Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Yousef al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد يوسف المقريف


د. محمد المقريف

الأحد 27 يوليو 2008

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية     الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة    الحلقة الخامسة
           الحلقة السادسة   الحلقة السابعة   الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة ( الأخيرة )  

القذافي واللجان الثورية... الأصل والصورة (6)

بحث في نشأة اللجان الثورية ، دورها ، مستقبلها ، ومن المسئول عن جرائمها 

د. محمد يوسف المقريف 

وسـائل تحكم القذافي في اللجان الثورية 

مع تنامي اعتماد القذافي على اللجان الثورية وميله المتزايد لإعطاء هذه اللجان صلاحيات متعاظمة من أجل السيطرة على كافة الأوضاع في البلاد[1]،حرص في الوقت ذاته على إحكام سيطرته الخاصة والمباشرة على حركة هذه اللجان ونشاطاتها وعلى ضمان ولائها وتبعيتها له وعدم تشكيلها أي تهديد لسلطته ونفوذه.وقد اشتملت الأساليب التي لجأ إليها القذافي لتحقيق هذه الغاية: 

1.     إحكام سيطرة مكتب الإتصال باللجان الثورية على هذه اللجان مع ضمان الولاء المطلق من قبل عناصر هذا المكتب للقذافي شخصيا.(ظل المدعو محمد المجذوب القذافي مسئولا عن هذا المكتب منذ تأسيسه إلى حين وفاته في 15/3/2007 وخلفه في رئاسة المكتب المدعو عمر اشكال القذافي).

2.     إبقاء الإتصال والتنسيق المباشر بين هذه اللجان في حدّه الأدنى والضروري والمحدود جداً وبإذن مكتب الأتصال باللجان وعلمه المسبق.

3.     إستحداث تعديل متواصل وسريع في صفوف ومراتب أعضاء هذه اللجان مع عدم الإبقاء بشكل دائم وبارز،في اللجان،سوى على العناصر التي يثق في ولائها نحوه ولاءً مطلقاً.

4.     تكليف عناصر سرية من قبل القذافي لمراقبة تصرفات وسلوك أعضاء اللجان وتقديم تقارير بذلك إليه مباشرة.

5.     عدم السماح في الأوقات المعتادة لعناصر اللجان بحمل وحيازة الأسلحة أو تشكيل ميليشيات ثابتة.

6.     إذكاء الصراع والتنافس داخل القطاع السياسي، (بين عناصر اللجان الثورية وبين  عناصر اللجان الشعبية والأجهزة الإدارية) من أجل تحقيق سعي الجميع لاسترضاء القذافي.

7.     استخدام أسلوب"التوريط"لهذه العناصر في جرائم التعذيب والقتل والفساد المالي والأخلاقي بهدف استمرار السيطرة عليها وضمان ولائها له.

8.     استخدام القذافي إساليب"الإهمال المتعمد والإبعاد والتشهير"مع هذه العناصر لضمان  خضوعها وتبعيتها له بشكل متواصل.

9.     تهديد القذافي العلني لهذه العناصر وتخويفها من غضبة الشعب وردة فعله تجاه الجرائم والإنتهاكات التي ارتكبتها.[2]

10.                        الإنتقام من العناصر الثورية التي ترتكب أي أفعال تنم عن عدم ولائها للقذافي أو مناهضتها للنظام.وقد وصل الإنتقام في كثير من الأحيان إلى حد التصفية والإعدام(من ذلك ما حدث للثورية زاهية محمد علي الزربي ولكل من ابراهيم بكّار وعبد اللطيف بوكر وعبد السلام الزادمة وابراهيم البشاري).

11.                        الإنتقام بشكل علني وبالغ الوحشية والقسوة لما قد تتعرّض له عناصر اللجان الثورية من اعتداء من قبل بعض المواطنين(كما حدث في حالة مقتل عضو اللجان الثورية المدعو أحمد مصباح الورفلي إذ قام النظام بإعدام تسعة من المواطنين علناً في 17فبراير1987انتقاما للحادث.)

12.                        الإنتقاد العلني من قبل القذافي لبعض تصرفات عناصر اللجان الثورية،والتلويح بتوقيع عقوبات على هذه العناصر دون القيام بذلك فعلاً او حصر تلك العقوبات في عناصر هامشية وغير ذات اهمية وذلك بغرض امتصاص السخط الشعبي  تجاه ممارسات اللجان وجرائمها. 

منـذ" إنفراجات"مارس [3]1988  

أمام الإنهيارات والهزائم والإنكسارات التي مُني بها النظام الإنقلابي على الصعيدين الداخلي والخارجي منذ عام 1986،وأمام الأصوات المتعالية التي تندد بالإنتهاكات التي تتعرّض لها حقوق الإنسان الليبي وبخاصة على لسان المنظمات والهيئات المهتمة بحقوق الإنسان،لم يجد القذافي بداً من الإعتراف بعدد من الأخطاء والتجاوزات والإنتهاكات التي وقعت في ظل النظام الجماهيري وبخاصة بشأن حريات الإنسان الليبي وحقوقه. وقد جاءت تلك"الإعترافات"على لسان القذافي في عدد من خطبه وتصريحاته التي ألقاها منذ الثاني من مارس 1988وتواصلت بعد ذلك لعدة أشهر. 

لم يقتصر القذافي في سيل تلك الخطب على الإعتراف بوقوع أخطاء وتجاوزات وانتهاكات وجرائم في نظامه"الجماهيري"وبخاصة في مجال حقوق الإنسان الليبي،ولكنه تجاوز ذلك إلى تأكيد مسئولية بعض عناصر اللجان الثورية عما وقع من اقترافات،كما لوّح القذافي بضرورة الإقتصاص من العناصر المتورطة فيها. 

غير أنه على الرغم من هول وجسامة الجرائم التي ارتكبتها اللجان الثورية حتى يومذاك[4] ،ورغم الوعود التي أطلقها القذافي بشأن مساءلة مقترفي تلك الجرائم إلا أن ما قام به النظام فعلاً في هذا المجال لم يتجاوز: 

(1) إدعاء القذافي في أكثر من مناسبة بأن العناصر الثورية المتورطة في الإنتهاكات السابقة قد جرت محاكمتها والإقتصاص منها،دون أي إشارة إلى أسماء هؤلاء المتورطين الذين جرت محاكمتهم أو الجرائم التي اقترفوها ولا الأحكام التي صدرت بحقهم  ولا كيفية أو مكان تنفيذ تلك الأحكام. 

"إن المحكمة الثورية حكمت في وقت سابق بالإعدام ونفّذته في مجموعة من الثوريين لأنهم أساءوا لرسالة اللجان الثورية وانحرفوا في المسلك،وتمت تصفيتهم حسب المنشور رقم(1)،فليس هناك حصانة لأحد إذا انحرف.."[5]  

(2) الإدعاء بإلغاء"المحاكم الثورية الخاصة"مع الإبقاء على"المحكمة الثورية الدائمة"و قصر دورها في المستقبل على محاكمة عناصر اللجان الثورية.  

وليس ذلك فحسب،فعلى النقيض لتوقعات كثير من الدوائر أن يبرّ القذافي بوعوده وأن يقوم بالمزيد من الخطوات في مجال محاسبة عناصر اللجان الثورية والإقتصاص منها،إذا بالقذافي يفاجئ الجميع بجملة من الأقوال والتصريحات والخطوات والإجراءات في اتجاه دعم وتأييد وتعزيز وضع اللجان الثورية ودورها. 

 ● أما على صعيد الأقوال والتصريحات فيمكن الإشارة إلى الأقوال التالية المنسوبة إلى القذافي منذ مارس1988:

o       ففي العاشر من شهر اكتوبر1988وأثناء لقائه بأعضاء ما يسمى بمحكمة الشعب وأعضاء مكتب الإدعاء الشعبي بمناسبة انعقاد الجمعية العمومية لمحكمة الشعب في دور انعقادها الأول قال القذافي وبالحرف الواحد:

"من هنا يجب الضرب بيد من حديد على من يعبث بالمصلحة العامة،وتلك كانت الفلسفة التي بنيت عليها المحاكم الثورية وكانت في محلها وكانت رادعة"

ومضى القذافي مؤكداً:

"ونحن قد كافأنا كل أعضاء المحاكم الثورية ومنحوا الأنواط لأنهم قاموا بواجب ثوري،ونحن غير نادمين أبداً على ما قامت به اللجان الثورية والمحاكم الثورية من ردع وزجر لأعداء الشعب"

واسترسل قائلاً:

"أنا أعرف أن المرحلة التي تكلمت عنها كانت فيها تجاوزات، وهذه يذكرها الواحد بكل شجاعة أمام العالم، فهي تجاوزات طبيعية لابد منها فلا جراحة بلا دم،ولا يمكن أن تحدث هذه العمليات الثورية بدون تجاوزات". 

o       أما في التاسع عشر من شهر يناير من عام 1990م وأثناء شرحه لجدول أعمال ما يسمى بالمؤتمرات الشعبية قال القذافي وبالحرف الواحد: 

"اللجان الثورية،إذا بتعملوا نظام فعلاً شعبي،راهي ضرورية..ضرورية.."

"اللجان الثورية مرحلة سابقة متاعت مداهمة وواحد وغيره...هادوم يجب نعطوهم أوسمة..  اللي داهموا المرتشين ومن خرب البلاد في فترة سابقة اللي داهمتهم اللجان الشعبية واللجان  الثورية..واللي صفتهم واللي حاكمتهم هذا عمل ثوري،وكان لا بد منه،ولولاه راهي البلاد  طينة.." 

وبعد أن ينتهي القذافي من الحديث عن دور اللجان الثورية في السابق يتناول دورها المستقبلي قائلاً: 

"لكن الآن لما ترسي سلطة الشعب بهذا الشكل لا مفر من وجود اللجان الثورية، اللجان الثورية مربوطة بالسلطة الشعبية..وحكاية أن حاربوا اللجان الثورية وحلوها هذه(دعوة)  امبريالية ودعوة رجعية والكلاب الضالة ومن منهم..."

"النغمة حكاية حلّوا اللجان الثورية...هذه يقولوا فيها الأمريكان..يقولوا فيها الرجعيين،يقولوا فيها اللي يبغوا الشعب هذا يتحطم،واللي يبغوا يحكموا الشعب،واللي بيديروا أحزاب ويحكموا الشعب..واللي يريدوا يسلبوا ثروة الشعب وطامعين في الشعب هذا..أما اللجان الثورية هذه هي ضمير الشعب..لا بد منها..كل مؤتمر شعبي في وسطه لجنة ثورية حقيقية..حقيقية". 

o       أما في خطابه الذي ألقاه يوم 7أبريل1991أثناء اجتماعه بالمشاركين في الملتقى الثاني للجان الثورية بالجامعات والمعاهد العليا فقد قال القذافي وبالحرف الواحد:

"اللجان الثورية من المثقفين الثوريين الذين لهم رؤيا أكثر من الناس العاديين..إن حركة اللجان الثورية هي التي ستقود الجماهير إلى مواقع متقدمة وتصنع عصر الجماهير.

إن حركة اللجان الثورية ستبقى رغم أنف الجميع لأنها الحركة التاريخية التي ستغير العالم وتصنع المستقبل وتقود الجماهير إلى السلطة الشعبية.إن اللجان الثورية من الآن فصاعداً ستكون قوية تمارس الثورة الحقيقية،وعندما تكون على حق فلا يهم ما يقوله بعض الناس أو ما يترتب على ذلك." 

          ● أما على مستوى القرارات والإجراءات فلم يقتصر موقف القذافي إزاء اللجان الثورية على كلمات التبرير والتمجيد للممارسات التي ارتكبتها وتقديم الأوسمة والأنواط لعناصرها بل تجاوز ذلك إلى ترفيعها وزيادة أعدادها داخل اللجنة الشعبية العامة وأمانة مؤتمر الشعب العام والأجهزة القضائية والأمنية ومن هؤلاء على سبيل المثال:

1.       إبراهيم محمد إبراهيم البشاري

2.       علي ميلاد بوجازية المعداني

3.       محمد محمود حجازي

4.       علي مرسي الشاعري

5.       عز الدين الهنشيري

6.       معتوق محمد معتوق الورفلي

7.       محمد علي المصراتي

8.       عمّار المبروك إلطيِّف العجيلي

9.       عبد القادر محمد البغدادي

10.     فوزية بشير شلابي

11.     نوري ضو الحميدي

12.     أحمد إبراهيم منصور

13.     رجب أبو دبوس

14.     المهدي محمد امبيرش

15.     أبو زيد دورده

16.     امبارك الشامخ

17.     عبد الله أمحمد السنوسي المقرحي

18.     موسى عبد الله كوسه

19.     عبد السلام الزادمة

20.     طبيب/مصطفى الزايدي

21.     الطيب الصافي المنفي

22.     سعيد عريبي حفيانة

23.     عبد الرازق أبوبكر الصوصاع

24.     عبد الرحمن شلقم 

كما يلاحظ أن إثنين من هؤلاء(أبوزيد دوردة وامبارك الشامخ)توليّا منصب أمين اللجنة الشعبية العامة(رئيس مجلس الوزراء). 

ومن الأمور اللافتة للنظر في هذا الصدد اصرار القذافي على تعيين عدد من أعضاء اللجان الثورية الذين يمكن وصفهم بـالقتلة، حيث أنهم من العناصر التي شاركت إما في محاكمة عدد من المواطنين الليبيين عبر المحاكم الميدانية والثورية وإما في تنفيذ عمليات الإعدام بحق هؤلاء المواطنين في الميادين والساحات العامة،تعيين هؤلاء في مناصب تتعلق بالعدل والقضاء ومن هذا القبيل تعيين كل من عز الدين الهنشيري ومحمد محمود حجازي ومحمد علي المصراتي في منصب وزير العدل،  وكذلك تعيين كل من سعيد عريبي حفيانة في منصب المحامي العام وعبد الرازق أبوبكر الصوصاع في منصب النائب العام ثم رئيسا لمحكمة الشعب. 

أهـداف ثابتة ونهائية 

بصرف النظر عن نوع المهام التي كلّف القذافي اللجان الثورية بتنفيذها على امتداد السنوات منذ تأسيسها(كأدوات للبطش والإرهاب والدعاية والإفساد وتزييف إرادة الشعب الليبي...) فإنه يمكن القول بأن هناك هدفين ثابتين ونهائيين ظلا حاضرين عند القذافي من وراء تأسيس هذه اللجان ودفاعه عنها ومحافظته عليها،يتمثلان في:

الأول : استخدام هذه اللجان في السيطرة على هياكل السلطة الشعبية المباشرة التي خطط  وأزمع أن يستخدمها كواجهة أولى يلصق بها كامل المسئولية عن أي نتائج وخيمة تسفر عنها خياراته وسياساته التي فرضها على الشعب الليبي من خلال هذه الهياكل وباسمها منذ مارس1977

الثاني : استخدام هذه اللجان كواجهة اضافية وكحزام أمان ثان له للتنصّل من أي مسئولية عن هذه الإختيارات والسياسات وعواقبها الوخيمة التي يمكن أن تسفر عنها.

ويتضح ذلك جلياً للمتابع لخطب القذافي وأقواله كلما واجه نظامه أزمة من الأزمات وكلما ظهرت النتائج الوخيمة لسياساته واختياراته. 

·        فالمسئولية عن هذه النتائج الوخيمة تقع ابتداء على الهياكل الشعبية (المتمثلة في المؤتمرات الشعبية والروابط الشعبية والاتحادات المهنية واللجان الشعبية وحتى مؤتمر الشعب العام) التي لم تستطع فهم الكتاب الأخضر والنظرية الجماهيرية وأساءت تطبيقها. 

·        ثم إن المسئولية تقع بعد ذلك ـ إذا لزم الأمرـ على اللجان الثورية التي لم تفهم توجيهات"القائد" وتجاوزت صلاحياتها ودورها. 

·        أما"القائد" فهو دائماً بريئ وغير مسئول عن أي أخطاء وتجاوزات وجرائم ونتائج وخيمة..وكذلك الأمر بالنسبة لنظريته العالمية الثالثة..فهي تظل سليمة وصحيحة ومبرأة من أي عيب..وكل الذي حصل انه أُسيء فهمها وتطبيقها لأنها وُجِدت قبل زمانها وفي غير مكانها المناسب..وجرى استغلالها من قبل المؤتمرات واللجان الشعبية وحتى اللجان الثورية.!! 

ومن الأمثلة الصارخة على محاولة القذافي التنصل من المسئولية عما يحدث في جماهيريته السعيدة،وتحميل ذلك للشعب الليبي و"مؤتمراته الشعبية"،ما ورد على لسانه في الذكرى العاشرة لقيام الجماهيرية (2مارس1987)حول ماخذ يظهر واضحا من تردّي الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والأمنية في البلاد،حيث قال وبالحرف الواحد[6]

"نستطيع أن نقول الآن،إنه قد مضت عشر سنوات من ممارسة الشعب للسلطة بدون وساطة ولا نيابة.........وأريد أن أقول إن ما حصل في العشر سنوات الماضية هو مسئوليتكم،وما قد

يترتب عليها في المستقبل،هذه السنوات العشر،هو أيضا من مسئوليتكم ومن تدبيركم ومن تخطيطكم أنتم المؤتمرات الشعبية باعتبار الذين أمامي هم أمناء المؤتمرات الشعبية وأمناء اللجان الشعبية،فأنتم المؤتمرات الشعبية التي ينضوي تحت ألويتها كل الشعب الليبي..فهذه المؤتمرات وهذه اللجان هي المسئولة عن ممارسة السلطة السياسية والإقتصادية والإدارية وحتى الفاعلية العسكرية..[7]" 

كما يضيف القذافي في الخطاب ذاته:

"والشعب هو الذي تعهّد منذ عشر سنوات في هذا المكان بأن يدافع عن الحرية في أي مكان من العالم..وينبغي أن يكون واضحاً أن الإيجابيات والسلبيات التي ربما حصلت في العشر سنوات الماضية والتي تحصل ترتيباً عليها في المستقبل لا تسأل عنها إلا الجماهير..المسئولة عنها المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية،وليس هناك أي جهة يمكن أن نتجه إليها بالشكر أو باللوم خارج المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية،وإن أي إنسان يبحث عن جهة خارج المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية هو جاهل وساذج وغبي وهو أمّي من الناحية السياسية."

ثم يضيف أيضا :

"هناك أشياء كان بودّي أن أعملها بنفسي،ولكن خلال العشر سنوات الماضية لم تكن لدي الصلاحية السياسية والإدارية[8] لكي أصدر قانوناً أو قراراً،حتى أنا لا أستطيع أحيانا أن أنفذ شيئا لأنه يحتاج إلى إقرار أو قانون وهذا من صلاحية الشعب.." 

ثم يضيف ادعاءً بالغ السخف والغرابة حيث يقول:

"..ولكن لا يمكن أن يكتب عني التاريخ أنني فرضت على شعبي شكلا من أشكال الحكم أو قالبا معينا حشرت فيه الشعب الليبي..وأنا قلت لكم إنني أعترف إنني ما قمت بالثورة لأن عندي تصورات معينة[9] نريد أن نفرضها على الليبيين.وما عندي حزب عنده برنامج ومكّنته من أن يفرض هذا البرنامج[10] على الليبيين،وما عندي أيديولوجية[11] حركة عقائدية تريد أن تفرض أيديولوجيتها على الشعب الليبي..إني لم أفرض عليكم الجماهيرية ولا الكتاب الأخضر.." 

من الأمثلة الأخرى على سعى القذافي التنصّل والهروب من المسئولية عما وصلت إليه الأوضاع من تدهور في و جماهيريته ما ورد على لسانه في خطابه الذي ألقاه يوم 7أكتوبر1989كما يتضح بجلاء من المقتطفات التالية[12] : 

"كل المسئولية هي مسئولية الليبيين..."

"أما بالنسبة لي فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن أعترف بأنني حكمت هذه البلاد في يوم من الأيام إطلاقاً.."

"وما دام الشعب هو الذي بيده السلطة فهو إذا المسئول عن الفساد..."

"أنا أعتبر أن هناك فساداً قمتم به.وأنكم الشعب بكامله قد انحرف.."

"وبالتالي لا تحملوني مسئولية أنني حكمت أي يوم في ليبيا..السنوات الأولى كانت سنوات تأكيد للثورة..."

"وعليه ما دامت السلطة في يدكم فأنتم المسئولون عنها وأنا لا ينبغي نحكم ولا حكمت في الماضي.."

"وهذا فساد لا أقبله ولا تربطني بكم أية علاقة لا من بعيد ولا من قريب.."

"وإن كان هناك فساد أو تخريب فهو منكم أنتم وبينكم،بين المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية التي لست مسئولا عنها وإنما أنتم المسئولون عنها.."

"نحن لا نحكم ولو أننا نحكم لكانت البلاد الآن جنة.."

"والآن أنا غير راض عن تصرفاتكم كلها التي تعملونها بين المؤتمرات واللجان،مثل عدم رضائي عن الحكومة الملكية التي كانت تحكم،وقد قمت عليها بثورة.." 

ومن الأمثلة الصارخة على تهرّب القذافي من المسئولية عما يقع في جماهيريته بعلمه وبأوامره من جرائم وانتهاكات وتحميل ذلك للشعب الليبي من جهة وللجان الثورية من جهة أخرى موقفه من التصفيات الجسدية التي قامت بها عناصر النظام لعدد من الليبيين في الخارج خلال المدة من أبريل إلى يونيو 1980 وذهب ضحيتها عشرة مواطنين ليبيين.

فمن المعروف أن هذه الإغتيالات تمت بناء على تحريض علني ومتواصل وسافر من القذافي : 

"المطلوب هو سحق أعداء الثورة في الداخل والخارج."[13]  

" من يريد أن يتحدى الثورة،إذا كان في الداخل هذا أمر مفروغ منه سنداهم هذا الموقع وندمره حتى ولو كان مسجداً،وإذا كان في الخارج علينا أن ننتقل إليه في الخارج وننفذ فيه حكم الإعدام،عليكم أنتم اللجان الثورية أن تنفذوا هذا الحكم فيه حتى ولو ذهب إلى القطب الشمالي والجنوبي."[14]  

"نعدم حتى الأبرياء أحياناً بقصد إرهاب الجاني الحقيقي الذي قد لا يكون معروفاً في تلك اللحظة.."[15] 

وعلى الرغم من هذا التحريض الصريح والمتكرر من قبل القذافي على سحق وقتل وسفك دماء معارضيه نجده لا يتردد في التنصل من المسئولية عن عمليات الإغتيال التي وقعت في تلك الفترة عندما ثارت ثائرة الرأي العام الأوروبي والعالمي وجمعيات حقوق الإنسان احتجاجاً على تلك الجرائم.وإذا به يردد في أكثر من مناسبة:

"إنني لا أستطيع أن أتحكّم في انتقام اللجان الثورية...عندها عقيدة وهي تعتقد أن قوى الإستغلال والديكتاتورية في العالم يجب أن تنتهي جسديا.."[16]  

"أنا لم أُرسل أناساً لقتل أي أحد في الخارج،إنها مبادرة من الشعب الليبي واللجان الثورية كما قلت.."[17]  

"أدليت بتصريح أُسيء فهمه في العالم...قلت أنه يتوجب على هؤلاء الناس أن يعودوا،وإلا فإن تصفيتهم ستتحقق في كل مكان..إنني لم أقل عودوا وإلا صفيناكم،لقد عنيت أنه في حالة عدم عودتهم فإن تصفيتهم حاصلة لا محالة،وليس أمامهم مفر.."[18]  

"فيما يخص اللجان الثورية،ومشكل التصفية للفارين بالخارج فهو صحيح..فإنني تدخلت شخصيا لدى اللجان لكي توقف هذه العمليات.."[19] 

وحين يُسأل القذافي في مقابلة صحفية يوم 18/12/1980عن:"ليبيين قتلوا ليبيين في بريطانيا؟"

يجيب قائلاً:

"هذا موضوع يخصّ اللجان الثورية."[20]

وفي مقابلة صحفية ثانية بتاريخ 2/12/1981 يجري توجيه سؤال للقذافي[21] :

"إطلاق النار على المعارضين للنظام الليبي..ما موقفكم تجاه ذلك؟"

ويجيب القذافي:

"هذا عمل قامت به اللجان الثورية على مسئوليتها..واللجان الثورية أعلنت للعالم مسئوليتها عن هذا الإجراء..أناس يُقتلون..ونحن لا نعلم إلا من خلال وكالات الأنباء..وأنا لا أستطيع أن أضبط عمل اللجان في الخارج..ولا أعرف حتى أسماء الذين قاموا بهذا العمل.." 

والأمثلة في هذا الصدد كثيرة وكثيرة..فقد لجأ القذافي إلى التنصّل والهروب من اللجان الثورية ومن ممارساتها كلما واجه نظامه أزمة من الأزمات على الصعيدين الداخلي أو الخارجي.

حدث ذلك في عام 1988قبيل وبعد ما عُرِف بانفراجات مارس1988 حتى تصّور البعض أن القذافي مقدم على حلّ"اللجان الثورية"والتخلص منها[22]. وهو مالم يحدث بالطبع.وقد تكرر الأمر مرة أخرى خلال الخطب التي ألقاها القذافي منذ عام 2003م. من ذلك ما ورد على لسانه في خطابه الذي ألقاه يوم13/6/2003 حيث جاء فيه: 

"يعني حتى الناس الذين يعتقدون أنهم ثوريون كانوا مزيفين من أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين كانوا معي.الذين كانوا معي كانوا ضباطاً أحراراً وأصبحوا خونة إلى اللجان الثورية والثوريين الذين خدعونا ولم يكونوا ثوريين.." 

من ذلك أيضا ما ورد على لسان القذافي في خطابه الذي ألقاه يوم5/1/2004 م. أمام اعضاء اللجنة الشعبية العامة للعدل والأمن العام: 

"أناس منذ سنين في اللجان الثورية وهم ليسوا ثوريين،أخذوا السلاح وداهموا البيوت واعتدوا على أعراض الناس وعلى أموالهم،ووصلت إلى درجة أن واحدا قتل ليبيّا في الخارج وجاء وسكن في بيته...وآخرون لصوص اندسّوا في وسط الحركة الثورية وحقّقوا مصالح خاصة بهم وقاموا بفعل ثأري أحيانا ضد واحد ليبي آخر يكرهونه.."


[1]  رغم الصلاحيات الواسعة التى أعطاها القذافي لحركة اللجان الثورية والامكانيات الهائلة التى وضعها تحت تصرفها ، فقد ثبت له هشاشة تكوينها وبنيانها عقب الغارة الأمريكية على عدد من المواقع في ليبيا في منتصف شهر ابريل 1986 عندما قام عدد كبير من عناصر مكتب الاتصال باللجان الثورية بحرق ملفاتهم الشخصية تحسبا لسفوط النظام الامر الذي ادي الى اعتقال عشرات من عناصر حركة اللجان الثورية والتحقيق معهم

[2]  ورد على لسان القذافي يوم 20/3/1979قوله:"لو يقع انقلاب عسكري الآن في البلاد..اللجان الثورية هي المستهدفة من الإنقلاب.. يجب أن تكون على أهبة الإستعداد دائما لسحق كل من يقف أمام الثورة،كل من يقف أمام سلطة الشعب،هذه لا كلام فيها، لا بد من سحقه بأي طريقة"راجع جريدة"الفجر الجديد"22/3/1979  ص(6). كما ورد على لسانه في مناسبة تالية يوم 1/3/1981 قوله: "وإذا انتكست الثورة فسيتم التنكيل بحركة اللجان الثورية،وستذبح اللجان الثورية،وستصفى أجسادكم فرداً فرداً،لأنكم أنتم الموجودون في قفص الإتهام بالنسبة للقوى المعادية للحرية ولسلطة الشعب"راجع السجل القومي،المجلد(12)80/1981ص(829 (

[3]  للمزيد حول هذه الإنفراجات وبواعثها وأهدافها راجع الباب السادس"في ظل الشرعية الثورية ـمنذ مارس1988 من كتاب "ليبيا بين الشرعية الدستورية والشرعية الثورية" للمؤلف.

[4]  راجع ما ورد بمبحث"مهام اللجان الثورية"،وما ورد بكتاب"ليبيا من الشرعية الدستورية إلى الشرعية الثورية"للمؤلف.

[5]  القذافي خلال ندوة مرئية في 3/5/1988 صحيفة الزحف الأخضر بتاريخ  4/5/1988ص2.وكان القذافي قد أورد ادعاءً مماثلا خلال خطابه الذي ألقاه يوم  28/3/1988م.

[6]  السجل القومي،المجلد الثامن عشر86/1987.م.س.ص(458 ـ459).

[7]  يلاحظ أن القذافي ظل يحتفظ بمنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة الليبية..كما يلاحَظ أن هذا الخطاب جرى في أعقاب تعرض"الجماهيرية"للغارة لأمريكية في 15 أبريل 1986

[8]  يتضح من فصل "مضمون وثيقة قيام سلطة الشعب"من كتاب"ليبيا من الشرعية الدستورية إلى الشرعية الثورية"للمؤلف. كيف أن القذافي أصدر بصفته قائداً أعلى للقوات المسلحة القانون(1)لسنة 1991 بتاريخ13/11/1991.

[9]  ماذا عن شعار"الحرية والإشتراكية والوحدة؟وماذا عن الثورة الشعبية؟وماذا عن الكتاب الأخضر؟!

[10]  ماذا عن اللجان والقوى الثورية والبرنامج الثوري؟!

[11]  مرة أخرى ماذا عن فرض تطبيق مقولات كتابه الأخضر على الشعب الليبي؟!

[12]  السجل القومي،المجلد الحادي والعشرين 89/1990.م.س.ص(183 ـ 244)

[13]  من خطاب للقذافي يوم 13/5/1976.

[14]  من خطاب للقذافي يوم8/3/1979.

[15]  من خطاب للقذافي يوم 9/4/1979.

[16]  من خطاب للقذافي يوم7/6/1980.

[17]  من خطاب القذافي   يوم24/6/1980.

[18]  من خطاب القذافي  يوم26/10/1980.

[19]  من خطاب القذافي  يوم26/10/1980.

[20]  السجل القومي،المجلد الثاني عشر 80/1981.ص(579).

[21]  السجل القومي،المجلد الثاني عشر 80/1981 ص(1232).

[22] راجع ما ورد بصحيفة الشرق الأوسط حول خطاب القذافي في الملتقى الحادي عشر للجان الثورية أغسطس 1988عدد الصحيفة الصادر بتاريخ31/8/1988 وقد أورد القذافي في الخطاب المذكور أن هناك أناس اندسوا وسط اللجان الثورية وهم ليسوا منها وإن بعض هؤلاء قد تمت تصفيتهم بعد اكتشاف انحرافهم.."


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية     الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة    الحلقة الخامسة
           الحلقة السادسة   الحلقة السابعة   الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة ( الأخيرة )  

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home