Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mukhadram

Thursday, 1 June, 2006

Circle Of Fire

         

دائرة من النّار (3)

بقلم : أندرو سولومون
مجلّة "نيويوركير" الأميريكيّةـ 8 مايو 2006م

ترجمة وتعـليق : مخضرم

وسط مدينة طرابلس تقع السّاحة الخضراء. التي أضحت الآن في معظمها موقفا للسيّارات، إنها إحدى الفضاءات الواسعة مجهولة الصفة التي تروق للأنظمة العسكريّة، وعلى جانبها الشرقي توجدالعمائر الإستعماريّة الإيطاليّة التي سلمت من الدّمار، وعلى الجانب الغربي تقع المدينة القديمة وهي عبارة عن حيّ مكتظّ بالأزقّة الضيّقة والحوانيت، وتتصدّرها السراي الحمراء العتيقة وبها المتحف التاريخي المميّز، وفي الواجهة الكرنيش الموازي للبحر. والمدينة الحديثة تمتدّ في كلّ الإتجاهات، مع بعض الضواحي لفيلاّت السكن الخاصّة، وكذلك الكثير من البنايات ذات الطراز السّوفييتي؛إنها في مجملها تعكس التفاؤل والزائف الرّديء في تاريخ ليبيا القريب. وقد دُعيت يوما إلى افتتاح معرض للتطوّع أقيم داخل خيمة نُصبت في السّاحة، وخطب أحد المسئولين في الجمهور المكوّن من حوالي مائة شخص قائلا : علينا أن نبجّل أعظم المتطوّعين طُرّا :العقيد معمّر القذّافي الذي، بعكس الرئيس الأمريكي، لايتقاضى مرتّبا ولكنّه "من فرط حبّه وتكرّمه"رضي بطيبة خاطر أن يحكم البلاد.. "لا إله إلاّ الله ومحمّد(ص) نبيّه، والقذّافي هو تجسيده العصري على الأرض!"وقد صرخ أحدهم من بين الجمهور. ومثل هذا اللّغو المعلن تجده في لافتات معلّقة عبر ليبيا، تصوّر القذّافي يشعّ على هيئة منتصر تذروه الرياح ككلارك جيبل. وهذه اللافتات هي أوّل ما يشاهده الزائر؛والشيء الثاني هو أكوام القمامة أينما ذهبت، حتى بين الأطلال الإغريقيّة والرّومانيّة المدهشة في المدن الأثريّة شحّات، صبراته، ولبده، حيث تصادف زجاجات البلاستيك والأكياس والأوراق وعظام الدجاج والعلب : وكأنها شريط مصوّر للمشهد. وقد قال لي أكاديمي ليبي "إنها طريقة الليبيين للتبوّل على النظام .. والقائد في الواقع لا يعبأ بهذه البلاد. فلماذا نجعلها جميلة من أجله؟" إنها من المتناقضات التي تستوقف المرء حقّا في هذه البلاد : فالليبيّون الذين يكرهون النظام ولكنهّم يحبّون ليبيا، لا يستطيعون القول إلى أين ينتهى الإنسان ومن أين يبدأ. وربّما يعتبر القاريء ذلك من باب المديح المعكوس لأيديولوجيّة الدولة.

في بداية السبعينات خاب أمل القائد في نقص الحماس الثوري لأبناء وطنه، فانزوى في الصحراء ليكتب "الكتاب الأخضر"الذي قدّم فيه نظريّته العالميّة الثالثة كنظريّة تتفوّق على الرأسماليّة والشيوعيّة : على الأفراد أن يملكوا منازلهم؛اراضي الآخرين ملك مشاع. في عام 1977 صدر إعلان قيام سلطة الشعب، مدشّنا الجماهيريّة أو "دولة الجماهير" والطريقة الليبيّة في "الديمقراطيّة المباشرة" حيث "تحكم" البلاد من المؤتمرات الشعبيّة التي يسمّيها "الكتاب الأخضر" "رقابة الشعب على الحكومة". وبهذا وُلدت الجماهريّة العربيّة الليبيّة الشعبيّة الإشتراكيّة العظمى والتي تختصر – للتذكير- في( ج ع ل ش ا ش ع العظمى). يقترح الكتاب الأخضر على كل بلاد – حتى تتفادى النزاع الداخلي – أن يكون لها دين واحد، دون أن يذكر هنا الإسلام. والقذّافي يزعم أن وثيقته"المانيفستو" هذه تحتوي على المعتقدات الأساسيّة للقرآن (فمثلا مساواة تامّة، والزكاة التي فرضها القرآن توزّع طبقا لسياسته في الرّفاه الإجتماعي) وبذلك فهي بمثابة الشريعة. وعلاقته بالإسلام لها جانبان : يستمدّ منه ما يعزّز سلطته، بينما يعادي الإسلاميين لأنه لا يرحم خصومه على هذه السلطة.

إن العقدين الحادّين اللذين تليا ذلك استغرقتهما البلاد في :عمليّات الشنق المعروضة في التلفزة، حرق الكتب الغربيّة وآلات الموسيقى، الحظر الفجائي للشركات الخاصّة، معاداة مكثّفة للصهيونيّة، التضامن الرسمي مع الجماعات الإرهابيّة. وقد لقي ذلك استنكارا دوليّا شديدا. ووضع ليبيا كدولة مارقة معزولة أتاح للقذّافي أن يرسّخ سلطته، وأن يلعب دور الحامي لشعبه المحاصر، وهو الدور الذي يبرع في أدائه. أحد الليبيين، وكان في منتصف العمر وعاش في الولايات المتحدة حتى 11 سبتمبر وما فتيء يحنّ إليها، تحدّث عمّا هو خاطيء في ليبيا القذّافي مستدركا : "ولكن ما كنت حيث أنا لولا الثورة. إنهم يدفعون من أجل دراستي، أرسلوني إلى أمريكا، ومنحوني حياة ما كنت أحلم بها بدونهم". هذا الوصف يعكس جزءا من حقيقة أن ليبيا ما قبل الثورة كانت فقيرة. فقد استفادت الجماهيريّة من الزيادة الدراماتيكيّة في أسعار البترول التي بدأت في السبعينات، ومن النصيب الفادح من عوائده الذي فرضته على الشركات الأجنبيّة، فكان الدخل من البترول في منتصف السبعينات يعادل حوالي عشرة مرّات ما كان عليه في منتصف الستّينات. وبذل سمحت أموال البترول بالإستثمار في التعليم والبنية التحتيّة. ومعدّل معرفة القراءة والكتابة في ليبيا ارتفع من حوالي عشرين في المائة، قبل أن يأتي القذّافي إلى الحكم، إلى إثنين وثمانين في المائة. وارتفع متوسّط العمر المتوقّع من خمس وأربعين سنة إلى أربع وسبعين، وقد شُيّدت أكثر من ثمانين ألف كيلو متر من الطرق. والكهرباء عمّت تقريبا.

وهكذا أصبح القذّافي ببساطة عند معظم الليبيين حقيقة حياة. فمن عدد الستة مليون مواطن هناك سبعون في المائة وُلدوا منذ وصوله إلى لحكم. وخلال هذه الفترة فعبادة شخصيّته انبعثت ثم خبت، بشكل يجعلها تتطابق نوعا ما مع مرحلة الزعامة السوفييتيّة : لحظة عنيفة شبيهة بالطراز الثوري اللينيني، عندما آمن الكثيرون بالمُثل العليا؛ثمّ الفترة الستالينيّة المتسمّة بالإضطهاد الوحشي والعنف المتعمّد؛ثمّ فترة خروتشوفيّة طويلة من الدفء الهاديء؛والآن فترة ذات طراز بريجينيفي من الفساد والفوضى والشُّلليّة. فالكثير من المعجبين بسيف القذّافي يأملون في أن يمثّل دور ألإصلاحي جوربيشوف في القصّة ..
القول إن مجتمعا إستبداديّا في جوهره يستطيع أن يخوض عمليّة إصلاح، لهو قول يعكس مدى تعاسة الأمور هناك. لقد سمعت في طرابلس عن الحياة داخل السجن من أناس كثيرين جريمتهم الوحيدة ضدّ الجماهيريّة كانت انتقادهم لها. في عام 2002 سُجن موظّف سابق لأنه طالب علنا بانتخابات حرّة وصحافة حرّة؛وأُطلق سراحه في بداية 2004 ، لكي يزجّ به في السجن مرّة أخرى بعد أسبوعين لأنه انتقد النظام لدى المراسلين الأجانب؛وصحفي في الإنتيرنيت نشر تقارير نقديّة للحكومة قضى سبعة شهور في السجن في السنة الماضية بتهم ملفّقة. وهناك "مراكز إصلاح إجتماعي" – في حقيقتها مراكز إعتقال- مفترض فيها أنها لحماية النساء اللائي إنتهكن قوانين تحريم الزنا والفسق، وبعضهن في الواقع كنا ضحايا الإغتصاب وطردن من عائلاتهن. وإية واحدة منهن في هذه المجمعّات لا تستطيع مغادرتها إلاّ إذا أخذها في حمايته أحد اقٌربائها من الرجال أو خطيب طلب يدها. وأكثر القضايا شيوعا قضيّة الممرّضات البلغاريّات اللاتي اتهمن عام 1999 بأنهن حقنّ عمدا أربعمائة وستّا وعشرين طفلا في مستشفى ببنغازي بالأيدز. ولقد جرى تعذيب الممرّضات حتى اعترفن، وحُكم عليهنّ بالموت في مايو 2004 . وعند الناس خارج ليبيا، تعتبر التهمة شاذّة وملفّقة؛وعند معظم الليبيين فمن تحصيل الحاصل أن الأطفال تمّ حقنهم عمدا والمرجّح جدّا أن البلغاريات مذنبات.(بينما يضع المحقّقون الغربيّون اللوم على رداءة العناية بالتعقيم، ويجزم أحد الأطبّاء الليبيين أن الأطفال الذين كانوا في عنبر الممرّضات هم فقط الذين تلوّثوا، وعندما تركن العمل توقّف التلوّث، على الرغم من أن أحوال التعقيم الصحّي في كلّ العنابر لم تكن مثاليّة) . وقد قال سيف إن الأحكام كانت ظالمة، وهو موقف شجاع يوضّح مدى أهميّة أن يظهر بأنه غير خاضع للضغط الغربي. بينما أوضح موظّف حكومي شاب قائلا :"طبعا الأخ الكبير طلب من سيف أن يقول ببراءة الممرّضات حتي يتمكّن من معرفة كيف سيلعب لعبته، ولتي لعبها بشكل سيّء" وبعد شهور قليلة إتخذ القذّافي خطّا صارما، إذ أوضح أن الحقن سبّبته "منظّمة تهدف إلى تدمير ليبيا." علما بأن المفاوضات ما تزال جارية مع البلغاريين، والمحكمة العليا في ليبيا منحت المتهمات محاكمة جديدة، ستبدأ في مايو.

القذّافي ليس كصدّام حسين أو عيدي أمين. لقد كان وحشيّا وذا نزوات، ولكنه لم يقتل عددا كبيرا من أبناء شعبه. ومحظور قانونيّا قذف القائد، والقانون 71 يقرّر حكم الإعدام على أي جماعة تنشط في معارضة الثورة، ولكنه قليلا ما طبّق بصرامة في الآونة الأخيرة. وليبيا وقّعت على ميثاق الأمم المتحدة ضدّ التعذيب، وصرّح وزير العدل بأنه سيجعل ليبيا تلتزم بالقواعد الدوليّة لحقوق الإنسان. وبعض هذا هو من قبيل التزويق الخادع. فقد قال لي محامي من طرابلس "أغلقوا سجون الشعب، التي أودع فيها سجناؤنا السياسيّون، فماذا جرى بعد ذلك؟ لقد حوّل السجناء السياسيّون إلى سجون أخرى. وقال لي وزير الخارجيّة عبد الرحمن شلقم مفتخرا :هناك أربعمائة شرطي قبض عليهم بتهمة إساءة حقوق الإنسان، ثمّ اعترف الوزير بأن لا أحدا منهم ثبتت عليه الإدانة.. وفي السنة الماضية قام عمر الككلي، وهو كاتب روايات خياليّة مرموق وكان سجينا سياسيّا لعشر سنوات في السبعينات والثمانينات، برفع قضيّة ضد الحكومة الليبيّة لإقصائها السجناء السّابقين من عضويّة رابطة الكتّاب الليبيين. وقال :"لقد خسرت القضية وكنت أعلم أنني سأخسرها، ولكن أردت أن أسجّل الأمر." كما قال لي طالب طبّ في جامعة الفاتح "حسنا فلنفترض أنهم حلّوا أربعة في المائة من المشاكل الجديّة، فهذا في رأي يمثّل شيئا." وقال مسئول في بنغازي : "القوانين التي كانت مصنوعة من الصخر صارت الآن مصنوعة من الخشب".

قليل من الليبيين يميلون إلى تجربة أي نوع من الحريّات المدنيّة لديهم. لقد قال جمعة عتيّقة، وهو محامي حقوق إنسان وأحد مؤسّسي جمعيّة سيف القذّافي، "الخوف كثيف جدّا ومنغرس عميقا في النفوس، ويمكن لأعلى مسئول أن يقول للناس أن يتحدّثوا بحريّة وصراحة، مع جميع الضمانات بالسلامة إن فعلوا ذلك، إلاّ أن الكلمات تتوقّف في حناجرهم ولا تخرج". وفي الحقيقة يعتبر جناية تجرّ معها حكما بثلاث سنوات سجنا أن يناقش المرءالسياسة الوطنيّة مع الأجانب، وعلى الرغم من أن هذه الجرائم تكرّر الحكم فيها قليلا في الآونة الأخيرة، غير أن معظم الليبيين يتحدّثون في مثل هذه الأمور وهم متخوّفون.. والجوّ العام يذكّر بالجوّ السّوفييتي الأخير المشبع بالممنوع، السرّي، الحذر. مع أنه ليس هناك ما يوجب الموت عموما.. لقد طُلب منّي ألاّ أذكر أسماء في الهاتف أو في (الأيميل). وأناس عديدون طلبوا مني ألاّ أسجّل أرقام هواتفهم خشية أن أفقد كراّسة ملاحظاتي ..وقد قالت لي إمرأة صريحة "إنني أتحدّث من صميم قلبي، أحمل الأرقام في دماغك." والرقابة في ليبيا مفسدة منحرفة، لقد حُذّرت من أن سائق سيّارة الأجرة الذي ساعدني في تجوالي كان يخبر جهاز الأمن، وعلمت أن هاتفي المحمول يجب ألاّ اعتبره جهازا خاصّا. وكمثل على ذلك لقد اندهشت عندما سألني مرافق صحفي عن تفسير معنى ورد في إيميل أرسلته لعائلتي منذ بضعة أيّام . ولقد خاطبني يوما موظّف في مكتب سيف بلهجة ناقمة قائلا :"لقد سُمعتَ في الهوتيل وأنت تقول بدون وجه حقّ إنك غير سعيد بالخدمة التي نقدّمها إليك." وفي إحدى الليالي تناولت طعام العشاء مع أحد البيروقراطيين الذي اشتكى من الأوضاع السياسيّة المحليّة. وأخبرني أنه تم التحقيق معه لفترة طويلة بعد إجرائه لمحادثة مع أجنبي. وقال"المحقّقون لدينا تدرّبوا على أيدي خبراء من كوبا وألمانيا الشرقيّة وسوريا ولبنان ومصر، على الأساليب الوحسيّة القاسية، ويتجسّسون خلسة في أحسن الأحوال." وعندما أنهينا عشاءنا أخذ النادل جمييع صحوننا، ثم عاد ووضع علبة السكّر مرّة أخرى. فسألت البيروقراطي "لماذا علبة السكّر؟" فنظر إليّ نظرة كئيبة ماكرة وأجاب : "العلبة الأخرى فرغ شريط التسجيل فيها"!

ترجمة وتعـليق : مخضرم


         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home