Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mukhadram

Monday, 12 June, 2006

Circle Of Fire

         

دائرة من النّار (6) (الأخيرة)(*)

بقلم : أندرو سولومون
مجلّة "نيويوركير" الأميريكيّةـ 8 مايو 2006م

ترجمة وتعـليق : مخضرم

أينما ذهبتُ في ليبيا،وجدت المعارضة ضدّ سياسة الولايات المتحدة تلطّفها الحفاوة التي يلاقيها الأفراد الأمريكيّون. والإصلاحيّون بين الجيل الأكبر سنّا متشوّقون لسماع أنباء المدن التي كانوا قد درسوا فيها: في كانساس، تكساس، كولورادو (ومعظم المتشدّدين الذين قابلتهم لم يسبق لهم زيارة الولايات المتحدة). وكثير من الليبيين عبّروا عن الأمل في تحسّن العلاقات مع العالم الخارجي، لسبب بسيط هو أن تجربة النبذ التي مرّت بها البلاد كانت موحشة. لقد قضيت صباح أحد الأيّام مع محامية حقوق الإنسان عزّه المقهور، وهي إمرأة مدهشة لها شعر إنسيابي وابتسامة دافئة، وكانت لتوّها عائدة من مؤتمر حقوقي في المغرب. وكان والدها شخصيّة هامّة في سياسة ليبيا ما بعد الثورة، وهو ما منحها تفاوتا عن غيرها، إذ كانت غافلة تقريبا عن العوائق التي جعلت النساء الليبيّات محجّبات الرأس وحبيسات المنزل.. سألتها كيف تشعر إزاء الولايات المتحدة ،فقالت لي : من الصعب عليها أن تكون موالية للأمريكيين غداة انتشار الأخبار عن (أبو غريب) و(جوانتانامو) "لا يمكنك أن تتصوّر كيف نقدّس أفكار أمريكا" قالت ذلك وألقت بنظرها على الأرض، وكأنها تتحدّث عن أحد الأقرباء الذين ماتوا مؤخّرا، وأضافت : "نحن لم نرغب في شيء أكثر من أن نكون معكم، هذه الديمقراطيّة الغنيّة الفاتنة. ولكننا الآن نتساءل من هذا الذي يعطينا دروسا في الحريّة؟ أعني إذا ما فاجأت قِسّيسك المبجّل على السّرير مع عاهرة، فهل تعتمد عليه في أن يوصّلك إلى باب الجنّة؟". والسيّدة المقهور ما برحت تأمل في أن تجعل إبنتها الشّابّة ترى الولايات المتحدة، رغم أنها قالت إن إبنتها تسألها، مرّة في الأسبوع على الأقلّ، كيف تسير الأمور بين ليبيا وامريكا، وكانت تجيبها :"إنها ستكون كعلاقة الأحبّة" فتتعجّب الإبنة وتسأل "هل يمكننا إذن زيارة ديزني لاند؟" وكان عليها أن تجيبها "ليس بعد يا حبيبتي"..

في ثقافة غير نامية سياسيّا واجتماعيا،من المدهش أن تملك ليبيا إنتيليجنتسيا {فئة مثقّفة} نشيطة تنظر إلى مجتمعها باستسلام وسُخريّة. والذين قابلتهم ومِلت إليهم، أكثروا من توجيه الدعوات إلىّ وتقديمي إلى أصدقائهم وعائلاتهم. ولقد حضرت حفلة عيد ميلاد في بيت أحد الليبيين؛ الذي أعدتّ لنا زوجته وليمة،ومكثتُ معهم ومع أبنائهم حتى منتصف الليل لمشاهدة أفلام سينيمائيّة. وقبل يوم من مغادرتي للبلاد أخذني بعض الأصدقاء حتى ساعة متأخّرة من الليل لاحتساء الشاي وأعطوني زيّا ليبيّا تقليديّا كاملا مكوّنا من قميص طويل وصدريّة مطرّزة وطاقيّة سوداء قصيرة كهديّة للوداع. والحياة الإجتماعيّة تتّسم بشكل رئيسي بالخصوصيّة. وطرابلس مشبّكة بطرق مزدوجة؛ والبنزين مدعوم، ولعدم وجود حانات أو نوادي،ولأن صالات عرض السينما والمسارح قليلة، فإن أكثر هواية لتمضية الوقت هي قيادة السيّارة؛ وترى النّاس يطوفون حواليهم لعدّة ساعات. وخصوصيّة السيّارة تزيد من جاذبيّتها، غير أنه في معظم الأحيان، فطرق طرابلس المزدحمة ليلا، توفّر التغيير للمواطنين المتعطّشين للتسلية واكتشاف الجديد.. وإذا لم يقودوا السيّارات فمعظم الليبيين يقضون سهراتهم داخل البيت بدلا من المقهى، جزئيا بسبب غياب المرأة والكحول في الأمكنة العامّة. لقد تناولت أول كأس خمر لي في ليبيا بعد أن قام أحد الأصدقاء بمكالمة هاتفيّة لعقيد في الجيش وسأله : "هل لديك حبّات رمّان؟" (من الحكمة إستعمال التورية اللفظيّة في دولة بوليسيّة) وكان الردّ بالإيجاب، واتجهنا بالسيّارة صوب ضاحية مدينة صغيرة، إلى بيت أبيض اللون ذي شرفة عريضة،بجانب طريق قذر. وحسب الطريقة الليبيّة بُني البيت بالإسمنت المسلّح والطلاء الأبيض،ولكنّه آيل للتصدّع. وجلسنا على مقعد وثير طويل ملوّن تحت أضواء ساطعة في حجرة واسعة الأرجاء. وكان المكان مؤثّثا بقطع من آسيا الوسطى، حيث تلقّى مضيفنا تدريبه، وكذلك نقوش لدببة وصنّارات سمك. واستمعنا إلى مزيج من ألحان (شيرلي باسّي) تُعزف على آلة القانون، واستنشقنا التبغ بالتناوب من نرجيلة طولها خمسة أقدام. وكان العقيد، وهو ليبي فارع الطّول إنبساطي يتحدّر من أسلاف جنوب الصحراء، يقدّم لنا شرابا مخمّرا من صنع البيت، من عيار ثمانين في المائة قوّة مسكرة جافّة لدرجة يمكنها أن تزيل ليس لون الأظافر فقط بل الأظافر كلّيّة، وذلك على طاولة مغطّاة بقماش مطرّز بإسراف، وعليها مشروب الفانتا والبرينجيلس. لقد كان الجوّ يوحي بذكريات حفلات السُّكر أيّام الدراسة الجامعيّة.. وسألت صديقي ماذا يكون شعوره لو شرب إبنه الخمر،فضحك وقال "هو أمر حتمي" ثم سألته ماذا بالنسبة لبناته، وهنا تجهّم وقال "إذا ما شربت بناتي فسوف أضطرب تماما، بل وأغضب حقّا، لأنه لو اكتشف النّاس أنهن يشربن، فسوف يظنّون أنّهن يتمتّعن ربّما بحيويّة جنسيّة، وبالتالي يتحطّم أملهن في الزواج". ثمّ قابلت إمرأة ليبيّة تعمل في شركة (أليتاليا)، وهو عمل أحبّته ولكنها تشعر بعدم تسامح زوج ليبي تجاهه،واستطردت "كان عليّ أن أختار بين الزواج والحياة، ولهذا اخترت الحياة. وأغلب النساء هنا اخترن الزواج. إنه أمر عائد إلى الذّوق". وهذه القيود لا ترجع إلى القوانين ـ ففي مسألة السّواسيّة بين أفراد الجنس البشري (Gender) تعتبر القوانين متقدّمة على كثير من البلدان العربيّة ـ ولكنها ترجع إلى نمط السلوك الإجتماعي. والقذّافي يتقبّل هذه العادات، ولكنه طالما وصف مجتمعه الخاص بكونه "متخلّفا" (وهو تعبيره المفضّل للإستهجان)؛ وقد اشتكى لي أحد المثقّفين الليبيين بالقول "إذا ما استمعت إلى كلماته، فسوف توافق على أنه يكره الشعب الليبي".

وبينما يقمع القذّافي القوى الديمقراطيّة على اليسار، فستجده أشدّ وحشيّة تجاه القوى الإسلاميّة على اليمين، وحقيقة الأمر أن معظم ضحايا النظام السياسيين في العقود القليلة الماضية كانوا أعضاء في الجماعات الإسلاميّة التي حظر نشاطها، بما فيها "الإخوان المسلمون". وفي عام 1988 أُغلقت المعاهد الإسلاميّة في ليبيا ـ حوالي خمسون معهدا ـ لمّا احتجّ شيوخ الدّين على تفسيرات القذّافي "المبتكرة" للقرآن، ورفضه لكلّ الأحاديث والسنّة التي جاءت بعده، كما أعلن القذّافي أن الإسلام سمح لأتباعه بمخاطبة الله مباشرة، وأن فقهاء الدّين هؤلاء هم وسطاء غير ضروريين.. وبعد سنة شبّه المتشدّدين الإسلاميين "بالسرطان والطّاعون والأيدز". وحتى يُغيظ "حماس"، وكانت في السّابق مستفيدة من هباته السخيّة، بلغ به الجدال في السنوات الأخيرة، إلى القول إن الفلسطينيين ليس لهم أن يزعموا ملكيّتهم لأرض إسرائيل، ودعا إلى إنشاء دولة مزدوجة الجنسيّة وأسماها إسراطين ـ تضمن سلامة الفلسطينيين وكذلك اليهود،الذين استبعد أن يكونوا أعداء للشعب العربي، بل نسباء توراتيين له (ربّما هناك بعض الإعتراضات على الإسم)، ثمّ سمح لنفسه بالقول "إنهم عاجزون لا يضرّون، وسطحيّون".

وفي مارس الماضي، كان يتحدّث عن طريق الأقمار الصناعيّة إلى مؤتمر في جامعة كولومبيا، مرتديا ثوبا أرجوانيّا أمام خارطة لأفريقيا، فقال : إنكم تسألوننا لمَ تضطهدون المعارضة في الشرق الأوسط؟ لأن المعارضة في الشرق الأوسط مختلفة عن المعارضة في البلدان المتقدّمة. ففي بلداننا تتخذ المعارضة شكل التفجيرات، الإغتيالات، القتل... إنه دليل على التأخّر الإجتماعي". وعند هذه النقطة، على الأقلّ، يميل المتشدّدون والإصلاحيّون إلى التقارب. فقد قال لي وزير الخارجيّة شلقم "الأصوليّون يمثّلون تهديدا لأمنكم، ويمثّلون تهديدا لطريقتنا في الحياة. إنهم ضدّ المستقبل، ضدّ العلم، الفن، المرأة والحريّة. إنهم يعودون بنا القهقرى إلى العصور الوسطى. أنتم تخشون أفعالهم؛ ونحن نخشى الأيديولوجيّة التي تختبيء وراء هذه الأفعال. حسنا، إقرأ القرآن لمدّة ساعة في اليوم، فهذا يكفي؛ ولكن إذا لم تقرأ أيضا الهندسة والطبّ والتجارة والرياضيّات، فكيف يمكنك البقاء؟ غير أن الناس يحسبون أنه كلّما كان إسلامك غليظا، كان أسهل العثور على الأتباع". والخوف من الإسلام الراديكالي سهّل تفسير لمَ قامت السلطات بالقمع العنيف للمظاهرات التي اندلعت في فبراير في بنغازي بسبب الرسوم الكاريكاتوريّة الدانيماركيّة للنبيّ محمّد {ص} وما قام به وزير إيطالي من إرتداء قميص يصوّر الرسوم. وقد قُتل أحد عشر شخصا من قبل الشرطة، وانتشر العنف في أكثر من مدينتين أخريين في القسم الشرقي من البلاد، حيث كانت سيطرة القذّافي على السلطات دائما ضعيفة.. وقام سيف بإضافة صوت محلّي إلى الرأي العام العالمي، إذ قال "لقد كان الإحتجاج خطأ، وتدخّل الشرطة ضدّ المتظاهرين كان أكثر خطأ". وحتى والده تبرّأ من "التخلّف" الذي شاب ردّ فعل الشرطة، ولكنّه أراد بصفة رئيسيّة أن يصرّ على أن الإضطرابات لم تقم بفعل الحماس للإسلام؛ ناهيك بسبب عدم الرضا على النظام؛ ولكن استثارها السخط على تاريخ الإستعمار الإيطالي. (أكثر من ربع مليون ليبي ـ ربما يشكّلون ثلث السكّان ـ هلكوا كنتيجة للإحتلال الإيطالي، والكثير منهم في معسكرات الإعتقال). وقد حذّر القذّافي قائلا "لسوء الحظّ كان يمكن أن تكون أكثر من بنغازي واحدة" أو حتى "أكثر هجمات في إيطاليا"،إذا لم تعرض روما تعويضات، مضيفا إنه سيهدّيء الأمور إذا ما قامت إيطاليا ببناء طريق مزدوج عبر ليبيا، يكلّف حوالي ثلاثة مليارد أيورو. وعلّق وزير الخارجيّة الإيطالي جان فرانكو فيني أن هذا : ليس تهديدا مبّطنا كثيرا" وزاد "لقد قلنا إننا نريد وضع الماضي الإستعماري مع ليبيا خلفنا بصفة نهائيّة. ومازال هذا موقفنا بكلّ وضوح وشفافيّة. ونحن نتوقّع موقفا مشابها متناغما من الزعيم الليبي". وحينما قرأت هذا التعليق على مطّلع على الشئون الليبيّة، إنفجر ضاحكا وقال: "حظّا سعيدا يا مستر فيني"! بينما ادّعى زعماء المعارضة الليبيّة في المهجر أن القذّافي رتّب الإضطرابات ليعتصر امتيازات من أوربا، ولكنها توسّعت وخرجت عن السيطرة. وفي ليبيا نُظر إلى الموضوع بدرجة كبيرة على أنه إقتصادي ـ شعب ناقم وشباب عاطل عن العمل محتاج للتنفيس عن غضبه. وكانت أبرز نتيجة للإضطرابات إعفاء رئيس الوزراء شكري غانم. (أُعطي منصب في مؤسّسة البترول الوطنيّة). وكانت ثمّة إشاعات ـ عندما كنت في طرابلس ـ بأن غانم سيفقد وظيفته في تعديل وزاري؛ والإنفتاح الذي بدا ينتعش عندما تقابلنا، لم يُسعد القائد. ولقد قال لي أحد مستشاري القذّافي "إن شكري ارتكب ثلاثة أخطاء: الأولى، أنه نسب الإصلاح لإسمه الشخصي وضجّ بالشكوى علنا من القيادة، وفي ليبيا إذا أردت إنجاز أيّ شيء عليك أن تُخفي نفسك، أن تتسامى على أنانيّتك. والثانية، ظنّ أن مركزا قويّا مع الغرب سوف يضمن له الإحتفاظ بالسلطة، ولم يفهم أن الغرب لا يُعتدّ به كثيرا هنا. ثالثا، فشل في كسب الشعب الليبي؛ فلم يُبد أنه كان منشغلا بمعاناته... في الشارع ثمّة ارتياح لذهابه ـ ولو أنه لا يوجد تعاطف تجاه البديل. وخليفة غانم هو المتشدّد التكتيكي البارع البغدادي المحمودي "بالنسبة للقيادة سيكون من الأسهل عليها أن تُحدث التكييف الإقتصادي، حيث أن الإصلاح سيأتي واضحا ومباشرة من القيادة، ولا يبدو وكأنه إعتراف بأن القائد كان مخطئا، أي تميّز في نوع من المنافسة..

لقد كان التغيير في رئاسة الوزارة ، طبعا، إنبعاثا لسلطة القذّافي: أي مزيدا من خضّ كيس الجرذان.. والعديد من الوزراء ـ بما فيهم البترول والطاقة ـ تمّ إستبدالهم، مع البعض الذين أُزيحوا عن مناصبهم التي ظلّوا فيها لعقود من الزمن. وقرار وزارة الخارجيّة الأمريكيّة في مارس الماضي،ببقاء ليبيا في قائمة الإرهاب، كانت إنعكاسا للمشكلة وساهمت فيها معا ،وأثارت سخط الليبيين داخل وخارج السلطة.

ولأن مكانة غانم القويّة هي إفتراض سهولة تفاهمه مع القوى الغربيّة، فإن إخفاقه في إزالة ليبيا من قائمة الإرهاب،ساعدت في تأكيد إستبداله بشخص متشدّد. لقد وُصف لي البغدادي المحمودي بأنه فاسد ماليّا، ولكنه مخادع، دقيق التخطيط ومثابر جدّا على العمل. وقال عنه أكاديمي أمريكي ـ ليبي "إنه تيكنوقراطي ليبي إبن اللجان الثوريّة ويعمل بجهد جهيد لتمجيد سياسات القائد، هل هذا يعني أن الإصلاح سيتباطأ؟ حسنا.. لقد تحدّث شكري غانم جيّدا عن الإصلاح، ولكنه أنجز قليلا إلى الحدّ الذي لا مجال بعده للنكوص والإرتداد. والمحمودي يدرك أن الإصلاح الإقتصادي يجب أن يتقدّم وهو سيفعل ذلك من أجل القائد. لأنه ليس مهتمّا إطلاقا بالإصلاح السياسي والإجتماعي، وسوف يترك للقائد أمر تحسين العلاقات مع الغرب". ولقد قيل إنه بتعيين متشدّد،فبعض الصراع الداخلي سوف ينحسر. "كما أن سلطة أحمد إبراهيم سوف تتقلّص أيضا" حسبما قال لي أحد مستشاري سيف، مشيرا إلى نائب أمين مؤتمر الشعب العام. وسيعتمد سيف على نفسه: "فقد بلغ السنّ الكفيلة بتحقيق ذلك". أمّا أحد المثقّفين الليبيين فقد قال : "نحن نصف العالم القريب من القائد بدائرة من النّار.. إذا اقتربت منها فسوف تبعث فيك الدّفء؛ وإذا أمعنت في الإقتراب الشديد فستقع في اللهب. ودائرة النّار تضمّ كلا الإصلاحيين والمتشدّدين" . ________________________________________________

(*) سيتبع ذلك التعليق.

ترجمة وتعـليق : مخضرم


         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home