Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mukhadram

Sunday, 4 March, 2007

   
   

إصلاح المستحيل ..
رشّ الملح عـلى جروح قديمة!
(2)

ترجمة وتعـليق : مخضرم


الصورة منقولة عن ( نيو يورك تايمز ) وتظهر القذّافي في حوار ( الطرشان )
مع المفكّرين : الإنجليزي جيدينز والأمريكي باربار

شعـب كئيب وحائر
وتعلّق (نيويورك تايمز) في عددها بتاريخ 1 مارس الجاري عن إحتفال القذّافي بعيد جماهيريّته الثلاثيني في مقال عنوانه "ليبيا تنشد الإصلاح الإقتصادي بمنتهى الحذر.. ولكن لا إصلاحا سياسيّا" بقلم محرّرها (مايكيل سلاكمان)، إستهلّه بالقول "لأكثر من ثلاثة عقود كانت ليبيا حقل تجربة لأيديولوجيّة رجل واحد. والنتيجة هي بلاد تقلّ فيها المؤسّسات الفاعلة، وبها نظام قانوني لا يعوّل عليه، ونقص في المدارس والمستشفيات، وشعب معزول غير مهيّأ للتحديث. هذا هو تقييم بعض الإستشاريين التابعين للحكومة نفسها". وأشار الكاتب إلى المحاولات من قبل فريق صغير لإدخال إصلاح في المجال الإقتصادي، ليتساءل بعد ذلك : "السؤال الذي يدور في خلد الكثيرين هو هل يمكن تحقيق ذلك دون تغيير سياسي أيضا"؟ وقد سأل أحمد الشيباني أحد رجال الأعمال المحليين في مؤتمر إقتصادي في الأسبوع الماضي"هل تظنّ أننا يمكننا خلق رفاهيّة إجتماعيّة واقتصاديّة دون إصلاح سياسي؟". ويمضي الكاتب في تعليقه :"إن النظام السياسي الليبي مركزي وغير مركزي، والعقيد القذّافي- الملقّب بالأخ القائد- يقول إن الديمقراطيّة التمثيليّة خدعة وكل مواطن يجب عليه أن يشارك في الدولة. ولذا فهناك 3.000 لجنة تجتمع مرّتين في السنة، وهناك مجلس مكوّن من 3000 عضوا هم رؤساء تلك اللجان، وهو يضع الأولويّات والميزانيّات. وهناك لجان للصحّة والماليّة، وأيضا لجان محليّة تقوم بالتنسيق بين اللجان الوطنيّة (لاحظوا سخريّة الكاتب في إيراده لعدد اللجان المهول وأنواعها!)، وبالرّغم من أن ليبيا هي أغنى بلاد في شمالي أفريقيا، فالطرق غالبا غير معبّدة والمساكن والمشافي تبنى وكأنها مرابط للماشية، وفي حقيقة الأمر فهي متأخّرة بمراحل عن جاراتها في كلّ شيء له علاقة بالتطوّر البشري، خاصة التعليم، وفقا لما ذكره المستشار الحكومي".. وبعد أن تحدّث عن فريق (بورتير) ودراسته، قال: الجميع توقّف بكلّ هدوء أمام سؤال الإصلاح السياسي الحقيقي. ويورد ما قاله له سجين سياسي سابق، وهو يتلفت حوله خشية التعرّف عليه وإنزال العقاب به "إسمع لقد توصّلنا جميعا لنتيجة تقول إن التغيير السياسي مستحيل.. ومستحيل تغيير النظام، وكلّ ما تبقّى هو تأييد مبادرات إتخذها أمثال سيف، مع الأمل في أنها تقود قريبا إلى ما نريده". ثمّ تحدّث الكاتب عما أعلنه المسئولون مؤخّرا من أنهم سوف يلغون 120.000 وظيفة حكوميّة، كخطوة بعيدة التحقيق لإعادة هيكلة الإقتصاد المتداعي، غير أنهم أعلنوا مستدركين بأن الوظائف لن تُلغى حال، بل سيُعطى شاغلوها رواتبهم لثلاث سنوات، حتى يبحثوا لهم عن أماكن عمل في القطاع الخاص منعدم الوجود تقريبا.. لينقل ما قاله أحمد علي كوجمان المدير في الجمعيّة الخيريّة "واعتصموا" التي تديرها عائشة إبنة القذّافي في تقريظه لفلسفة العقيد كما تضمّنها الكتاب الأخضر :"إن من يفهمه سيؤمن بأنه الديمقراطيّة التي يجب أن تطبّق في كلّ أنحاء العالم". وهنا وصف الكاتب الكتيّب الأخضر بكونه "خليطا من بسيكولوجيا موسيقى البوب والإشتراكيّة والشعبويّة والإسلام"! ليستطرد:"وبما أن إنتقاد النظام هو خطّ أحمر، فحتى الإستشاريّون الأجانب يتحاشون فعل ذلك".
كما أورد ما صرّح به (مايكيل بورتير) من ضرورة خلق عمليّة لتحسين كلّ شيء، وهو ما لن يحدث بين عشيّة وضحاها بل سيستغرق سنوات، ليضيف بورتير أن مباديء فلسفة القذّافي هي التنافس مع إقتصاد تنافسي (لاحظوا أن القذّافي في ثرثرته بمؤتمره الشعبي العام يوم 2 مارس إستهزأ بمبدأ المنافسة في الإقتصاد!). وفنّد الكاتب الإعتقاد بأن العقوبات الدوليّة كانت هي السبب في تدهور الأوضاع ، بينما هي قد ألغيت منذ سنوات عديدة، وأفراد الشعب يقولون إنهم لم يلمسوا أيّ تحسّن في معيشتهم.."بشكل أو آخر فإن المبادرات الإقتصاديّة المقترحة تلبّي ما يبحث عنه الناس" هذا ما قاله إدريس المسماري، الذي يصدر مجلّة ليبيّة ثقافيّة في مصر لأنها ممنوعة في ليبيا، مضيفا :"وهذا يجعل كلّ واحد يتجاهل الإصلاح السياسي". ويمضي الكاتب الأمريكي في تعليقه:"ولكن هناك تشاؤم من أن الحكومة ستفعّل هذه الوعود" وكما قال جمعة عتيقة المحامي الذي يدير لجنة لحقوق الإنسان هنا : ثمة فقدان للثقة في النظام، فأي شيء منشأه الدولة حتى لوكان جيّدا، فهم يعتقدون أنه لخداعهم."
ثمّ يستطرد الصحفي مقارنا ليبيا بألبانيا عندما كانت لسنين طويلة تحت حكم الديكتاتور الشيوعي أنور خوجا، فالطلبة يذهبون إلى المدارس وهم في زي المعارك الحربيّة، ويتدرّبون على تفكيك وتجميع السلاح في الفصول، والوقت لا معنى له في طرابلس، ولهذا فكثيرا ما تُنقض المواعيد دون توضيح، والشوارع مزدحمة بصور القذّافي إمّا رافعا قبضته في الهواء، أو يحدّج عاليا في السماء ... والعقبة الكؤود أمام التطوير في رأي الإستشاريين والمسئولين هي الإفتقار إلى ليبيين متعلّمين بما فيه الكفاية، فقد أجري مسح من قبل مدراء حكوميين وجدوا من خلاله أن 3% إلى 5%من السكّان فقط حصل على أي نوع من التدريب في العشرين سنة الأخيرة.. وبعد أن أشار الصحفي إلى حدوث تجديد في الحياة المدنيّة، من حيث السماح بالموسيقى الغربيّة وتعلّم اللغة الإنجليزيّة، نقل عن نصر الدين علي كاتب روائي من طرابلس عمره 33 قوله :"الناس هنا مصابون بالكآبة والحيرة، فهناك خوف ممّا سيأتي به الغد والمستقبل، وهم لا يعرفون ماذا يفعلون؛هل عليهم أن يعيشوا ليومهم، لغدهم، أم لأمسهم؟"
وهكذا ختم الصحفي المشهد الليبي في عهد قذّافيستان بهذه الصورة القاتمة..ولكن الحزينة.
ثم تنشر "نييورك تايمس" في عددها اللآحق بتاريخ 3 مارس أن الصحفي كاتب المقال (مايكيل سلاكمان) قابل القذّافي مع بعض الصحفيين الآخرين، ووجّه إليه السّؤال التالي:"كيف تتّفق ديمقراطيّة مع نظام يضع في يد شخص واحد هذا الكمّ الوفير من السلطات؟" وهنا إلتفت معاونو القذّافي مرعوبين، ولم يُترجم السؤال، وانتهى الحدث!"

*   *   *

وبعد هذه الجولة التي حاولنا خلالها تقصّي آخر أحداث الواقع الليبي المرير وانعكاساته لدى الرأي العام الدولي، نشرع فيما يلي في ترجمة الدراسة التي أعدّتها (أليسون بارقيتور) لمجلّة (الإقتصاد السياسي الأفريقي) للعام 2006 . وسنضطرّ إلى تلخيص بعض الفقرات والمقاطع التي تعيد التذكير بأحداث وأفعال تكرّر ذكرها وغير خافية على الليبيين الموجّه إليهم هذا التحليل، ونضع الملخّصات بين قوسين مزدوجين هكذا (...)، بينما تحليل الكاتبة نضعه بين شولتين مزدوجتين هكذا "..."

دوافع التغـيير
في التسعينات أزدادت الضغوط على النظام الليبي بالنظر إلى تضافر كلّ من مفعول العقوبات وهبوط أسعار البترول وتراكم سنوات من سوء الإدارة الإقتصاديّة، وبالرّغم من أن العقوبات لم تشمل الصّادرات البتروليّة، إلاّ أن الحصار جعل القطاع البترولي يتآكل بسبب منع إستيراد معدّات إستخراج البترول ونقله إلى موانيء التصدير، إضافة إلى منع معدّات الصيانة والتجديد. صحيح أن إنخفاض أسعار البترول في العالم لم يوقف القذّافي من أن يبني مشاريع مظهريّة إستعراضيّة، كالنهر الصناعي العظيم في تحدٍّ واضح لبقيّة العالم. كما عانت البلاد من تضخّم حادّ بلغ 42% عام 1993 و 50% عام 1994. وممّا زاد من الأعباء التي ناء بها الإقتصاد، عدم الكفاءة والعجز عن تسيير القطاعات النفطيّة. وحسب ملاحظة تيم نيبلوك :"على الرّغم من إستفادة جوهر الإقتصاد من الإدارة الفعّالة، وحسن التخطيط الستراتيجي، إلاّ أن بقيّة الإقتصاد عانى من خمول الإدارة، وضعف الأُطر القانونيّة، ممّا تسبّب عنها عدم وضوح القواعد اٌقتصاديّة وتعرّضها للتغيير المفاجيء، والإستخدام غير المجدي للموارد".
جميع هذه الضغوطات عملت على تضييق هامش المناورة للدولة، وأصابت السكّان بالإحباط، حيث كابدوا هبوط مستوى المعيشة. وفي نفس التسعينات واجه النظام ثورة شعبيّة هامّة تمثّلت في حركة معارضة إسلامية بالسلاح. ومنذ الثمانينات إعتقد النظام أنه قضى على معظمها عن طريق حملة إعتقالات كاسحة للمشتبه فيهم من المعارضين عام 1989، غير أنه وبسبب تجربة أفغانستان التي كسب منها الليبيّون تدريبات قيّمة في الحرب ضد السوفييت، إستطاعت حركة جهاديّة تُطلق على نفسها (الجماعة الإسلاميّة المقاتلة)، أن تبرز مرّة أخرى في التسعينات. وفي عام 1995 إكتشف النظام أن أعضاء (الجماعة) أخذوا يتكاثرون في داخل البلاد، وبخاصّة في القسم الشرقي المحافظ. ونتيجة لذلك شنّ القذّافي حملة قمع وحشيّة لتصفية معارضيه المقاتلين، وكذلك للفئات ألأكثر إعتدالا من المعارضة الإسلاميّة السرّيّة التي نمت أيضا وتوسّعت عبر البلاد. وفي عام 1998 إستطاع النظام، إلى حدّ ما، القضاء على المقاتلين الإسلاميين وأمثالهم، إلاّ أن بروزها زعزع النظام في النصف الثاني من التسعينات. وأدرك البعض أنه لمواجهة هذا الوضع، على النظام أن يعيد بناء علاقاته مع المجتمع الدّولي حتى تستطيع ليبيا أن تجدّد نفسها واقتصادها. وهذا ما دفع بالقذّافي إلى أن يسلّم المتّهمين في قضيّة لوكربي، ودخل في عمليّة التعويضات بواسطة فريق من المعاونين (العبيدي – الزوّي – كوسه شلقم) وهو ما جعل العالم يطلق عليهم فريق "الإصلاحيين". وهو أيضا ما أظهر القذّافي في هيئة أكثر مرونة.. وإضافة إلى ذلك كان هذا الفريق حريصا على إسدال السِّتار على سمعة النظام في القمع المفرط الذي تمثّل في التصفية الجسديّة للمعارضين في الخارج، والذين أسماهم بالكلاب الضالّة. وهذا الإتجاه الجديد أدّى بالزويّ السفير في لندن، إلى أن يرحّل السكرتير الثقافي بمكتبه، لأنه هجم على أحد المعارضين الليبيين المعروفين بخنجر في مؤتمر عُقد في كليّة الدراسات الشرقيّة والأفريقيّة في مارس 2001. كما أن هذا الفريق من "الإصلاحيين " رأى من الضروري أن تلتحق ليبيا بموكب العولمة بعد إنتهاء الحرب الباردة، وأن تجد دورافيه لشبابها اليافع المحروم. وعلى الرّغم من عدم الإعلان عن هذه الإتجاهات صراحة، إلاّ أن القذّافي نفسه تبنّى هذه اللّغة الجديدة.
وبعد إلغاء العقوبات عام 1999 أخذ العقيد يعلن مرارا عن ضرورة قيام ليبيا بعدم إعتمادها على النفط فقط، بل عليها تنويع إقتصادها، وفتح الباب أمام الإستثمارات الأجنبيّة. وقد أوضح ذلك في خطاب له أمام مؤتمر لرجال الأعمال الأجانب، وفي مؤتمر آخر للتطوّر والإستثمار في الجماهيريّة العظمى إنعقد عام 2000، أكّد الرغبة في في تشجيع الرّاسمال الأجنبي للمشاركة، ليس فحسب من أجل منفعة ليبيا، بل لأفريقيا أيضا باعتبارها بوّابة لها على أوروبّا. وكان أحد البواعث لهذا الإتجاه هو الحاجة إلى استعادة علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكيّة، مستهدفا الحصول على فوائد إقتصاديّة وتقنية، وشعر بضرورة إقناع واشنطن بصدق رغبته. وبدا أنه نجح في ذلك على الرغم من أن هذا لم يمنعه من مواصلة توبيخ الغرب ونعته بصفات الإمبرياليّة، من باب البلاغة اللفظيّة. وهذا أحيا بدوره توقّعات بين الكثير من الدّوائر، أن النظام قلب الإتجاه وقرّر أن مستقبل ليبيا يكمن في الإصلاح.

دخول سيف الإسلام
إن من هم في معسكر "الإصلاحيين" ربما حملوا أفكارا أكثر تقدّميّة عن مستقبل ليبيا من الآخرين التقليديين داخل النظام والذين شعروا بأن إمتيازاتهم الذّاتيّة وثيقة الإرتباط بصيانة الكيان الإشتراكي القديم "للجماهيريّة". إلاّ أن هؤلاء "الإصلاحيين" ما زالوا جزءا جوهريّا من الجيل القديم، والكثير منهم تورّط متخندقا في النظام منذ ثورة 1969. وإن بلوغ سيف الإسلام إبن القذّافي الأكبر من زوجته الثانية سنّ الرشد، جلب معه دما جديدا في المعادلة وأعطى دفعة إلى النداءات بالإصلاح الداخلي. وهذا الشّاب الغِرّ الذي تخرّج من الكليّة في فينّا سنة 2000، كان متحمّسا ونصيرا لاقتصاديّات السّوق الحر، وقد ظهر على المسرح السياسي الليبي في أواخر عام 1990، وبالدرجة الأولى عن طريق تأسيس جمعيّته الخيريّة المسمّاة "المؤسّسة الدوليّة لجمعيّات القذّافي الخيريّة". وقد أنشئت لتكون مظلّة لعدد من الجمعيّات مظهرها أنها تقدّم مساعدات إنسانيّة في الخارج، مع القيام بعمل خيري داخل ليبيا. غير أن هذه المنظّمة في الحقيقة مكّنت سيف الإسلام من أن يلعب دورا سياسيّا واقتصاديّا كبيرا في البلاد، بينما يزعم أنه لا يعدو كونه يمثّل المجتمع المدني..
(ثم تورد الكاتبة مقتطفات من أقوال سيف القذّافي عن تنويع الإقتصاد، بل وتجاوز ذلك إلى الحديث عن إمكانيّة التغيير السياسي وحقوق الإنسان: وكأنه يعرض وجها جديدا للبلاد التي انحدرت في البلاغة الثوريّة الطنّانة أثناء الحرب الباردة. على أن الحركة المثيرة التي قام بها سيف كانت إقناع والده بتعيين صديقه وحليفه شكري غانم في منصب رئيس الوزراء، على الرّغم من معارضة الحرس القديم الذي خشي أن مجيء الوافد الجديد – نسبيّا- سوف يهدّد مراكزهم، وفعلا صرّح القذّافي أمام المؤتمر الشعبي بأن مهمّة غانم ستركّز على تغيير إعتماد الإقتصاد على اقطاع العام. واعتبر تعيين غانم تحوّلا هامّا، ليس لما يدعو إليه من أفكار، بل لأنه وجه غير معروف في النخبة السياسيّة الليبيّة. "ولهذا طفا على السّطح مظهريّا أن تغيّر دور البلاد الدّولي قد دفع النظام والقذّافي نفسه إلى تبنّي مقاربة مفتوحة بالنسبة للداخل").

ترجمة وتعـليق : مخضرم


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home