Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد المقريف


د. محمد المقريف

الخميس 28 اكتوبر 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

صفحات من تاريخ النظام الانقلابي في ليبيا (14)

فصول منتقاة من كتاب "الطغيان الثوري وعبقرية السفه" ـ تحت الاعداد

 

إعداد : الدكتور محمد يوسف المقريف

 

أوهام الدور العالمي وثمنه (3) 

 

سادساً: قروض ومساعدات مالية وعينية

 

قام العقيد القذافي في إطار هذا الدور العالمي الموهوم، والسياسات والمواقف التي ترتّبت عليه، بتقديم العديد من القروض والمساعدات المالية والعينيّة إلى عددٍ من الدول والمنظمات وحتى الأحزاب السياسية، كما قام بإبرام العشرات من الاتفاقيات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي رتّبت على الخزانة الليبية التزامات كثيرة.

 

وقبل أن نخوض في الالتزامات الجديدة التي رتّبها النظام الانقلابي على الخزانة الليبية، يحسن أن ننظر في "الالتزامات التي ورثها عن النظام الملكي" والتي تمثّلت فيما التزم به بموجب قمّة الخرطوم العربية أغسطس- سبتمبر 1967، وبموجب اتفاقاتٍ ثنائية أخرى تجاه كلٍّ من مصر والأردن وسوريا[1].

 

سئل العقيد القذافي، أثناء حواره مع طلبة الجامعة بطرابلس يوم 2/1/1970، عن مقرّرات مؤتمر الخرطوم وعمَّ إذا كانت ما زالت سارية المفعول بعد انتهاء مؤتمر الرباط (ديسمبر 1969)، وعن المساعدات العربية هل ما زالت تُقدَّم للدول المتضرّرة من العدوان (الإسرائيلي عام 1967) ..؟

 

وأجاب القذافي مؤكّداً:

 

"نعم لا تزال مستمرّة"

(ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الثالث. صفحة 423).

 

غير أنّه لم يمضِ وقت طويل حتى أعلن القذافي في خطابٍ له بطرابلس يوم 9/12/1970 (في أعقاب المصادمات الدموية التي حصلت بين القوات الأردنية وقوات منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن):

 

".. إنّ الحكم في الأردن لم يعد بحكْم ... إنّه فقد الاعتبار بأن يتبادل معه أيّ مسئولٍ التمثيل السياسي أو أيّ تمثيلٍ آخر. ولهذا قطعت الجمهورية العربية الليبية كافّة علاقاتها مع النظام القائم في الأردن وقطعت عنه الدعم .."

(ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الثاني. صفحة 398، فقرة 401)

 

كما ردّد القذافي هذا الموقف وأكّده في خطابٍ ألقاه بطرابلس يوم 11/6/1971:

 

".. ونحن أيّها الأخوة لا نستطيع أن نغضّ الطرف عمّا يجري في الساحة الأردنية. وقد ساهمت الجمهورية العربية الليبية سلمياً في هذه القضية، وقطعت المعونة نهائياً عن حسين لأنّه استغلّ المعركة، بل استغلّها في ضرب الثوار، واستغلّها في ضرب المقاومة ..."

(ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الثاني. صفحة317، فقرة 316).

 

أمّا بالنسبة للمساعدات التي كانت ليبيا (الملكية) تقدّمها لمصر[2] فقد كتب الصحفي "صلاح حافظ" لمجلّة "روز اليوسف" المصرية الصادرة يوم 2/9/1976 ما نصّه:

 

".. إنّ العقيد ما كاد يصل إلى السلطة حتى قطع عن مصر معونةً كان قد قرّرها لها الملك السنوسي. كانت موسكو قد اشترطت في إحدى صفقات السلاح أن يدفع عبد الناصر نقداً. فدفع الملك السنوسي نصف المبلغ فوراً، وتعهّد بدفع النصف الثاني (10 ملايين جنيه) بعد ثلاثة أشهر عندما يستلم قسط البترول .. لكن ثورة الفاتح نشبت قبل أن تنقضي الأشهر الثلاثة. وفي أول لقاء تمّ بين عبد الناصر والعقيد طلب عبد الناصر تسديد المبلغ الذي تعهّد به الملك. فكان جواب القذافي: إنّ الملك كان يدفع صدقات .. أمّا نحن فلا .. ونهض عبد الناصر واقفاً وأنهى الاجتماع. إنّ هذه الإهانة جعلت عبد الناصر يقرّر أن تدفع مصر، وبالعملة الصعبة، مرتّبات جنودها المرابطين في ليبيا لحماية نظام العقيد .."[3].

 

وفي 12 من نوفمبر 1971 أصدر مجلس قيادة الثورة بياناً بشأن الالتزامات العسكرية التي قدّمها النظام في قومية المعركة. وقد كان من بين ما ورد فيه:

 

"... وفقاً  لما قرّره المؤتمر العسكري لوزراء الدفاع (لكلٍّ من مصر وسوريا والعراق والسودان والجزائر والأردن وليبيا) في طرابلس في يونيو 1970 ... فإنّ الجمهورية العربية الليبية تعلن أنّها قامت بتقديم ما قيمته (16) مليون دينار ليبي لجمهورية مصر العربية وستقدّم الآن (5) ملايين دينار للجمهورية العربية السورية. وبذلك تكون الجمهورية العربية الليبية قد أوفت بالتزاماتها في قومية المعركة حسبما قرّره وزراء الدفاع في المؤتمر المذكور ... ويجب أن يكون معلوماً أنّ هذا (الدعم) لا علاقة له بدعم الصمود والتعويض عن خسائر الحرب التي قرّرها مؤتمر الخرطوم، إنّما هذا التزام جديد لفرض التحرير .."[4]

 

فإذا ما تجاوزنا هذه "المساعدات" التي ترتّبت على الخزانة الليبية بموجب التزاماتٍ قومية موروثة أو جديدة، إلى "المساعدات والقروض" التي رتّبها النظام الانقلابي على الخزانة الليبية في ظلِّ وبموجب توجّهاته الثورية، وانطلاقاً من أوهام "الدور العالمي"، فيحسن أن نترك القارئ مع المقتطفات التالية التي وردت على لسان العقيد القذافي في عددٍ من خطبه وأحاديثه في هذا الشأن:

 

·                في خطابٍ ألقاه القذافي بالمدينة الرياضية ببنغازي يوم 4/9/1970 أورد ما نصّه:

 

"إنّ القروض والمساعدات التي قدّمتها الجمهورية العربية الليبية إلى بعض  الدول الشقيقة، والتي حاولت بعض الإذاعات المغرضة تهويلها. والحقيقة أنّ كثيرين بعد الثورة جاءوا إلى ليبيا يطلبون المساعدة . ولكن نحن وجدنا أنّ الشعب في حاجةٍ إلى كلّ قرش وكلّ جنيه، لكي يتخلّص من حياة الفقر والمرض والجهل. وعليه فقد صدّينا الكثير .."

 

"أمّا القروض والمساعدات التي مُنحت فكانت في نطاقٍ ضيّق. فقد مُنح السودان الشقيق قرضاً مقداره سبعة ملايين وربع مليون جنيه بفائدة مقدارها 6% يُردّ في أربع سنوات. وطلبت موريتانيا قرضاً قدره سبعة ملايين جنيه وهو ما يزال موضع المفاوضة. ومُنحت جمهورية الصومال الإسلامية مساعدة مقدارها ربع مليون جنيه .. أمّا جمهورية اليمن الشعبية فقد طلبت قرضاً مقداره خمسة ملايين جنيه ولكنّنا منحناها مليوناً فقط .. ومُنحت الجمهورية العربية اليمنية نصف مليون جنيه فقط .. ولكن بعد تعرّضها للمجاعة ووفاة ألف شخصٍ فيها من  الجوع وتبرّعات دول العالم  لها زدناها مليوناً آخر .. نحن شحيحون بمال الشعب.."

}ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الثالث. صفحة (351)، فقرة (229){.

 

·        وفي مقابلةٍ أجرتها مجلة "دير شبيجل" الألمانية مع القذافي ونشرتها في عددها الصادر يوم 31 ينايرمن عام 1972، كان من بين الأسئلة التي طرحها مندوبها سؤال يتعلّق بمساعدات النظام الانقلابي لمالطا، على النحو التالي:

 

"هل ستقومون بتقديم مساعدات مالية إلى مالطا في حالة انقطاع النقود البريطانية عنها كتعويضٍ لها بعدما يتركها الإنجليز؟

 

وقد جاء ردّ القذافي على السؤال كما ورد في الصفحة (78) من الجزء الثالث من "ثورة الشعب العربي الليبي" الصادر عن وزارة إعلام النظام:

 

"القضية من أولها لآخرها هي قضية مالطا ومسئولية شعب وحكومة مالطا، ونحن نساعد مالطا بغضّ النظر عن وجود الإنجليز أو عدم وجودهم .."

 

وبالطبع لم يشر القذافي في إجابته إلى ما كانت قد نشرته وسائل الإعلام حول تقديم النظام في أغسطس 1971 قرضاً إلى مالطا بلغت قيمته (12) مليون دينار.[5]

 

·      كما تضمّنت المقابلة التي أجرتها مجلة "قورينا" (التي تصدرها كلية التربية والآداب بالجامعة الليبية) مع العقيد القذافي، ونُشرت في عددها الصادر في فبراير 1972، سؤالاً حول هذا الموضوع ..

 

"هناك الكثير من الإشاعات التي تقول بأنّ ماليّة ليبيا وُزِّعت على الخارج .. فهل يمكن توضيح هذه القول للقرّاء؟"

 

وجاء جواب القذافي على النحو التالي:

 

"يمكن إضافة هذه الشائعة إلى الإشاعات الأخرى مثل الانفتاح على الخارج وإهمال الداخل، أو مثل إشاعة المؤامرات. وحقيقة .. إنّ الإنسان عندما يمتلك شيئاً ما ينتابه نوع من الجشع الغريب .. ويجب أن يعرف الناس أنّ ماليّة ليبيا ضاعت في العهد البائد، وكان ذلك أحد أسباب قيام الثورة[6]. ومع هذا فنحن قد أعلنّا عن القروض والمساعدات .. فمصر مثلاً أعلنّا بأنّنا نؤدّي لها نصيباً من قومية المعركة. ومع هذا فإنّ المساعدات التي نلتزم بها شيء ضروري.. وما نقوم به نحن لا يقاس بما تفعله الدول الأخرى. ونحن أيضاً علينا التزامات تجاه دول العالم الثالث، وتجاه المسلمين ! وتجاه بعض المناضلين المحتاجين .. وكل ما نقوم به مسجّل ومعلن عنه .. ولكنّنا لا نقوم بتوزيع مالنا هباء (سبهللة).

والحقيقة أنّنا متّهمون بالتقتير لا بالإسراف في ميزانية الدولة .. فكيف يمكن أن يكون الإنسان المقتر مسرفاً؟![7]"

(ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الثالث. صفحة (350)، فقرة 228).

 

 

·         وقد كرّر العقيد القذافي المعنى نفسه خلال الحديث الذي أجرته معه صحيفة "النهار" البيروتيّة ونشرته في عددها الصادر يوم 1/6/1972 حيث أوردت على لسانه:

 

" إنّنا نعطي بعض القروض ونقدّم بعض المساعدات الضرورية في نطاق الالتزامات تجاه دول العالم الثالث وقومية المعركة .. ومع ذلك لا نوزّع أموالنا هباء، ونحن متّهمون بالتقتير وليس بالإسراف في ميزانية الدولة .."

 

".. والمقتر لا يمكن أن يكون مسرفاً، ومن العبث بل ومن الجنون أن يقول أحد أن الثورة مقتِّرة على الداخل وكريمة على الخارج. ولو لم نكن حريصين على دخلنا لأسكتنا الشعب بالمال حتى يرضى عنَّا[8] ثمّ نصرف في الداخل (يقصد الخارج) أينما نريد. لقد رفضنا طلبات لتقديم قروض من 17 دولة بينها دول عربية .."

(ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الأول. صفحة/339، فقرة/486).

 

·        وفي معرض دفاع القذافي عن سياسة النظام الانقلابي القائمة على الاحتفاظ بالأموال والأرصدة الليبية في مصارف الغرب، ذكر في الخطاب الذي ألقاه بطرابلس يوم 7/10/1972 ما نصّه:

 

".. لازلنا إلى حدٍّ كبير نحتفظ بنصيبٍ كبير من أرصدتنا في أوروبا .. والعرب دائماً يتكلّمون ويعيبون علينا هذا ... عرضنا عليهم مائة مرّة أي دولة عربية تستطيع أن تستثمر الأموال الليبية بنفس الشروط أو حتى بأقل .. أي دولة عندها القدرة على هذا، تأتي من أجل أن نستثمر عندها أموالنا، لكنّهم ليسوا بالقدرة لعمل أيّ شيء ...

 

"كلّ واحد يأتي يقول أعطيني نقوداً .. ولن يردّها. وعندما نسأل عن أوجه إنفاقهم نجدهم يريدون إنفاقها على الرحلات، وفي ترهاتٍ أخرى لا لزوم لذكرها..

 

السودان مثلاً زعلت علينا لأنّهم طلبوا منّا (40) مليون ونحن أعطيناهم سبعة ملايين فقط، وطلبت مرّة أخرى (15) مليون وقلنا لهم كيف نعطيكم (15) مليون وأنّ القرض الأول ما زال لم يردّ وبعدين نتفاهم في البقيّة. زعلت (السودان) علينا وفترت حتى العلاقات الوحدويّة بيننا من أجل هذا القرض[9] .. نحن لا نصدِّر فلوساً، وليس عندنا فلوس لكي نصدّرها إلى الخارج."

(ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الثالث. صفحة/351-352، فقرة/220).

 

كما ورد على لسان العقيد القذافي في الخطاب ذاته بشأن هذا الموضوع نفسه:

 

".. نحن عندنا مشاريع نعدُّ فيها الآن إذا ما تحقَّقت سيتحقَّق التغيير الثوري الجذري بإذن الله على الأرض الليبية ... هذه المشاريع تحتاج أموالاً كثيرة لازم ننفقها في التنمية لا ننفقها في العلاوات ويمين ويسار ..

 

إذا كان أعطينا اليمن الشمالي مرّة عندما كانت تعاني من المجاعة أعطيناها ربع مليون وأمريكا أعطتها سبعة ملايين، هذا إذا كان أعطينا الصومال (20) ألف أو أعطينا النيجر مائة ألف لبناء مسجد أو مركز ثقافي، أو أعطينا لموريتانيا قرضاً، هذا الكلام كلّه ذكرته لكم في المؤتمر الوطني (للاتحاد الاشتراكي)، سبعة ملايين وضعناها ودائع عند مصر، هذا كلّه عندما نحسبه لا يساوي واحداً على مليون ممّا تصرفه الدول الأخرى على المساعدات الخارجية.

 

"نحن معروف عنّا في العالم أنّنا أبخل دولة في العالم، الدولة البخيلة بفلوسها، الذي يطلب منها قرشاً لا تعطيه، والذي توعده بقرضٍ لا تعطيه."

 

"إنّنا رأينا مجالاتٍ كثيرة عندنا تستحق وما زال شعبنا يسكن في الأكواخ ولازم نحوّل الناس من الأكواخ إلى المنازل الحديثة .."

 

".. ولهذا فنحن لا بدّ أن نحرص على أموالنا، ولا نبدّدها، ولا يطلب واحد منكم علاوة، وهذه الدول التي جاءت تلومنا لأنّنا لم نعطها قروضاً، لتفهم واقعنا أولاً، واحتياجاتنا، حتى لا تحتج دولة مثل السودان لتقول إمّا تعطونا (40) مليون وإلا لا ندخل معكم في الوحدة .."

(ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الثاني، الصفحات/62-63، الفقرة/44م).

 

وخلاصة ما جاء في هذه المقتطفات أنّ النظام كان شحيحاً ومقتّراً وبخيلاً في مجال تقديم المساعدات والقروض للخارج. وقد يكون ذلك صحيحاً وبخاصّة خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الانقلاب، وعلى الأخصّ مع الدول دون الجماعات والمنظمات. غير أنّنا نسارع إلى تأكيد أنّ هذا الشحَّ والتقتير المبكّر الذي مارسه القذافي لم يكن من قبيل الحرص على "الأموال العامّة"، كما لم يكن الشعب الليبي هو المستفيد منه ومن خططه الإنمائيّة وإنّما تمَّ لحساب ومصلحة جهاتٍ أخرى، وعلى الأخصّ ما تمَّ منه باسم الإنفاق العسكري.[10]

 

ويمكن تفسير ظاهرة "التقتير" المبكّر الذي مارسه القذافي في مجال منح وتقديم القروض والمساعدات للدول  العربية والأفريقية والإسلامية، بواحدٍ أو أكثر من الأسباب التالية:

 

(1)     نزوع فطري موروث لدى العقيد القذافي إلى البخل والشحّ والتقتير.

 

(2)     سعي النظام الانقلابي لإظهار نفسه بالحريص على أموال الشعب.

 

(3)     حرص العقيد القذافي على ممارسة "التسلّط" و"التحكّم" بالنسبة للدول التي تلجأ إليه طالبةً منه المساعدة حتى يطمئنَّ إلى سيرها في ركاب سياساته ومواقفه.

 

(1)     حرص "الجهة" راعية الانقلاب ألا يندفع النظام الانقلابي في تقديم القروض والمساعدات وفقاً لما يعنّ له (كما كان الحال إبّان الحقبة النفطية للعهد الملكي)[11]، وألا يتحرّك في هذا الشأن إلا في نطاق ما رُسِم له من "دور" و"حدود".

 

وأيّاً ما كانت تفسيرات هذه الظاهرة فمن المؤكّد أنّها اختفت من سلوك القذافي ونظامه خلال السنوات التالية وحلّ محلّها سلوك يتّسم بالسفه الذي لم يخلُ من التقتير الاختياري المبرمَج بقصد الاستغلال والاستبداد ..

 

ومن بين الوقائع التي تكشف عنها ممارسات النظام الانقلابي في هذا الشأن، خلال ما تبقّى من هذه الحقبة وممّا لم تشر إليها المقتطفات الآنفة الذكر، ما يلي:

 

·       قدّم النظام الانقلابي في 28/8/1972 قرضاً للعراق بمبلغ (9،33) مليون جنيه إسترليني (7،5 مليون دينار عراقي)[12] وقرضاً اخر لسوريا بمبلغ (1،177 ) مليون جنيع استرليني ومدة كل قرض سنة واحدة [ القانون رقم (104) لسنة 1972 الصادر في 6/8/1972].

 

·      كشف تقرير ديوان المحاسبة عن السنة المالية 72/1973 أنّ مدفوعات صندوق الجهاد عن تلك السنة في شكل مساعداتٍ وهباتٍ وقروض قد بلغ (14،7) مليون دينار ليبي (ما يعادل نحو (44) مليون دولار أمريكي). وقد تضمّنت هذه المدفوعات قرضاً بمبلغ مليون دولار أمريكي قدّم إلى "خوان لاشين" رئيس الحزب اليساري البوليفي، ووُقِّع العقد في 14/3/1973م.

 

·      كما كشف تقرير ديوان المحاسبة عن التسعة أشهر التالية المنتهية في 31/12/1973 أنّ إجمالي مدفوعات صندوق الجهاد عن تلك الفترة في شكل مساعدات وهبات وقروض قد بلغ نحو (11،9) مليون دينار ليبي (أي ما يعادل نحو (36) مليون دينار أمريكي).

 

·      وقَّع العقيد القذافي يوم 20/2/1974 على مشروعيْ قرضين لكلٍّ من مصر وسوريا، قيمة كلٍّ منهما (5) ملايين دينار ليبي.

 

·      أعلن النظام الانقلابي في 19/5/1974 موافقته على منح سوريا قرضاً بمبلغ (30) مليون دولار أمريكي. 

 

·      أبرمت حكومة النظام الانقلابي خلال الأسبوع الثاني من شهر يونيو 1975 مع جمهورية اليمن الديمقراطية على عدّة اتفاقيّاتٍ تعهّدت ليبيا بموجبها بتقديم مساعداتٍ  لليمن لتنفيذ عدّة مشروعات تنمية خاصّة بصناعة الصيد والزراعة والكهرباء والجامعة والمدارس.

(يوميّات ثورة الفاتح من سبتمبر. القسم الرابع. 74/1975، فقرة/1195، صفحة/268).

 

·             وقَّعت حكومة النظام الانقلابي يوم 7 أغسطس 1975 اتفاقيةً مع الحكومة اليوغسلافيّة تمنح بموجبها ليبيا يوغسلافيا قرضاً قيمته (70) مليون دولار للمساهمة في تمويل خط أنابيب النفط اليوغسلافي لمدّة متوسّطة المدى يرجع لفائدة السوق.

(يوميات ثورة الفاتح من سبتمبر. القسم الرابع 74/1975. صفحة/318، فقرة/1449).

 

·      صادق مجلس قيادة الثورة يوم 18/8/1975 على اتفاقيةٍ كانت قد أبرمت في فاليتا بين مصرف ليبيا المركزي ومصرف مالطا المركزي يوم 29/7/1975، تعهّد بموجبها مصرف ليبيا المركزي لنظيره المالطي بقرضٍ ماليٍّ وقدره (75) مليون دولار.

(يوميات ثورة الفاتح من سبتمبر. القسم الرابع 74/1975. صفحة/328، فقرة/1504).

 

وقد ظلَّ العقيد القذافي حتى نهاية هذه الحقبة وتحديداً على امتداد عام 1976، يردّد مزاعمه بشأن حرصه على أموال الشعب الليبي وتقتيره بالنسبة لتقديم المساعدات والقروض والهبات التي قدَّمها نظامه لمختلف الدول العربية والأفريقية وغيرها.

 

وعندما انعقد "مؤتمر الشعب العام" خلال الفترة ما بين 5، 8 يناير 1976 تظاهر القذافي بالحرص على إطلاع أعضاء المؤتمر على ما يتعلّق باستثمارات النظام الخارجية وبالمساعدات والقروض التي قدّمها للدول ولحركات التحرير[13] .. كما يتّضح من المقتطفات التالية الواردة ب"يوميّات ثورة الفاتح من سبتمبر" (القسم الخامس 75/1976، الصفحات 162-165):

 

·      "أطلعَ الأخ العقيد معمر القذافي مؤتمر الشعب العام في جلسته المغلقة على كشف المساعدات التي قدّمتها الجمهورية العربية الليبية لحركات التحرير منذ قيام الثورة .."

 

"وقال قائد الثورة موضّحاً بأنّ مجلس قيادة الثورة متّهم من قبل أعداء الثورة في الداخل والخارج بأنّه ينفق أموال النفط لشراء العالم، فإذا كان الاتهام حقيقياً فإنّ مجلس قيادة الثورة يتحمّل المسئولية، وإذا كان الاتهام باطلاً فيجب أن نراجع أنفسنا، وأن نحارب في المستقبل المضلّلين والمغرِّرين بالجماهير .." (الفقرة 744).

 

وبالطبع فإنّ ذلك المؤتمر لم يكن يمتلك الكيفيّة أو المقدرة على التحقّق من صحّة ما عرضه عليه القذافي في تلك الجلسة المغلقة، بل لم يكن أحدٌ يجرؤ، في ظلِّ الأجواء الإرهابيّة التي أحاطت ذلك المؤتمر ولغة الخطاب التي استعملها القذافي خلاله، أن يناقش شيئاً ممّا ورد خلالها من كشوفٍ أو بيانات.

 

كما حرص القذافي على أن يستصدر من ذلك المؤتمر جملةً من التوصيات كان من بينها في هذا الشأن التوصيتان التاليتان:

 

·      "تأييد مجلس قيادة الثورة في كلِّ الخطوات والمواقف والإجراءات التي اتّخذها في ميدان العلاقات والتعاون مع البلاد العربية والعالم الخارجي.

 

·      يفوّض المؤتمر المجلس في تقدير حجم المساعدات أو القروض والودائع والاستثمارات."

 

وقد عقّب القذافي على هذه التوصيات في الكلمة الختامية التي ألقاها في المؤتمر المذكور يوم 18/1/1976 بقوله:

 

"ومن أين جاءت هذه الثقة (ثقة المؤتمر في مجلس قيادة الثورة)؟ جاءت نتيجة أنّه تأكّد لكم بعدما كشفنا الحساب أنّ هؤلاء الناس (مجلس قيادة الثورة) كلّ شيء عندهم واضح، وليس هناك ما يؤخذ عليهم إذا آمنّاهم على هذه المسئولية، لقد آمنتمونا على آلاف الملايين، وعندما حاسبتمونا الآن وجدتموها تصرف في طريقها الصحيح، فقلتم .. إذا كانت هذه هي الحقيقة ألا نثق بهؤلاء الناس (مجلس قيادة الثورة) في أن يتصرّفوا في (100) ألف في السنة أو في القروض أو في المساعدات ..

وجدتم أنهّ قد بلغ من حرص هؤلاء الناس على الميزانية أنهم مقتّرون إلى درجة الشحّ، ومحرجون مع بعض الدول، ووجدتم أنّ المساعدات طيلة السنوات الست الماضية بلغت      (24) مليون دينار."

(السجل القومي. المجلّد السنوي السابع 75/1976. الصفحة 443).

 

وبالطبع فإنّ هذا المبلغ الذي ذكره القذافي (24 مليون دينار) ليس صحيحاً أو قريباً من  الصحّة سواء أكان المقصود به المساعدات والهبات للدول ولحركات التحرير أم كان المقصود به "القروض"، وسيكون أشدّ بعداً عن الحقيقة إذا كان المقصود به مجموع هذه المساعدات والهبات والقروض.

 

ويحسن أن نترك القارئ مع الكشف التالي الوارد بتقرير مصرف ليبيا المركزي المقدّم للعرض على المؤتمرات الشعبيّة الأساسيّة لعام 1989، والذي يبيّن أرصدة القروض [14] المقدّمة لبعض الدول (الصفحات 13-14)[15] :

      رصيد القرض                              الجهة المقترضة

(بملايين الدولارات)

74،7

مصرف موريتانيا

-،28

مصرف غينيا

25،6

مصرف غوايانا

-،22

مصرف جامايكا

-،238

مصرف أثيوبيا

-،158

مصرف نيكاراجوا

106،1

مصرف مدغشقر

-،1

مصرف جرينادا

4،2

مصرف السيشل

-،80

مصرف يوغسلافيا

21،4

مصرف غانا

100،3

مصرف الموزمبيق

66،1

مصرف تنزانيا

17،2

مصرف الكونغو الشعبية

1،4

مصرف اليمن الجنوبي

225،2

مصرف مصر

293،9

مصرف سوريا

37،5

مصرف الباكستان

164،7

مصرف السودان

-،395

مصرف بولندا

-،345

مصرف الجزائر

-،50

مصرف تونس

-،5

مصرف بنين

-،16

مصرف بوركينا فاسو

                 

2476،3  المجموع (ملياران وأربعمائة وستة وسبعون مليون دولار)

 

[1]      راجع فصل "موجز بالأوضاع المالية والاقتصادية في ليبيا خلال حقبة العهد الملكي".

[2]      صرّح القذافي يوم 27 أبريل 1974 أنّ مصر فقدت حقّها في استلام أيّ دعمٍ مالي من ليبيا حيث أنّها فقدت صفتها دولة مواجهة مع إسرائيل.

[3]      نحن نشكّ في دقّة وصحّة بعض جوانب هذه القصة كما روتها المجلّة. وقد أشار الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتابه "الطريق إلى رمضان"، الصفحات ( 68-69) إلى طرفٍ منها. كما أشار إليها الأستاذ صبري أبو المجد في كتابه "القذافي: صوت الأمّة العربية" في الصفحة (73) منه نقلاً  عن أوراق الرئيس أنور السادات.

[4]      راجع أيضاً فصل "الإنفاق العسكري .. الاندفاع نحو تكديس السلاح".

[5]      راجع كتاب "القذافي رسول الصحراء" بقلم ميريلا بيانكو. الترجمة العربية. دار الشورى، بيروت/لبنان. صفحة (264). كما نشرت صحيفة New York Times أنّ مالطا قبلت يوم 17 أغسطس 1971 قرضاً من ليبيا بمبلغ (12) مليون دولار بعد أن رفضت المساعدة السوفياتية.

[6]      ما قول القذافي لما جرى على يديه لميزانية الدولة وأموالها .. ألا يبرّر ذلك بمنطقه قيام ألف ثورة ضدّه  ؟؟

[7]      لقد أثبت القذافي بالفعل أنّه يمكن أن يكون مقتراً ومسرفاً في الوقت نفسه .. مقتراً على الشعب الليبي .. ومسرفاُ على الآخرين.

[8]      من الواضح أنّ العقيد القذافي كان يتبنّى منذ مرحلة مبكّرة سياسة تجويع الناس كوسيلة للسيطرة عليهم والتحكّم فيهم تطبيقاً للمثل العربي المعروف "جوِّع كلبك يتبعك".

[9]      كما هو معروف فإنّ الحكومة السودانية قامت حينذاك بحملة جمع تبرّعات من المواطنين السودانيين سمَّتها "تبرّعات قرش الكرامة"، وردّت على القذافي قيمة القرض الذي تحدّث عنه.

[10]     راجع فصل "الإنفاق العسكري-الاندفاع نحو تكديس السلاح" وفصل "الإنفاق الإنمائي".

[11]     راجع فصل "موجز بالأوضاع المالية والاقتصادية في ليبيا خلال حقبة العهد الملكي".

[12]     راجع كتاب "القذافي رسول الصحراء". مرجع سابق. صفحة 269.

[13]     ومن الواضح ان تلك الخطوة كانت بتأثير المحاولة الانقلابية التى كشف النقاب عنها في اغسطس 1975 وشالك فيها عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة ، وقد تردد أ، ما بين الأسباب التى دعت هؤلاء الاعضاء للمشاركة في تلك المحاولة سوء تصرف القذافي بأموال الدولة.

[14]     لا يغيب عن القارئ أنّ جزءاً فقط من هذه القروض هو الذي يتعلّق بالحقبة موضوع هذا الكتاب (1970-1976).  ومع ذلك فإنّ هذا الكشف قاطع الدلالة بشأن "التحوّل الجذري" الذي طرأ على موقف رجال الانقلاب (العقيد القذافي تحديداً) فيما يتعلّق بسياسة منح القروض.

[15]     راجع فصل "متفرّقات".

 

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home