Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Yousef al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد يوسف المقريف


د. محمد المقريف

الأحد 31 أغسطس 2008

إضغط هنا للأطلاع على الجزء الأول
الجزء الثاني :   الحلقة الأولى      الحلقة الثانية     الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة
                              الحلقة الخامسة    الحلقة السادسة   الحلقة السابعة                                             

انقلاب بقيادة مخبر (1)

د. محمد يوسف المقريف

القائد الذي هرب ليلة انقلابه !!

 

هناك شواهد وشهادات عديدة تؤكّد كلّها بأنّ الملازم القذافي – رغم كلّ إدعاءات البطولة التي ينسبها لنفسه في التحضير للانقلاب وفي تنفيذه -  لم يتحرّك ليلة الانقلاب ولم يشارك فيه خلال الساعات الحاسمة الأولي منه، وبأنّه عاد إلى المعسكر الذي تحرّك منه (معسكر قاريونس) في بنغازي وظلّ قابعاً في غرفته إلى أن جاء من يطمئنه بأنّ عملية السيطرة على الإذاعة وعلى مبنى البريد وبقية الأهداف في منطقة بنغازي قد تمَّت بنجاح.

 

وهناك عدد من الروايات تتعلّق بهذا الموضوع وردت على لسان العقيد القذافي وبعض رفاقه أعضاء مجلس قيادة الثورة.

 

ولنبدأ بالرواية التي نسبتها السيدة ميريلا بيانكو مؤلّفة كتاب "القذافي رسول الصحراء" إلى العقيد القذافي نفسه، والتى وردت في الصفحة (95) من الطبعة العربية من كتابها المذكور: (صدر الكتاب في عام 1973).

 

" أما أنا فقد صعدت إلى السيارة الجيب [ليلة الانقلاب]، واصبحت في مقدّمة طابوري ودرت إلى اليسار عند مفترق أحد الطرق. وفي تلك اللحظة واصلت السيارات التى كانت تتبعني – والمفروض أن تأتي معي لإحتلال الإذاعة – طريقها أي واصلت اتجاهها إلى معسكر البركة. وكنت قد توقّفت أنتظر بقية الطابور، عندما شاهدت السيارات التي تتدفق نحو الطريق الرئيسي، وفجأة أدركت أنّ معسكر قاريونس بأكمله يتحرّك على محور واحد، وأنّ السائقين في غمرة حماسهم أخذوا يتبعون بعضهم البعض دون أن يسألوا كثيراً عن المكان الذى ينبغى أن يتجهوا إليه.. وبالطبع اضطررت إلى السير خلفاً والعودة إلى الانضمام إلى الطابور. واضطررت إلى إعادة تنظيمه سيارة سيارة. وإذا أتممت ذلك كنّا قد وصلنا إلى  البركة. وفي هذه النقطة توجَّه عدد من السيارات يساراً ولم يصبح أمامنا إلا التوجّه إلى الإذاعة انطلاقاً من البركة. وعلى أيّة حال عندما اتجهت إلى اليسار في طريقي إلى  الإذاعة وجدت نفسي مرّة أخرى بمفردي في سيارتي الجيب أتحرّك على طريق بنغازي.. لا طابور ولا أضواء.. لا شئ" [!!!].

 

ما لم يقله القذافي صراحة في هذه الرواية المُمَطَّة، هو أنه قفل عائداً إلى معسكر قاريونس حيث بقي هناك في انتظار قيام باقي رفاقه[1] بإتمام مهمّة احتلال مبنى الإذاعة في بنغازي. ومن المهمّ أن يعرف القارئ أن هذه الطرق والمواقع التي أشار إليها القذافي وتاه فيها يُفترض أنه يعرفها عن ظهر قلب بل وهو مغمّض العينين فقد أمضى جلَّ وقته خلال السنوات منذ عام 1963 وحتى تلك الليلة يتسكع بينها ولا تتجاوز المسافة بينها ولا تزيد مساحتها عن خمسة كيلو متر مربّع.

 

أما الرواية الثانية المتعلّقة بهذا الموضوع فقد نشرها الرائد عمر عبد الله المحيشي (عضو مجلس قيادة الثورة حتى عام 1975) ضمن المقالا ت التي كتبها لصحيفة "صوت الشعب الليبي" التي كان يصدرها من القاهرة  منذ عام 1976. يقول الرائد المحيشي تحت عنوان "الهروب الجبان والمشين لمعمر القذافي ليلة الثورة":

 

"في يوم 15 سبتمبر (1969) وبعد أن عُين معمر القذافي رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورُقِّي إلى رتبة عقيد من رتبة ملازم أوّل وأُعلِن للشعب بقرارٍ من مجلس قيادة الثورة، التقينا بأحد الضباط "زميل دفعة" ويدعى عبد الفتاح يونس فرج، وبدون أن يطلب منه الضحك بدأ يقهقه بشدّة  ويغمز بعينيه ويقول: ما سمعتش شنّو دار [ماذا فعل] معمر ليلة الثورة..رددت عليه: لا.. خير شنّو فيه يا عبد الفتاح.. وهنا بدأ النقيب عبد الفتاح يونس يقصّ علىَّ أغرب قصّة ما كنت أتصَّور اننى سأسمعها..".

 

"قال عبد الفتّاح..

عندما تحرّكنا ليلة أوّل سبتمبر من "معسكر قاريونس" في رتلٍ واحد مع معمر القذافي بهدف احتلال منشآت مبنى  الإذاعة والتلفزيون الحيوية في بنغازي، اختار القذافي أن يركب سيارة جيب بمفرده، وركبت أنا والنقيب أمحمد المقريف بجوار السائق في سيارات "البيد فورد" ناقلات الجنود. كان الهدف محدداً ، وكان مسار الرتل محدداً أيضاً، ووصلنا إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون، وعندما تفقّدنا أحوالنا افتقد الجميع الملازم معمر القذافي خصوصاً وأنه أقدم رتبة، وخشيت أنا ومعي أمحمد المقريف أن يكون مكروهاً قد وقع لمعمر القذافي..كانت اللحظات لحظات توتر شديد..فأمامنا واجب ينبغي إنجازه، فلم نجد الذين نعتمد عليهم... كان الوقت يمرّ بسرعة وقام النقيب أمحمد المقريف بالواجب وأصدر الأوامر بإقتحام المبنى،ولم تكن هناك صعوبة تُذكر... وبعد إنجاز الهدف أمرني أمحمد المقريف بالبحث عن معمر القذافي، ورجعت بسيارتي مع بعض الجنود مع نفس الطريق الذي سلكه الرتل متقدّماً من المعسكر باتجاه الإذاعة. ولم أعثر على أثر لمعمر القذافي حتى وصلت المعسكر، ثمّ اتجهت حيث مبنى مبيت الضباط ... وهنا كانت المفاجأة القذافي مختبئ داخل غرفة نومه وقافلاً على نفسه الباب.. بعد دق الباب فتح القذافي الغرفة..."

 

ويواصل الرائد المحيشي:

 

" يصف عبد الفتاح تلك اللحظة بأنّه وجد القذافي وقد غمره شعور الخزى والعار وصوته رقَّ حتى لأصبح شبيهاً بصوت الأنثى ويتصرف بذلَّة وخنوع. ويقول عبد الفتاح يونس ضحكت وضربت كفي وتحوقلت وقلت "إيش اديّر هنا يا راجل؟" [ماذا تفعل هنا يا رجل؟] ردّ القذافي في خنوع : والله دهبت [تهت] وضاع منّي الرتل.. كان واضحاً أنّ العذر كاذب.".

 

يقول الرائد المحيشي...

 

"نرجع لحادث الهروب المشين سألت عبد الفتاح عن رأيه فيما تمّ .. هزّ رأسه وقال غريبة كيف يضيع القذافي الطريق وهو في رتلٍ عسكري، ثمّ إنّه يعيش في بنغازي منذ مدّة 6 سنوات وهي مدينة صغيرة فهل يعقل أن يضيّع القذافي معالم الطريق وينكب سواء السبيل لمبني الإذاعة المركز الإعلامي الأساسي لنجاح أيّ تغييرٍ بالضربة العسكرية الفجائية؟ طبعاً من الواضح أنه يكذب.."

 

ويمضي المحيشي قائلاً..

 

" والواقع أنّ الأحداث غمرتنا، ولم نأخذ الأمر بجدّية كاملة، لكنّنا على فتراتٍ زمنيةٍ متباعدة كنّا نتذكّر معاً أحداث تلك الليلة الخالدة، ويستعرض كلّ منا ما قام به من عمل وهو فخور، وهنا كان يأتي الحديث عن تصرّفات  معمر في تلك الليلة.. كان الجميع يسكت وكأنه هناك رغبة في نسيان أنّ قائد عام الجيش قد هرب.. "يا للعار التاريخي". سالت مصطفي  [الخروبي] عن رأيه في هذا الموضوع، غطّى مصطفي وجهه بيديه وهو يقول: (يا عمر يا ودّي اسكت وانسَ).  وأمحمد المقريف.. فهو الرجل الذي على ما يبدو لم يغفر للقذافي هذا الفعل المشين، وأدرك منذ اللحظة الأولى جسامة الخيانة.. ولعلَّ هذا يفسّر لنا كيف كان معمر القذافي يداري أمحمد المقريف ويحاول منذ الأيام الأولى أن يرضيه وذلك بالدفاع عن تعيينه عضواً بمجلس قيادة الثورة.. وقد يفسر لنا سرّ الخلاف الشديد الذى ظهر فيما بعد بين أمحمد المقريف ومعمر القذافي، ذلك أنّنى كنت أحسّ أنّ النقيب أمحمد لم يغفر لمعمر طعنته ولم ينسها على الإطلاق، وظلَّت خيانة القذافي في الليلة الأولي للثورة ماثلةً أمام عينيه حتى أغمضهما إلى الأبد في حادث سيارة غامض..."

 

وقد عاد الرائد عمر المحيشي إلى تأكيد هذه القصة أثناء روايته لقصة انقلاب سبتمبر كما نقلها عنه صبرى أبو المجد في كتابه "القذافي حدث الأمة العربية"[2]. حيث جاء فيها بهذا الخصوص:

 

" كانت مهمة سرية الهندسة وسرية المخابرة [الإشارة] السيطرة على معسكرات الجيش ببنغازي، وكانت مهمة الإستيلاء على مبنى الإذاعة والتلفزيون من مهمات مجموعة مكونة من 150 جندياً وصف ضابط وضباط بقيادة الملازم أمحمد المقريف والملازم معمر القذافي. اتجه رتل الجنود نحو الإذاعة، وقد حرص القذافي على أن يستقل سيارة جيب بمفرده، وعند الوصول إلى مدينة بنغازي، استغل الملازم أحد المنعطفات وهرب بسيارته الجيب راجعاً من حيث انطلق من معسكر قاريونس. واصل رتل السيارات مسيرته نحو الإذاعة . أتموا السيطرة عليها بسهولة وبلا مقاومة، ولما بحثوا عن الضابط معمر القذافي لم يجدوه معهم. أثار هذا مخاوف الضباط وخافوا أن يكون قد حدث له سوءاً.. كلف الملازم أمحمد المقريف الملازم عبد الفتاح يونس أن يركب سيارة عسكرية مع بعض الجنود للبحث عن معمر عن طريق الرجوع من نفس الطريق الذى قدم منه الرتل. نفّذ عبد الفتاح يونس الأمر فلم يجدوا أحداً في الطريق إلى أن وصلوا إلى معسكر قاريونس، وعندما دخلوا إلى المعسكر وجدوا معمر قابعاً في غرفته وعندما سئل: ماذا تفعل هنا؟ أجاب قائلاٍ: لقد ضللت الطريق فعدت إلى المعسكر"[3].

 

ومما يؤكّد صحّة ما ذكره الرائد المحيشي بشان موقف النقيب أمحمد المقريف من هروب الملازم معمر ليلة الانقلاب ما أورده فتحي الديب في كتابه " عبد الناصر وثورة ليبيا"، حيث جاء في معرض حديثه عن الخلاف الحاد الذى ثار بين القذافي وبقية أعضاء مجلس قيادة الثورة خلال النصف الأخير من شهر مايو 1970 ما نصّه[4]:

 

".. وفي النهاية عرض الأخوة أعضاء المجلس على العقيد القذافي استعدادهم جميعاً للتخلّي عن عضوية مجلس قيادة الثورة، وإتاحة الفرصة للعقيد لتعيين مجلس آخر يختار له من يعتقد أنّه أصلح منهم، مع استعدادهم للعودة إلى صفوف الجيش أو الابتعاد نهائياً.. وقد علّق أمحمد المقريف على كلام الأخوة بأنّه لن يترك مكانه إلا بالدّم لأنّهم لم يقوموا بالثورة ليسلّموها إلى من قبعوا في منازلهم وتحرّكوا بعد نجاح الثورة..".

 

فلا يخفي أنّ النقيب أمحمد المقريف كان يشير إلى واقعة هروب العقيد القذافي ليلة الانقلاب وعدم تحرّكه إلا بعد أن اطمأنّ إلى إتمام ونجاح السيطرة على الإذاعة وبقية الأهداف في المنطقة الشرقية وفي مقدمتها " معسكر قرنادة".

 

إذن ووفقاً لهذه الشهادات من رفاق الملازم القذافي، فأن واقعة هروبه وبقائه قابعاً في الظلام في معسكر قاريونس واقعة ثابتة وصحيحة، وممّا يؤكّد صحّة ذلك في نظرنا  – فضلاً عمّا ورد من حقائق- وأنّه قام بالخروج عن الرتل والعودة إلى معسكر قاريونس عن وعيٍ وقصدٍ وسبق إصرار..

 

·   إصرار القذافي أن يكون أثناء تحرّك ذلك الرتل في " سيارة جيب" بمفرده.[5]

 

·   إصدار الملازم القذافي أوامره ، قبل تحرّك الرتل العسكري من معسكر قاريونس في اتجاه الإذاعة، بقطع خطوط الهاتف التابع للبدالة بذلك المعسكر.. وذلك كما يتَّضح من الحوار التالي الذي جرى بين العقيد والنقيب عاشور أحد المشاركين في التحرّك ليلة الأول من سبتمبر[6] ...

 

"العقيد القذافي: عاشور أنا قلت لك أنّنا بعد خروجنا من معسكر قاريونس خذ هذا الكلاّب [آلة قطع الأسلاك] الكبير، وأبلغتك بقطع خطوط المواصلات التى تمرّ على الطريق الساحلي.. قطعتها أم لا؟

 

النقيب عاشور:   (مصححاّ للقذافي)

لا، أنت قلت اقطعوا خطوط الهاتف التابعة للبدالة الخاصّة بالمعسكر، فقطعناها، والتحقت بالبركة..".

 

وفي اعتقادنا أنّ الملازم القذافي كان ينوي مسبقاً الرجوع إلى معسكر قاريونس والبقاء فيه إلى أن يتمَّ الآخرون السيطرة على ألأهداف، وكان يحرص على عدم تمكين الآخرين من الاتصال به عن طريق الهاتف إذا ما افتقدوه واكتشفوا اختفاءه..

 

ألقي الرائد عبد المنعم الهوني (عضو مجلس قيادة الثورة السابق) من جانبه المزيد من الضوء على هذه الواقعة في الحلقة الثانية من مذكّراته التي نشرتها له مجلة "الوسط" اللندنية في عددها رقم (188) الصادر بتاريخ 4/9/1995 حيث أورد ما نصّه:

 

"سألت [ليلة الانقلاب] مرّاتٍ عدّة عن معمر الذي كان يفترض أن يكون أوّل الواصلين [إلى مقرّ الإذاعة  في بنغازي]. في الساعة السادسة إلا عشر دقائق جاء من معسكر قاريونس[7]. البيان الأوّل كان متفقاً عليه فقد جاء به معمر إلى طرابلس وقرأناه واتفقنا عليه[8]. لكن نقطة أضيفت لاحقاً وهي المتعلقة بالأجانب[9]. قال معمر إنه تنبَّه إلى هذه النقطة وأراد طمأنة الأجانب المقيمين في ليبيا إلى أنّ أحداً منهم لن يتعرّض لسوء. وهذه الفقرة أُضيفت فعلاً...".

 

ويتساءل الرائد الهوني مستنكراً:

 

"ولكن هل كتابتها تستلزم كلّ هذا التأخير؟!

 

ثمّ يُضيف موضّحاً:

 

"أنا سمعت أنّهم عندما انتظروه ولم يأتِ، رجع أحدهم [عبد الفتاح يونس فرج] إلى معسكر قاريونس فوجده مستلقياً على السرير يستمع إلى الأناشيد العسكرية، وقد وضع رجلاً على رجل وهو يكتب هذه الفقرة..".

 

وتزداد جوانب هذه القصّة غموضاً وغرابة بمطالعة الحوار الذى جري بين القذافي ومؤلفة كتاب " القذافي رسول الصحراء" المنشور في الصفحات (138- 139) والذى سطرته على النحو التالى:

 

المؤلفة:  سيدي الرئيس أنت الذى أعددت للقيام بالثورة بدقة متناهية، ووزعت التعليمات ضمن مغلفات مغلقة، كيف حدث أن وصلت إذاعة بنغازي وليس في جيبك نص البيان الأول الذى يعلن عن نجاح الثورة وأسبابها وبرنامجها؟

 

القذافي : (ضحك بلطف وودّ) وقال:

          كان همنا الأول هو إنجاح الثورة. كل استعداداتنا كانت تصب في هذا الهدف لم نكن نهتم إلا لوضع الخطط وضمان تنفيذها دون أى هفوة. أما كتابة نص البيان رقم 1 فلم يكن سوى إعطاء العلم بأمر واقع..

 

المؤلفة: لكنه مهم! والبرهان هو أنك حين كتبته في آخر لحظة نسيت الأجانب المقيمين في ليبيا واضطررت لأن ترتجل "مباشرة" المقطع المتعلق بهم.

 

القذافي:  (ابتسم لذكرى تلك اللحظة) وقال:

          هذا صحيح. وفي الواقع حوالى ثلث البلاغ كان مرتجلاً أو مكتوباً بسرعة قبل موعد البث.

 

المؤلفة: لذلك أستغرب هذا الأمر الذى لا ينسجم مع عملية أُعد لها بدقةٍ فائقةٍ...

 

القذافي: لم تكن كتابة النص مسألة صعبة...

 

ولا نشك في أن هذا الحوار المبكر الذى أجرته المؤلفة مع القذافي يؤكد وجود أمر غير سوى يحاول القذافي أن يخفيه، وهو ما يعزز في نظرنا صحة ما رواه رفاق القذافي حول هروبه وإختبائه بغرفته في معسكر قاريونس إلى أن إطمأن إلى نجاح رفاقه في السيطرة على معسكر قرنادة ومبنى إذاعة  بنغازي.

 

وبالطبع لم يكن يدر بخلد القذافي أن تطفو على السطح وأن تشيع هذه الحقائق حول موقفه المتخاذل الجبان ليلة الانقلاب، وبخاصة أن الروايات بشأن هذا الموقف جاءت على لسان عدد من رفاقه في تنظيم الضباط الوحدويين الأحرار. ولا نشك في أن ظهور هذه الحقائق سبّب للقذافي إحراجاً شديداً. ذلك أنّه لم يكّف يوماّ منذ وقوع الإنقلاب عن أن يدعي لنفسه شتي صفات البطولة والإقدام والشجاعة.

 

ويبدو أن القذافي رغب ألا تبقي هذه الروايات شاهداً على جبنه وتخاذله، فسعى مؤخراً إلى نسج رواية جديدة لأحداث تلك الليلة حذف منها ما يؤكد الروايات التى جاءت على لسان رفاقه، وأضاف إليها ما تصور أنه سوف يفنّد أقوال الرفاق ويعزز مزاعم بطولاته الوهمية..

 

يقول القذافي في روايته الجديدة[10] لوقائع تلك الليلة المشؤومة ليلة انقلاب الأول من سبتمبر..

 

"..وعليه حمّلت سيارتي الجيب العسكرية المكشوفة من جميع الجهات – حملتها بكميات مختلفة من ذخائر الغدارات والبنادق "أف إن" والمسدسات وقنابل يدوية نوع 36 إنجليزية مسلحة جاهزة للانفجار ووضعت أكثر من بندقية "أف إن" وأكثر من غدارة (استرلينج) وأكثر من مسدس (ويبلي) كاحتياط لإحتمال العطل والإصابة وعدد كثير من المخازن المملوءة بالرصاص. وكنت جالساً في الكرسي الأمامي بجانب السائق (الصالحين) وورائى (زيدان الهتش) وجندى آخر إسمه (عرفه)."

 

"أقول كنت جالساً على برميل بارود من ذخائر وقنابل مسلحة تحت قدمي وبنادق وغدارات ومسدسات مملؤة ذخيرة. حولّي كل ذلك لأنى توهمت صحة ما قاله الشلماني.. وعليه قررت أن أكون في مقدمة الرتل لشق الطريق بالقوة إلى الإذاعة خوفاً من تردد جنودي إذا واجهتهم مقاومة ولأكون أول من يفتح النار أمامهم وأنا أعلم أن معسكر الصابرى التابع للقوة المتحركة المضادة للجيش به قوة كبيرة تفوق قوة معسكر قاريونس. وإذا كانت هى التى سبقتنا بالعمل المضاد فإن المعركة ستكون معها شديدة للغاية، لأننا وحتى تلك الساعة وهي ساعة الصفر لم نتحرك حتى نطوق ذلك المعسكر الخطير كما هو في الخطة. وكان من أهم الأهداف لمعسكر قاريونس مع احتلال الإذاعة هو محاصرة القوة المتحركة في الصابري ومنعها من التدخل ضد الثورة ولكن نحن لم نصل إلى مواقعنا بعد."

 

" فإذا اكتشفت حركة الثورة قبل ساعة الصفر وهو ما أكدّه لى الشلماني كذباً فهذا يعنى أنهم سبقونا بالحركة ضدنا ويعنى أيضاً الاصطدام الذى رسمنا خططنا بدقة لتحاشيه، وإلى جانب ذلك كان بمطار بنينه قوة مدرعة هى أيضاً تبع القوة المتحركة. وقد استطلعتها[؟] فوجدتها جاهزة للقتال في أقصى درجات الاستعداد وهى اُحضرت أخيراً من   معسكر قرنادة بالبيضاء بعد أن علموا [؟] بأن الثورة على وشك القيام كما أبلغهم الشلماني الجاسوس وكان واجبها مع معسكر الصابري هو تأمين بنغازي ومطار بنينه والقصدى للثورة عندما تقوم.. وقد بدا لى أن هذه القوة من بنينه إلى الصابرى علمت بالثورة أنها هذه الليلة،وأُمرت بالتصدى لها وأنها فعلاً نزلت لشوارع بنغازي وأن الصدام معها صار محتوماً."

 

" وقد أمر ت الصالحين [السائق] بزيادة سرعة الجيب للاندفاع أمام جنودى مع شارع البركة – شارع جمال عبد الناصر (الآن)-... ولكننى فوجئت عند وصولي أمام مركز شرطة البركة أن أفراد الشرطة هم الذين فوجئوا بحركة الجيش وخرجوا أمام المركز للتطلع إلينا وأيديهم في جيوبهم فصبّحتهم بالخير فردّوا على بأيديهم بعد أن أخرجوها من جيوبهم [؟!]، وإندفعت مع الشارع حتى إذا فقدت التماس مع رتلي الذى خلفي وإذا به يتبع رتل الخروبي ويتجه إلى اليمين بدل اليسار ورائى [كلمة مفقودة عن قصد] اتجه نحو معسكر (الريمى) والفويهات ومعسكر البركة وكلية الشرطة ومعسكر المستشفي العسكري[11]،ووجدت نفسي في ذلك الشارع الطويل بمفردى ولم أجد ما قاله الشلمانى ولم اجد ما تخيلته أنا بنفسي تأثراً بما قاله. ووصلت محطة الإذاعة ولم أجد أحداً لا أمامى ولا ورائى وترجّلت من السيارة ووقفت أمام الإذاعة. وفجأة تدفقت سياراتنا المحملة بالجنود التى فقدتها، وأمرتها بإحتلال الإذاعة. أتت من ناحية الميناء بعد أن سلكت طريقاً طويلاً حول بنغازي.."

 

ويستطيع القارئ أن يلاحظ الفارق الهائل بين الروايتين للواقعة ذاتها، الرواية الأولي التى كانت في 1/9/1970 وبحضور عدد من أعضاء مجلس الثورة من بينهم الرائد عمر المحيشي والنقيب أمحمد المقريف والرائد عبد المنعم الطاهر الهوني (الذين سلفت الإشارة إليهم في هذا المبحث) والرواية الثانية التى كتبها القذافي بمفرده بتاريخ31 أغسطس 2007م. وفي غياب جميع أعضاء مجلس قيادة الثورة وبقية الشهود.

 

ولا يخفي ما تتسم به هذه "الرواية الجديدة" من حشو لمعلومات قُصد منها التشويش على القارئ وإضفاء مصداقية مزيفة على الرواية (من ذلك إيراد أسماء مرافقيه في سيارة الجيب التى كان يستقلها وكيف أنها كانت مفتوحة من جميع الجوانب، وذكر شتى أسماء أنواع الأسلحة والذخيرة التى كانت معه في تلك السيارة)، ومن استطرادات زائدة ومحشورة (من ذلك الحديث المستفيض عن معسكري الصابري وبنينه)، ومن إشارة إلى بطولات وهمية على الورق ( من ذلك الإشارة أنه كان جالساً في سيارة جيب على برميل بارود، وأنه أراد أن يكون في مقدمة رتل السيارات لشق الطريق بالقوة إلى الإذاعة خوفاً من تردد جنوده إذا ما واجهتهم مقاومة، وأنه أمر سائق السيارة الجيب التى كان يستقلها بزيادة سرعتها للاندفاع أمام جنوده....)

 

ولا يخالجنا الشك في أن هذه "الرواية الجديدة" قد أكدّت ما حاول القذافي أن ينكره وينفيه.. ويهمنا أن نؤكد أن الباعث على إيراد قصّة هروب الملازم القذافي واختفائه مع اقتراب ساعة الجدّ ليلة الانقلاب، وتولّيه عن الرتل العسكري الزاحف على مدينة بنغازي، وعودته للإختباء في حجرته بمعسكر قاريونس، ليس هو إثبات صفة "الجبن" وبيان مدى ترسخّها في شخصيته، فقد قامت على ذلك أدلة كثيرة وعديدة ليس هنا مجال سردها. ولكننا أردنا من ذلك أنّ نؤكّد على أنّ ما قام به الملازم القذافي في تلك الليلة لا ينمّ عن أنّه كان مناضلاً وطنياَ، أو أنّه كان يستشعر في أعماقه بأنّه كان يقوم ليلتذاك بمهمّةٍ نضاليةٍ شريفة  تستاهل التضحية من اجلها حتى بحياته، بل على العكس فإنّه يكشف عن وجهه الحقيقي كمخبر عميل ينفذ حلقة في عملٍ سري تأمري هو فيه مجرّد دمية مأمورة، وفي أحسن الأحوال فهو مجرد "متآمر جبان" يرى من مصلحته أخذ كلّ صوّر الحيطة في الحسبان وترك كافّة "خطوط الرجعة" أمامه مفتوحة للتخلى عن رفاقه (المخدوعين) والتّنصل من كلِّ مسؤوليةٍ عن فعله المشين في حالة فشل الانقلاب.

 

ولم يكن اختباء الملازم القذافي  في حجرته بمعسكر قاريونس إلا إحدى صور الاحتياط الجبان الكثيرة التي لاذ بها، و خطوط الرجعة التى تركها مفتوحة والني كان من بينها:

 

·    قيامه قبل أسابيع من الانقلاب بخطبة إبنة زعيم الشرطة نوري خالد.

 

·   تردّده على بيت ومكتب رئيس الوزراء آنذاك السيد ونيس القذافي (آخر رئيس وزراء في العهد الملكي) مستغلاً تشابهاً في الإسم ومدّعياً صلة قرابة قبلية معه.

 

·   إحضار والده الطاعن في السّن إلى بنغازي من سرت قبيل أيامٍ من الانقلاب.

 

·   الاتصال ظهر يوم 31/8/1969 بآمر سريّة المخابرة (سعد السنوسي) في بيته (رغم أنّه كان قد كلَّف الملازم القذافي بالإشراف على السريّة في غيابه) وإبلاغه بشأن الموافقة على موضوع إجازات بعض  السائقين.

 

·   تعمّد ارتداء القبّعة وقيافة المكتب التقليدية وتجنّب لبس بدلة ميدان أو بدلة شغل ليلة الانقلاب.

 

·   قيام الخروبي بحرق كافَّة الأوراق التى كتبها الملازم القذافي بخطّ يده، وقيام القذافي من جانبه بردم الباقي ومن بينها "أمر العمليات" ليلة الانقلاب (وعدم العثور عليها اطلاقاً فيما بعد).

 

·   عدم إرسال البرقية المتَّفق عليها مع ضباط منطقة طرابلس ليلة الانقلاب.

 

·   أسلوب التعامل مع الملازم محمد الشلماني ليلة الانقلاب وكان هذا الضابط معروفاً بصلته بجماعة الشلحي.

 


[1] شارك في تنفيذ المهام المتعلّقة بالأهداف الواقعة في مدينة بنغازي الملازم أوّل أمحمد المقريف والنقيب مصطفي الخروبي (عضوا مجلس قيادة الثورة) والملازمون أحمد أبو ليفة وأحمد عون ومحمد الصادق وعبد الفتاح يونس.

[2] م.س.ص. (21 – 65).

[3] المرجع نفسه ص (64)

[4] راجع الفصل السابع بعنوان "زوبعة داخل مجلس الثورة" وعلى الأخصّ الصفحات (254 – 255).

[5] راجع الصياغة التي أوردتها مؤلفة كتاب "القذافي رسول الصحراء" وما ورد على لسان النقيب عبد الفتاح يونس.

[6] ورد هذا الحوار خلال الندوة التلفزيونية التي شارك فيها القذافي وعدد من الضباط الذين تشكّلت منهم القوات التي تحرّكت ليلة الانقلاب. وقد عقدت الندوة بمناسبة الذكرى العاشرة للانقلاب, ونشرت في صحيفة "الأسبوع السياسي" الرسمية، العدد الصادر يوم 8/9/1979م. وقد ورد الحوار بالصفحة (18) من الصحيفة المذكورة.

[7] كانت ساعة الصفر والتحرك هي الثانية والنصف بعد منتصف الليل.

[8] الأرجح منذ مارس 1969 كما سبق أن أشرنا.

[9] على الأرجح أن هذه الإضافة تمت بتعليمات من الراعى الأمريكي.

[10] نشرت هذه الرواية الجديدة يوم 31 أغسطس 2007، راجع موقع أخبار ليبيا الالكتروني يوم 1/9/2007م.

[11] من يعرف خريطة بنغازي يدرك الزيف والكذب الذى  تنطوى عليه هذه الرواية. ويلاحظ أن الصياغة وردت بإبهام حتى لا يعرف القارئ من هو الذى (اتجه) نحو معسكر الريمى......


الجزء الثاني :   الحلقة الأولى      الحلقة الثانية     الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة
                              الحلقة الخامسة    الحلقة السادسة   الحلقة السابعة                                             

إضغط هنا للأطلاع على الجزء الأول
Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home