Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Muhajir
الكاتب الليبي المهاجر

Monday, 23 April, 2007

   

دولة المؤسسات.. (2)

المهـاجر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال تعالى ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ، إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ) الجاثـية
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمدٍ وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ..

إننا عندما نتحدث عن قضية تطبيق الشريعة .. فإن الكثيرين يتبادر إلى أذهانهم .. تطلعنا لتطبيق القانون الجنائي الإسلامي " الحدود ونظام العقوبات " وكأن الإسلام ليس إلا سيف وسوط !!
ثم تراهم بناءً على هذا الفهم المغلوط ؛ يبنون موقفهم ويظهرون تأففهم من عدم واقعية وجدية الطرح ، وعدم معاصرته ، وانعدام سبل تطبيقه في ظل الظروف والضغوط العالمية .. إلى آخر شعارات الوهن والهزيمة والإرتهان .. الناتجة في الأصل عن إنحراف الفهم ، والقصور في الإستيعاب .. وأخرى لا ضرورة لذكرها هنا ..!!

إننا أيها الإخوة والأخوات الأفاضل ..
نؤكد دوماً على ضرورة التفريق والفصل بين الدين كمنهج ورسالة وأمانة ربانية خاتمة ، وبين تاريخ وواقع التدين كإسقاط وتجربة وخبرة بشرية يعتريها ما يعتري جهود الإنسان من النقص والإنحراف والقصور .. وقد جعلت هذه القاعدة منطلقاً لي ولمن يتفق معي عليها ؛ لنفض غبار الطريق ، وفك الإلتباس والإشتباك الذي أورثته سني الغبش والتغييب والوصاية والقهر على شعوبنا ، الأمر الذي يدفعنا دوماً للتركيز على ضرورة النقد البناء ، والدعوة إلى إعادة تقييم وتقويم المسار ؛ كمقدمة للنهوض والإصلاح ، وقد كان مما ترتب على هذه المسلمة ، أننا ندعو الناس لاستلهام مشروعاتهم البشرية ضمن أصول وخطوط ومقاصد النصوص الشرعية ، ولم يظهر لنا حتى الآن ما يمكن أن نسميه أو نطلق عليه تعارض أي مصلحة إنسانية وطنية حقيقية معتبرة ، مع توجهات وتوجيهات المنهج الإسلامي ..

فإذا ما تقررت الأصول ، وأخذ الإسلام موقعه ومكانته في هداية العقول ، وبلورة الرؤى ، وصياغة مشروعات النهضة على قاعدته الربانية المتميزة ..

أقول .. لا نبالى وقتئذ من أن نمد أيدينا لكل نافعٍ من مكتسبات البشرية الراشدة وتجاربها الموفقة .. والمقصد من كل ذلك ؛ ألا نتورط في جعل النتيجة تتخطى مقدماتها .. فتتكرر المأساة ، ويترسخ الإنحراف ، وتزل قدم بعد ثبوتها ..

إن الوضع الطبيعي هو أن يكون الإسلام هو الأصل الذي ينبغي أن ننطلق منه ونؤوب إليه ، لا أن نجعل منه ضيف شرف نرحب به ونقبل رأسه ونكرمه بمعسول الكلمات .. ثم نتجاوزه ونخالفه ولا نلتفت إلى منهجه القويم وشرعته الهادية ..!!

إن توعية نخبنا وشعبنا .. واستفاضة البيان في حقائق وهدايات الرسالة الإسلامية الخاتمة ، والتميز في طرح هذه الرؤية دون لبس أو إلتباس ، أو قص أو بتر أو حذف ، وإقامة الحجة على المخالفين ، هي المقدمة الأولى والمدخل الأساس في مشروع إزالة الغشاوات وحشد طاقات الأبناء ، وتصفية الأجواء وترتيب المدارك وتحصين الثغرات ، التي طالما تسلل منها الأعداء والخصوم تحت دعاوى الحرية والتقدمية والقومية والوطنية العريضة ، وزخارف القول الخادعة التي أهدرت على مذبحها كرامة شعوبنا وبعثرة ثرواتها وعبث بمقدراتها ومكتسباتها ؟!!

يبقى أن نشير إلى أن سياسات التجهيل بالإسلام وتجفيف منابعه ، التي عانى منها جيلنا وتشكلت وفق معطياتها ثقافته القاصرة عن المنهج الإسلامي ، وتراكمت نتائجها على كاهل الأبناء المخلصين ..

أن كل ذلك لا يصلح أن يكون مقدمة يستدل بها على وضع كومة الأبناء الضحايا في كفة الراغبين عن الشريعة الإسلامية ، وتصنيفهم على الجملة ضمن فصائل المتأهبين للجري خلف سراب الديمقراطية وأباطيل العلمانيين ..

إن هذه الشريحة العريضة من شعبنا المسلم السليب ؛ قد حيل بينها وبين دينها وسنة نبيها الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وقرآنها بشكلٍ قد أينعت فيه ثمراته النكدة ، ولكن دون أن تفقد هذه الشريحة الصفة الأصلية في انتسابها للإسلام واعتزازها به ، ودون أن نفقد نحن الأمل في إعادة صياغتها وتأهيلها والإرتقاء بها ومعها ؛ لمواصلة مشوار إخلاصها للرب المجيد والعمل لدينه والإستقامة على شريعة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه ..

إن جل أفراد الشريحة العظمى الصامتة في مجتمعنا الليبي .. يندرجون من حيث التكييف الشرعي تحت مسمى " المسلم مستور الحال " وهو كل من أقر بالشهادتين ولم يظهر منه ناقض صريح معتبر .. وهو ما يقرره علماء أهل السنة الأثبات .. قال الإمام ابن حجر ( فمن أظهر شعائر الدين ، أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك ) فتح الباري 1 / 497
قال إبن بطال ( من ثبت له عقد الإسلام بيقين ، لم يخرج منه إلا بيقين ) فتح الباري 12 / 314

وهنا تظهر المغالطة .. بإسقاط الفرق بين فئة العلمانيين المناوئين لدعوة القرآن والمعارضين لتطبيق شريعة الرحمن المنزلة ، وبين شريحة المؤمنين المغيبين والمكرهين في أغلب الأحوال على الإسرار بدينهم ، أو المحجوبين عن استيعاب بيناته والوقوف على هداياته ..!!

إنه مما يتحتم على حملة اللواء من الأبناء المخلصين .. أن يركزوا رؤيتهم على محاور وآفاق المشروع الرسالي الراشد .. بحيث ينصب البيان والخطاب لتحديد ملامح ( دولة المؤسسات ) التي تقوم على قاعدة الشريعة وتستهدف تحقيق مقاصدها .. وتتبنى فقه التدين المنضبط بأقباس الهدى ، بحيث ننتفع بتجارب من سبقنا ومن هم حولنا ، ونحور ما نقتبسه ونضفي عليه من روحنا ؛ بما يجعله جزءاً لا يتجزأ من نسيج ثقافتنا العامة ، وصبغتنا الربانية الخالصة ..

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله ( إن الإسلام يواجه الواقع دائماً ، ولكن لا ليخضع له ، بل ليخضعه لتصوراته هو ومنهجه وأحكامه .. وليستبقي منه ما هو فطري وضروري .. إن أولى بوادر الهزيمة هي اعتبار الواقع أياً كان حجمه هو الأصل الذي على شريعة الله أن تلاحقه ، بينما الإسلام يعتبر أن منهج الله وشريعته هي الأصل الذي ينبغي أن يفئ الناس إليه ، وأن يتعدل الواقع ليوافقه .. إنه يعدله وفق منهجه ؛ ثم يدفع به إلى الأمام ، وفرق بين الإعتبارين بعيد ، فرق بين اعتبار الواقع الجاهلي هو الأصل ، وبين اعتبار المنهج الرباني هو الأصل ) بتصرف / الإسلام ومشكلات الحضارة

إن الخلاف المحمود الذي نخوض اليوم بعضاً من ضروريات مباحثه .. ينبغي ألا يُفهم منه أبداً .. أننا يمكن أن نرضى بالإستبداد ، أو نقبل بالظلم ، أو نروج للتخلف والتحكم في مصائر وأرزاق وكرامة أمتنا السليبة وشعبنا الأبي ..!!

إن مشروعات الحداثة والإستلاب والتحريف قد سجلت فشلاً ذريعاً ، وحققت تراجعاً وتخلفاً وانهياراتٍ بالغةٍ بكل المعايير ، وقد أثبتت أن أصحابها غير مؤهلين حتى لإصلاح مزرعة أبقار .. فضلاً أن نمنحهم اليوم فرصة التعامل مع شعوبنا المسلمة كقفص من الفئران البيضاء ، ليجربوا عليها آخر مبتكراتهم ومستورداتهم وأباطيلهم المهترئة ..!!

فإذا ما تقرر أن الإسلام عقيدة وشريعة ؛ بمعنى أنه دين ودولة لها مرجعيتها وبرامجها وسياساتها ومواقفها واجتهاداتها .. وعلى أساسٍ من التجربة والإعتبار مما جرته علينا الجاهلية بخيلها ورجلها ..

فإنه لا خيار لنا إلا أن نغذ السير لصياغة مشروعنا وبلورة مقدمات التغيير .. ليلتحق الجميع بقافلة المؤمنين .. وليكون لليبيا والليبيين دستورهم المؤمن ؛ الذي يصبغ سياسات وبرامج وآفاق مشروع النهضة والإصلاح بمعاني الفضيلة وبمقررات الإستقامة والتقوى ..

إن تعديل المناهج والسياسات التعليمية ، وتأصيل الحريات الفردية والعامة ، وتنظيم الحياة السياسية والإعلامية وفق ضوابط الشريعة لتحقق مقاصد العبودية ، وضمان صيانة واستقلال مؤسسات القضاء ، ووفصل تداخلات السلطات عن بعضها البعض ليتحدد مسارها وتتحمل مسؤلياتها ..

وأن تأخذ أخواتنا المؤمنات المكان اللائق بالشقائق في إدارة عجلة التغيير والإصلاح والبناء والنهوض .. بحيث نرتقي بمسؤوليات الفرد وننهض بواجبات المجتمع ؛ لتكون على مستوى الأمل وعلى مستوى الرسالة وعلى مستوى تحديات الأزمة وتراكماتها وتداعيات الساحة الداخلية ومشكلاتها ، وضغوط الخارج وتوازناته ..

أقول .. أرجو ألا يخطر ببال القارئ الكريم أن شيئاً من ذلك الإنضباط يمكن أن يسبب حجراً على العقول المؤمنة ، أو يحول بين أهل الإبداع وجهودهم ؛ فالأمر فيه سعة .. بل هو السعة بعينها ، والمهم أن يتنوع ويتعدد العطاء في إطار الثوابت وضمن المقررات التي تحفظ هوية الفرد والمجتمع .. وتضبط مصالح الدولة وهيبتها .. وترعى كرامة الأمة وحرمة مقدساتها ..

يتبع بمشيئة الله ..

أيها الإخوة والأخوات ..
تقبلوا تحياتي ومودتي وفائق الإحترام ..

أخوكم المهاجــر
atassees@hotmail.com


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home