Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mukhadram

Tuesday, 4 ِApril, 2006

         

إيطاليا والقذافي.. عـدوّ ما من صداقته بدّ! (4)

مخضرم

صفقة فيات وما أدراك ما فيات :
في ذكرى احتفاله بانقلابه يوم الأوّل من سبتمبر 1975 كشف القذّافي النقاب في خطابه بالمناسبة عن: "البعض من المسئولين المجرمين والفاشيين الذين يريدون إدخال التغييرات بالقوّة في ليبيا". وهؤلاء "المجرمون" كما سمّاهم،كانوا عضوين من مجلس قيادة الإنقلاب وهما عمر المحيشي وعوض حمزه اللذين حاولا إغتيال القذّافي بتفجير قنبلة في غمرة الإحتفالات المذكورة.. ولكن رجل الأعمال الإيطالي ماريو فولينييي Mario Foligni ،وكان مخبرا وعميلا للقذّافي في إيطاليا، تمكّن من إبلاغ القذّافي (بالمؤامرة)، ممّا أدّى إلى إحباطها وهروب العضوين إلى مصر،وإلقاء القبض على المتورّطين الآخرين . هكذا جاء سرد الواقعة التي نوقشت في جلسة إستماع سريّة في مجلسي الشيوخ والنوّاب الإيطاليين (1).
وفي الأوّل من ديسيمبر عام 1976 حدثت الصفقة الشهيرة بين القذّافي وشركة فيات،والتي بموجبها إشترى بنك ليبيا الخارجي 13% من أسهم أضخم شركة خاصّة إيطاليّة لصناعة السيّارات وهي الصفقة التي هزّت إيطاليا من أقصاها إلى أقصاها . ولا يسمح الوقت لنا بالحديث عنها تفصيلا وتحليلا،ولكن يمكن تلخيصها في أنها: أنقذت الشركة الإيطاليّة من أزمة ألّمت بهيكلها المالي في تلك الفترة. وبلغت قيمة الصفقة 360 مليارد ليرة إيطاليّة على أساس شراء عشرين مليون سهم عشرة ملايين منها أسهم مفضّلة بسعر السهم الواحد المطروح في السّوق 500 ليرة،ولكن حاكم قذّافيستان دفع فيه 6000 ليرة! ممّا كوّن ميزة كبرى للشركة جعلت النسبة الحقيقيّة في رأس المال كأنها 6% وليس 13%. وقد استثمرتها الشركة في زيادة رأسمالها،وعلى الفور صعدت أسهمها في بورصة ميلانو بقفزة هائلة بلغت 20% في اليوم التالي!. ومقابل ذلك سمحت الشركة للبنك الليبي بأن يُمثّل بعضوين في مجلس إدارتها، وبشرط أن أن لا يقوم الجانب الليبي بالمضاربة في الأسهم التي اشتراها. أي أن الصفقة كانت بمثابة قرض دون أجل أو وديعة يحقّ لفيات أن تسدّدها في أي وقت يروق لها. وهو ما ما تمّ لاحقا بسعر بدا لأوّل وهلة أنه درّ ربحا للقذّافي،ولكن إذا ما جرت مقارنته بما كان سيجلبه من أرباح، حتى لو استّثمر في الودائع المصرفيّة التقليديّة،لرأينا الفرق الهائل بين الإسثمارين. وعلى الرّغم من أن عمليّة إخراج القذّافي من الشركة كانت بتهديدات وضغط صريح من الدوائر الأمريكيّة،حين بدأت سلسلة عقوباتها ضدّ القذّافي للأسباب المعروفة،إلاّ أنه من المحيّر أن الصفقة تمّت في أجواء مثيرة،،فبعد إبرامها بيوم واحد وصل الرئيس الفرنسي آنئذ (جيسكار ديستان) في زيارة لروما دعا فيها إلى مؤتمر قمّة للدول الصناعيّة،تتعرّض مناقشاته لتأثيرات منظّمة أوبك،ولن تكون الصفقة ببعيدة عنها(2). وبعد يومين من إبرامها سافر رئيس الوزراء الإيطالي جوليو أندريوتّي إلى واشنطن لمقابلة رئيسها آنذاك (فورد) طُرحت خلالها تداعيات الصفقة،لا سيّما أن ردّ الفعل الأمريكي حيالها جاء في كلمة "لاتعليق ! No comment".
ثمّ سافر (جوفانّي أنيللّي) رئيس الفيات إلى طرابلس يوم 9 ديسمبر وقابل عقيدها الذي أصبح شريكه (الصّوري) الجديد. وفي نهاية نفس الشهر جاء إليها أيضا وزير التجارة الإيطالي (رينالدو أوسّولا) يرافقه وفد من رجال الأعمال الإيطاليين الكبار، حيث اتفق مع الحكومة الليبيّة على تأليف لجنة وزاريّة مشتركة لمتابعة شئون التعاون الإقتصادي.

الأسلحة ..الأسلحة ..الخردة .. الخردة
وكان أن تدفّق المزيد من ألأسلحة الإيطاليّة،فما أن حلّت السنة التالية 1977 حتى وقّّعت شركة La Siaia Marchetti الإيطاليّة لصناعة الطائرات عقدا مع حكومة القذّافي لتزويدها بثمانين طائرة تدريب وعدد من نوع Sf-260 Warrior ،وبعد ذلك تبعتها كميّات أخرى ليصل المجموع الى مائتين وخمسين طائرة سُلّمت في الفترة ما بين1978 – 1983(3). وفي شهر يونيو من نفس السنة حدثت انتفاضة الخبز في القاهرة،والتي أسماها السّادات بانتفاضة الحراميّة! متهما السوفييت والقذّافي بإذكاء لهيبها . وكان أن وصل إلى القاهرة وزير الدفاع الفرنسي مبديا دعم بلاده للسّادات واستعدادها لبناء صناعات حربيّة في مصر،وكأن هذا سيحلّ مشكلة الخبزلشعبها!
ولكن في 21-24 يوليو وقعت الإشتبكات على الحدود الليبيّة المصريّة بين جيشي السّادات والقذّافي بالمدافع والدبّابات والطائرات،ولم تتوقّف (الحرب)التي دامت أربعة أيّام على طول الحدود إلاّ بعد أن قتلت قنابل طائرة مصريّة ثلاثة من المستشارين العسكريين الرّوس كانوا يشرفون على (رادار) بمطار العضم،وحينها تدخّل الرئيس بومدين شخصيّا،مسنودا من رؤساء عرب آخرين،فأمر السّادات بإيقاف إطلاق النار وبعد مرور شهرين انسحبت قوّات البلدين من الحدود.. وربّما نسي الكثيرون أن نتيجة هذه الحرب كانت وفاة المئات من أبناء الشعبين الشقيقين وسجن المئات. ومن هنا علينا أن نفهم لما حمي وطيس التهافت على السلاح،وإبداء الإستعداد السخي من جانب الدّول المصنّعة له غربا وشرقا لتوفيره .. وفي 19 نوفمبر زار السّادات إسرائيل وخطب في القدس خطبته المشهورة،وردّ مناحيم بيجين الزيارة في ديسمبر. وفي 1-5 من نفس الشهرانعقد مؤتمر قمّة الصمود والتصدّي بطرابلس . وهكذا استمرّ إنهيال السلاح،إذ في العام 1978 تعاقد القذّافي مع شركة Otto Melara الإيطاليّة لتزويده بمائتي دبّابة من نوع Lion كما تعاقد مع شركة Iveco المتفرّعة عن شركة فيات إيّاها لتزويده بمائة مجنزرة من نوع 6605 و 6614 . وفي ذكرى إنقلابه يوم الفاتح أعلن القذّافي أنه قرّر أن يكون له أكبر أسطول بحري حربي في البحر الأبيض بعد فرنسا وإيطاليا!
وحينها بلغ عدد العاملين الإيطاليين في ليبيا 16,000 أغلبهم في الصناعة البتروليّة . وفي عام 1979 وُقّع عقد تزويد نظام القذّافي مع شركة Aeritalia بعدد عشرين طائرة نقل ذات مدى متوسّط من نوع G-222 . وهذه السنة شهدت بداية تورّط القذّافي في حرب أوغندا التي هُزم فيها على أيدي قوّات تنزانيا التي احتلّت كمبالا يوم 11 أبريل،كما شهدت هزيمته الأولى في تشاد يوم 26 يونيو عندما جنّد ما سُمّيت "بفرقة المرتزقة الإسلاميّة" في حدود ألفي مجنّدا تساعدهم طائرات الميج،ولكن الجيش التشادي صدّها وهزمها بعد قتل العشرات من أفرادها.
وأمام هذه الهزائم،وبدأ المواجهة بينه وبين أمريكا وفرنسا،إزداد جنونه،واستعدى إيطاليا أيضا إذ طالب حكومتها يوم 9 أغسطس بأن تسلّم إليه ما أسماهم بالمعارضين الليبيين اللآجئين إليها،مقابل إطلاق سراح 15 من صيّادي السمك الإيطاليين الذين حُجزوا في المياه الليبيّة . (4)
وفي منتصف شهر فبراير 1980 شنّ الطاغية المجنون حملته بالتصفية الجسديّة للمهاجرين الليبيين في الخارج. وجاء الردّ الشعبي فوريّا،إذ في شهر مارس التالي قامت انتفاضة طبرق الوطنيّة ضدّ لجانه الشعبيّة والثوريّة التي شرع في تشكيلها كأدوات لإرهاب الشعب وإخضاعه،وهي الإنتفاضة التي تجسّدت في مظاهرة جماهيريّة شاركت فيها جميع فئات الشعب من طلبة وعمّال وتجّار وحرفيين وشيوخ من القبائل،وقد قادها تنظيم (الحركة الوطنية الديمقراطيّة) السرّيّة،وعندما داهمت اللجان الثوريّة المظاهرة اضطرّ بعض المتظاهرين ممّن يحملون المسدّسات إلى الدّفاع عن أنفسهم، فأردوا ثلاثين قتيلا من (الحرس الأخضر- أي غوغاء اللجان) كما تقول الرّواية الأوربيّة(5). وذكرت نفس الرواية أن العقيد إدريس الشهيبي، الذي كان الآمر العسكري لمنطقة طبرق، لم يقم بقمع المظاهرة، لأنه كان متضامنا مع الحركة الوطنيّة،وأن رجل الأعمال الإيطالي (إدواردو سليشياتو) Edoardo Seliciato كان ينفّذ مشرعات بناء في المنطقة، ولذلك ربطته علاقة معرفة وصداقة بالشهيبي، ولأنّه كان يتردّد بين القاهرة وروما، فقد أتّهم بأنه تواطأ معه.(6) وجيّر القذّافي الحركة للدوائر (الرجعيّة والإمبرياليّة) كالعادة،خاصة وأن الخصام والتلاسن بينه وبين الرئيس المصري السّادات كانا في الذروة وقتذاك. وتنفيذا لإنذاره الإرهابي ضدّ المهاجرين الليبيين في إيطاليا إقترفت فرقة إغتيالاته في روما يوم 12 مارس جريمة قتل المواطن الليبي محمّد سالم الرتيمي الذي وُجدت جثّته في المحفظة الخلفيّة لسيّارته(7). ومن ثمّ بدأت علاقة الحكومات الإيطاليّة تسوء مع نظام القذّافي،مثلما ساءت مع بقيّة البلدان الأوربيّة.
وما أن تشكّلت يوم 4 أبريل حكومة (فرانشيسكو كوسّيجا) الثانية من الحزب المسيحي الديمقراطي والحزبين الإشتراكي والجمهوري،وكلاهما يضمران العداء لنظام القذّافي،حتى اتخذ وزير الدفاع الجديد ليليو لاجوريو (إشتراكي) قرارا بإيقاف إبرام أية عقود جديدة معه خاصّة بتزويده بالأسلحة والمعدّات الحربيّة،بل ألغيت حتى الشحنات المترتّبة عن العقود السّابقة. وبعد إستمرار عمليّات الإغتيال على الأراضي الإيطاليّة استدعت الحكومة الإيطاليّة سفيرها في طرابلس (أليسّاندرو كواروني) للتشاور،كإشارة إحتجاج . ومع تورّط القذّافي في عمليّات الإرهاب المعروفة، وبعضها جرى على الأراضي الإيطاليّة، دخلت العلاقات بين الجانبين في مرحلة توتّرات وإستفزازات وتهديدات من قبل حاكم ليبيا المتهوّر طوال الأعوام 1981-1986.

مخضرم
________________________________________________

(1) ورد ذلك في مضابط المجلس تحت رقم P2 doc.XXXIII/2quater3/XXIV,p362 والتي نوقش فيها أيضا ما كتبه للصفي الأمريكي جون كولي المتخصّص في شئون ليبيا والشرق الأوسط والذي ألّف كتابا ووضع دراسات عن إنقلاب القذّافي وأسراره. وفيما اطّلعنا عليه من كتابات المتخصّصين الغربيّين (أمريكيين كانوا أو بريطانيين) فقد كشفوا كثيرا من أسرار تواطؤ مخابراتهم وكذلك (الموساد) الإسرائيليّة مع نظام القذّافي منذ بدايته،وخاصة في إبلاغه عن محاولات لقلب نظام حكمه مثل عمليّة (هيلتون) وحركة موسى أحمد وآدم حواز . أمّا بالنسبة (لمؤامرة) المحيشي التي أُحبطت أثناء يوليو – أغسطس 1975 واعتقل على أثرها 126 متهما أُعدم بعضهم،فهي مازالت غامضة التفاصيل- هذا إن صدقت فعلا !- فلأوّل مرّة نعلم من الرواية الإيطالية التي نوردها هنا،أنها كانت محاولة لاغتيال القذّافي،وأن هناك ضلوعا إيطاليا في كشفها .
(2) كانت تلك الفترة فترة تموج بأحداث ساخنة أعقبت أزمة الطّاقة نتيجة فرض الحظر البترولي العربي وتداعياتها،وعلت أصوات في أمريكا وأوربّا تحذّر من قيام الدول المنتجة باستثمار ثرواتها الهائلة كمساهمات في المصانع الغربيّة (فيما أُطلق عليه تدوير البترودولار) . وفي داخل ليبيا بدأ التحرّك الوطني ضد نظام الإستبداد في يناير 1976 ممثّلا في الحركة الطلاّبيّة المنتفضة ضدّه،والقمع الوحشي القذّافي لها بالشنق والتقتيل والسجن والمطاردة في أبريل الدموي المشئوم،التي تحي قوى المعارضة الوطنيّة في المهجر ذكراها هذه الأيّام .
(3) نذكّر هنا بأن صيف هذه السنة شهد أيضا توقيع صفقة الأسلحة السوفييتيّة الثانية بمناسبة زيارة رئيس الوزراء السوفييتي أليكسي كوسيجين،تتكوّن من عشرات من طائرة MIG25 وألفين وخمسمائة دبّابة من بينه المئات من طراز T-64 (4) لم يُعرف وقتذاك أن هناك (معارضين) لنظام القذّافي ينشطون في إيطاليا . وأذكر أن طاهر القرمانللي عميد بلديّة طرابلس الأسبق كان مقيما في روما – بحكم علاقاته الوطيدة مع لإيطاليا- فطلبت منه حكومتها إنهاء إقامته والرجوع إلى بلاده،حسما للخلاف مع الطّاغية،فاستجاب الرّجل وإطلق سراح الصيّادين . ولم تثبت على السيد القرمانللي بعد رجوعه أية تهمة مضرّة بالنظام .
(5) جاء ذلك في صحيفة (لوموند) الفرنسيّة المعروفة في عددها بتاريخ 28 يونيو 1980،وبمجلّة (ريناشيتا) الإيطاليّة بمجلّدها رقم 40 الصادر بتاريخ 1990 .
(6) نعلم أنه في نهاية شهر يوليو من عام 1980 أتهم إدريس الشهيبي بمحاولة الإنقلاب المعروفة والتي قمعها الطاغية بالعنف الهمجي الذي ذهب العقيد لشهيبي ضحيّته . كما أن رجل الأعمال الإيطالي الذي ذكرناه (سيليشياتو) اعتقل مع خمسة وثلاثين إيطاليا آخرين،كانوا يعملون في شركة البناء التي يديرها. ومن أبرزهم كان المهندس المعماري (أورلاندو بيروتزو) والمسّاح (أينزو كاستيللو) وكلاهما كان شريكا مع (سيليشياتو) .
(7) بعد إستشهاد الرتيمي توالت بعد ذلك سلسلة الإغتيالات للمواطنين الليبيين الآخرين على أيدي عصابات القذّافي المأجورة :الشهداء محمد مصطفى رمضان يوم 11 أبريل في لندن – عبد الجليل عارف في روما يوم 19 أبريل –محمّد فؤاد بوحجر يوم 20 مايو بروما –عز الدين الحضيري في ميلانو مباشرة بعد إعصدار القذّافي لندائه الإرهابي لليبيين المقيمين بالخارج بالعودة إلى جماهيريّته سواء كانوا معارضين أو غير معارضين،وذلك يوم 11 يونيو 1980....إلخ


         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home