Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Yousef al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد يوسف المقريف


د. محمد المقريف

الثلاثاء 26 أغسطس 2008

إضغط هنا للأطلاع على الجزء الثاني    
الجزء الأول :   الحلقة الأولى     الحلقة الثانية      الحلقة الثالثة
                     الحلقة الرابعة     الحلقة الخامسة الحلقة السادسة

انقلاب بقيادة مخبر (5)

د. محمد يوسف المقريف

أسباب طرد الطالب معمر من سبها

   يردّد العقيد القذافي وأجهزة إعلامه ودعايته منذ عدّة سنوات أنّ أسباب طرده من الدراسة في  سبها في أواخر شهر أكتوبر من العام 1961 ترجع إلى قيام الطالب معمر في الخامس من أكتوبر من ذلك العام بتظيم وقيادة مظاهرة كبيرة في مدينة "سبها" احتجاجاً على انفصال سوريا عن مصر الذي وقع في 28 من شهر سبتمبر من العام ذاته. 

وفي اعتقادنا أنّ هذا الزعم الذي يردّده العقيد ( ويقيم له المهرجانات والاحتفالات السنوية) لا أساس له من الصحة[1]، وقبل أن نسرد الأسباب والحجج التي تؤكد هذا الاعتقاد يحسن تذكير القارئ بجملةِ من الحقائق حول تلك المظاهرة من خلال ما ورد بشأنها على لسان القذافي ورفاقه: 

·              أنّ المظاهرة كانت كبيرة وحاشدة واشترك فيها آلاف من الطلبة والموظفين وبقية المواطنين. 

·              أنها خرجت بإذن وترخيص مسبق من سلطات الولاية. 

·              أنها سارت في حماية الأجهزة الأمنية من شرطة ورجال مباحث. 

·              كانت المظاهرة سلمية وخالية من أيّة حوادث عنفٍ واعتداء. 

وفضلا عن ذلك بالنسبة لدور الطالب معمر خلال تلك المظاهرة

·              لم يكن له دور ظاهر واضح وبارز للسلطات في "قيادة المظاهرة".

·      كان له دور "إنساني بطولي" خلالها تمثل في قيامه بحماية نائب مدير الشرطة "محمد السويني الشريف" الذي كان قد سقط على الأرض أثناء تحركّ المظاهرة. 

·              تعاون الطالب معمر مع رجال الشرطة والمباحث في توجيه المظاهرة نحو القسم الداخلي بالمدينة. 

هذه هي المظاهرة التي يزعم العقيد القذافي أنه طرد بسبها من الدراسة في مدارس ولاية فزان.. ولا يخالجنا أدنيّ شكّ في أنّ هذا الزعم هو افتراء محض للأسباب التالية:

·      سبق للطالب معمر - وفقاً لادّعاءاته بنفسه- المشاركة في مظاهرات سابقة لعلّها أكثر عنفاً وأقلّ انضباطاً ومع ذلك لم يترتب على تلك المشاركة معاقبته بأيّة عقوبة. 

·      وفقاً لما رواه رفيق القذافي الرائد عبد الكبير الشريف في كتابه (جانب من قصة الثورة الليبية)  قام الطالب معمر أبو منيار فور شروع السلطات في مطلع شهر أغسطس 1961 باعتقال"أعداد كبيرة من أعضاء حزب البعث العربي" بالتحرّك إلى هون ومنها إلى طرابلس حيث بقي هناك إلى أن "تهدأ العاصفة"، فكيف يعقل أن يرجع الطالب معمر (الهارب) إلى سبها لينظم خلال أقلّ من شهر مظاهرة تتحديّ النظام ودون علمه وموافقته؟[2] 

·      لو كانت السلطات في سبها تتربّص بالطالب معمر فما الذي منعها من أن تنتهز فرصة اعتقال البعثيين في أغسطس 1961، وبخاصّة أنه كان معروفاً بصلته الوثيقة بعناصر حزب البعث في سبها، فتقوم باعتقاله حتى بعد عودته من هروبه إلى طرابلس؟! 

·      لم يستطع العقيد القذافي في كلّ ما قاله وردّده بشأن هذه المظاهرة ان يقدم دليلاً واحداً يقطع بوجود علاقة بين تلك المظاهرة وبين قرار طرده من الدراسة بمدارس ولاية فزان. 

·      لم يشرع العقيد نفسه في الربط بين أحداث المظاهرة المذكورة وقرار طرده من الدراسة في فزان إلا متأخراً فقد خلت أحاديثه وخطبه, وكذلك تصريحات رفاقه المبكرة حول طرده من فزان، من أيّة إشاراتِ إلى موضوع تلك المظاهرة. وعلى سبيل المثال: 

-    خلا الخطاب الذي ألقاه العقيد في أول مناسبة زار فيها سبها بعد الانقلاب (يوم 22/9/1969) من أيّة إشارةِ إلى موضوع طرده بسبب المظاهرة[3]

-    أجرت مؤلفة كتاب "القذافي رسول الصحراء" (1973) مقابلات مع عددٍ من رفاق الطالب معمر، ورغم أنهم جميعاً أشاروا إلى حادثة طرده من فزان إلا أن أحداً منهم لم يربط بين ذلك الطرد ومظاهرة الخامس من أكتوبر 1961. 

" ثم طرد (معمر) من فزان بسبب نشاطاته السياسية"

(مقابلة مع مفتاح على السبيع القذافي – صفحة 39) 

"بينما انتقل القذافي إلى مصراته بعد طرده من فزان"

(مقابلة مع الريفي علي  الشريف- صفحة 52) 

"اضطر القذافي إلى متابعة دراسته الثانوية في مصراته بعد أن طرد من فزان.."

(مقابلة مع محمد بالقاسم الزوي- صفحة59) 

" في عام 1961، بعد طرده من سبها..."

(مقابلة مع محمد خليل أبي زعكوك- صفحة 66). 

وتجدر الإشارة إلى حقيقة تاريخية نحسب أنها ذات صلة بموضوعنا، ذلك أنه لم يحدث خلال العهد الملكي أن سجّل في تاريخ أيّة ولاية من الولايات الثلاث؛ برقة وطرابلس وفزان، قيام سلطاتها بطرد أيّ طالب من الدراسة في مدارسها (أو حتي جامعاتها) بحجّة ضلوعه في نشاطات حزبية أو سياسية مهما كانت درجة ذلك الضلوع. 

كذلك، فلا يتصوّر أن يجري طرد أى طالبٍ من الدراسة بإحدى الولايات لأسباب سياسية وأمنية - كما يدعي العقيد القذافي -  ثمّ يجري قبوله للدراسة في مدارس ولاية أخرى، وقبوله بعد ذلك بزمن قصير في الكلية العسكرية.[4] 

أمّا مزاعم القذافي بأنّ مظاهرة 5 أكتوبر كانت احتجاجاً على الانفصال وتأييداً للوحدة بين سوريا ومصر فقد قامت على تسفيهها أدلّة وقرائن كثيرة. من بينها أنّ الانفصال وقع في 28/9/1961 والمظاهرة جرت 5/10/1961 (بحجّة التحضير؟!)، ومن بينها أيضاً ما ذكره سفير مصر الأسبق في ليبيا منذ الانقلاب (صلاح السعدني) في مذكراته التي نشرتها له صحيفة "الرأي العام" الخليجية، حيث جاء في الحلقة السابعة منها (7/10/1997) أنّ المظاهرة التي قادها الطالب معمر مع زملائه في سبها كانت ضدّ إجراء بعض التجارب النووية التي قامت بها إحدي الدول العظمي (فرنسا). وفضلاً عن ذلك، لم يرد بأيّة صحيفةِ أو وسيلةٍ من وسائل الإعلام العربية (بما فيها المصرية) الصادرة في أعقاب مظاهرة 5/10/1961 أىّ خبر عنها أو متعلّق بها، ولا يخفي أنّ عيون الحكومة المصرية كانت منتشرة في شتي أرجاء ولاية فزان وعلى الأخصّ عاصمتها سبها.

وممّا ينفي أيضاً أن يكون طرد الطالب معمر من مدارس سبها قد تمّ لأسباب سياسية ودون وجه حقّ أنّ قرار الطرد المذكور قد وقع خلال شهر أكتوبر 1961 أي عندما كان السيد محمد عثمان الصيد رئيساً للوزراء في ليبيا. وكما هو معروف فقد كان  الصيد على غير وفاقٍ كامل مع آل سيف النصر، كما كان منافساً لنفوذهم السياسي في ولاية فزان، فكيف يعقل ألا يفكّر الطالب معمر (أو حتى أحد أقاربه)، وهو الذي يزعم أنه طُرد من الدراسة ظلماً وتعسّفاً ولأسباب غير حقيقية وغير عادلة، في التظلم لدى الحكومة الاتحادية ولدى رئيس الورزاء على وجه التحديد وبخاصّة أنّ اثنين من زملاء الطالب معمر 0محمد بالقاسم الزوي وعبد الرحمن الصيد) هما من أقارب رئيس الوزراء الصيد؟! 

هذه الحقائق تقودنا إلى طرح السؤال التالي.. لِم طُرد إذن الطالب  معمر أبو منيار من الدراسة بسبها؟ 

إن الأمر، في اعتقادنا، لايخرج عن أحد احتمالين: 

الاحتمال الأول:

أن يكون ذلك الطرد قد تمّ لأسبابٍ أخلاقية وسلوكية مشينة، ولحوادث انحرافية وقعت في القسم الداخلي بمدرسة سبها الثانوية  وكان الطالب المخبر معمر أبو منيار أحد أطرافها الرئيسية. ولم تترك هذه "الانحرافات" أىّ خيار أمام السلطات التعليمية المختصة (مدير المدرسة، ومسؤول القسم الداخلي وناظر المعارف) سوى طرد الطالب المنحرف معمر من الدراسة بمدرسة سبها الثانوية والذي يعني طرده من كافة مدارس الولاية حيث لم تكن هناك سوى مدرسة ثانوية واحدة بالولاية. كما قامت هذه السلطات بإصدار قرار بحرمان ثمانية طلاب آخرين  من الدراسة ومن الإقامة بالقسم الداخلي لمدد متفاوته، كما قضت في حالة كلّ واحدٍ منهم دون استثناء "إخطار وليّ أمره وتعهّده بتقويمه".  

         إن هذا الاحتمال  هوالمرجح في نظرنا، وهو الذي يفسّر لدينا موقف"البّي محمد"[5] تجاه الطالب معمر وحرصه على إحضاره إليه في بيته في أيّة ساعةٍ من ليلة 29/10/1961[6]، باعتباره هو المسؤول عنه وعن أسرته، من أجل توبيخه على سلوكه المشين ومن أجل إبلاغه أنه ليس بمقدوره أن يفعل أيّ شيء بشأن قرار ناظر المعارف القاضي بنقله، حيث أنّه يتعلّق بممارسات سلوكية مشينة، ولا يستطيع رغم مكانته الكبيرة في الولاية الدفاع عنها. 

كما أنّ هذا الاحتمال قد يفسر أيضاً تخلي "المباحث العامّة" بالولاية عن مخبرها السرّي المهم، واكتفائها بتزويده بالأوراق التى تسهّل قبوله في مدارس ولاية طرابلس أو غيرها، حيث ليس بمقدورها بسبب هذا الفعل المشين أن تصرّ على بقائه في ولاية فزان رغم فائدته الكبيرة لها في عمليات التجسس على الطلاب.. 

       وممّا يزيد في ترجيح هذا الاحتمال لدينا: 

·        عدم قيام الطالب معمر (أو أحد أقاربه) بالتّظلم ضدّ قرار الطرد لدى سلطات أخري خارج الولاية. 

·   عدم وجود أحد في توديعه لدى مغادرته سبها[7] بعد طرده من الدراسة فيها (لم يكن في وداعه سوى والدته وأخواته الثلاث)[8]

·        إحجام رفاق القذافي في المقابلات المبكرة التي أجريت معهم عن ذكر "سبب معيّن" لطرده من سبها.

·   ورد على لسان العقيد القذافي خلال ندوة 3/3/1977 قوله "وجئت إلى محمد خليل - في مصراته – ولم أقل لمحمد إننى مطرود – قلت له إنني منقول إلى هنا.."(السجل القومي/ المجلد الثامن. الصفحات 548 – 553). فلو كان سبب الطرد سياسياً أو كانت له صلة بالمظاهرة، فلِمَ حاول الطالب معمر إخفاء الأمر عن رفيقه ومسؤول التنظيم المزعوم في مصراته المدعو "محمد خليل أبو زعكوك"؟!. 

·   قرار الطالب معمر بعد وصوله إلى مصراته مطروداً من سبها ألا "يظهر على السطح" و" أن يحرّك الأمور من تحت.." بعد أن كان مجاهراً بمشاكساته ومشاغباته.. 

     "وهكذا قررت حين جئت إلى مصراته ألا أظهر على السطح.."[9] 

" ولكنني عندما جئت إلى مصراته.. وقلت طبعاً أنا لم أعد قادراً على الظهور على المسرح.. وكان محمد (خليل) يدخل في إضرابات وخصومات، ولكننى ظللّت أحرّك من تحت.."[10] 

الاحتمال الثاني: 

     وهو الأقل ترجيحاً عن سابقه.. فهو يفترض احتمال أن يكون طرد الطالب/ المخبر معمر أبي منيار من الدراسة وبالتالي من البقاء في ولاية فزان، قد تمّ بإيعاز من جهاز المباحث العامّة بسبها بعد أن انكشف عمله كمخبر سرّي بالجهاز بشكلٍ مفضوح في ضوء الاعتقالات التى تمّت في مطلع شهر أغسطس 1961 وشملت جميع المشتبه بهم بحزب البعث العربي، ولم تشمل الطالب معمر ابا منيار رغم أنه كان معروفاً بصلاته وارتباطاته وادّعاءاته البعثية، كما شملت الموظف بوزارة الزراعة "محمد التبو" الذي كان الطالب معمر وثيق الصلة به، كما اعترف القذافي بأنه كان يقدّم له بعض المال الذي استخدمه في تغطية جزء من تحرّكاته.. 

       إنّ عدم ظهور اسم الطالب معمر أبي منيار في قائمة اعتقالات البعثيين في أغسطس 1961، في الوقت الذي وردت بها أسماء كافة أصدقائه ورفاقه البعثيين بسبها، كان كفيلاً بأن يضع علامات استفهام حول الطالب معمر ودوره، وبأن يشيع يومذاك أنّ المباحث العامّة بسبها كانت مصدراً لكثير من التقارير المتعلّقة بالبعثيين على مستوى المملكة والتي أدّت إلى الاعتقالات الواسعة التي تعرّضوا لها في تلك الفترة.. هذا وقد ارتفع الهمس بين الطلاب وفي أوساط الشباب بسبها حول عدم اعتقال الطالب البعثي[11]معمر؟!.. وأخذت أصابع الاتهام تشير إلى الطالب/ المخبر الذي وشى برفاقه البعثيين، وقدّم المعلومات والتقارير عنهم وعن نشاطهم للمباحث العامّة في سبها.. ولم يخفف من حدّة هذه الحملة ضد الطالب المخبر سوي اختفاؤه لعدّة أسابيع في طرابلس فور بدء الاعتقالات.. 

لقد كان طبيعياً، وفقاً لهذا الاحتمال، أن تؤدّي هذه التطورات والوقائع إلى "حرق" الطالب/ المخبر معمر أبي منيار، وجعله عديم الجدوى لجهاز المباحث العامّة بل عبئاً ثقيلاً عليه، الأمر الذى دعا الجهاز إلى التخلص منه ولو مؤقتاً بإبعاده خارج الولاية..      

وممّا يرجّح هذا الاحتمال: 

·    قيام جهاز المباحث العامة بسبها بتزويد الطالب/ المخبر بالوثائق الضرورية التي تساعده على مواصلة دراسته في مصراته. وهي الأوراق الخاصة بالوظيفة (كما مرّ بنا). 

·    إعتراف القذافي في أكثر من مناسبة أنه غادر سبها إلى مصراته بعد طرده، بواسطة إحدي سيارات الجيش (الحكومية) المتوجهة إلى طرابلس، ولم يقابل الطالب المطرود معمر هذه السيارة مصادفة، بل هو الذي ذهب خصيصاً إلى معسكر الجيش بسبها. (لابُدّ أنّ المعلومة عن السيارة قد وصلت من الجهة التي كان يعمل بها). 

إذن فخلاصة ما يمكن أن يصل إليه الباحث في هذا الموضوع هو أنه سواء كان موضوع المظاهرة هو الاحتجاج على الانفصال أم على التجارب الفرنسية في الجزائر، فلا توجد صلة البتّه بين المظاهرة وبين قرار طرد الطالب/المخبر معمر من الدراسة بسبها، وأنّ أسباب ذلك الطرد لا تخرج عن أحد احتمالين؛ الأول أن يكون الطرد لانحرافاتٍ أخلاقية مشينة بدرت منه مع آخرين بالقسم الداخلي، أو أن يكون القرار جاء بمبادرة من جهاز المباحث العامّة الذي يعمل به الطالب معمر سراً بعد أن افتضح أمره بسبب اعتقالات البعثيين في شهر أغسطس 1961.  


يظهر المخبر القذافي في الصورتين مرتديا معطف
يساعد رجال الامن في السيطرة على احدى المظاهرات

* * * * *

قبيل دخول القذافي الكلية العسكرية

(حادث اغتيال العقيد العيساوى) 

مساء يوم التاسع من ديسمبر 1962 (أواخر أيام حكومة محمد عثمان الصيد) وفي احدي ضواحي مدينة بنغازي بالقرب من مبني الكلية العسكرية الملكية أطلق مجهول النار على العقيد ادريس العيساوي حيث مات متأثراً بجراحه بعد ساعات بالمستشفي العسكري القريب من مكان الحادث. 

كان ادريس العيساوي قد قاتل في فلسطين أثناء حرب 1948 ضمن قوات القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني حيث أصيب بعدة جراح، كما تحصل على رتبة ملازم أول في تلك القوات. وانضم العيساوي إلى الجيش الليبي الذي تأسس في 1952 بعد قيام دولة الاستقلال الأولي. 

عُرف العيساوي منذ انضمامه إلى الجيش الليبي بقوة الشخصية وبالصلابة وبالكفاءة العسكرية العالية، كما عُرف بولائه المطلق للملك ادريس وللنظام الملكي. 

في عام 1962 كان ادريس العيساوي يحمل رتبة عقيد وكان يشغل منصب نائب رئيس أركان الجيش الليبي (أى نائباً للزعيم نوري الصديق اسماعيل). وفي أكتوبر من ذلك العام كان العيساوي ضمن الوفد الكبير الذي صاحب ولي العهد الأمير الحسن الرضا في زيارته الرسمية للولايات المتحدة الأمريكية. 

بعد ثلاثة أشهر من عودة العقيد ادريس العيساوي من تلك الزيارة وقع حادث اغتياله ليشكل ثاني وآخر حادث اغتيال سياسي شهده تاريخ العهد الملكي في ليبيا (كان الحادث الأول قد وقع خلال شهر أكتوبر من عام 1954 وذهب ضحيته السيد إبراهيم الشلحي الذي كان يشغل منصب ناظر الخاصة الملكية أما القاتل فقد كان السيد الشريف محي الدين السنوسي ابن أخى الملكة وقد جرى القبض عليه ومحاكمته وإعدامه). 

لقد هز حادث اغتيال العقيد ادريس العيساوى الرأى العام الليبي هزاً عنيفاً في حينه، وكبرت الاشاعات حول الجاني لاسيما بعد أن تردد أن القتيل العيساوي فاه قبل وفاته ببعض الكلمات حول هوية قاتله بحضور رئيس أركان الجيش الزعيم نوري الصديق اسماعيل. وكان أبرز الذين تردد اسمهم بشأن ارتكاب تلك الجريمة هو العقيد عون أرحومه إشقيفة صهر آل الشلحي وقد تردد أيضاً أن الجريمة ارتكبت للتخلص من العقيد العيساوي الذي شكل أكبر عقبة في طريق نجاح الانقلاب العسكري الذي كان يخطط له آل الشلحي يومذاك. 

لقد أجري النظام الملكي عدداً من التحقيقات في جريمة اغتيال العقيد العيساوي غير  أنها فشلت جميعاً في فك لغزها أو تحديد الجاني.. ومن ثم فقد قفل ملف تلك القضية حيث قيدت ضد مجهول.. 

بعد استيلاء القذافي على السلطة في البلاد تم انشاء ما أسماه "محكمة الشعب" لمحاكمة رجالات العهد الملكي مدنيين وعسكريين. وكان من بين القضايا التي نظرت فيها تلك المحكمة في شهر أبريل 1974 "قضية إفساد الجيش" إبان حقبة العهد الملكي حيث مثل أمام تلك المحكمة معظم كبار ضباط الجيش وكان في مقدمة هؤلاء العقيد عون أرحومة إشقيفة (الذي سلفت الإشارة إليه) فضلاً عن اللواء السنوسي شمس الدين (صهر آل الشلحي) والعقيد عبد العزيز الشلحي

لقد تطرقت "محكمة الشعب" عند النظر في قضية "افساد الجيش" إلى عدد من القضايا التافهة مثل مسألة قيام أحد ضباط الجيش بأمر أحد الجنود بإحضار وجبة غذاء له (دجاجة مشوية) في مكتبه واتهمت المحكمة الضابط المذكور بإساءة استعمال السلطة.!! 

ومع تناول المحكمة لمثل هذه القضايا الهامشية توقّع بعض الليبين أن تشرع في إماطة اللثام عن القضية – اللغز التي شغلت الرأي العام لأيا من الزمن والتي قيدت في حينها ضد مجهول وهي قضية اغتيال العقيد ادريس العيساوي في عام 1962، لا سيما أن الأشخاص المشتبه في تورطهم في القضية موجودون رهن الاعتقال ومصنفون من قبل القذافي وجماعته على أنهم خونة وضالعون في إفساد الجيش. 

غير أنه ولمفاجأة الجميع فإن هذا لم يحدث. فقد تجاهلت "محكمة الشعب"، وتجاهل القذافي وأجهزة إعلامه قضية اغتيال العيساوي تجاهلاً كاملاً ومتواصلاً ومتعمداً.. وقد زاد من درجة الاستغراب لموقف القذافي ورفاقه من هذه القضية الخطيرة ما عرف عنهم في تلك الفترة من بحثهم عن أوهي الأسباب والحجج للتشهير والتنكيل بالعهد الملكي ورجاله لاسيما آل الشلحي وأقاربهم وأعوانهم. 

   وقد أثارت هذه الحالة مجموعة من التساؤلات الهامة لدي الكثيرين.. 

·              لماذا لم يُقدم القذافي على اعادة فتح ملف اغتيال العقيد العيساوي؟ 

·              وهل هناك جهة غير ليبية منعت القذافي من إثارة قضية العيساوي وفتح ملفها؟

·              وما هي الأسرار والخفايا التى كان يمكن لملف هذه القضية أن يعرّيها؟ 

وظلت هذه التساؤلات حائرة بدون جواب إلى أن أصدر صحافيان بريطانيان في عام 1987 كتابهما عن" القذافي والثورة الليبية"[12] وأوردا تصريحاً نسباه إلى العقيد ثيودور لاو Theodor Lough  (الذى شغل منصب رئيس البعثة العسكرية البريطانية في الجيش الليبي خلال السنوات 1960 – 1967) مفاده أن معمر القذافي هو قاتل العقيد ادريس العيساوي وأنه سمع ذلك شخصياً من العقيد العيساوي بعد اصابته وقبل لحظات من لفظه لآخر انفاسه.

وبالطبع فإن ما ورد في الكتاب المذكور يحمل اتهاماً خطيراً للقذافي شخصياً.. وعلى الرغم من ذلك فلم يقم القذافي بإصدار أى تكذيب للاتهام كما لم يقم بمقاضاة المؤلفين. وإذا كان البعض يشكك في إمكانية صحة الاتهام بحجة أن جريمة اغتيال العقيد العيساوى وقعت ببنغازي في التاسع من ديسمبر 1962 في حين أن القذافي لم يلتحق بالكلية العسكرية في بنغازي إلا خلال شهر أكتوبر 1963، إلا أن ذلك يمكن الرد عليه بأن القذافي كان ،قبل أن يلتحق بالكلية العسكرية، ضابطاً بمباحث أمن الدولة ولعله بهذه الصفة كان يتردد على الكلية العسكرية قبل إلتحاقه بها، كما أنه تعرف من خلال هذه الزيارات على العقيد العيساوي الذي شغل منصب أمر الكلية العسكرية جزءاً من عام 1962م. وهو ما مكّن القذافي من تنفيذ جريمة الاغتيال عندما صدرت إليه الأوامر بذلك سواء من جهة محلية أو من جهة أخرى كانت تراقب المشهد السياسي في تلك الفترة وكانت ترغب في تغييب العقيد العيساوي رجل الجيش القوي والمعروف بولائه المطلق للملك وللنظام الملكي.[13] 


[1]    لانريد أن نخوض في هذا الموضوع هنا إلا بالقدر الذى يتعلق بما نحن بصدده بشأن تأكيد صلة الطالب معمر أبو منيار بالمباحث العامة في سبها وارتباطه الوظيفي السرّى بهما.

[2]    راجع أقوال القذافي في وصف حالة البلاد يومذاك في الصفحة (549) من السجل القومي/ المجلد الثامن والصفحة (140) من السجل القومي/المجلد التاسع.

[3]   راجع السجل القومي/ المجلد الأول 69/1970. الصفحات 27-39.

[4]   في عام 1963، عندما التحق معمر أبو منيار بالكلية العسكرية، كان السيد سيف النصر عبد الجليل يشغل منصب وزير الدفاع في وزارة السيد محي الدين فكيني.

[5]    إن ما يدّعيه القذافي بشأن تهديدات "البيّ محمد سيف النصر" وتوّعداته له في بيته بسبها ليلة 29/10/1961 هي محض افتراء، ففضلاً عن أنها تهديدات غير مقبولة عقلاً ومنطقياً، ليس لها ما يسندها من وثائق أو شهود. ومن الأمور التي تؤكّد كذب القذافي وافتراءه كالعادة اعترافه بأنّه قابل البيّ محمد سيف النصر بعد ذلك اللقاء العاصف عدّة مّرات "ورأيته بعد ذلك بمدّة، وبعد ذلك لم أعد أراه.. ثمّ رأيته قبل الثورة بأيام، وبعد ذلك لم أعد أراه إطلاقاً، رحمه الله" (القذافي مساء يوم 3/3/1977. السجل القومي/المجلد الثامن. الصفحة 552).

[6]   كما سلفت الإشارة، فقد تعدّلت هذه الليلة لتصبح ليلة 25/10/1961. راجع كتاب "القذافي: رحلة 4000 يوم من العمل السرّى"، مرجع سابق.

[7]   جاء على لسان القذافي خلال ندوة 3/3/1977 ما نصّه:" تعرّفت على أعداد كبيرة، لدرجة أنّه بعد المرحلة الاعدادية وفي الأول الثانوي.. وفي الشهر الأول من السنة الثانية الثانوية(سنة الطرد) كانت عندى شعبية طاغية بين الطلبة ووسط الشباب" (السجل القومي/ المجلد الثامن. صفحة 497). فأين ذهبت تلك الشعبية؟!

[8]   راجع أيضاً الشريط الوثائقي الذي بثّته فضائية النظام مساء 31/8/2000 ويحمل عنوان "من التاريخ..أربعة آلاف يوم من العمل السرّي".

[9]   مقابلة صحفية نشرت في صحيفة "البلاغ" الليبية ومجلة "كل شئ" اللبنانية في 1/9/1073. راجع السجل القومي/ المجلد الخامس. الصفحات (38- 40).

[10]    السجل القومي/ المجلد الثامن. الصفحة (556).

[11]   تردّد أنّ الطالب/ المخبر معمر كان بدرجة "نصير" في حزب البعث العربي ولم يكن كامل العضوية فيه.

[12]  DAVID BLUNDY& ANDREW LYCETT, " QADDAFI AND THE LIBYAN REVOLUTION", LITTLE BROWN& Co., BOSTON AND TORONTO, 1ST.ed 1987, P. 48 -49

[13]   أورد القذافي خلال المقابلة التلفزيونية التى أجرتها معه فوزية شلابي مساء يوم 31/8/2000 أن "العقيد الشلحي كان وراء إفشال أمر القبض عليه في عام 1969 قبل قيام الانقلاب."


الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة   الحلقة السادسة

إضغط هنا للأطلاع على الجزء الثاني
Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home