أن ما يستطيع الكتابة عنه هو عذاباته؟ ستيفن موس قابل الرجل الذي صنع أشدّ روايات الصيف سخونة.." وهكذا بدأ الكاتب حواره وتحليله :
((لمَ لا يكون هشام مطر في أقصى سورات الغضب؟ في عام 1990، عندما كان طالبا في لندن، خُطف والده الذي كان معارضا ليبيّا يعيش في القاهرة. وقد أُخذ الى طرابلس وسُجن وعُذّب. لقد هرّب عدّة رسائل من داخل سجن أبو سليم تفصّل ما تعرّض له من معاملة، ولكن انعدمت أخباره منذ عام 1995. ولابدّ أن يكون انعدام الأخبار هذا مريعا.. فكيف يقاس هذا مع الشّاب الوسيم الملتزم الصبور؟ إقترح مطر – الذي احتُفي بروايته الأولى كالحدث الأدبي لهذا الصيف، بأن نلتقي في (منتزه بارك هولاند)، على الحافة الغربيّة لوسط لندن. ولا شك أن هذه كانت طريقة لإبعادي عن المجيء إلى شقّته المؤجّرة التي يقيم فيها مع زوجته المصوّرة الفتوغرافيّة والأمريكيّة المولد، ولكنها كانت طريقة مناسبة أيضا. فهو غالبا ما يتمشّى هنا صباحا قبل البدء في الكتابة. وحسب توضيحه : "إنها تدخل فيّ السكينة.. ثمّة دائما مشكلة عندما تشرع في الكتابة، ففي بعض الأحيان تحتاج إلى أن تحلّ عقدة الرواية، وتارة أخرى فإن منظرا قد يوحي إليك بأشياء..". إن الرواية التي هيّجت النقّاد مستمدّة من طفولة مطر المضطربة، بيد أنها تشيح عنها أيضا. لقد وجدت هدوءه أمام قضيّة خطف والده مثيرا للإستغراب، وهو مالم يمنعني من مناكدته بشأنها. لماذا لا تذهب إلى ليبيا، حيث يُفترض أن الأبواب التي أُغلقت طويلا بدأت تنفتح فيها الشقوق، فتبحث عنه وتحاول معرفة ماذا حدث له؟ كان الجواب :"ربّما إذا ما شاهدت قصّة رامبو مرّات قليلة قد أقتنع بالفكرة.. لكنّ الحياة لا تسير هكذا. وفي جميع الأحوال، إن العودة تجعلني أشعر بارتكاب خيانة تجاه الكثير من معارفي. لدي أقرباء كثيرون في ليبيا هم نزلاء السجن- ثلاثة من أبناء العمّ وعمّ، أصدقاء قُتلوا شنقا من الرقبة.."
من الطبيعي أن يحدث الغضب نتيجة النخس. لقد استعاد الفراغ في منعرجات حياته :"إنك لا تعرف مصير هذا الشخص الذي يمثّل مركز حياتك، ويستمرّ أفقك في الإنسدال..في البدء تنشد العدالة، ثمّ ترغب في رؤيته، والحديث إليه. وأخيرا لا تريد حتى هذا- وكلّ ما تريد معرفته هل هو حيّ أم ميّت.."
سنة 2003 كتب مطر مقطوعة مؤثّرة للجنة العفو الدوليّة عن مفعول إختفاء والده في نفسه ونفس والدته وأخيه الأكبر، الذي مايزال يعيش في القاهرة. وفي وقت مبكّر من هذا الشهر ظهر بجانب (هارولد بينتر) و(توم ستوبّارد) في مناسبة ذات مستوى راقي أحيتها (مراقبة حقوق الإنسان) في رويال كورت. إنه لا ينفر من التفاعلات السياسيّة لقصّته، غير أنه أيضا لا يقبل أن يعرّف بها. فرُعب السبعينات في ليبيا يبدو في الرواية خلف ستارة المسرح (وراء الكواليس) وليس لُبّها الصميمي. وبدلا من ذلك ففي متن الكتاب ثمّة صبيّ يكابد لكي يفهم- وفي نهاية المطاف يفرّ من المجتمع المغتمّ برهاب الإحتجاز (الخوف النفسي من الإختناق) والذي وُلد فيه. قال هشام "لقد وددت أن أكتب كتابا لا يتعلّق بالسياسة .. فأنا كما أظنّ من طلاّب الشهوة والذّائقة الجماليّة، وليس لي في الحقيقة اهتمام بالسياسة، غير أن السياسة كانت جزءا من النسيج. عليّ أن أقول شيئا عنها، وإلاّ كانت كل القوى التي شكّلت هذه الشخوص تجريدا محضا".
إفتتن مطر بالطريقة التي يهرب بها الناس من"القصّ العظيم" لأنه يقولبهم– البلاد، الدين، الأسرة، الموروث. لقد أُرسل الصبي سليمان ذو التاسعة من العمر إلى مصر من قبل والديه، حتى يتفادى الخدمة العسكريّة اللاّحقة؛كما أن مؤلّف الكتاب غادر ليبيا عندما كان في التاسعة، حين ظهر إسم والده في قائمة الذين قرّرت الحكومة إستجوابهم. هربت الأسرة؛وكان على البوليس السرّي الليبي الإنتظار إحدى عشرة سنة لكي يقوم بالإستجواب. كيف كانت الروابط بين الشخوص والمؤلّف؟- وُلدوا جميعا عام 1970، لقد تعيّن عليهم أن يجعلوا حياتهم كمنفيين- وهذا واضح. لكن مطر مصرّ على أن الكتاب أكثر من أن يكون سيرة حياة. "فسليمان وأنا مختلفان في جوانب كثيرة" يقول هشام "فكونه الإبن الوحيد مهمّ جدّا، فهذا المونولوج الداخلي استمرّ معه طول الوقت، بينما كان لي أخ اتخذته كأنموذج لي ورافقته معظم الوقت. فقد كان بطل سباحة، محاطا دائما بالأصدقاء والكثير من أبناء العمومة، وإذن فلم تكن هناك عزلة. يضاف إلى ذلك أن سليمان كان رهيفا عاطفيّا وأمّه متقلّبة المواقف لعبت دورا كبيرا في حياته، حيثما كانت أمّي وأبي كلاهما مستقيم يُعتمد عليه. وما استعملته كان من خلال منظور الولد. والمناظر الطبيعيّة كانت مألوفة لي، كما الزمن في السبعينات، حيث كنت آنذاك حاذقا. لقد استشعرت أن ثمّة أشياء لا يمكنك البوح بها. كأن تجلس حول مائدة الأكل، وينبري أحد الأعمام بالحديث فيغرق الجميع في الصّمت، حيث تذكّروا فجأة أن معهم ولدا ربّما نقل معه الكلمات إلى مكان آخر، ومن ثم قد يُعتقل أحد..". والفرق الجوهري الآخر أن والد سليمان كان ناشطا في الحياة السياسيّة السريّة بليبيا، بينما لم يكن مطر كذلك. لقد كان دبلوماسيّا سابقا-إذ وُلد بنيويورك لمّا عمل والده في البعثة الليبيّة بالأمم المتحدة- تمّ استهدافه بالذات لأنه كان من مثقّفي الطبقة الوسطى ورجل أعمال ناجحا. ولم يصرّح بمعارضته للنظام إلاّ عندما غادرت الأسرة ليبيا عام 1979 ويصرّ مطر على أن الرواية، بالرّغم من تصويرها لانفصال سليمان ذي التاسعة عن والديه، ليست تماما عن إختفاء والده. فالكتاب عن هذا الإختفاء، كما يقول مطر، سوف يتمّ تدوينه، ويعلم أنه في يوم ما سيقوم بكتابته.
لم يعد هشام مطر إلى ليبيا منذ 1979، وهو يصف الكتاب في جزء منه أنه "أنشودة حبّ" لمهد طفولته، غير أن هذا العالم انمحى كما يقول. وعاش هو مع أسرته في مصر إلى أن بلغ الخامس عشرة ثمّ التحق بالمدرسة الداخليّة في بريطانيا – لأن التعلّم في الغرب كان واجبا ضروريّا لدى طبقته. فدرس الهندسة المعماريّة في كليّة جولدسميثس، وفي العشرين من العمر شرع في إدارة التتطبيقات العمليّة الشخصيّة . إلاّ أن الأدب كان يناديه : فنظم الشعر، والشعر امتزج كيمائيّا وتحوّل إلى نثر فنّي.. ويقول هشام :"لقد صارت المقطوعات الشعريّة التي نظمتها متأثّرة أكثر فأكثر بالسّرد والقصص المحكيّة.. وحينما طفقت في الكتابة ظننت أنني أنظم قريضا، وإذا به ينتهي إلى أن يكون مشهدا في الكتاب يظهر فيه سليمان وهو يقتطف التّوت، وشعرت بان هيكل القصيدة يعيد هيكلتي فقد كتبته كشعر" ثمّ بدأت الرواية في التشكّل، وصارت هاجسا يسكنه، كان يستيقظ في الخامسة صباحا ليكتب، ومن ثمّ يذهب لعمله. بيد أن الكتاب سيطر عليه؛وجعله يترك الهنسة المعماريّة ويتخلّى عن ممارسة تطبيقاته الشخصيّة، وأن يمتهن أعمالا متنوّعة : وكانت جميعها بالنسبة إليه غريبة مثيرة – ممثّل، بنّاء، مجلّد كتب- وذلك حتى يسدّ حاجاته، وفي الحقيقة كان قليلا ما يسدّها. وهنا يقول هشام :"الفكرة الرومانسيّة عن الكاتب المفلس زائفة .. إنه لأمر فظيع، وأنا أكره أن أكون مدينا، وأكره التململ الذي يعتريني لمعرفة من أين نستطيع دفع الإيجار لذلك الشهر. ومن المحمود أن لي زوجة مساندة جدّا ذات عقيدة شاركتني جنوني.. لقد توصّلت بمكالمة من وكيلي (يعني أن دار نشر بنجوين اشترت الرّواية كدفعة مكوّنة من ستة أرقام في صفقة لكتابين إثنين) وذلك في الوقت الذي تأهّبت فيه للذهاب إلى مالك الشقّة لأقول له : "عليك أن تضيف إيجار هذا الشهر إلى ما نحن مدينين لك به. لقد جاءت الصفقة في اللحظة الحرجة". ولم يكن لدى هشام ما يكفي في كارت الهاتف حتى يتحدّث مع زوجته ويخبرها بالنبأ السّار، وقام مالك الشقّة بذلك بدلا عنه (إنه كان قدّيسا حقّا)!
إذا كان خطيرا نشدان التساوق بين الحياة والفن، فإنه من المستحيل مقاومة الإرتباط بأحدهما .. لقد وجد سليمان نوعا من السلام في القاهرة؛متجاوزا آلام المنفى . "ما أذهلني هو التحرّر من الشعور تجاه ليبيا" هذا ما يقوله بطل الرواية حينما بلغ طقس مسيرته الختام، ويضيف "التعصّب الوطني دقيق كالخيط الرّفيع- ربّما لهذا السبب يحاط بمنتهى القلق" . والظاهر أن مبدعه لديه نفس الشعور. إنه في غمرة معارك في عدّة أمكنة ممّا أشعره بعدم الإنفصال؛فهو في الوطن بلندن، مدينة السعداء الرّاغبين في اللّذة. يقول هشام :"مهارتي تتبدّى في أنني ما أن تحطّ بي الطائرة في مدينة لم أزرها من قبل، حتى أتخيّل أنني وُلدت هناك والموت فيها سيكون أمرا شاذ .. وتقريبا أوّل ما يتبادر إلى ذهني إحساسي الشديد بانعدام جذوري". فمطر مثل سليمان يهرب من سرده الكبير، وامتلك انتقامه في التدليل على أن الشرّ لا يكسف الشمس.))

تعقيب من المترجم :
على الرّغم من واجباتي الكثيرة تجاه القرّاء الكرام، كأن أواصل المتابعة والتحليل لهموم الوطن، إلاّ أن هذه المقالة شدّت انتباهي، فآثرت أن أعرّبها، إذ لأوّل مرّة يجري الإحتفاء في إحدى كبريات العواصم الأدبيّة العالميّة، بحدث صوّرته الصحيفة الشهيرة بأنه أشدّ الأحداث الأدبيّة سخونة وقد تجلّى في ميلاد روائي ليبي في عالم المنفى. فنحن هنا بصدد كاتب نابغة خرج من أحشاء المأساة الليبيّة، ولست في حاجة إلى التعريف بوالده المناضل الوطني جاب الله مطرالمغيّب المخطوف من قبل نظام قذّافيستان الهمجي مثله مثل منصور رشيد الكيخيا وعزّات المقريف، فمأساتهم لن يندمل جرحها حتى تنكشف الحقيقة وينال المجرمون الذين اقترفوها جزاءهم العادل.. وها هو ذا إبن جاب الله ينبعث ليصوّر لنا المأساة ويرسم تضاريسها وأعماقها بريشة فنّان فائقة الرّوعة، ولو عن طريق غير مباشر، فدشّن بذلك باكورة أدب المعارضة الليبيّة في المهجر الذي احتلّ صدارة الوسط الثقافي العالمي. ولا مراء في أن تحليل الناقد البريطاني قدّم صورة صادقة عن معاناة أبناء المعارضة: التشرّد في فجاج العالم، الكدّ من أجل اللقمة، بمزاولة أية مهنة شريفة، والعجز عن دفع إيجار المأوى، ورغما عن ذلك يحصل على شهادة مهندس معماري(هل يذكّركم اللقب بالأبناء المنعّمين المستهترين المبتذلين العابثين بأموال الشعب والجالبين للفضائح لوالهم ونظامه تلك الفضائح التي تتبارى بها صحف مثل الجارديان أيضا؟) ثمّ تلتمع العبقريّة فتنجب كاتبا عالميّا سيكون له صيت عظيم، وماذا كانت بداية موضوعاته؟ إنها ملحمة الحياة الليبيّة بين براثن الإستبداد القذّافي المتخلّف.. وبما أن الشيء بالشيء يُذكر – كما يقولون- فقد شاهدنا منذ أسابيع قليلة أن أوّل عمل دشّن به وزير الثقافة الجديد في همجيّة قذّافيستان (وهو بالمناسبة كان أوّل من استنّ أسلوبا جديدا في الذلّ والخنوع لسيّده، إذ شاهدناه يكبّ مقبّلا يديه على طريقة جنرالات ووزراء المغرب في تقبيل يدي مولاهم الملك!) أن وقّع مع (الروائي العالمي إيّاه) إبراهيم الكوني عقدا بمئات الألاف من الدينارات لطبع مئات الآلاف من رواياته التي تربو على الخمسين. وكأن هذا السفير الدائم لأكثر من ثلاثين سنة على ضفاف الفولجا والدانوب، واليوم على سفوح وجبال الألب الثلجيّة، وأديب السلطة الذي يكتب عن الصحراء القاحلة وأشباحها وطلاسم الميتافيزيك مدفوعة من خزانة الشعب الليبي المنهوبة، قد أصبح في حاجة إلى مزيد من الثراء حتي يبرم عقدا كالعقد بين دولتين. أو أن رواياته قد نفذت في الأسواق، بينما الحقيقة المطموسة تقول إنه يعرضها للبيع بأقلّ من خمس دولارات للمجلّد الضخم منها (ما يعادل ثمن الغلاف والصور المزخرفة فيها)، لأنها بائرة ولا تجد من يقتنيها..ومن يماري في ذلك سأصدمه بقائمة كاملة بالصور والأسعار البخسة المعروضة من دار النشر! فماذا يعني هذا كلّه سوى السرقة والتزييف والبهتان؟
وقد تكون لنا عودة لرواية هشام جاب الله مطر التي طلبناها بعد أن خرجت طبعتها الأولى في الأيّام القليلة الماضية فقط (6 يوليو الجاري) باسم (بلاد الرجال) من إصدار Viking والثمن 13 جنيها إسترلينيّا، ويمكن طلبها بالهاتف لدى مكتبة Guardian bookshop ، رقم الهاتف : 0044-0870-836-0875

ترجمة وتعـليق : مخضرم
________________________

(*) بعد أن ختمت هذا المقال فاجأنا الأستاذ الأديب صلاح الحدّاد الشريف بنشر تقريظ نقدي للرواية على موقعنا الزّاهر (ليبيا وطننا) فكان سبّاقا وموفّقا، فجازاه الله خيرا إذ فضح التدليس الذي لجأ إليه موقع معروف طالما ساير نظام قذّافيستان، فكتب عرضا للرواية دون أن يفصح عن الإسم الكامل السليم للمؤلّف النابغة، وسمّاه هشام الله مطر إمعانا في التعمية وتحاشي ذكر والده المناضل الليبي المخطوف!. أمّا (الآخرون) فليستفيقوا ويتركوا لغو الكلام، ويتجاوبوا على الأقلّ، وهو أضعف الإيمان!


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home