Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mukhadram

Thursday, 1 March, 2007

   
   

إصلاح المستحيل ..
رشّ الملح عـلى جروح قديمة!
(1)

ترجمة وتعـليق : مخضرم

تمهـيد
يوم 20 فبراير الفائت نشرنا على هذا الموقع الوطني ترجمة لتحليل نشرته مجلّة (بيزنيس ويك) الأمريكيّة حول مخطّط البروفيسور (مايكيل بورتير) الإقتصادي الأمريكي الشهيربجامعة هارفارد، لإصلاح الوضع الإقتصادي في قذّافيستان،وأعقبناه بتعليق مختصر لأحد النقّاد الذي لم يعجبه سقوط هذا القطب الأمريكي في درك القذّافي العبثي،ثم نشرنا ترجمة للمقابلة التي أجراها مع الأستاذ الأمريكي مراسل المجلّة أثناء زيارته لطرابلس،ووعدنا بالتعليق عليها. والحقيقة أننا كليبيين متابعين لواقع بلادنا المزري رصدنا وكشفنا مخازي حكم القذّافي منذ سنين،لاسيّما خزعبلاته عن (الإصلاح). ويكفي إستحضار سلسلة مقالات تحليليّة نشرها كاتب هذه السطور عقب تعيين شكري غانم رئيسا لجهازه التنفيذي مباشرة في يوليو 2003 تحت عنوان (محاولة لفهم ورطة شكري غانم) وقد قدّمنا لها بالقول :"ما كان لنا أن نعير أي إهتمام لما جرى في الشهر الماضي من جماهيريّة القذّافي - ونعني به إعلانه الصّاخب عن الخصخصة واختياره للدكتور شكري غانم ليتولّى رئاسة جهازه التنفيذي- فالليبيّون تعوّدوا على هذه الخزعبلات مدّة ثلاثة عقود ويعلمون مقدّما ما ستؤول إليه : فلا شيء جديد في جماهيريّة القذّافي التي يسعد فيها هو فقط مع أولاده والأقرباء من قبيلته،لولا أن بعض المعلّقين العرب والأجانب،ومنهم من كتب جادّا،أوضحت أن بهلوانيّة القذّافي إنطلت عليهم،بل وصل الأمر ببعضهم إلى أن يتحدّث عن ثورة جديدة أطلقها القذّافي ليغيّر بها هيكل نظامه. وغاب عنهم أن الأمر لا يعدو لبس قناع جديد لتجميل وجهه،سينزعه قريبا ويضعه جانبا مع الأقنعة السابقة،ثم يرتدي القناع الجديد والثوب الجديد مثلما يغيّر فساتينه وألوانه كمهرّج السّيرك".
ثم انطلقنا لتحليل زيف التدابير الأصلاحيّة وعقمها،متوقّعين – بحكم معرفتنا الجيّدة بشكري غانم- أنه لن يبقى في منصبه أكثر من سنتين،ثم أفصحنا عن صدق التنبّؤات بعد مضيّ الأشهر الأولى،واعتبرنا تجربة شكري غانم في الحكم (كحصاد الهشيم). وفعلا عزله القذّافي بعد مرور سنتين وأشهر قليلة مردّدا في مؤتمره الشعبي وصفه بشكري طماطم! وذلك بعد أن جعله يقوم بدفع تعويضات لوكربي وتوابعها والتي بلغت ثلاثة آلاف دولار،رغم أنّنا حذّرنا شكري حتى لا يلطّخ سجلّه بهذه الوصمة،وأخيرا ألصق بحكومته مذبحة القنصليّة الإيطاليّة في بنغازي ثمّ لفظه.. وفي الجعبة المزيد.

من صمّم النظام ولماذا؟
جاء ذكرنا لهذه الخلفيّة بمناسبة محاضرة وتصريحات البروفيسور الأمريكي بورتير،التي إن مضينا نحقّق في ثناياها،فإننا سنغضّ الطرف فيها عن الجّمل المداهنة هنا وهناك المدّعية لحسن النيّة والإستجابة لدعوة إبن القذّافي (وقد وصفه بنيله للدكتوراه من الجامعة اللندنيّة المرموقة،متجاهلا أنه عاجز عن نيلها فعلا)،ولكي يضع خطّة إصلاحيّة،سبق لنا الإطّلاع عليها كاملة في حينها،ويمكن إختزالها في تطعيم الإقتصاد الليبي المنهار ببثّ روح التنافس،وتشجيع السياحة وخوصصة القطاع العام والتطوير المصرفي وتدريب مهارات ليبيّة في كل المجالات لتقوم بالأعباء الجديدة. وكأن هذه الأفكار التي مضغها الليبيّون بما فيهم القذّافي عشرات السنين،تحتاج إلى أن يقبض عنها البروفيسور (القورو – أي القطب المهيب كما يُطلق عليه) سبعة عشر مليونا من الدّولارات،كما يقول العارفون،والله أعلم!
إلاّ أننا سنتوقّف أمام عبارت معيّنة تلاث قال في الأولى منها :"لقد صُمّم النظام لكي لا يقوم بأيّ عمل"! وهي جملة مثقلة بدلالات عميقة وكثيرة،ليس أقلّها إثارة أن نظام القذّافي بمجمله مصمّم. والسؤال: (مِن مَن؟). وكونه لا يعمل فهو فعل متعمّد،فلماذا جاء البروفيسور وزمرته لتغيير هيكليّته وهو يعرف إستحالة ذلك في ظلّ صاحبه؟ ولا غرابة في أن تقوم وكالة رويتر العالميّة بانتقاء هذه العبارة بالتحديد لتوزّعها في تقريرها عن الحدث يوم 28 فبراير. وعندما سأله المراسل عمّا إذا كانت سيطرة عائلة القذّافي تشكّل عائقا،أجابه بأن صنع القرار موزّع في البلاد،وأنها لاتُسيّر كديكتاتوريّة. وهو ما التقطه إعلام القذّافي جذلا،وربطه بنظريّات الكتاب الأخضر،وأبرزه وعمّمه كأنه التصريح الوحيد الذي تفوّه به العلاّمة الأمريكي،والأغرب من ذلك أن الخبير الأمريكي ذكر مبرّرا تفاؤله باتجاه القذّافي إلى طريق الإصلاح "لأن الكتاب الأخضر يتحدّث عن الإعتماد على الذّات" وهي عبارة ليست واردة في الكتيّب المذكور،ممّا يدلّ على أن المصلح الهمام لم يقرأه جيّدا،ولكنّه شعار أطلقه القذّافي وعلّقه في ميادين ليبيا لعشرات السنين ويقول "لا حريّة لشعب يأكل من وراء البحر"،ولم يصحّحه إلاّ في الآونة الأخيرة ليكون "من وراء الحدود" وكأنه إكتشف أن السلع الغذائيّة ترد لفردوسه الأرضي بالبرّ أيضاّ! وبعد انتهاء عرس (بورتير) وسيف القذّافي في فندق (كورنثيا) ثم مقابلته لأحد أبناء القذّافي (معتصم أو السّاعدي) المسئول عن الأمن (ما علاقة ذلك بموضوع خصخصة الإقتصاد؟) وغادر أرض النظام البديع،شرع في إعطاء تلميحات مغايرة في تصريحاته الصحفيّة،مثل قوله للصحفيّة (دانييلاّ نيميرينكو) محرّة نشرة (كريمسون) يوم 27 فبراير :"إنني لم أقم شخصيّا بعمل الكثير من (الخطّة) ولكن الشركات الإستشاريّة هي التي قامت بذلك". وأضاف أن خبراء هارفارد الذين ساهموا في الدراسة كانوا بصفتهم الشخصيّة ونيابة عن شركاتهم،وليس باسم هارفارد،وكأنه يريد أن يتبرّأ ممّا قد يلحقه من الدراسة وارتباطاتها من حرج أو مسّ بسمعته العلميّة!

مادلين أولبرايت.. ثمّ بدبّوس
والخلط والخطأ والخطل في فهم واقع ليبيا وأفكار القذّافي الحقيقيّة،كلّها سمات للخبراء الأمريكيين الذين ما فتئوا يقيسون أنفتاح القذّافي وتوجّهاته الإصلاحيّة بمقياس إنفتاحه على شركاتهم البتروليّة وغير البتروليةّ،لتضاف إليها الشركات الإستشاريّة. وقد أصبحت الآن تنافس صندوق النقد والمصرف الدّوليين الذين حبّرت بعثاتهما العديدة في السنوات الأربع الماضية تقاريرها بنفس النصائح والإرشادات. وليس أدلّ على ذلك من أن (المعهد القومي الأمريكي للديمقراطيّة) الذي تترأسّه مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكيّة السّابقة في عهد كلينتون،أرسل بعثة مكوّنة من ثلاثة من أساطين الفكر والسياسة،وأقاموا في البلاد لدراسة أوضاعها لأكثر من أسبوع أطلعوا خلاله على كامل مشمولات النظام،لكي يذكروا في تقريرهم أن مؤتمر الشعب العام هو الحكومة،وأن أمينه العام (أي الزناتي) يعادل منصبه منصب رئيس الوزراء،ثمّ يزيدوننا علما بأن (اللجنة الشعبيّة العامّة) تحلّ محلّ مؤتمر الشعب العام في غيابه! أي أن مؤتمرات الدكتور رجب بو دبّوس ومحاضراته في المدرّج الأخضر على شخصيّات العالم من الغرب الأمريكي إلى الشرق الرّوسي والأوكراني،لم تفلح حتى في تعليمهم هذه الجزئيّة التنظيميّة من النظام البديع. وبودبّوس هذا لم يخجل من القول يوم أمس في مؤتمر الدّجل العالمي بسبها،من أن الشعب الليبي إختار هذه النظريّة منذ ثلاثين سنة،وهو يطبّقها لأنه وجد فيها ضالّته في الحريّة والديمقراطيّة ورفاهيّة العيش.. والمؤتمر المذكور لم يحضره إلا مرتزقة غُفل من أيّة صفة ثقافيّة،بينهم (هقّاص) مصري أذهل الحاضرين أثناء المداولات ليقرأ قصيدة سمجة ركيكة في تبجيل (معمّرُ) ليختمها بذكر إسمه كاملا،حتى يهتمّ بالأمر رجالات الثقافة الجماهيريّة ويعدّوا له قسيمة الدفع.. كما جلس على منصّة اللقاء عجائز طاعنون في السنّ،وأمسوا مهمّشين في بلدانهم قبل رحيلهم،مثل رومان دوما وزير الخارجيّة الفرنسي في عهد ميتران،والذي ختم حياته في السنة الماضية بفضيحة (مجلجلة) حوكم وعوقب بسببها لأنه ارتشى من إحدى الشركات ليثري عشيقة له،أو روبرت مورفي وهو أفشل وكيل لوزارة الخارجيّة الأمريكيّة عمل منذ ثلاثة عقود مضت لحلّ مشكلة فلسطين،فزادها تعقيدا وعزّز خلالها من الصلف الإسرائيلي..

رشّ الملح عـلى الجروح
ولأن ذكرى مذبحة بنغازي التي ارتكبها زبانيّة القذّافي قد مرّ عليها عام الآن،فقد ظهرت على أثرها دراسة أمريكيّة معمّقة،نُشرت آنئذ في مجلّة (الإقتصاد السياسي الأفريقي)،وكتبت لها الأكاديميّة (أليسون بارقيتير) مقدّمة عالجت فيها أسباب مشاعر الإحباط والتوتّر التي تغلي في نفوس الليبيين. وكانت إنتفاضة بنغازي الّدّمويّة إحدى إنفجاراتها،ملوّحة إلى أن أهمّ العوامل كانت خيبة الأمل المترتّبة عمّا توٌّقّعوه من دعاوى الإصلاح والتغيير في سياسات وسلوك النظّام القذّافي. فمنذ عام 1999 بعد الإنبطاح وحتى الآن "فإن ليبيا ما برحت تعاني من المستويات المذهلة للفقر وتفاهة البنية التحتيّة والبيروقراطيّة الضخمة والعاجزة،وهو ما يتجلّى واضحا في تعبير ليبي شعبي مضحك يقول:إنه عندما جاء خبراء الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة إلى ليبيا،لم يجدوا أية أسلحة دمار شامل،ولكنّهم وجدوا فقط دمارا شاملا."! كما ذكرت المحلّلة البارعة. ثم تستطرد لتؤكّد أن المعوّق الرئيسي للإصلاح يكمن في طبيعة ما يسمّى بنظام (الجماهيريّة) وما نتج عنه من تعقيدات وارتباكات لا نهاية لها،تتمحور حول وتفرزها العبادة الشخصيّة لقائد النظام،وبذلك فليس هناك إرادة سياسيّة لتفعيل أي تغيير داخلي. ثمّ توضّح الإجراءات التجميليّة التي تطفو على السطح دون الإتجاه الفعلي لتحقيق تنويع في الإقتصاد،وبالتالي فإن الدراسة ستبرهن كيف تعامل القذّافي مع "البيئة الجديدة بتوظيف نفس التكتيكات التي استخدمها دائما في الماضي،أي تقديم تغييرات ضيّقة النطاق من شأنها التأكيد على أن كلّ شيء يبقى على ما هو عليه"!
وبما أن الدراسة التي سنترجمها في حلقات حملت عنوان (إصلاح المستحيل)،وتزامن صدورها مع نشر الخطوط الرئيسيّة لدراسة (مايكيل بورتير)،فقد جاءت في الحقيقة مسفّهة لمنطلقاته ومدحضة لفهمه السطحي للنظام الذي جاء لإصلاحه،ممّن كشف في تشخيصه حقيقة جروح ليبيا،وأن ما يجري هو رشّ للملح على هذه الجروح. وهو الوصف الذي ستُختم به الدراسة. ونحن ننشرها أيضا تحيّة لمؤتمر الدجل الإرتزاقي في سبها!
(يتبع)

ترجمة وتعـليق : مخضرم


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home