Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد المقريف


د. محمد المقريف

الأثنين، 23 يونيو 2008

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

أهـداف الحراك السياسي وحدوده كما يرسمها القذافي
(2 من 2)

د. محمد المقريف

على ما يبدو فقد شهد عام 2006 بلوغ أماني القذافي حالة من اليأس في أن تقوم الولايات المتحدة بتطبيع علاقتها معه وأن تكف عن مطالبته بإدخال إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية وفقاً لمواصفات حددتها له وليست من نوع " الإصلاحات" التى يجريها على طريقته ووفقا لمعاييره الخاصة. لقد شهد عام 2006 على ما يبدو بلوغ هذه الأماني الى طريق مسدود وإلى حالة من اليأس المخيف.

ومع هذا اليأس، وربما من أجل مغالبته عن طريق فرض أمر واقع جديد في البلاد ومحاولة " إقناع " الولايات المتحدة الامريكية وغيرها من الأطراف الدولية المعنية بالحالة الليبية ، وربما من أجل كسب المزيد من الوقت وبأي ثمن لنظامه المتهاوي المأزوم ، تحولت " جمعية القذافي الخيرية " التى يرأسها الابن إلى "جمعية القذافي للتنمية " توطئة لان يتسع نشاطها كي يشمل الخوض في قضايا السياسة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والإعلام والثقافة فضلاً عن حقوق الانسان. وفي ظل هذا التحول والصلاحيات الجديدة – التى لا تستند إلى أي قاعدة أو تخويل قانوني – واصل الابن خوضه في قضايا انتهاكات حقوق الانسان الليبي بأسلوب انتقائي والتى كان من بينها قضية معتقلى جماعة الإخوان المسلمين ، كما ظهر هذا الابن بالاتفاق المسبق مع والده - وفقا لاعترافه في أحد لقاءاته مع قناة الجزيرة – على الملأ وباسلوب مسرحي استعراضي صاخب ( خلال شهر اغسطس 2006 ) ليعلن عن إطلاق مشروعه الذي أسماه ( ليبيا الغد ) وبشر من خلاله بإصلاحات سياسية واقتصادية وإدارية وإعلامية واسعة شملت وعوداً بوضع دستور ( مرجعية) للبلاد. ومنذ يومذاك شهدت البلاد عقد العديد من الاجتماعات واللقاءات والندوات التى تمت جميعها بمبادرة من الابن وتحت اشرافه ورعايته وبتوقيتاته وقد اسفر هذا كله عن قيام " منظمة الشباب " و " مركز الديمقراطية " وفضائية الليبية" وصحيفتي " قورينا " و " آويا " الخاضعة جميعها للقذافي وابنه وتأتمر بأوامر "الوالد القائد " عبر الابن " الوريث ".

وكما هو متوقع ومعروف فقد انخرط في أعمال هذه اللقاءات والاجتماعات والندوات خليط من المثقفين والإعلاميين وأعضاء هيئة التدريس بمختلف الجامعات الليبية ، عرف عن بعضهم ارتباطه الثوري الوثيق برأس النظام، كما عرف عن عدد منهم توجهاته العلمية والوطنية المستقلة . غير أنه مما تجدر الإشارة إليه أن الابن سيف نجح أيضاً في " إقناع" عدد من العناصر المحسوبة على المعارضة بالخارج بالتطبيل لمشروعه الاصلاحي.

في ظل هذه الاجواء والخلفيات بدأ الحديث عن " حراك سياسي " يجري في الداخل على أنه مظهر من مظاهر الإصلاح القائمة في البلاد. كما تبارت بعض الأصوات والأقلام بالداخل والخارج بالإشادة بهذا الحراك . بل ظهرت دعوات بالخارج لربط مطالب المعارضة الخارجية وحركتها به وهو ما يستوجب التوقف مليّاً عند هذا " الحراك السياسي " . في محاولة لمعرفة طبيعته وحدوده والأهداف التى رسمها النظام له والمآلات المحتملة له من خلال متابعة الكيفية التى تعاطى بها القذافي وابنه مع القضايا المتعلقة بهذا الحراك المزعوم في خطبهم وتصريحاتهم ومقابلاتهم التليفزيونية المعلنة وقياس كل ذلك على " الثوابت " المستقرة في الذاكرة الوطنية حول اساليب وسلوكيات القذافي في التعامل مع الأزمات التى مر بها نظامه ومع المعارضة الليبية ( في الداخل والخارج ).

أهداف الحراك السياسي

في إعتقادي أن القذافي عندما أقدم على السماح بقيام هذا " الحراك السياسي" بإشرافه المباشر وتحت مظلة ابنه سيف كان يسعى إلى تحقيق جملة من الأهداف يمكن إجمالها في الاتى :

1. تجميل صورة النظام الخارجية وإعطاء الانطباع ( الخادع ) أن النظام أخذ ينتهج سياسات إصلاحية في الداخل. ( وفقا لما طلبته منه عدة أطراف دولية).

2. أن يتم من خلال هذا الحراك إعادة صياغة المطالب الوطنية للشعب الليبي وفقاً لرؤى رأس النظام وحسب أولوياته.

3. أن يحلّ مصطلح " الحراك السياسي " بديلا لمصطلح " المعارضة " في التعبير عن صور المقاومة والرفض للنظام .

4. استدراج المعارضة بالخارج وتصفيتها تصفية " ناعمة " من خلال جرها تحت مظلة " الحراك السياسي " بسقف مطالبه المنخفض والذي يزداد مع الأيام انخفاضاً.

5. إرباك وإنهاك العناصر المخلصة المشاركة في هذا الحراك من خلال تعريضها لشتى أساليب المراوغة والشد والجذب التى درج رأس النظام على استعمالها منذ عقود وتفنن في هذا الاستعمال . ( وقد عبّر عدد من هؤلاء عن إحساسهم بالإحباط وعدم القدرة على عمل أي شئ من خلال تقديم استقالاتهم أو الإفصاح عن هذا في التصريحات والمقالات التى تصدر عنهم).

6. اكتشاف ومعرفة مختلف التوجهات السياسية والفكرية للأشخاص المشاركين في هذا الحراك على غرار ما حدث في " ندوة الفكر الثوري " التى عقدها النظام في مايوعام 1970 ( وكما هو معروف فقد تأسست اعتقالات إبريل 1973 الشهيرة في ضوء ما توفر للنظام من معلومات حول المشاركين في تلك الندوة ).

7. تشويه صورة العناصر المخلصة المشاركة في هذا المجال في نظر الجماهير الليبية لمجرد مشاركتها في هذا الحراك الذي تعلم أنه يتم برعاية النظام وتوجيهه. ( ومن المعروف أن النظام درج منذ سنواته الأولى على أن تضم تشكيلاته الوزارية كفاءات علمية وإدارية عالية كان مصيرأغلبها الأعم هو التشويه)

8. وفي النهاية كسب المزيد من الوقت لنظامه أملاً في أن يتجاوز هذه المرحلة من خلال تغيرات غير منظورة تطرأ على الوضع الدولي والإقليمي تخفف عنه المطالبات المتلاحقة بضرورة إدخال إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية على نظامه.

حدود الحراك السياسي

وفي اعتقادي ايضاً ان رأس النظام رسم - في ضوء الأهداف السابقة – الحدود التى لا ينبغى لهذا " الحراك السياسي" أن يتجاوزها والتى يمكن تلخيصها على النحو التالي:

• ضرورة بقاء جهود كافة المشاركين في هذا الحراك تحت مظلة القذافي وابنه وأن يبقى القذافي هو الوحيد الذي يتولى ضبط إيقاع هذا الحراك.

• ألا يمس الحراك بشخص القذافي ودوره وعدم تحميله أي مسؤلية عن الكارثة التى حلت بالبلاد خلال العقود الأربعة الماضية ( فالقذافي هو أحد الخطوط الحمراء التى لا ينبغي المساس بها أو الاقتراب منها ).

• عدم السماح بتحول هذا الحراك إلى فعل وحركة فوق الأرض ، أي أنه ينبغي أن يبقى في دائرة الحوار والنقاش والكلام .

• الحرص على بقاء جهود المشاركين في الحراك في نطاق العمل الفردي وعدم السماح بتحويله إلى صورة من صور العمل الجماعي.

• عدم السماح للمشاركين في هذا الحراك بامتلاك حرية الإرادة الذاتية وزمام المبادرة في أي عمل.

وفي اعتقادي أن مارسمه القذافي لهذا الحراك السياسي من أهداف وحدود مؤسس على إدراكه لجملة من الحقائق المتعلقة بالواقع السياسي والأمني لنظامه والتى يأتى في مقدمتها

1. قدرته ( أي القذافي ) على الحيلولة دون أن يتبلور هذا الحراك في جهود جادة على طريق الإصلاح السياسي أو الاقتصادي الحقيقي، مستعملا تدخلاته بواسطة خطبه وتصريحاته وتوجيهاته المرتبكة والمربكة والمتناقضة مع تلك الجهود والمناقضة لها. ( من أحدث الامثلة على هذه الحالة ما ورد في خطاب القذافي الذي ألقاه في الثاني من مارس 2008 في ذكرى قيام نظامه الجماهيري )

2. قدرته على الابقاء على أجهزته الأمنية ولجانه الثورية بكامل جهوزيتها واستعدادها للبطش والقمع بحق من تسوّل له نفسه بالخروج عن الحدود المرسومة من قبله " للحراك السياسي " ( ولعل ما حدث للمتظاهرين في بنغازي يوم 17 فبراير 2006 وللصحفي ضيف الغزال والنشطاء السياسيين فتحي الجهمي والدكتور إدريس بوفايد ورفاقه خير شاهد في هذا المجال)

3. إدراكه أن العناصر المشاركة في هذا الحراك هي عناصر غير متجانسة .. وبعضها متنافرة لأسباب ايديولوجية أو فكرية أو مصلحية ، وانه ليس بمقدور هذه العناصر أن تبلور فيما بينها اي رؤية مشتركة للإصلاح وفضلا عن ذلك فإن بمقدوره تكريس هذه الحالة من التنافر عبر أساليب معروفة جيداً لديه.

4. إدراكه أنه قادر عبر أجهزته أن يزج وسط هذا الحراك بعناصر تعمل لمصلحته وتشكل عيونا راصدة تنقل إليه كافة ما يجرى في أوساط هذا الحراك.

5. إدراكه أن هذا الحراك محصور في دائرة محدودة من النخب المثقفة وأنه قادر على إبقائها معزولة عن الجماهيرالشعبية وبعيدة عنها.

* * *

لا يوجد شك لدي في أن من بين المشاركين في هذا الحراك السياسي عناصر وطنية جادة ومخلصة وفوق أنها كفؤة في مجالات تخصصها وعلى درجة عالية من الشجاعة في التعبير عن وجهات نظرها . غير أن هذا كله – وللاسف الشديد – لن يغير من طبيعة هذا " الحراك السياسي " ومن كونه في نهاية الأمر حراك مدجن رسمت أهدافه ووضعت حدوده من قبل رأس النظام ولخدمة مصلحته وأن هذا الاخير على استعداد أن يضع نهاية له ويرمي بكل ملفاته في سلة المهملات وسوف لن تعوزه الذرائع والعلل في ذلك. ( ولعل فيما حدث لمشروع الدستور الذي جرى نشره بوم 25/5/2008 ثم سحبه بعد سويعات من نشره وما حدث يوم 11/6/2008 عندما قامت اللجنة الشعبية العامة بإصدار قرار بشأن إلغاء اشهار جمعية العدالة لحقوق الانسان ومركز الديمقراطية خير دليل في هذا الصدد).

وإنني أعلم أن هذه العناصر الجادة والمخلصة المشاركة في هذا الحراك السياسي تراهن على أمرين :

أولهما : أن جهودهم الحقيقية المتواصلة – رغم تبعثرها وتحكم القذافي في ايقاعها – سوف تؤدي في النهاية إلى أحداث شرخ في هذا النظام وتفتح الأبواب أمام إصلاح سياسي واقتصادي حقيقي وشامل.

وثانيهما : أن الواقع الدولي والإقليمي قد تغيّر كثيرا ولمصلحة حقوق الإنسان وحرياته وهو ما سيحول بين القذافي وبين اللجوء إلى أساليبه القمعية القديمة في التعامل بين القوى السياسية في بلاده.

وإننى أتمنى على هؤلاء الإخوة أن يتذكروا أن القذافي من جانبه أيضاً يدرك تمام الإدراك أن انصياعه لمطالب الإصلاح الجادة سوف يؤدي إلى فتح ثغرة في نظامه ستؤدي إلى سقوطه المحتم ومن ثم فسوف لن يقبل طواعية بفتح هذه الثغرة . كما أتمنى عليهم أن يتذكروا أن احداث مذبحة بنغازي في فبراير 2006 والاعتقلات التى تعرض لها الجهمي وبوفايد والحجاجي ورفاقهم وعملية اختطاف وقتل الصحفى ضيف الغزال قد وقعت كلها في ظل هذا التغيير الذي كنا نحسب جميعا أنه طرأ على الموقف الدولي إزاء قضايا حقوق وحريات الإنسان وكنا نتصور أنه سوف يمنع وقوعها ووقوع أمثالها.

* * *

من المعروف أن عدداً من الشخصيات المعارضة في الخارج فضلاً عن أحد التنظيمات أعتبرت نفسها طرفاُ مشاركاً في هذا "الحراك السياسي " القائم داخل ليبيا وهللت له ونشرت له في مواقعها الاكترونية المقالات تلو المقالات دون ان تحاول أن تخفي معرفتها بأن هذا " الحراك " يتم تحت رعاية النظام وبارتباط عضوي بمشروع سيف الذي أصبح معروفاً بإسم " ليبيا الغد " .

وقد يكون موقف هذه العناصر مفهوماً وغير مستغرب في ضوء ماهو معروف وشائع عن خلفيات هذه الأطراف وسوابق تعاطيها مع القضية الوطنية وفي النهاية ستظل مسؤولة أخلاقيا وتاريخياً عن هذا الموقف.

غير أن الذي أتصور أنه ليس مفهوما ولا مقبولاً أن تقوم أطراف في المعارضة الوطنية بالخارج معروفة بتبنيها لمطالب " تنحى القذافي عن السلطة " ورفض فكرة " توريث الحكم " بالحماس لمثل هذا الحراك السياسي القائم داخل ليبيا والذي يدور ويدار تحت مظلة القذافي ولا يتجاوز الحدود والأهداف التى رسمها له هذا الأخير.

إن هذا الحماس ومحاولة الربط بين مطلب ومستقبل المعارضة الليبية في الخارج وبين " الحراك السياسي " في الداخل هو في اعتقادي ضار بالطرفين فهو من جهة ضار بالعناصر الوطنية الجادة المشاركة في هذا الحراك إذ ليس من المستبعد أن يستخدم القذافي هذا الارتباط مع المعارضة بالخارج التى تنادي بتنحيه عن السلطة وبرفض فكرة التوريث كذريعة لعدم الاستجابة إلى مطالبها الإصلاحية وهو من جهة أخرى ضار بالمعارضة بالخارج التى قد تجد نفسها " مضطرة " بحجة مساعدة العناصر الجادة المشاركة في الحراك السياسي الداخلي على تحقيق أهدافها الاصلاحية المتواضعة ذات السقف المتدنى، بأن تقوم هي الاخرى بتخفيض سقف مطالبها والتخلى عن مطالبها الاساسية المعلنة بتنحى القذافي وبعدم التوريث.

* * *

وفي الختام، فليس من أهداف هذه المقالة الاستخفاف بالجهود المخلصة التى تبذلها بعض العناصر الوطنية المشاركة فيما يسمى بالحراك السياسي الذي تشهده الساحة الليبية منذ عدة أشهر. ولكن هدفها الأساسي هو التذكير بأن هذا " الحراك السياسي " هو من صنع رأس النظام نفسه فهو الذي يتولي ضبط إيقاعاته ويرسم حدوده وأهدافه وأن هذا " الحراك المزعوم " ليس له أي صلة بما تعارفت عليه ومارسته غيرنا من الشعوب . كما أن أحد أهداف هذا المقال هو التأكيد على أن محاولة ربط غايات مستقبل العمل المعارض في الخارج هو اجتهاد خاطئ في حق هذا العمل مثلما هو في حق العناصر الوطنية الجادة المشاركة فيما يسمى بالحراك السياسي بالداخل.

وأتمنى على العناصر الوطنية المخلصة سواء في الداخل أو الخارج أن تدرك أنه لا يوجد أي مجال لقيام أي حراك سياسي جاد وحقيقى وحر في ظل هذا النظام الجاثم على بلادنا منذ الاول من سبتمبر 1969 وأن عليها أن تختار إلى أن يزول هذا النظام بين أن يكون حراكها معه إما " مدجّجا" وإما " مدجّنا " حيث لا توجد منزلة بين المنزلتين.ً


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home