Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mukhadram

Monday, 5 June, 2006

Circle Of Fire

         

دائرة من النّار (4)

بقلم : أندرو سولومون
مجلّة "نيويوركير" الأميريكيّةـ 8 مايو 2006م

ترجمة وتعـليق : مخضرم

في معظم الأحيان، عندما يتحدّث الليبيّون عن الديمقراطيّة فهم لا يتصوّرون الإنتخابات، بل الخصوصيّة الفرديّة، مزيدا من فرص التعليم، ونشر حريّة التعبير. "الديمقراطيّة هنا تعني أن القيادة تولي إهتمامها وتناقش، وفي بعض الأحيان تقبل أفكار الآخرين." كما قال الزليطني كبير المخطّطين الإقتصاديين. وفي رأي القذّافي الديمقراطيّة الإنتخابيّة هي طغيان نسبة الواحد والخمسين في المائة ـ وممّا يذكر أنه كتب أن المواطنين في الديمقراطيّة من الطراز الغربي "يتحرّكون بصمت نحو صناديق الإقتراع مثل حبّات المسبحة، لكي يضعوا أصواتهم بنفس الطريقة التي يرمون بها النفايات في صندوق القمامة." وصرّح مؤخّرا ـ وليس لأوّل مرّة- أن الديمقراطيّة الغربيّة "سخيفة" و "مزيّفة." و"لا توجد دولة ديمقراطيّة على وجه الكرة الأرضيّة إلاّ ليبيا"، و:"إن بلدانا مثل الولايات المتحدة والهند والصين والإتحاد الرّوسي هي في حاجة ماسّة لهذا النظام الجماهيري". أمّا بالنسبة لأغلب الذرائعيين (البراجماتيين) الليبيين فالإصلاح السياسي يعني تغيير آليّات سيطرة القذّافي، وليس التخفيف منها. وقد قال لي أحد الوزراء "في معظم أالبلدان الأوربيّة ثمّة عدّة أحزاب، وفي الولايات المتحدة حزبان، بينما هنا حزب واحد فهو إذن ليس فرقا كبيرا"!. وحتى المصلحون نادرا ما عبّرواعن تعاطف مع الديمقراطيّة الإنتخابيّة . والغالبيّة يتوقون إلى نوع من الأُتوقراطيّة {حكومة الفرد المطلقة} العصريّة : ومثلهم الأعلى أقرب إلى أتاتورك أو شاه إيران منه إلى فاسلاف هافل. وحسب أحمد الساحلي رجل الأعمال الشاب الذي عاد مؤخّرا إلى ليبيا من إنجلترا، حيث كان يدرس، :"لا توجد ديمقراطيّات في العالم العربي، ولن نكون الأوائل. ما نحتاجه هو ديكتاتور حقيقي، وأعتقد أن سيف الإسلام يمكن أن يكون الشخص المطلوب. وقد يكونه عن طريق الإنتخاب أيضا. ولا أدري لماذا سينزعج من ذلك". والبعض الآخر أقلّ سخريّة بالديمقراطيّة الإنتخابيّة كمثل أعلى، ولكنهم لم يعودوا يأملون في تطبيقها. وأحد الأسباب التي تجعلهم يحذرون الإنتخابات هو، أنه في مجتمع قبلي من أعلى درجة، فالقبيلة الأكبر سوف تسيطر وكل ما عداها يتمّ إقصاؤه. فالقبائل ، كونها أقلّ من العائلات ألفة وخصوصيّة، تعتبر الحاضنة الثانية للهويّة، والأقوى عند بعض الناس، خاصة لدى الأدني تعليما. والجماعات المعتمدة على المصاهرة والأصل ـ أي القبائل، أفخاذها وفروعها وعصبها-توفّر نسيجا إجتماعيّا وشبكة أمان :لأن أعضاء جماعتك سيحصلون لك على عمل أو يساعدونك إن كنت في مشكلة ماليّة ويقيمون لك العزاء عندما تموت، حتى وهم لا يحبّونك وأنت حي.. ويقول أحد المثقّفين الليبيين "الأفضل زعيم صارم كالقذّافي من قبيلة صغيرة، من آخر يمثّل قبيلته مائة في المائة".

وفي الوقت نفسه فالمؤتمرات الشعبيّة الأساسيّة تتيح على الأقلّ منبرا سياسيّا في مسرح. فهي مفتوحة لكلّ ليبي فوق سنّ الثامنة عشر، وتجتمع لمدّة أسبوع أو إثنين لأربع مرّات في السنة. وكمبدأ يمكنك أن تناقش أي شيء في المؤتمر، ولو أن جدول أعماله يوضع من فوق. هناك أربعمائة وثمانية وستّين مؤتمرا أساسيّا، وأثناء الدّورة تجتمع يوميّا. بعدها يُرسل تقرير مختصر من كلّ منها إلى لجنة مركزية(تعتبر ليبيا جنّة اللجان، فهناك حتى لجنة وطنيّة للجان)، والمؤتمر النمطي يضمّ حوالي ثلاثمائة عضوا؛وأغلبهم متعلّمون، والذين لا يسعون إلى تسلّق السلّم السياسي لا يذهبون إليها. والوصفة هي قاعة المدينة والإجتماعات تكتسي ملامح إجتماعات الكويكير {طائفة مسيحيّة أمريكيّة متعصّبة} وتعاطي الخمر بسريّة. وكانت المؤتمرات الشعبيّة الأساسيّة منعقدة عندما كنت في ليبيا. ولقد طلبت عدّة مرّات حضور إحداها- دون جدوى . وصدفة عبّرت عن هذا الإهتمام أثناء لقاء لي مع مدير مؤسّسة السلع التموينيّة الذي يدير عمليّات الدعم، وهي بمثابة وزارة للإقتصاد الليبي؛فذكر لي أن هناك إجتماعا سيعقد في مكاتب المؤسّسة عند الظهر ودعاني للحضور. وكان أملي أن أجلس بهدوء في أحد الأركان؛إلاّ أنه بدلا من ذلك قاموا بحراستي إلى الصفّ الأمامي وأسرع أحدهم بتقديم الشّاي إليّ. ووقفت إمرأة ملفوفة وألقت خطبة عصماء تساءلت فيها لماذا تستورد ليبيا معجون الطماطم على الرّغم من وجود المياه لزراعة الطماطم. وتلي ذلك نقاش حول الطماطم.. وأدخل المسئولون موضوعات عن الإصلاح الإقتصادي ، وكان اهتمامي منصبّا على ديناميكيّة النقاش أكثر من فحواه، ولذلك أعرت إنتباها ضئيلا حينما تحوّل مترجمي من العبارات مثل "التجارة المفتوحة المتساوية" و "إعادة تخصيص أموال الدعم" إلى أشياء مثل "من حسن حظّنا أن نستضيف صحفيّا أمريكيّا مرموقا"، وما أن أخذت في تسجيل هذا الموضوع الجديد حتى أكمل قائلا: "والذي سيخاطب المؤتمر الآن حول مستقبل العلاقات الأمريكيّة الليبيّة". ثم أُعطي لي مكبّر الصوت. وبما أن كلّ جملة من حديثي كانت تُترجم إلى العربيّة، فقد كانت هناك إستراحة تجعلني أفكّر في الجملة القادمة، وهكذا تمكّنت من إلقاء خطبة عاطفيّة وودّية، جاء فيها أننا نأمل في أن نرى قريبا جدّا علاقات دبلوماسيّة كاملة بين بلدينا، وأنني سعدت بلقاء الليبيين مؤمّلا أن يشعروا بمثل هذا الترحيب في الولايات المتحدة، إلخ...وقد لقيت كلمتي التصفيق عدّة مرّات، وبعد ذلك أخذ كلّ متحدث يستهلّ ملاحظاته بكلمات طيّبة عنّي..وما أن ارتحت في جلستي متمتّعا بالشهرة الجديدة التي جعلتني أحمرّ خجل، حتى فاجأني المترجم بقوله "علينا أن نذهب الآن". واخذني إلى الخارج حيث كان ثلاثة صحفيين من جريدة "الشمس" يودّون إجراء حديث معي. ولقد تطرقّنا إلى مواضيع معتادة، بعدها سألوني رأيي في جهود القذّافي للتوسّط من أجل السلم في دارفور.(قابل القذّافي حينها ممثلي المتمرّدين والرئيس السّوداني عمر البشير). وكان جوابي : كلّ من يعمل لهذا الموقف يستحقّ التأييد.وقلت أيضا إن معارضة القذّافي للإرهاب ستجد ارتياحا لدي الأمريكيين. وفي اليوم التالي نشرت الشمس على حوالي صفحة كاملة تقريرا مقرونا بثلاث صور ضخمة لي في المؤتمر، وتحت عنوان غليظ مزدوج يقول :"العالم في حاجة إلى رجل مثل معمر القذّافي ليحقّق السلم الكوني" وتحت العنوان :"العالم في حاجة إلى دورمعمّر القذّافي لتخفيف الألام التي سبّبها الحادي عشر من سبتمبر". وفي صباح اليوم الذي نُشر فيه التقرير تسلّمت الدعوة التي طال انتظارها إلى مجمّع القذّافي.

أخبرني المتحدّث من مكتب الصحافة العالميّة بالهاتف بأنني على موعد مع "مفاجأة" وأنه سيصحبني من الفندق الذي أقيم فيه عند الساعة الرّابعة بعد الظهر. وعند المكتب المذكور، بقرب السّاحة الخضراء، إنضممت لحوالي عشرين صحفيّا "دوليّا" جميعهم من أقطار عربيّة، كانوا يتساءلون لم يريد القذّافي أن يقابلنا؟ وقيل لي بكلّ وقار إن المرء لا يمكنه معرفة ماذا يريد القائد :"فعليه أن يحضر عندما يُطلب منه ذلك". وأخيرا وعند حوالي السّاعة السّادسة وخمس وأربعين دقيقة ظهرت حافلة (مينيبوس) وسرنا بها عشرين دقيقة ثمّ توقّفت امام حائط عريض من الإسمنت المسلّح في محيط مجمّع القذّافي. وتمّ تفتيش الحافلة وتفتيشنا، ثمّ سارت بنا عبر منعرجات من العقبات وصفّين من الجند قبل أن يصطحبونا داخل خيمة ضخمة بها مأدبة بوفيه باذخة. وخلال نصف ساعة تكدّس ما يقرب من أربعمائة شخص مرتدين الأزياء التقليديّة. وبادرني أحد أصدقائي الجدد من الصحفيين بالقول:"سيبدأ الحدث"..وهكذا اجتزنا مرتفعا إلى بناء مثلّث الأضلاع به عوارض خشبيّة تحمل بعض اللوحات الشبيهة بالصور، ومنه إلى ساحة في فناء صيفي. وعلى الجدران عُلّقت مقولات من القائد بحروف عربيّة ضخمة وإنجليزيّة من النوع "الولايات المتحدة الأفريقيّة هي أمل أفريقيا" و "الشخصيّة الأفريقيّة"وعلى جانبيها صور مطبوعة (لروزا باركس)، وكانت الذكرى الخمسين لرفضها الجلوس في آخر الحافلة، وأخيرا علمنا أن هذه هي المناسبة لتجمّعنا هنا.. وأمام الحجرة وعلى منصّة انتصب مقعد عريض رديء وبجانبه ثلاثة مكبّرات صوت. ثم جاء رجل في زي طبيب مزري وأخذ يمسح المقعد ومكبّرات الصوت بضمّادات قطنيّة، بهدف حماية القائد من التلوّث. وبعض الأفارقة الأمريكيين كانوا يجلسون في الصفّ أمامنا، وقد قدّمت نفسي لأحدهم، وبشكل صارم أوضح لي أنه الواعظ عبد الأكبر محمّد، الممثّل الدولي لرجل الدين لويس فراكان، الذي كان قبل ذلك في طرابلس، ولكنه عاد على عجل إلى الولايات المتحدة لأسباب صحيّة. والمعروف أن القذّافي كان لمدّة طويلة أحد ممولّي (أمّة الإسلام). ثمّ بدأت الخُطب تترى، والخطباء كانوا يتناوبون على منبر أقيم على جانب قصيّ، لكي تّترك المنصّة للقذّافي حرّة. وكان الخطيب الأوّل مساعدا سابقا لوزير الخارجيّة فقال :"نحن الليبيّون لا نستطيع أن نقبل إجحاف الأمريكيين ضد الأفارقة" ثمّ أخذ في كيل المديح:"أولئك الذين كان عمرهم سبعا أو ثمان سنين عندما أزيحت روزار باركس إلى آخر الحافلة، بلغوا الآن سبعا وخمسين أو ثمان وخمسين سنة وصاروا زعماء للولايات المتحدة، وهم لا يزالون يحملون نفس العقليّة. وقد ورثها الجيل الجديد وما زالت مستمرّة"، ثم اجتاحته نوبة من المغالاة ورفع عقيرته بالقول"يجب علينا أن نحارب كراهيّة أمريكا لأفريقيا".وكأن قوانين (جيم كرو) لازالت نافذة {جيم كرو من الهنود الحمر قبيلة السيوكس، وكان ضالعا في سنّ قوانين التفرقة في ولاية مونتانا في القرن الثامن عشرة}. وبعدما هبط من على المنبر، صعد إليه عبد الأكبر محمّد الذي تحدّث عن الظلم الأمريكي العرقي، ذاكرا أنه ـ بحكم التفرقة العنصريّة- كان على البيض والسّود أن يستحمّوا في حمّامات بخاريّة منفصلة، وممّا أثار اهتياجي قوله:"لا يمكننا الإعتماد على الإعلام الأمريكي المسيطر عليه من الصهيونيّة ليسرد قصّتنا، فالصهيونيون في الولايات المتحدة لا يريدون إظهار كيف يتعاطف قائد ثورة الفاتح معنا وتعاطفنا نحن معه".. ولم يأت القائد، ويبدو أنه بقرار منه، فإذا لم يكن فاراكان موجودا فلا يحضر هو الآخر. وهكذا فالحدث يعكس تشبّثه بإبراز ليبيا بلدا أكثر أفريقيّة منها عربيّة ـ على الرغم من الليبيين يزدرون السّود، الذين يقومون بالأعمال اليدويّة التي يأنف منها الليبيّون، كما أن السود مدانون بكلّ الجرائم، أي أن أحلام القذّافي السابقة بالوحدة العربيّة أخفقت، وعندما طبّقت البلدان العربيّة الأخرى عقوبات الأمم المتحدة في التسعينات، لم تطبّقها بلدان أفريقيّة كثيرة، فتحوّل جنوبا. وقياسا على المستوى الأفريقي تعتبر ليبيا غنيّة ومنتجة؛والأقطار العربيّة ـ وحتى الجيران في شمال أفريقيا- لديهم ميل قليل نحو القذّافي. لقد ساند جماعات معارضة للنظام السّعودي، والعملاء الليبيّون كانوا متورّطين في مؤامرة 2003 ضدّ وليّ عهد السعوديّة.(أبلغني سيف أن الليبيين المتورّطين كانوا، حسب تعبيره المتظاهر بالحياء، يأملون في "تغيير النظام" لكنهم لم يكونو بالضرورة على علم أن شركاءهم السعوديين ضمروا الهجوم جسديّا على العائلة المالكة). وعندما ذهب القذّافي إلى الجزائر مؤخّرا، أظهر كاريكاتير محلّي خيمة منصوبة في فندق شيراتون الجزائر؛فالقذأفي ينام في خيمة وفقا لجذوره البدويّة. قال أحدهم "دعوني أدخل، أريد أن أرى السّيرك!"فردّ عليه آخر "لا يوجد سيرك هنا"، لكن الأوّل استطرد"بل قيل لي أن هناك مهرّجا في الخيمة".

بالنسبة لإصلاحيين عصريين من أمثال شكري غانم، فإن أهمّ مشاكل ليبيا تتمثّل في سوء الإدارة والعزلة. والحلول هي في إدارة أفضل والإنصهار في العالم.. وحسب تعبير غانم "لقد تغيّر العالم، وكالدول الإشتراكيّة الأخرى، أدركنا أن لنا وسائل محدودة وحاجات لامحدودة". فالإنترنيت والقنوات الفضائيّة ـ كثرة الصحون جعلت الهبوط في طرابلس كأنه وسط عاصفة من الفراشات البيضاء المهاجرة- زادت من الضغط من أجل الإصلاح، لأنها صوّرت هذا العالم الواسع أكثر وضوحا. "لقد صار التغيير حتميّا مادامت الأوبرا عُرضت على شاشة التليفزيون" هذا ما قاله لي شاعر ليبي كبير بلهجة رثاء كئيبة. وبغضّ النظر عن ذلك ما يرويه الليبيون هو عن مستوى المعيشة في بلدان النفط الغنيّة الأخرى كما تعرضه قناة الجزيرة والقنوات العربيّة الأخرى. فليبيا تبدو مغبرة وبائسة بالمقارنة، وهم يتعجّبون لماذا ذلك؟

الدخل من تصدير البترول يساوي ثمانين في المائة من الميزانيّة الوطنيّة. وفي أيام قمّة الإنتاج البترولي، كانت البلاد تنتج ثلاثة ملايين برميل يوميّا. وانخفض الرقم إلى 1,7 مليون، وتسعى المؤسّسة الوطنيّة للنفط إلى رفعه إلى ما كان عليه عام 2010 . والبترول الليبي من النوعيّة الممتازة، قليل في الكبريت وسهل التكرير.ولليبيا احتياطات محقّقة تبلغ أربعين مليارد برميل من النفط.أي الأكبر في أفريقيا، وقد تكون تملك ما يعادل مائة مليارد. والعديد من شركات البترول صنّفت ليبيا كأحسن إمكانيّات للأستغلال في العالم؛والليبيّون يفتقرون إلى الموارد للقيام باستغلال مكثّف بأنفسهم. وفي السنوات الخمس عشرة التي رحلت فيها الشركات الأجنبيّة، أسيئت إدارة الموارد بشكل فادح، وحسب تعبير أحد المستشارين البريطانيين للحكومة الليبيّة:"لو أن دكتورا ما أفلح في تشويه وتخريب إقتصاديّات البترول الليبي، لما استطاع أن يصدّق ما تمّ فعلا". ورغم ذلك، ما انفكّت أموال البترول تمكّن من برامج الدعم- التي تجسّد الإشتراكيّة في مفهوم الجماهيريّة العربيّة الليبيّة الشعبية الإشتراكيّة العظمى، فمؤسّسة السلع الوطنيّة تدفع ستّا وعشرين في كيس سعره مائة وعشر دنانير من الدقيق وتبيعه للخبّازين بدينارين؛وأنت يمكنك شراء رغيف خبز بسنتين إثنين.الأرز والسكّر والشاي والمكرونة وزيت الوقود تباع أيضا بكسور من تكلفتها. والإصلاح الإقتصادي يتضمّن تخفيض هذا الدعم (يشكّل حاليا حوالي ستمائة مليون دولاررا في السنة) دون حرمان الناس أو تجويعهم، وهو التخفيض الذي تزداد صعوبته لأن الأجور جُمّدت منذ 1982 . وفي نفس الوقت هناك قليل من الإئتمان في ليبيا : فلا يمكن استخدام بطاقات الإئتمان الصادرة من ليبيا في العالم الخارجي؛وليس هناك مؤسّسات ماليّة تطبّق المعايير المصرفيّة الدوليّة. وكما قال لي أحد المسئولين الليبيين "لقد امتصّ البترول كلّ الأخطاء، التي تكاثر عددها، وتوفّر أموال البترول يعني أن هناك استقرارا، ويجعل من السهل إدارة شئون الدولة. إنها هكذا هذه البلاد الصغيرة وبكلّ هذا البترول، كمن قرّر أن يفتح (سيفين إليفين) ولديه مليارد دولار ليدعّمها". البترول إذن لعنة ونعمة. فلقد أنتج النظام الجماهيري شعبا لا تعيقه إخلاقيّات العمل. فالليبيون يعملون خمسة صباحات في الأسبوع، وهذا مع افتراض أن هناك مواقع عمل يذهبون إليها. وكما قال الزليطني بتجهّم :"إذا ما قرّروا أخذ عمل ما، فلنقل في ميدان البناء، فثمّة عمل لهم هناك ، غير أننا بلد غني ولذلك لا يرغب الشبّان في العمل الشّاق". وتبقى الحقيقة أن الإقتصاديّات المعتمدة على موارد مثل البترول، تولّد أعمالا قليلة مالم يكن هناك تنويع. وكثير من طلبة الجامعة الذين تحدّثت إليهم مقتنعون بأنه مهما قيل عن الإصلاح تظلّ مواهبهم غير مستغلّة. واشتكى أحدهم لي قائلا "عندما أحصل على درجة التخرّج فالفرصة المتاحة أنني لن أحصل على عمل، فكلّ البلاد قائمة على البترول، وليس على العمالة.والغنى لا يأتيك من أي شيء تبذل فيه عملا شاقّا، وأنا على استعداد للقيام به، ولكن من أجل ماذا؟" وحسب تعبير عبد القادر الخير وزير الماليّة "لو أننا لم نملك البترول لكنا قد تطوّرنا، وبصراحة كنت أفضّل لو أننا امتلكنا الماء". وبالنسبة له وللقطاع الخاص الليبي الناشيء، أن ما يثير الحنق هي البيروقراطيّة الحكوميّة المتصلّبة وفسادها المتفشّي كالوباء. ومؤسّسات الشفافيّة العالميّة التي لا تسعى إلى الربح أعطت ليبيا هامش فساد متوقّعا يصل إلى 2,5 أقلّ من زيمبابوي وفيتنام وأفغانستان. وصنّفت منظّمة هيريتاج ليبيا في هامش 2006 للحريّة الإقتصاديّة في المرتبة المائة وإثنين وخمسين من بين مائة وسبعة وخمسين بلدا جرى تقييمها.. وعلّق عبد القادر الخير :"إنك تحتاج إلى عشرين وثيقة لإنشاء شركة، وحتى إذا قمت بدفع رشوة لجميع الناس المعنيين فسوف يستغرق الإجراء ستة أشهر".

ترجمة وتعـليق : مخضرم


         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home