Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد المقريف


د. محمد المقريف

السبت 27 فبراير 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

صفحات من تاريخ النظام الانقلابي في ليبيا (2)

فصول منتقاة من كتاب "الطغيان الثوري وعبقرية السفه" ـ تحت الاعداد

 

إعداد : الدكتور محمد يوسف المقريف

 

فصل : صراع داخل وزارة المغربي

 

يقول الرائد عبد المنعم الهوني عضو مجلس قيادة الثورة في مذكراته حول ملابسات وأسباب اختيار الدكتور محمود سليمان المغربي لترأس أول حكومة بعد الانقلاب:

 

" .. ومنذ اليوم الأول [للانقلاب] طرحت فكرة تشكيل حكومة مدنية، وتردد أكثر من اسم لرئاستها واقترح عمر المحيشي اسم محمود المغربي. وكان هذا[المغربي] في السجن وقد تعرّف معمر عليه أثناء زيارة للاخوة القوميين   العرب [1] وبينهم الضباط الذين فرّوا إلى الجزائر في أحداث 1967 مثل [فتحي] بن طاهر و[مفتاح] الشارف. وكان بين السجناء شقيق أحد الضباط المنضوين في التنظيم [تنظيم الضباط الوحدويين]. المهم أنهم تعرّفوا إلى المغربي في أحد الزيارات. وقد تشكلت الوزارة في اليوم الثامن لنجاح الحركة. " [2]

 

كما يقول الهوني في موضع آخر من الحلقة ذاتها من مذكراته:

 

" اجتمعنا [مجلس قيادة الثورة] في اليوم الرابع [لنجاح الانقلاب]. جاء معمر وآخرون إلى طرابلس واتفقنا على اسم محمود المغربي ... وجدنا في الدكتور محمود المغربي ضالتنا فهو رجل " عروبي وقومي وصاحب خبرة وتاريخ سياسي ورجل عملي وهو غير حزبي، ولا يرتكز على قبيلة " بمعنى أن ليس لديه ما يثير المخاوف من احتمال تفرده بالسلطة .. [3] "

 

أما الديب فهو ينسب في الصفحة (71) من كتابه " عبد الناصر وثورة ليبيا " إلى المقدم آدم الحواز [وزير الدفاع وعضو مجلس قيادة الثورة] رواية حول هذا الموضوع يدّعي أنه سمعها منه أثناء لقائه به بالسفارة المصرية مساء يوم 23/9/1969 جاء فيها:

 

" وباستفساري منه [من المقدم آدم الحواز] عن ظروف تشكيل الوزارة بطرابلس، أخبرني بأن عمر [المحيشي] هو الذي رشح محمود المغربي وأيّده في ذلك النقيب عبد السلام جلود. ومن ثم قام محمود باختيار علي عميش (وزير الاقتصاد) وأنيس الشتيوي (وزير النفط). وأن اتفاق مجموعة مجلس الثورة في بنغازي [بمن فيهم الحواز] كان على أساس تولّي معمر بنفسه رئاسة الوزارة، ولكن تواجد معمر في طرابلس مكـّن مجموعة طرابلس من إقناعه بتعيين محمود المغربي رئيساً للوزراء. "

 

كما يقدّم الديب في الصفحات (77 – 78) من كتابه رواية نسبها إلى السيد أحمد صدقي الدجاني [4] حول ملابسات اختيار المغربي لرئاسة الوزارة على النحو التالي:

 

" في يوم الخامس والعشرين من سبتمبر ... قمت بالالتقاء بالسيد أحمد صدقي الدجاني بسفارتنا بطرابلس للإلمام بنتيجة اجتماعاته العديدة بمحمود المغربي والتي تبلورت في الآتي:

 

  (1) .. بعد قيام الثورة وفي أول يوم قدّم  المغربي  لمجلس الثورة دراسة عن نظام مقترح للعمل بليبيا بعد نجاح الثورة [5]، وقد تمسك المجلس به بعد الإطلاع على الدراسة، وفاتحوه في تولي الوزارة.

 

  إنه على اتصال دائم بمجلس الثورة، وإن كانت يده مطلقة في إدارة دفة الحكومة، وتطوير نظامها بما يكفل دفع الحركة بلا تدخل من المجلس ...

 

  وعندما استفسر منه السيد أحمد صدقي عن أسماء الأعضاء رفض الإفصاح وطلب منه أن يعفيه شخصياً من الإجابة عن استفساره.

 

  وعاد الدجاني ليسأله عن نوع العلاقة التي كانت تربطه الضباط قبل الثورة فأجاب بأنه كان لديه مشروع طويل المدى يتعلق بإنشاء تنظيم يتوجه إلى الضفة الشرقية للأردن للعمل في مجال المقاومة الفلسطينية، وذلك من خلال صلة تربطه بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ... "

 

تعريف بالمغربي

 

يمكن تلخيص سيرة الدكتور محمود المغربي من خلال مطالعة عدد من الوثائق والمصادر[6] :

 

·        من مواليد مدينة حيفا في فلسطين عام 1933 .

·        انتقل للإقامة في سوريا حيث أكمل دراسته الجامعية في القانون، كما تحصل على الجنسية السورية.

·        انتقل في عام 1956 للعمل كمدرس في قطر.

·    انتقل بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومكث بها حوالي ثمان سنوات تحصل خلالها على درجة الدكتوراة في القانون من جامعة جورج واشنطن.

·    غادر الولايات المتحدة إلى ليبيا عام 1965 حيث التحق فور وصوله للعمل بالإدارة القانونية في شركة إسو ليبيا الأمريكية للنفط (حيث كان يعمل المستر دونالد سنوك [7] Donald Snook  مديراً للعلاقات العامة بالشركة نفسها).

·        تحصل على الجنسية الليبية في عام 1966 (حكومة السيد/ حسين مازق).

·    ألقى القبض عليه يوم 17/7/1967 عقب اشتراكه في الإضرابات والتحريض على الشغب وإثارة القلاقل في أوساط العاملين بقطاع النفط (خلال فترة حكومة السيد/ عبد القادر البدري).

·    أصدرت محكمة جنايات طرابلس بتاريخ 8/8/1967 حكماً بحقه يقضي بسجنه لمدة أربع سنوات (القضية رقم جنايات / 391 – 67).

·    صدر بتاريخ 15/8/1967 مرسوم ملكي يقضي بسحب الجنسية الليبية منه استناداً إلى المادة (10) من قانون الجنسية رقم 17 لسنة 1954 المعدل بالقانون رقم (7) لسنة 1963.

·        أطلق سراحه في منتصف شهر أغسطس 1969 (خلال فترة حكومة السيد/ ونيس القذافي) قبل أن يمضي كامل المدة المحكوم بها، ولسبب غير معروف فلم تقم السلطات بتسفيره خارج البلاد.(؟!)

وبصرف النظر عن الأسباب من وراء عدم تسفير المغربي خارج البلاد بعد إطلاق سراحه من السجن فمن المهم تثبيت أنه لم يصدر أيّ مرسوم برّد الجنيسة الليبية إليه، ومع ذلك فقد تواجد المغربي منذ اليوم الأول للانقلاب بين الانقلابيين في "مجلس قيادة الثورة" بطرابلس إلى أن صدر قرار المجلس المذكور في السابع من سبتمبر بتكليفه بتشكيل " حكومة الثورة " [8] وهو ما تم الإعلان عن إتمامه في 8/9/1969.

 

الذي يعنينا الآن هو تناول تشكيلة حكومة المغربي وما انطوت عليه من تناقضات بين عناصرها كان من الطبيعي جداً أن تؤدي إلى تناقضات وصراعات بينهم.

 

يقول الرائد الهوني حول الكيفية التي تمت بها تشكيل الوزارة [9]:

 

" ... لم يكن [المغربي] يعرف الناس كثيراً لأنه لم يكن عاش طويلاً في البلد. طرحنا [على المغربي] أسماء، فقبل بعضها ورفض البعض الآخر. وفي النهاية توصلنا إلى تشكيلة وأعلنت ".

 

وفي الواقع فإن المغربي لم يكن وحده الذي لا يعرف الناس كثيراً فالانقلابيون أنفسهم كانوا أصحاب معرفة محدودة إلى حد كبير بالناس وهو ما قاله عبد الناصر صراحة للقذافي أثناء الاجتماع الثالث بينهم خلال الزيارة الأولي التي قام بها القذافي للقاهرة في الفترة من 1 – 4/12/1969 حيث قال له :

 

" ليس لديكم – كما فهمت – معلومات وافية عن كثير من الشخصيات الليبية التي مارست عملها خلال الحكم الملكي، وثقتكم بالبعض ضئيلة ... " [10]

 

ما هي التشكيلة الوزارية التي أسفرت عنها مشاورات المغربي مع الانقلابيين؟

 

لقد تشكلت حكومة د. محمود المغربي كما جرى الاعلان عنها يوم 08\09\1969 على النحو التالي :

 

1.        الدكتور محمود سليمان المغربي          رئيساً للوزراء ووزير المالية والزراعة والاصلاح الزراعي

2.        السيد صالح مسعود بويصير    وزيراً للوحدة والخارجية.

3.        المقدم آدم سعيد الحواز                   وزيراً للدفاع.

4.        المقدم موسى احمد              وزيراً للداخلية.

5.        المهندس انيس احمد اشتيوي    وزيراً للنفط ووزيراً للعمل والشئون الاجتماعية.

6.        السيد على عمّيش                وزيراً للإقتصاد والتخطيط والصناعة.

7.        السيد محمد العيساوي الشتوي  وزيراً للتربية والارشاد القومي.

8.        السيد محمد على الجدي                  وزيراً للعدل.

9.        الدكتور مفتاح الاسطى عمر    وزيراً للصحة ووزيراً للأشغال والمواصلات.

 

 

لقد بدت تلك التشكيلة  منذ اللحظة الأولى خليطاً غريباً من الشخصيات المتنافرة في مشاربها وتوجهاتها. فضلاً عن أنه لم يسبق لمعظمهم أن عرف الآخرين من قبل، ولم تجمعهم من قبل تجربة أي عمل سياسي أو إداري مشترك. وقد تجلـّت هذه الحقيقة في كثرة التغيير الذي تعرّضت له تشكيلتها على قصر عمرها، وفي توتر علاقة عناصرها ببعضها، ومن ثم في أدائها وأسلوب عملها، وأسهم بالتالي في التعجيل بنهايتها. [11]

 

أما من حيث التغيير في تشكيلة الوزارة. فقد وقع أول تعديل لها يوم 21/9/1969 (أي بعد 13 يوماً فقط من تشكيلها) عندما جرى الإعلان عن قبول استقالة وزير التربية والإرشاد القومي المدعو/ محمد العيساوي الشتوي الذي تبين أنه غير ليبي، وكان القذافي هو الذي اقترح ضمه إلى تشكيلة الوزارة بحكم وجود علاقة سابقة له به لم يتمكن أحد من معرفة ظروفها وملابساتها [12]. وقد أورد الديب في كتابه " عبد الناصر وثورة ليبيا " في هذا الشأن " أن المغربي طلب من الشتوي تقديم استقالته لأسباب صحية ومغادرة ليبيا نهائياً إلا أن الأخير رفض ذلك. " كما أورد أيضاً بهذا الخصوص في موضع آخر " ظهرت أول نتائج اجتماع مجلس الثورة بقيادة العقيد معمر بطرابلس لعدة أيام حيث أعلن عن استقالة العيسوي [يقصد محمد العيساوي الشتوي]". [13]

 

وبعد يومين من قبول استقالة / إقالة الشتوي صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بتاريخ 23/9/1969 يقضي بتعيين الأستاذ مصطفى عبد الله بن عامر [14] (60  سنة) وزيراً جديداً للتربية والإرشاد القومي غير أنه لم يبق في منصبه سوى بضعة أسابيع اصطدم خلالها برجال الانقلاب بسبب تدخلهم المتواصل في شئون وزارته واضطر بعدها إلى تقديم استقالته والبقاء في بيته منذ أواخر شهر أكتوبر، ولم يتم الإعلان عن قبول تلك الاستقالة إلا في 3/12/1969 كما صدر في التاريخ نفسه قرار آخر بتعيين السيد/ أحمد رجب فيتور وزيراً جديداً للتربية والإرشاد القومي.

 

كما شهدت فترة هذه الوزارة على قصرها تعديلين تمثل أولهمها (بتاريخ 16/10/1969) في تعيين الدكتور عمر الهادي رمضان وزيراً للأشغال والمواصلات وهي الوزارة التي كانت مسندة إلى الدكتور مفتاح الأسطى عمر (بالإضافة إلى عمله كوزير للصحة). أما التعديل الآخر فقد وقع بتاريخ 22/10/1969 متمثلاً في تعيين الدكتور جمعة مسعود شريحة وزيراً للزراعة والإصلاح الزراعي وهي الوزارة التي كان الدكتور المغربي يشرف على شئونها بالإضافة إلى رئاسة الوزارة ووزارة المالية.

 

أما فيما يتعلق بصلة عناصر الوزارة ببعضهم وبخاصة برئيس الوزراء المغربي فقد وردت بشأنها إشارات كثيرة في كتاب الديب الذي كان على صلة قوية [15] بوزيرين من وزرائها وهما المقدم آدم الحواز [وزير الدفاع] والسيد صالح بويصير [وزير الخارجية والوحدة]، من هذه الإشارات ما ورد بالمقتطفات التالية:

 

" حضر للقائي ظهر يوم الثاني عشر [من سبتمبر] بمبنى السفارة الأخ والصديق صالح مسعود بويصير وزير الخارجية، والذي تربطني به علاقات وثيقة منذ لجوئه إلى مصر ... وأخبرني أنه جاء بصفته الشخصية ليطلعني على حقيقة الوضع كما يراه من داخل وخارج اجتماعات مجلس الوزراء حيث أوضح الآتي:

 

1-  واضح من مناقشات مجلس الوزراء الميول الحقيقية لرئيس الوزراء وهي الشيوعية، حيث طرح اعجابه بشجاعة خالد بكداش ثم رفضه الإلتزام بحلف اليمين والقسم على القرآن في البداية، ثم اضطراره تحت طلب الأغلبية وتدخل العقيد معمر شخصياً لمطالبته بالقسم على القرآن. هذا إلى جانب اختياره لعناصر معروفة بميولها الشيوعية لتولي المناصب الرئيسية في الحكومة.

 

2-  بدأ أفراد الشعب يثيرون وضع رئيس الوزراء وأنه ليس من أصل ليبي، ولا يوجد له أي ارتباط بليبيا، ويتساءلون عن حقيقة أصله.

 

كما أبدى [بويصير] شكوكه في وجود تخطيط حزبي لتحريك الثورة في اتجاه لا يتمشى وأهدافها من خلال رئيس الوزراء ووزير الاقتصاد [علي عمّيش] ووزير النفط [أنيس الشتيوي] وأن رئيس الوزراء يحاول الانفراد بالرأي ... " (صفحة 49).

 

" ... ازداد انتشار التساؤل في حقيقة أصل محمود المغربي وأنه ليس بليبي بصورة عامة في الأوساط الشعبية ... حضر لمقابلتي الأخ صالح بويصير ليطلب مني الرأي في تخلـّيه عن الوزارة لصعوبة استمراره في التعاون مع رئيس وزراء شيوعي [كما ورد على لسانه] " (صفحة 56، 57).

 

" بعد وصول المقدم آدم [الحواز] من طرابلس حضر لمقابلتي بالسفارة مساء يوم الثالث والعشرين [سبتمبر] ليقضي معي جلسة استغرقت ما يزيد على الساعتين تناول فيها العديد من الموضوعات ... "

 

" اختتم المقدم حديثه عن مجلس قيادة الثورة (الذي هو عضو فيه) بقوله إنه جاري متابعة نشاط محمود المغربي وعلاقته بالملازم عمر (المحيشي)، وأنه تمكـّن من الحصول على مستندات تدينهما بالماركسية، وأنه بإمكانهم إذا اقتضى الأمر إبعاد محمود المغربي عن السلطة ومحاولة احتواء عمر... "

 

" وانتقل [الحواز] إلى موضوع أصل محمود المغربي ليقول أنهم تحققوا من أن موضوع ارتباطه بقبائل المغربي [16] بككلة [بمنطقة غريان] جاء عن طريق رؤساء ومشايخ القبيلة، إلا أنه ثبت عدم وجود أي صلة قرابة له تحدد ارتباط أصله بالقبيلة، وأنه ليس له خال أو عم أو فروع تؤيد هذه القرابة، أشار إلى لائكية محمود المغربي [علمانيته] وعدم إيمانه بالله أو بأي قيم دينية .. " (صفحة 70 – 72).

 

" كان ردّ فعل تعيين السيد مصطفى بن عامر وزيراً للتربية والإرشاد طيباً ومثار فرحة كل أبناء بنغازي، وإن كان شكـّل صدمة عنيفة لمحمود المغربي الذي يعلم عن ارتباطه [السيد بن عامر] الكامل بالخط العربي الوحدوي وصلة الصداقة المتينة التي تربطه بالسيد صالح بويصير وزير الخارجية. " (صفحة 76).

 

" خرج السيد أحمد صدقي الدجاني من لقاءاته المتعددة بمحمود المغربي – وذلك على ضوء معرفته الشخصية به – بالحقائق المتوقعة التالية:

 

‌أ-      احتدام الصدام بينه وبين صالح بويصير خاصة بعد وجود توازن في الوزارات إلى جانب بويصير بعد دخول مصطفى بن عامر، بالإضافة إلى شعبية صالح المتزايدة في كل من بنغازي وطرابلس وشعور صالح بإمكان التخلص من المغربي .. " (صفحة 79).

 

" حضر العقيد معمر إلى بنغازي مساء السادس والعشرين من سبتمبر بعد إجراء التعديل الوزاري [الذي شمل منصب وزير التربية والإرشاد القومي] ودعاني صباح اليوم التالي للقائه بمعسكر البركة، وحضر اللقاء، الذي استغرق أكثر من ساعتين، المقدم آدم الحواز ... أثار المقدم آدم وضع محمود المغربي وما يدور على ألسنة الجماهير من انتقادات واتهامات للمغربي بالنسبة لإلحاده وعدم إيمانه بالوحدة، وثبوت أنه ليس بليبي الأصل، وأنه يحاول تجميع كل الشيوعيين والبعثيين ليمكنهم من المراكز الحساسة في السلطة .. "

 

وقد تناول الصراع والتناقض داخل وزارة المغربي تقرير بعث به فتحي الديب إلى الرئيس عبد الناصر حول تطور الأحداث في ليبيا بعد مضي أربعة أسابيع على قيام الانقلاب. ومن بين فقرات التقرير التي تناولت هذا الصراع :

 

" ثانياً : مجلس الوزراء

 

(1)  يضم مجلس الوزراء اتجاهين متنازعين:

 

الاتجاه الأول: يمثله محمود المغربي وعلي عمّيش وأنيس الشتيوي...

 

والاتجاه الثاني: يضم صالح بويصير ومصطفى بن عامر والدكتور مفتاح الأسطى عمر، والمقدم آدم الحواز والمقدم موسى أحمد ... أما وزير العدل محمد على الجدي [17] فلا دور له ويمثل العنصر السلبي في الوزارة.

 

(2) رغم قلة عدد أفراد المجموعة الأولى إلا أن سيطرتها على الوزارات الرئيسية (المالية والزراعة والإصلاح الزراعي والاقتصاد والنفط) تحفظ لها التوازن داخل المجلس.

 

(3) حاول محمود المغربي الحد من قدرة صالح بويصير (المنافس الرئيسي له) على الإنطلاق إلا أن الأخير تمكن من الإستحواذ على ثقة رئيس وأعضاء مجلس الثورة بشكل ملموس، وأصبحت قدرته على الحركة كبيرة خاصة بعد تعيين مصطفى بن عامر.

 

(4) يحاول محمود المغربي أن يعوض افتقاره إلى الإرتباط بالقاعدة الشعبية بالتعاون مع العناصر الحزبية التي يقوم بتعيينها في المناصب الحكومية، وفي مقدمتها البعثيين والماركسيين بهدف مناصرتهم له في مواجهة التحدي الذي يفرضه عليه صالح بويصير الذي يتمتع بثقة وتقدير القاعدة الشعبية في برقة وطرابلس على السواء.

 

(5) مازال محمود المغربي يتجنب الدخول في صراع مباشر مع صالح بويصير حتى الآن، وإن كان يتهمه في مجالسه الخاصة باليمينية، وأنه ليس عربي الاتجاه. وتسانده في مخططه للنيل من سمعة صالح بويصير مجموعة الماركسيين والبعثيين. ورغم ذلك بدأت صورة محمود المغربي تهتز بشكل كبير لدى القاعدة الشعبية نتيجة ترديد الجميع لإلحاده وثبوت عدم ليبية أصله.

 

(6) يتمسك المغربي بالبقاء بطرابلس ويتجنب التواجد ببني غازي ليبقى بعيداً عن قاعدة صالح بويصير الشعبية، وليحافظ على استمرار ارتباطه بطرابلس حيث تتجمع قيادة التحرك الحزبي بليبيا.

 

ولا تفوت الإشارة في هذا الصدد إلى أن الديب أورد في الصفحة (152) من كتابه أن العقيد القذافي ذكر لعبد الناصر أثناء الاجتماع الثالث الذي عقد بينهما خلال الزيارة التي قام بها للقاهرة في الفترة 1 -4 ديسمبر 1969 " أن أعضاء الوزارة الحالية (وزارة المغربي) منقسمون إلى جبهتين كل جبهة تحاول الإيقاع بالجبهة الأخرى. الأمر الذي يعرقل مسيرة الثورة لتحقيق أهدافها. "

 

وفي هذا السياق أيضاً تجدر الإشارة إلى ما ذكره الصحفي المصري جميل عارف في مقاله بمجلة " آخر ساعة " المصرية تحت عنوان " الرجل الذي فقد ذاكرته " [18] :

 

" ... كما ذهب المرحوم صالح بويصير وكان لا يزال يعمل وزيراً للخارجية في حكومة المغربي لينقل إلى الأخ العقيد بعض ما يراود زملاءه من مخاوف حول حقيقة هذا المغربي ... وقال أنه يخشى أن يكون المغربي هو كوهين آخر ... وأدرك الأخ العقيد ما يعنيه وزير خارجيته فبادر بمقاطعته وهو يقول: إن الذين يرددون هذا الكلام مخرّبون، وكانت مفاجأة عندما أمسك العقيد بسماعة التليفون ليطلب المغربي في مكتبه ثم يقول به بالحرف الواحد: الأخ صالح بويصير عندي في البيت ... وهو يقول إنك جاسوس إسرائيلي ... "

 

ويتضح من المقتطفات السابقة بجلاء العوامل التي أسهمت في قيام الصراع داخل وزارة الدكتور محمود المغربي والتي يمكن تلخيصها في الآتي:

 

1.   غياب المشاورات الكافية حول تشكيل الوزارة وتدخل أكثر من طرف في تشكيلها مع احتمال وجود نية مسبقة لدى الانقلابيين أن تكون التشكيلة على هذا النحو الذي يفتقد الحد الأدنى من التجانس.

 

2.      الشكوك التي أحاطت منذ مرحلة مبكرة حول هوية المغربي وليبيّـته فضلاً عن صفاته وطباعه الشخصية.

 

3.      توجّهات المغربي الحزبية وتقرّبه لعناصر معروفة بتوجهات حزبية معينة.

 

4.   مناصبة الوزيرين صالح بويصير والمقدم آدم الحواز له العداء والخصومة لأسباب قد يكون بعضها أيديولوجياً وقد يكون الآخر شخصياً.

 

5.      رغبة أغلبية أعضاء مجلس قيادة الثورة في التخلص من المغربي وحكومته واستلام أعمال السلطة التنفيذية بالكامل والاستئثار بها.

 

6.      دور بعض العناصر الوطنية غير الرسمية في التعريض بالمغربي وتوجهاته.

 

7.   الدور السلبي الذي قام به فتحي الديب مستشار الرئيس المصري ومبعوثه (كما يتضح من قراءة كتابه الذي اقتطفنا منه الفقرات السابقة).

 

لقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في إيجاد وإذكاء التناقض والصراع داخل وزارة الدكتور المغربي وهو ما أدى إلى شلّ أدائها كما ألمحنا، وتقديمها لاستقالتها في 20/11/1969 وهي الاستقالة التي قـُبلت في 16/1/1970.

 

وتجدر الإشارة في ختام هذا المبحث إلى حوار يزعم الديب نقلا ً عن السيد صالح بويصير أنه جرى بين العقيد القذافي والدكتور المغربي إثر تقديم الأخير لاستقالة حكومته.

 

" ... ولما استفسر العقيد منه (من المغربي) عن موقفه بعد الاستقالة أوضح المغربي أنه سيغادر البلاد إلى فلسطين. وحين استوضحه ولماذا فلسطين؟ قال المغربي أنه يعود إلى بلده فلسطين. فرّد عليه معمر بقوله إن كثيراً من الليبيين قالوا له إن محمود ليس ليبيّاً وأنه الآن عرف الحقيقة. "

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1  يقصد مجموعة القوميين العرب الذين حوكموا خلال فترة حكومة عبد الحميد البكوش (أكتوبر 1967 – سبتمبر 1968) والتي عرفت بمحاكمة الـ (106). وصدرت الأحكام بتاريخ 24/2/1968 بالسجن لمدد تتراوح بين سنة وست سنوات بحق (94) متهماً وببراءة (12) متهماً.

2       مجلة " الوسط " اللندنية بتاريخ 4/9/1995 م. س.

3       المرجع نفسه.

4       ربطت الدجاني بالمغربي صلة صداقة قديمة ترجع إلى عام 1955 عندما كانا يدرسان سوياً بالجامعة السورية كما جمع بينهما نشاط مشترك من أجل القضية الفلسطينية. وقد زار الدجاني المغربي بالسجن في طرابلس صيف عام 1968 كما زاره بعد الإفراج عنه في صيف 1969 قبيل وقوع الانقلاب. وبعد قيام الانقلاب وصل السيد الدجاني إلى ليبيا والتقى بزميله المغربي في نهاية الأسبوع الثالث من سبتمبر ونقل خلاصة ما دار بينهما من حوارات إلى فتحي الديب إذ تربط الاثنين كما يقول الديب صلة صداقة واخوة وإيمان قومي واحد. راجع " أخبار ليبيا " م. س. وفتحي الديب م. س. ص. 69 ، 73.

5       هل يعقل أن يكون قد قدم هذه الدراسة في أول يوم بعد الانقلاب ؟ّ! هل كانت الدراسة جاهزة في انتظار الانقلاب؟!

6       راجع الوثائق الأمريكية التالية:

-          برقية السفارة الأمريكية بطرابلس رقم (672) المؤرخة في 16/8/1967 الملف          Pol 23.8 Libya

-          برقية السفارة الأمريكية بطرابلس رقم (729) المؤرخة في 19/8/1967 الملف          Pol 29 Libya

-          برقية السفارة الأمريكية بطرابلس رقم (2351) المؤرخة في 8/9/1969 الملف          Pol 15 – 1 Libya

-          مذكرة البحث رقم (RAF – 18) المؤرخة في 10/9/1969 الملف Pol 15 Libya

-          التقرير رقم (A – 1575) المؤرخ في 12/9/1969  الملف Pol 6 Libya

 

راجع أيضاً مراجعة كتاب .. " عبد الناصر وثورة ليبيا " بقلم د. أحمد صدقي الدجاني المنشورة بتاريخ 18/7/2004 بموقع أخبار ليبيا وكذلك ما ورد في كتاب " حقيقة ليبيا " لسامي حكيم.

 

7       راجع ما ورد حول هذه الشخصية في كتاب " إنقلاب بقيادة مخبر " للمؤلف.

8       في اعتقادنا أنه بصرف النظر عن غياب الحكمة السياسية في اتخاذ ذلك القرار فهو قرار باطل بموجب المادة (81) من دستور 1951 التي تنص على أن " لا يلي الوزارة إلا ليبي " وقد سبق أن أشرنا في فصل معارك مع الدستور " أن هذا الدستور لم يجر إلغاؤه إلا في 11/12/1969 بإصدار " الإعلان الدستوري " أما ما حدث قبل ذلك وبموجب البيانين الأول والثاني للانقلاب فهو إلغاء للمؤسسات الدستورية فقط.

9       مجلة " الوسط " مرجع سابق.

10      فتحي الديب م. س. ص. (153) يزعم الديب أنه هو الوحيد الذي حضر الاجتماع بين عبد الناصر والقذافي.

11      هذا إذا افترضنا أن هذا الأمر (نهايتها السريعة) لم يكن مدبراً منذ البداية.

12      محمد العيساوي الشتوي، تونسي الجنسية وكان من الدارسين بالقاهرة وعضواً في رابطة تونس الطلابية وكان يعمل في إحدى المدارس بمدينة بنغازي أثناء العهد الملكي وفوجئ باسمه في تشكيلة الوزارة أثناء مقامه في القاهرة لقضاء الإجازة السنوية. وقد أثار تعيينه العديد من التعليقات والاستنكار من جانب القاعدة الشعبية. واختفى بعد استقالته / إقالته من ظاهر مسرح الأحداث، وظهر في التسعينات ككاتب وصحافي بمجلة " لا " الحكومية التي تصدر في طرابلس.

13      م. س. ص. (76).

14      أورد الديب في الصفحة (88) من كتابه أنه كان لدخول مصطفى بن عامر الوزارة آثاره في إعطاء دفعة جديدة لثقة وتأييد القاعدة الشعبية وارتياحها إلى سلامة خط الثورة واستفادتها بكل العناصر الوطنية الحائزة لثقة الشعب.

15      يتضح من مطالعة كتاب الديب أنه لعب دوراً في إذكاء التناقض والصراع بين الوزيرين ورئيس الوزراء.

16      لا وجود لما أطلق عليه الديب " قبائل المغربي "، ولعله يقصد " عائلة المغربي " التي يشير إليها اسم " محمود المغربي ".

17      ينتمي محمد علي الجدي إلى قبيلة ورفلة وكان قبل الانقلاب قاضياً شرعياً وهناك اعتقاد بأن القذافي هو الذي اقترح اسمه لشغل المنصب.

18      العدد الصادر بتاريخ 18/6/1975.

 

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home