Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Yousef al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد يوسف المقريف


د. محمد المقريف

السبت 27 سبتمبر 2008

إضغط هنا للأطلاع على الجزء الأول
الجزء الثاني :   الحلقة الأولى      الحلقة الثانية     الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة
                              الحلقة الخامسة    الحلقة السادسة   الحلقة السابعة                                             

انقلاب بقيادة مخبر (6)

د. محمد يوسف المقريف

 

قرائن أخري متناثرة!

 

هناك عدد من القرائن الأخرى المتناثرة التي تؤكد، مع بقيّة القرائن والشواهد السابقة التى أتينا على ذكرها في هذين الفصلين، أنّ الملازم معمر القذافي كان وثيق الصلة بجهاز أمن الدولة وأنّه كان يعمل لحسابه "مخبراً سرياً"..

 

القرينة الأولي:

 

وردت في شهادة الرائد السابق السيد عبد السلام الفار والتى بثتها فضائية النظام يوم 31/8/1998 ضمن برنامج "شهادات للتاريخ" الذي يقدّمه الثوري  المدعو ميلاد الفقهي.

 

لقد كان من بين ما ورد في تلك الشهادة واقعة رواها الشاهد مصحوبة بابتسامةٍ لا تخلو من معانٍ كثيرة..فقد ذكر أنّ الملازم معمر جاءه  مرّة باعتبار أنّ هناك صداقة خاصّة تربطه به وباعتبار انّ الرائد الفار تربطه علاقة حميمة مع المقدّم أحمد المدفعي آمر صنف المخابرة الذي ينتسب إليه الملازم معمر ليتوسّط لديه في منحه والملازم الخروبي إجازةُ خاصّة يريدان قضاءها سوياً في سبها لأنّ معمر يحب سبها كثيراً[1].. وقد أبدى الرائد الفار استعداده للتوسّط لدى المدفعي بكلّ ترحيب. غير أنّه فوجي بموقف المقدّم المدفعي الرافض لإعطاء الاثنين إجازة سوياً في الوقت نفسه.. وعاد الرائد الفار إلى معمر ليخبره بأنّه عجز عن إقناع المقدم المدفعي  بالموافقة على الإجازة لكليهما وذكر الرائد أنّ العميد مانة كرّر المحاولة مع المدفعي ولكنّه باء ايضاً بالفشل..

 

والسؤال الذي يعنينا هنا هو كيف يجرؤ معمر أن يطلب صراحة مثل هذه الإجازة له وللخروبي دون أن يكون هناك ما يبرّر هذا الطلب المشترك اجتماعياً أو عائلياً...؟! 

 

القرينة الثانية:

 

وردت خلال حوار دار بين العقيد القذافي والرائد عوض حمزة (عضو مجلس قيادة الثورة) خلال الندوة التي بثّها إعلام النظام في[2] 31/8/1974.. وكان الحوار يتعلّق بالمرحلة التي كُشِف فيها التنظيم منذ مارس 1969.

 

" الرائد حمزة: بالنسبة لي شخصياً في الأيام الأخيرة يعنى قرب قيام الثورة.. مش عارف كان فيه تركيز عليَّ شخصياً وعلى الملازم خيري [نوري خيري] في تلك الفترة.. كان فيه ضغط وعقوبات بدون سبب وفيه سجن.

 

القذافي:          حتى عملوا لكم مجلس تحقيقي وبهدلة في البيضاء.

 

الرائد حمزة:    والمحكمة العسكرية طبعاً.

 

القذافي:          توسّطنا أنا ومصطفي [الخروبي].

 

الرائد حمزة:   كان مصطفي ومعمر طبعاً يمشوا إلى مدير الإدارة [بالجيش] في بيته ويقولوا له هؤلاء ضباط صغار وكذا وكذا.."

 

          فبأي منطق وبأي عقل يمكن أن يقوم الملازم معمر في تلك الظروف الخطيرة بمحاولة التوسّط لزميله حمزة يومذاك لدى مدير الإدارة بالجيش، في الوقت الذي يزعم فيه أنّ تنظيمه كان مكشوفاً ومرصوداً، وفي الوقت الذى لا يستطيع أن يبرّر فيه لذلك المدير طبيعة الصلة بينه وبين الملازم حمزة، فهما ليسا من مدينةٍ واحدة ولا قبيلةٍ واحدة ولا سلاح واحد..؟!.

 

وليت الأمر اقتصر على ذلك الحدّ.. فهو لا يذهب للوساطة بمفرده بل يأخذ معه الملازم مصطفي الخروبي، الذى تحتاج علاقة الملازم معمر به هي الأخري إلى تبرير وتفسير؟!

 

الأمر الوحيد الذي يمكن أن يفسّر مثل هذا التصرّف من القذافي والخروبي هو أن يكون لهما صفة أخرى غير تلك الصفة المعلنة كملازمين بسلاح المخابرة.. صفة معلومة لدى مدير الإدارة بالجيش.. ونعني بها صفة المخبرين السرّيين.. 

 

القرينة الثالثة:

 

          وردت هذه القرينة على لسان العقيد عبد الله مفتاح العقورى، ضابط المباحث الجنائية سابقاً، في الحلقة الثانية من برنامج" شهادات للتاريخ" الذي بثته فضائية النظام مساء يوم 30/8/ 1998. فقد جاء في تلك الشهادة أنّ الملازم معمر القذافي اتصل به أيام 13و 14 من أغسطس[3] 1969 (أي قبل الانقلاب بأسبوعين)، ولما علم معمر أنّ الملازم الفيتوري متضايق من عمله بالمباحث الجنائية ويرغب بالاستقالة منه أرغمه على البقاء في عمله كما عرض عليه أن ينقله إلى القوّة المتحرّكة..

 

" قال معمر هل تريدني أن أنقلك إلى المتحركة [يقصد القوّة المتحركة]؟!.

 

فما هو النفوذ الذي كان يملكه الملازم معمر يومذاك حتى يعرض مثل ذلك العرض على الملازم أوّل بالمباحث الجنائية؟! من المؤكّد أن وضعه كملازم بالجيش لا يعطيه مثل هذا النفوذ! فلابدّ أن يعود مصدر مثل هذا النفوذ إلى وظيفةٍ أخرى.. أيكون وضعه كملازم مخبر هو الذى زوّده بمثل هذا النفوذ؟!

 

القرينة الرابعة :

 

جاءت في إفادة المقدّم بجهاز أمن الدولة على أبي بكر قنيبر، وقد قدّمت هذه الإفادة ضمن فقرات الحلقة الثانية من برنامج "شهادات للتاريخ" الذي بثته فضائية النظام مساء يوم 30/8/1998 م.

فقد ورد على لسان المقدّم قنيبر ما نصّه:

 

" خلال شهر فبراير 1969 .. جاء المقدّم صالح زايد [عبد الكريم] دخل على الأخ [العقيد] إدريس على رئيس جهاز أمن الدولة في تلك الفترة ووضع أمامه تقرير وقال له إنّ قريباً له أعطاه له. أخذ إدريس على يقرأ التقرير وأنا بجواره.. كان في التقرير مجموعة أسماء من بينهم معمر.. القائمة طويلة من بينهم ايضاً جلود، الخروبي، الخويلدي، عوض حمزة، محمد نجم.."

 

" العقيد إدريس على سأل [المقدّم] صالح زايد: هل أنت متأكد من صاحبك الذي أحضر لك هذا التقرير؟ ردّ صالح "هذا من شخص قريب نعرفه.."

 

خرج [المقدّم] صالح.. قال لي [العقيد] إدريس على: هؤلاء ضباط صغار يجوز يكونوا ظالمينهم يمكن يكون واحد عامل وشاية فيهم.. لكن على كلّ حال هؤلاء ضباط صغار ومش حيكونوا قادرين على عمل سيئ.. وأخذ الورقة ووضعها تحت المكتب[4].. ولم يهتمّ بالموضوع ولم يأخذه جدّياً.. واللي أنا متأكّد منه أنّه لم يأخذ فيها إجراء رسمي.. لم يعدّ مذّكرة، ولم يعطني التقرير.. ومن عادته يعطيني التقرير كي ألخصّه وأطبعه بنفسي.. لم يتخذ أي إجراء.."

 

ما الذى جعل العقيد إدريس على يشعر بهذه الثقة وهذا الاطمئنان إزاء هذا التقرير؟ أهو سوء تقدير من جانبه لخطورة ودقة المعلومات؟ أم هو اطمئنانه لوجود عين لجهازه وسط هذه المجموعة التى وردت أسماؤها في التقرير؟ أم أن هناك أسباباً أخرى قد يكون من بينها أن العقيد ادريس على نفسه كان ضالعاً مع عبد العزيز الشلحي وجماعته؟. 

 

القرينة الخامسة :

 

وردت هذه القرينة على لسان حسين عبدالرحيم وريث ( احد مخبري قسم التحري بجهاز أمن الدولة ) خلال الحلقة الاولى من برنامج " شهادات للتاريخ " الذي بثته فضائية النظام مساء يوم 29/8/1998 وقد جاء فيها ما نصه :

 

" جئت إلى صاحب متجر يقال له حسين جبريل المقصبي صاحب دكان في شارع سيدي عبدالجليل بالبركة [بنغازي ] أخبرني ان لديه معلومات بأن فيه تنظيم .. والتنظيم هذا موش بعيد [ أي ان موعد قيام حركة هذا التنظيم قريب ] قلت له : كيف التنظيم هذا ؟ .. إن شاء الله موش [ليس ] عيت الشلحي؟ وهو يقول لي : لا هؤلاء ضنا [اولاد] صغار ليبيين وما فيهمش [ ليس فيهم ]  الشلحي ولا غيره . قلت له: امنين [ من اين ] هذا التنظيم ؟ قال لي  فيهم اثنين تعرفهم[5] واحد اسمه القذافي والآخر  اسمه الخروبي في قاريونس [معسكر قاريونس]"

 

ثم يضيف المخبر حسين عبدالرحيم وريث :

 

"ذهبت سألت فرحات فضل الله المسئول عنى [ في جهاز أمن الدولة ببنغازي] وأخبرته بالمعلومية .. فردّ على بأن الأمر ليس سهلاً .. ومسئولية هذا الكلام كبيرة واعرة" 

 

ثم يضيف المخبر وريّث :

 

" قال لي فرحات تحرّ وانت عطوك الوصف [ يقصد أعطاك صاحب الدكان الأسماء ] وحاول ان تحصل على المعلومات وأن تتثبت من صحتها .. وهذا كلام لا تطلع عليه أحدا لانه أمر ليس سهلاً " 

 

ثم يقول :

 

"ذهبت إلى معسكر قاريونس ثلاث أو أربع مرات تحرّى على المعسكر من الخارج ولم أكن املك سلطة لدخول المعسكر وكان معي عبدالقادر ابراهيم وجويدة عبدالرحيم (توفّوا) ...[كلام غير واضح ]."

 

ثم يضيف المخبر وريث :

 

" بعد 15 يوم ... يوم خميس ذهبت إلى صاحب المتجر [يقصد حسين جبريل المقصبي ] قال لي ما تجيش الجمعة التالية إلا ويكون كل شئ تم .. مش حتقدروا تعملوا أي شئ .."

 

ثم يضيف قائلا :

 

" فرحات [ يقصد مسؤوله المباشر ] جلس مع صالح زايد[6] [عبدالكريم ] وعبدالعزيز نجم وأخبرهم على الموضوع .. كان رد فعلهم أنهم قالوا له : انت دايخ وتخرف" 

 

دفاع القذافي الدائم عن رجال المباحث!!

 

على امتداد السنوات، ومنذ استيلائه على الحكم في ليبيا، كان العقيد القذافي، في كلّ مناسبة، وبدون مللٍ أو كللٍ، يكيل للعهد الملكي ومؤسساته ولرجاله أنواع السباب والشتائم كلها. الاستثناء الوحيد والدائم من هذه الحالة، تمثل في موقفه من "رجال المباحث" في ذلك العهد. فعلى النقيض من موقف القذافي العام تجاه رجال العهد الملكي، والذي جسّد كافة معاني البذاءة والتهجّم والتطاول والتجنّي، كان موقفه المتفهّم والمتعاطف مع رجال جهاز المباحث، والذي عبّر عنه ليس فقط من خلال خطبه وأحاديثه، بل تمثل في ذهابه إلى حد تكريم بعضٍ منهم على أساس أنهم قدّموا " خدمات للثورة"[7]، كما حدث مع محمد السويني الشريف (نائب مدير البوليس في سبها عام 1961) والعميد أمحمد الغزالي والعقيد يونس بالقاسم علي (اللذين احتفظا بموقعهما في الأجهزة الأمنية بعد الانقلاب بل وصل أحدهما وهو العقيد يونس إلى حدّ تقلّد منصب مدير هيئة أمن الجماهيرية ومنصب وزير الداخلية).

 

أمّا عن مواقف التعاطف والتفهّم وحتى الدفاع التي عبّر عنها القذافي إزاء رجال المباحث والأجهزة الأمنية بصفةٍ عامّة خلال العهد الملكي، فلا نحسب أنّ المقتطفات التالية من أقواله تترك مجالاً لأدني شكّ..

 

ففي الخطاب المبكّر الذي ألقاه العقيد القذافي في مؤتمر العمال بطرابلس يوم 4/11/1969[8] جاءت العبارات التالية على لسانه...

 

" .. بحثنا جهاز المخابرات اللي كان موجود وكانوا بيسمّونه أمن الدولة أو المباحث، فهم أفراد من الشعب مجني عليهم، أو دُفعوا أو أُرغموا لكسب لقمة العيش[9]، لكن أقصد الذين يخطّطون للبلد، والذين يتحكمون في البلد اللي هم قادة هذه الأجهزة.."

 

أمّا الخطاب الذى ألقاه القذافي بمدينة الزاوية يوم 24/1/1971 فقد نضَّح بالفقرات تلو الفقرات التي دافع فيها عن رجال الأجهزة الأمنية[10]..

 

" .. إنّ الحكم البوليسي والأجهزة الدكتاتورية التي كانت تتحكّم في هذا الشعب، وكانت تقتل أبناءه بالرصاص، لا تتمثل بأيّ حالٍ من الأحوال في الأفراد العاديين الذين كانوا مغلوبين على أمرهم، مثلهم مثل بقية أبناء هذا الشعب الأعزل.. ولكن الحكم البوليسي يتمثل في القيادات الديكتاتورية."

 

".. الشرطة في العهد الملكي المباد.. كانوا أفراد محكومين بأوامر قيادات تتمثل في القادة الكبار.. وكانوا رهن الجهاز البوليسي المتمثل في وزارات الداخلية المتعاقبة.. والمتمثل في قيادات الشرطة..".

 

".. كان أمن الدولة في ذلك الوقت أيضاً من الأجهزة البوليسية.. كان جهاز أمن الدولة لا يقلّ خطورة عن أجهزة الشرطة في ذلك الوقت، وكان أمن الدولة أيضاً لا يتمثل في الأفراد العاديين، ولكنّه كان أيضاً في قيادات أمن الدولة.."

 

" .. وكانت المباحث التابعة لوزارة الداخلية هي أيضاً جهاز رهيب.. ولكنّه لا يتمثّل في الأفراد العاديين البسطاء، ولكنّه يتمثل في قياداته وفي قوانينه وفي أوامره.."

 

" .. في العهد المباد.. لم تكن طبيعة الأفراد [العاملين بتلك الأجهزة] ولكن النظم والأوامر التي كانت موجودة.."

 

" .. ولكي نثبت أنّ الأفراد الذين كانوا في المباحث العامّة أو المخابرات أو في أمن الدولة أو الشرطة كانوا أفراداً طيّبين ومغلوبين على أمرهم، ويطبّقون الأوامر رغماً عنهم، فإن الكثير منهم في هذه الأجهزة يؤدى دوره بإخلاص وأمانة [في ظل النظام الجديد].."

 

ثمّ منذ شرع القذافي في الحديث عن قصّة "نضاله السري" الذي يزعم انه بدأ عام 1959 كان طبيعياً أن ترد على لسانه عدّة إشارات إلى رجال الأجهزة الأمنية في سبها وفي غيرها.. إلا أنّه ممّا يلفت النظر حقاً أنّ جلّ هذه الإشارات قد اتسّم بالدفاع عن أولئك الأشخاص الذين ذكرهم في تلك المناسبات.. من ذلك..

 

المثال الأول:

 

ظهر العقيد القذافي خلال الندوة التلفزيونية التي بثتها وسائل إعلامه مساء يوم 3/3/ 1977 [11] يشير – عبر الشاشة التلفزيونية- إلى صورةٍ أمامه يزعم أنها تتعلق بمظاهرة 5/10/1961 بسبها، وأخذ يشير إلى صورته وهو يرتدي "المعطف" الشهير[12] في مقدّمة المظاهرة، ثم تحوّل للحديث عن شخص آخر إلى جانبه في تلك الصورة. وكان ممّا قاله القذافي عن ذلك الشخص:

 

".. كما يظهر في الصورة أيضاً  الصول عمر الطبولي وكان في الشرطة في ذلك الوقت، وهو يقف بجانبي، وأنا أعطى وجهي هناك [كان في وضع معاكس لوضع المتظاهرين] لكي أدير المظاهرة.. وأول أمس كان فيه مقابلة [يبدو أنّ أشخاصاً كانوا يحققون يومذاك مع الصول الطبولي] ولكنهم [أي المحققون] كانوا يقولون له: إنّه يتابع الطلبة ويضطهدهم [أيام العهد الملكي]".

 

ثمّ انبري العقيد القذافي للدفاع عن الصول الطبولي[13] قائلاً:

 

" وهو رجل طيّب مسكين، لم يكن يتابع الطلبة، لأنه كان رئيس عرفاء في الشرطة [؟!] وها هو في الصورة يقف أمام المظاهرة.. هذا رجل طيّب مسكين [مثله يومذاك]."

 

المثال الثاني:

 

وهو يتعلق بحالة المدعو "الحاج بورياقة" الذي تحدّث عنه القذافي والمقدّم مصطفي الخروبي أثناء الندوة التلفزيونية[14] التي عقدت بمنطقة سرت يوم 27/7/1978 إحياءً لذكرى الاجتماع " التاريخي" الخطير الذي كانت اللجنة المركزية لتنظيم الضباط الوحدويين الأحرار قد عقدته بالمنطقة نفسها (تقع حوالي 50 كلم غربي بلدة سرت على ساحل البحر الأبيض المتوسط) قبل تسع سنواتٍ خلت.

 

وتتلخّص قصّة المدعو بورياقة في أنّه بينما كان الملازم معمر ورفاقه مجتمعين في تلك المنطقة النائية إذا بالمدعو بورياقة يظهر عليهم ماشياً على رجليه، وبعد أن توقف قليلاً عند سيارات الحاضرين أقبل عليهم وسلّم عليهم فرداً فرداً. وقد أكّد الملازم بشير هوادي الذي كان حاضراً في ذلك الاجتماع أنّه يعرف الشخص جيداً ويعرف أنه ملازم أوّل في أمن الدولة... ورغم هذه الملابسات كلّها فقد تحدّث القذافي عن ذلك الشخص في الندوة بالعبارات التالية:

 

" فيه واحد نحن نسمّيه "الحاج بورياقة" كان يأتي للقسم الداخلي (في سبها) ومرّات يتنقل بين سبها وطرابلس وبنغازي وأي مكّان [؟!] وكلّ المجموعة تشك فيه.. يا ترى فعلاً هو درويش والا شخص مكّلف بمهمّة سرّية؟! واحد يقول هذا تابع أمن الدولة، واحد يقول تابع البوليس الاتحادي، واحد يقول تابع الديوان، تابع مجلس الوزراء...هذا الشخص المشكوك فيه، والذي نعرفه ونحن طلبة من الصدفة أن يأتي إلينا في هذا المكان آتياً من الشط لغاية ما قلنا من هذا الشخص؟... كنا نشكّ فيه لماذا سلّم علينا بالواحد.. وهو يبدو عليه الدروشة.."

 

فضلاً عن هذا الدفاع الذى يبدو في غير محله، فمن الملفت للنظر حقاً حول قصّة هذا "الرجل الغامض" أنّ القذافي لم يحاول بعد استيلائه على السلطة استجلاء حقيقة أمره، ومعرفة المهمّة التى حضر من أجلها يومذاك ومن كلفه بها.

 

المثال الثالث: 

وقد ورد على لسان القذافي أثناء الندوة التلفزيونية التي عقدت بمناسبة الذكري العاشرة للانقلاب[15]. فبينما كان القذافي يتحدّث خلال تلك الندوة عن ذكرياته لما جرى ليلة الانقلاب، إذا به يشير عرضاً إلى الحادث التالي:

 

".. بعد ذلك، وأنّا أمّر في الشارع الذي يمرّ أمام البريد الرئيسي شارع عمر المختار [ بمدينة بنغازي] لقيت مجموعة من الجنود يبهدلون أحد الأشخاص يرتدي ملابس مدنية ولونه أسمر وملابسه رثّة، يركلونه بأخمص البنادق.. ولمّا شاهدت هذا المنظّر جئت لهم بسرعة في الشارع الذى يؤدى إلى ميدان البلدية، ونزلت من سيارة الجيب واستفسرت منهم [من الجنود] عن أمره.. وقالوا هذا المباحث، وجدوه متجهاً ليخبر.. وهنا أوقفت الجنود عنه، وقلت له ما حيثيتك، وقال لي أنا مباحث فقلت له ماذا تفعل؟ قال ذاهب للإخبار، وهذا واجب لازم نؤدّيه أن فيه حركة.. قلت لهم أوقفوا عنه الضرب.. لكن اعتقلوه واسحبوا بطاقته والحاجات التي معه.."

 

ثمّ يستطرد القذافي في تلك الندوة معبّراً عن تفهمّه لموقف رجل المباحث ومدافعاً عنه:

" الشخص هذا على أيّ حال رجل شجاع.. هذا واجبه.. قال أنا مباحث وشاهدت حركة في البلاد وماشي نبلّغ عنها.. وشاهدت أن الجيش يتحرّك لازم نخبر عنه.."

من يعرف القذافي – ولو من خلال خطبه وأحاديثه فقط – يعلم أنّ هذه الموضوعية وهذا التفهّم وهذا التعاطف تشكل مظاهر غريبة عن تفكيره وعن سلوكه وعن سماته وخصاله..

 

فلِمَ إذن كلّ هذا التفهّم والتعاطف والموضوعية إزاء رجال المباحث بالذات دون غيرهم من رجال العهد الملكي؟!.

 

أهو دفاع ضمنيّ ومبطّن عن ذاته، حيث يعلم – دون غيره- أنه منهم، وكان معهم وضمنهم حتى ليلة الأول من سبتمبر 1969؟

 

أم هو الخوف من أن يتكلم أحدّ من هؤلاء – وبخاصّة أولئك الذين يعلمون سرّ علاقة الطالب/ الملازم معمر السرّية بجهازي المباحث وأمن الدولة – فيفضحون ما يريد ويحرص على إخفائه بأيّ ثمن ؟.

 

أيّاً كانت الإجابة.. فموقف الملازم  القذافي الودّى المتعاطف إزاء رجال المباحث، سواء  على مستوى ولاية فزان حتى عام 1963 أم على مستوى المملكة ككلّ متمثلاً في "جهاز أمن الدولة" لا يخلو من دلالةٍ ومؤشّر على صلته الخفية بهذا الجهاز...


[1] رغم أنّ الشاهد لم يحدّد تاريخ هذه الواقعة إلا أنّه يُعتقد أنها كانت في بداية عام 1969. ويبدو أنّ القذافي تمكّن من الحصول على إجازة طويلة وهي التي اشار إليها في الحلقة السادسة من قصّة ثورته. وهي الإجازة ذاتها التي تردد أنّه التقي خلالها بالسفير الأمريكي ديفيد نيوسوم عند  آثار جرمة بفزان كما سيتضح في الفصل التالي.

[2] السجل القومي/ المجلد السادس. الصفحة (102).

[3] تعرّف على الملازم معمر القذافي منذ عام 1965.

[4] هذا هو التقرير الذي أشار اليه العقيد المبروك عبد المولى في شهادته بشأن استلامه لمحتويات مكتب رئيس جهاز أمن الدولة بعد الانقلاب وأنّه وجده في المكتب المذكور.

[5]  في اعتقادي أن في هذا العبارة ( فيهم اثنين تعرفهم ) إشارة واضحة إلى أن الخروبي والقذافي كانا معروفين جيداً في أوساط مخبري جهاز مباحث أمن الدولة بإعتبار انهما كان يعملان بذلك الجهاز

[6]  مر بنا في الفقرة السابعة ( القرينة الرابعة ) كيف أن الضابط صالح زايد عبدالكريم قدم إلى رئيس مباحث امن الدولة العقيد أدريس على  تقريراً حول هذا الموضوع  وأعتقد أن قيامه بتقديم ذلك التقرير كان من أجل حماية نفسه فقط وليس من أجل حث رئيسه على اتخاذ إجراء بحق المجموعة المتأمرة .

[7] جرى التكريم بمدينة سرت خلال ما أطلق عليه "عيد الوفاء " يوم 30/9/1989م.

[8] راجع السجل القومي/ المجلد الأول . الصفحات (73- 83).

[9] هل كان القذافي يتحدّث عن نفسه في هذه اللحظة؟!

[10] راجع "ثورة الشعب العربي الليبي". الجزء الثالث . مرجع سابق. الصفحات (114- 122).

[11] السجل القومي/ المجلد الثامن. صفحة (522)

[12] كان معروفاً بين الليبيين في تلك الحقبة أنّ الذين يرتدون ذلك النوع من المعاطف هم من الأجهزة الأمنية.

[13] لعل القذافي خشي أن يتكلّم الصول الطبولي ويقول للمحققين.. لقد كان معمر مناّ وعنا!!

[14] نشرت بالسجل القومي/ المجلد التاسع. الصفحات (1047- 1065).

[15] راجع صحيفة "الأسبوع السياسي" الرسمية الصادرة يوم 7/9/1979.


الجزء الثاني :   الحلقة الأولى      الحلقة الثانية     الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة
                              الحلقة الخامسة    الحلقة السادسة   الحلقة السابعة                                             

إضغط هنا للأطلاع على الجزء الأول
Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home