Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Yousef al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد يوسف المقريف


د. محمد المقريف

السبت 22 نوفمبر 2008

ما أشبه الليلة بالبارحة :
وعود القذافي بين نوفمبر 1992 ومارس 1993
(*)

الانقاذ ـ العدد 43 ـ يوليو 1993

إعداد : د. محمد يوسف المقريف

نهدي هذا المقال إلى الذين يحمّلون وعود القذافي الجديدة بتوزيع ثروة النفط على الليبيين نقداً محمل الجد.


          خلال الجلسة الاستثنائية الختامية لما يسمى بمؤتمر الشعب العام والتى انعقدت بمدينة سرت يوم الثامن عشر من شهر نوفمبر 1992 ألقى القذافي كعادته خطابا مطولا في الحاضرين .            

          وربما لا يتذكر الكثيرون من غير الليبين ذلك الخطاب إلا ما ورد على لسان القذافي خلاله من غرائب ونوادر تكشف عن جوانب من شخصيته من ذلك قوله : 

"إن الذي اكتشف امريكا ليس هو كرستوفر كلومبس بل هو أمير عربي يدعى الأمير "كا " حيث عرفت فيما بعد بإسمه أي أميركا"  

"إن امريكا خرّبت روسيا عن طريق الهامبورجر الذي صنع من الصراصير والجرذان والفئران والخنافس" 

ومن ذلك أيضا إدعاؤه في ذلك الخطاب : 

" سويسرا هي بلد تشبه الجماهيرية من حيث التقدم ولكنها تأتي بعدها حيث أن الجماهيرية متقدمة عليها وأن الجماهيرية وصلت نهاية المطاف في التقدم " 

".. كل ما يبنى في ليبيـا هو الذي يشكل مستقبل العالم ... وأن العالم كله ماشي في طريق الاشتراكية الشعبية التى تحدث عنها الفصل الثاني من الكتاب الأخضر الذي سيسود العالم كله لأن العالم هو الذي ألفه" 

          ورغم أن القذافي تصوّر وهو يلقي ذلك الخطاب أن " الامة العربية كلها تستمع اليه وأن العالم كله يسمعه و أدعى – مخاطباً الليبيين – إذا كنا نحن نقدم حلا لمشاكل العالم كله فمن الأولى أن نعمل حل لمشاكلنا ؟ "، فإننا لا نحسب أن أحداً كان سيلتفت إلى ما جاء في ذلك الخطاب لولا تلك الحالة النادرة من الجهل والشذوذ والصفاقة التى عبرت عنها فقراته. 

          غير أني احسب أنه ينبغي أن يكون لنا نحن الليبيين – شأن آخر وموقف آخر من ذلك الخطاب يتجاوز التندر بما ورد فيه من غريب الأفكار والادعاءات ، ذلك أنه حفل بجملة من القضايا والتصورات التى تستوجب التوقف عندها والإنتباه إلى دلالاتها. 

يمتدح الليبيين ويشكرهم  

" أنا اشكر الفعاليات الليبية التى اجتمعت بها من  الاساتذة والخبراء والأدباء الذي ساهموا في تعبئة الجماهير حتى نجحت الكومونات (...) أريد أن أقدم الشكر الجزيل لهذه الفعاليات." 

"عندنا عبقريات وعندنا إمكانيات بشرية وعندنا ناس على مستوى عال يجب أن نثق بهم "(؟!)

 "أنا اشكرهم حقيقة وكذلك جماهير الشعب الليبي التي تقدمت بثقة وحماس لبناء السلطة الشعبية على أساس الكومونات "

" فيه من يحسابوا الشعب الليبي يقعد أمّي دائماً .. نحن قطعنا شوطاً كبيرا جداً في هذا المضمار هذه عبقريات وأنا متأكد أن فيه إمكانيات وعبقريات تطلع من تحت "

" والله الناس اللي عندنا هي خبرات في العالم .. أنتم ممكن مستهزئين بيهم .. خبرات نادرة في العالم .. والله عندنا ليبييين يبغوا يخطفوهم من بين أيدينا"

" أنا حقيقي كم أنا سعيد بكم وبهذا الوعي وبهؤلاء المواطنين العاديين.. حقيقة هذا شئ عظيم.."

" نحن نحب الشعب والشعب يحبنا.. نحن يقدسنا الشعب ونقدسوه "

" الثقة كل الثقة في الشعب .. لازم تكون ثقة في الشعب نفسه " 

إذن فالشعب الليبي لم يعد في نظر القذافي متخلفاً وسلبيا وغير جدير بالنظرية العالمية الثالثة وبقيادة القذافي له ، وإذا كان الآخرون (؟!) يستهزءون بالليبيين ولا يثقون بهم فهو – أي القذافي – على عكس ذلك يثق بأنه شعب عبقري وملئ بالخبرات النادرة وهو جدير بكل الثقة والحب والتقديس. 

ما الذي غيّر القذافي أوما الذي يريده من وراء هذه العبارات؟ 

إن من يعرف القذافي حق المعرفة يعلم أنه لا يمكن أن يتغير وبخاصة فيما يتعلق بنظرته إلى الشعب الليبي وما يطبعها من شك واحتقار وإنعدام الحب والثقة به. وإن من يعرف القذافي يعلم أنه لا يلجأ إلى مثل هذا النوع من  الحديث إلا عندما يكون في مأزق حقيقي أو يريد أن يمرر " برنامجا" ما يريد أن يضحك من خلاله على الشعب. 

فما الذي أراد أن يضحك به على الشعب الليبي؟ 

القذافي يتعلم من الخبراء

          لم يعرف عن القذافي أنه اعترف في أي مناسبة سابقة بأنه في حاجة إلى أن يتعلم شيئاً من أحد، ولكن الملفت للنظر في هذا الخطاب أنه اعترف صراحة وخلال موضعين منه بأنه تعلم شيئاً من غيره وبخاصة من الليبيين. 

فهو " يعترف " بأن الكيفية التى يتم بها التصرف في الأموال مسألة تخص الخبراء ، وأنه تعلّم هذه المسألة من الخبراء أنفسهم (!!). 

فهو " يعترف " بأنه تعلم من خبراء النفط الليبيين أن جزءاً من عائدات النفط ينبغي احتجازه وانفاقه من أجل تشغيل وتطوير وصيانة آبار النفط. 

          وعلى الرغم من بديهية وبساطة هذا " الشئ "الذي يدعي القذافي أنه تعلّمه فمن الملاحظ أنه حرص على الاعلان عن هذه الحقيقة وعلى نسبتها إلى غيره وبالذات ممن وصفهم بالخبراء الليبيين . 

ولا يشك أحد أن ذلك لم يكن من باب التواضع لدى القذافي ، فالكل يعلم أنه لا يعرف شيئا إسمه التواضع، ولكنه قصد من ورائه شيئاً آخر كما سيتضح من سياق هذا المقال. 

قائد ثورة وليس بحاكم 

          كعادة القذافي ففي كل مرة يريد أن يتنصل فيها من مسؤولية ما يجري ، فإنه يذكّر سامعيه بأنه مجرد قائد ثورة وليس بملك ولا أمير ولا حاكم فجاءت كلماته في هذا الخطاب: 

 " إن قائد ثورة لا يليق به أن يكون حاكماً أبداُ.. وأي قائد ثورة وقعد حاكم انتهى وانتهت الثورة وانتهت برامجه (..) نحن نحب الشعب الليبي و يحبنا الشعب .. ويقدسنا ونقدسه .. نقود الثورة ولا ندخل في صراعاتكم.. أنتم الليبيين تقاتلوا مع بعضكم السلطة في أيديكم (..) أنا كقائد ثورة .. لا اصطدم مع قطاعات الرجعية مع الاستغلال مع الردة .. هذه أقاتل حتى بالبندقية في الشارع " 

          إذن وعلى الرغم من كل ما يفعله وما يمارسه، فهو يظل "قائد ثورة " وليس بحاكم وهذه الوضعية تعفيه بالكامل من المسؤولية عن كل ما يترتب على هذه الافعال والممارسات نفس " المنطق " القذافي القديم . 

بعد عشرين سنة  

          بعد ان كال المديح الرخيص لليبيين وأكد لهم حبه وتقديسه لهم وثقته فيهم ، وبعد أن أكد لهم انه قائد ثورة وليس بحاكم  ومن ثم فهو غير مسؤول عما يجرى، وبعد أن أكد لهم تواضعه واستعداده لأن يصغي للإختصاصيين وأ، يتعلم منهم ، جاء القذافي إلى بيت القصيد في خطابه .  

          وفي إعتقادنا أن هدفه الريئسي من ذلك الخطاب وما تلاه من خطب كان هو شراء المزيد من الوقت لنظامه المعزول خارجيا والمتهاوي داخلياً ، وذلك من خلال تمرير جملة من الاجراءات كان في مقدمتها وأهمها فكرة " تقسيم " البلاد إلى 1500 كومون وإغراق المواطنين في أطماع وفتن وصراعات داخلية تلهيهم عن القذافي وما يعانيه من عزلة وهوان وما يتعرض له من إذلال على صعيد علاقاته الخارجية. 

        غير ان القذافي يعلم أنه يحتاج لتمرير هذا الأمر أن يقدم لليبيين أكثر من المديح الرخيص لهم والكلمات الباهتة عن حبه وتقديسه لهم وثقته فيهم. إنه يعلم أنه مطالب بأن يقدم  لهم كشف حساب – على الأقل – عما فعله بأموالهم وبثروة بلادهم ، وبخاصة أنهم يعيشون حالة من الضنك والعوز غير مبررة وغير مقبولة لديهم بكل المعايير وبكل الاعتبارات. 

        ومن ثم فقد انطلق يفسر ويبرر سياسات واختيارات ومواقف انقلابه خلال السنوات الماضية كلها.

        لقد بدأها بالتأكيد على أن : 

" الثورة الحقيقية والحلول الجذرية التى ترسي نظام ممكن العالم كله يتعلمه !؟ بدأت الآن فقط بعد أن تبلورت الأفكار واختمرت" 

أما تاريخ الثلاثة والعشرين السنة الماضية فقد قسمها إلى " العشرين سنة الأولى " – لم يصفها ولم ينعتها بأي نعت أو وصف – ثم إلى ثلاث سنوات بعدها وصفهاا بأنها " سنوات إعادة التنظيم بعد أن تبلورت الأفكار واختمرت" 

ومن أجل تبرير كل ما وقع على الصعيد الداخلي فقد تعمد وصف أحوال البلاد وأوضاعها عند قيام الإنقلاب بالعبارات التالية :  

" في العشرين السنة الماضية كنا يا إخوانناا ملخومين .. ورثنا ليبيـا بلبزها .. بقواعدها .. بخليج سرت مفقود منها بأوزو مفقودة منها (..) يعني في الداخل موروثات قذرة وثقيلة " 

غير انه عندما أراد أن يضرب أمثلة للحالة السيئة التى كانت عليها البلاد اضطر إلى المبالغة والتهويل متخذاً من موضوع  " مرض السل " وأحوال سكان الواحات الليبية أدلة على ذلك . 

أما على صعيد سياساته ومواقفه الخارجية خلال السنوات الماضية كلها فقد تحدث عنها بالعبارات التالية : 

" لقد دخلنا في مشكلة فلسطين .. ودخلنا في مشكلة مع السادات علشان فلسطين .. ومع النميري علشان فلسطين ... ومع بورقيبة علشان فلسطين " 

إذن حتى النميري وأبورقيبة بسبب فلسطين ومن أجلها !!!

" ولقد دخلنا في مشكلة مع تشاد على فرنسا وأمريكا والإستعمار ."

"وفتحت علينا النار من الخارج .. ودخلنا في معارك مع كافة القوى الاستعمارية والرجعية " 

ثم يمضي القذافي معترفا بكل خنوع : 

" فعلا كان عندنا اندفاع .. وحتى تهور في ذلك الوقت ( كأنه يبدوا بعيداُ) .. وما قدّرنا بعض العواقب .. وكسبنا كثير من الاعداء"

ولكن الأهم من هذه الاعترافات كلها هو الخلاصة التى انتهى إليها: 

" وبعدين الأمور تتضح شيئا فشيئاً ... ونحيّد في صفوف الأعداء نحيّد فيهم واحد بعد واحد حتى عرفنا نشق الطريق المضبوط" 

ولا يشك احد منا ما هو " الطريق المضبوط" الذي أخذ القذافي يشقه منذ ذلك التاريخ ..  إنه طريق التخلي عن مزاعم " مقارعة الإمبريالية والاستعمار والصهيونية " .. وهو الطريق المؤدي إلى " الحج" إلى بيت المقدس .. وربما زيارة القدس حسبما تكهن رجل الأعمال الإسرائيلي " نمرودي". 

خطة مستقبلية لتوزيع العائدات   

تحدث القذافي عن خطته الجديدة للكيفية التى يرى إنفاق أو توزيع العائدات المستقبلية من النفط وفقاً لها. وهي المسألة التى نحسب أنها تشكل الشق الثاني من برنامجه للضحك على عقول الليبيين وشراء صمتهم كسباً لمزيد من الوقت لجماهيريته المعزولة المنهارة. 

لقد قدم لخطته المزعومة بالتأكيد على :

" إن هذا الرزق ملك للشعب ، والشعب من حقه أن يحاسب على كل حاجة، حتى الخاتم والساعة التى بيدك"

" وإن حصول كل فرد على حصته من ثروة بلاده مهم جداً جداً في الاستقرار النفسي والإستقرار السياسي والاجتماعي ، نحن توا مغبونين يجب تفهمونا ، أنا قلت لكم إن الغبن يؤدي إلى حمل السلاح والقتال ، وتكفر بوطنك وتقاتل جارك "  

كذلك لم يفته أن يؤكد على ما اعتبره بعض الحقائق الجوهرية والأساسية  وفي مقدمتها  

" أن الليبيين الآن وبعد قيام الكومونات بلغوا سن الرشد "  

أي أن الليبيين كانو قبل هذا التاريخ قصّراً ، وأن القذافي كان يمارس بحقهم دور الوصي والوكيل عليهم . 

" وأن المسيرة الجادة بدأت الآن "  

الامر الذي يعنى أن مسيرة الثلاث والعشرين سنة لم تكن جادة أو كانت هازلة . 

ثم أكّد بعد ذلك أن " السؤال المطروح الآن هو كيف تكون الثروة بيد الشعب؟ وكيف يمكن توزيعها بين أفراد الشعب الليبي بالعدل والتساوي ؟!" . 

وقبل أن يترك الفرصة لمستمعيه أن يسألوا أنفسهم أو أن يسألوا بعضهم البعض : ألم تكن الثروة بأيدينا منذ زمن بعيد ، ومنذ رفع القذافي شعار السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب في مارس عام 1977 على الاقل؟ فاجأهم بعرض ما أسماه "خطته الجديدة" بشأن تقسيم وتوزيع العائدات النفطية مع بداية العام (القادم) 1993م، غير ناس أن يطالبهم بالهدوء، وأن يؤكد لهم أن "الموضوع مهم وخطير".

تقترح الخطة الجديدة كما قدمها القذافي تقسيم عائدات النفط مع بداية عام 1993 إلى قسمين :

الاول : وهو يوازي نصف عائدات النفط ويجري إنفاقه على التعليم والصحة والصناعة والزراعة وغيرها.

الثاني : وهو يوازي النصف الباقي من العائدات وهذا يجري توزيعه على العائلات الليبية نقداً بالتساوي، ومقابل ذلك سوف لن تكون هناك رواتب ولا موظفين ولا خدمات عامة.

          ولم يفت عليه وهو يحيل خطته الجديدة – على غير العادة – على أهل الاختصاص والخبرة أن ينبه إلى بعض المبادئ والتوجيهات التى ينبغي على المستمعين والاختصاصيين أن يأخذوها بعين الإعتبار بل يلتزموا بها ، ومنها : 

يجب أن يحرم من عملية التوزيع المزمعة كل أولئك الذين تركوا ليبيـا " وعدوا في ستين داهية " ليعادوها . 

لا يدخل في عداد الفئة المذكورة آنفاً " والتي يجب حرمانها " أولئك الذي هاجروا استجابة لدعوته بالهجرة خارج ليبيـا إلى النيل وإلى مناطق المياه في السودان وتشاد ، فهؤلاء ينبغي أن تعطي لهم الاولوية في حصة النفط. 

وبينما يؤكد أنه " لايحارب الغنى " وأنه " يريد أن يكون جميع الليبيين أغنياء " وأنه "يسعى لإقامة الجماهيرية البرجعاجية " وأن الهدف من الثورة " ليس أن نكون فقراء ولكن أن نحسن من مستوى معيشتنا " لكنه مع ذلك يرى ضرورة أن يسبق عملية توزيع العادات النفطية بين الليبين بالتساوي عملية أخرى مهمة وهي عملية جرد وحصر الثروة الحالية لكل الليبيين ومحاسبتهم عليها ونزع ما يمكن أن يكونوا قد حصلوا عليه بشكل غير قانوني. 

لابد من وضع سياسة رشيدة للإستيراد والتصدير وللإستهلاك وللضرائب والرسوم حتى يتساوى الليبييون.

"لا غني عن الحلول الثورية والإشتراكية والأسواق الشعبية وكتيب العائلة الإستهلاكي والكومونات والهجرة إلى خارج ليبيا ذلك أن ليبيا ما تحمّلش إلا مليون ونصف بالكثير."

وأما التصفيق "العفوي" الحاد لهذه الخطة الجديدة المزعومة لم ينس أن يذكر مستمعيه بأن عملية توزيع عائدات النفط المزمعة حقيقية "ما فيها من مسخرة.. ومزبوطة" وأنه الآن فقط "تبدأ المسيرة الجادة بعدما حققنا هذه التجارب في صيغة حياتنا بالعمل الثوري، وبالتأكيد مش تاخذوها بمسخرة." 

مرة أخرى، ما الذي إستهدفه القذافي من ذلك الخطاب؟. 

في ضوء قراءة متأنية لخطابه الذي ألقاه وم 18 من نوفمبر 1992، وفي ضوء الإجراءات والخطوات التي قام بها فيما بعد يمكننا الجزم بأنه استهدف من وراء ذلك الخطاب وما جاء فيه شراء وكسب بعض الوقت لجماهيريته المعزولة المنهارة وذلك من خلال: 

أولاً:    الحرص على إغلاق باب الحديث والخوض في موضوع عائدات ليبيا النفطية عن السنوات الماضية كلها، وكيف تصرف فيها وأين ذهبت، وذلك لمواجهة تنامي الحديث بين الليبيين حول البلايين المنهوبة من تلك العائدات بواسطة القذافي وعصابته.

ثانياً:    إطماع "تطميع" الليبيين بأنه سوف يقوم بتوزيع نصف العائدات النفطية – على الأقل – على جميع الأسر الليبية نقداً اعتباراً من بداية عام 1993م. وقد أعلن هذه الخطوة تحسباً وتوقعاً منه بأن مجلس الأمن الدولي كان سيصدر قراراً بفرض حظر شامل على النفط الليبي أواخر عام 1992. 

فإذا ما تحققت مخاوفه وتوقعاته بقيام مجلسالأمن  الدولي بفرض عقوبات جديدة (حظر نفطي شامل) فسوف يكون بمقدوره أن يتعلل بأنه لولا قرار مجلس الأمن الدولي لكان وزّع نصف عائدات النفط على الليبيين نقداً وبالتساوي، أما إذا لم تصدر تلك القرارات فإن بمقدوره أن يتراجع عن ذلك الوعد بحجة أن هناك اعتبارات فنية ومالية حالت دون ذلك، كما أن بمقدوره أن ينسب تلك الصعوبات إلى آراء الإختصاصيين النفطيين والماليين الليبيين الذين شكل منهم القذافي لجنة فنية لذلك الغرض. 

ثالثاً:    وانتظاراً لصدور قرار مجلس الأمن الدولي، وسواء أصدر ذلك القرار أم لم يصدر، فإنه بمقدوره أن يستخدم هذا "الوعد" بتوزيع نصف عائدات النفط الليبي نقداً على الليبيين كغطاء وكمبرر لتنفيذ بعض أهدافه، والتي تتمحور حول كسب وشراء المزيد من الوقت لجماهيريته المعزولة المتهاوة وذلك: 

1.     بالظهور أمام الليبيين بمظهر الحريص على أموالهم، وعلى توزيع تلك الأموال بينهم بالعدل، والحريص على محاربة الغبن وعدم المساواة. "لابد من المساواة المساواة مش في الفقر نيغيهم يكونوا أغنياء لكن مش الغني يصبح غني دائماً وهذا ما يقدرش يوصل فيه لازم من خط نتساوو فيه كلنا."

2.     بزرع بذور فتنة جديدة بين الليبيين (إضافة إلى فتنة الكومونات وقبلها فتنة ما يسمى بالثورة الشعبية) من خلال الإدعاء بأن بعض "المناطق" في ليبيا تحاول الإستئثار بعائدات النفط الليبي دون بقية المناطق الليبيية الأخرى وأن بعض "الأفراد" يحصلون على حصة أكبر من حصتهم من تلك العائدات.

"إذن الليبي، ما نقدرش نقول له يا ليبي إللى تسكن في (العسة) شنو جابك للبترول إللي يطلع في (أوجلة)، ويا ليبي تسكن في (طبرق) إيش دخلك في مياه النهر الصناعي العظيم إللي طالعه في (السرير)، هذه ثروة عامة ملك لأهل البلاد كلهم."

"إذا استمرينا فقراء وكادحين مضطرين أن نعيد النظر في وضعنا، لاباس ليش نقعد فقراء دائماً خاصة لما بلادنا فيها ثروة، هالثروة عند من؟ ما تضطرونا نحمل السلاح ضد بعضنا البعض في ساعة من الساعات." (!!)

وكأنما الذي سرق عائدات النفط في الماضي – وما يزال – هم مواطنون آخرون وليسوا هم القذافي وعصابته. 

3.     باستخدام هذا "الوعد المزعوم" كغطاء وكمبرر له للقيام بجملة من الإجراءات والخطوات الأمنية العقيمة والعديد من "المداهمات" للمواطنين ومحلاتهم وبيوتهم بحجة التحضير والإعداد لتطبيق خطته المزمعة بتوزيع عائدات النفط مستقبلاً على الليبيين نقداً. 

ذلك ما نعتقد أن القذافي استهدف تحقيقه من وراء ما جاء في خطابه المذكور وما تلاه من خطب وإجراءات 

أين كشف الحساب؟

لعل طرح التساؤلات التالية سوف يزيد الأمر جلاء ووضوحاً. 

لماذا لم يقدم القذافي كشفاً كاملاً ومفصلاً عن أموال الشعب الليبي خلال الثلاثة والعشرين سنة الماضية؟ وما هو مجموع هذه العائدات النفطية؟ وكيف أنفقت؟ كم أنفق منها على التنمية بمختلف قطاعاتها؟ وكم أنفق منها على الميزانية الإدارية؟ وكم انفق منها على التسليح وباسم الجيش؟ وكم أنفق منها على الدعاية للكتاب الأخضر ومن أجل راحة القذافي وأمنه؟ وكم أنفق منها على الإرهاب الخارجي وجماعاته، وعلى المؤامرات والمغامرات الخارجية؟ وكم سرق ونهب من هذه الأموال تحت مختلف الحجج وعن طريق شتى العصابات والمرتزقة؟ وكم بقي من هذه الأموال كاحتياطي وكاستثمار؟ 

ثم أين كان هذه الحرص على ثروة الشعب الليبي وعلى توزيعها بين أبنائه بالعدل والمساواة دون غبن طوال هذه السنوات الثلاث والعشرين؟ نعم، لقد أقر القذافي في خطابه: "إننا كنا ملخومين طوال هذه السنوات الثلاث والعشرين " ولكن أي "لخمة" أو أي انشغال يمكنه أن يشغل القذافي ويمنعه من اكتشاف حقائق بديهية بسيطة تتعلق بحق الليبيين في ثروة بلادهم التي بلغت قرابة (230) مليار دولار طوال هذه السنوات المعنية؟ 

أما وقد سكت عن هذا الموضوع طوال 23 سنة وعجز عن تحقيق العدالة والمساواة بين الليبيين ورفع الغبن عنهم، فما الذي منعه والحالة هذه، من أن ينتظر بضعة أشهر أخرى يقوم خلالها بإحالة الموضوع على الخبراء وجهات الإختصاص، ثم يقوم بعد ذلك بطرحه على ما يسمى بمؤتمر الشعب العام بعد أن يكون قد حاز رضى ومباركة الإختصاصيين أو حتى اعتراضهم لماذا هذا الإستعجال؟ 

أم أن الأمر لم يعدُ أن يكون لعبة رخيصة وخبيثة من القذافي تظاهر من خلالها بالحرص على أموال الليبيين وعلى سعادتهم وعلى تحقيق العدل بينهم، وأنه لولا الآخرين (مجلس الأمن الدولي أو الخبراء والإختصاصيين) لقام بتوزيع عائدات النفط نقداً بين العائلات الليبية. 

إن حقيقة الأمر سوف تتضح بجلاء من خلال سياق الأحداث منذ تاريخ ذلك الخطاب.

فقد كرر دعوته لليبيين بالهجرة خارج ليبيا في أكثر من خطاب تال.

كما أطلق يد لجانه الثورية وأجهزته الأمنية في مختلف الكومونات للقيام بسلسلة من الإجراءات القمعية التي تمثلت في إلغاء الرخص التجارية ومصادرة الواردات الخارجية، ومداهمة البيوت والمحلات بحجة التمهيد للشروع في تنفيذ خطة القذافي الرامية إلى توزيع عائدات النفط نقداً بين الليبيين بالتساوي. 

ثم جاء موعد إعادة النظر في العقوبات المفروضة على نظام القذافي من قبل مجلس الأمن الدولي فلم يجر تصعيدها بفرض حظر شامل على النفط الليبي وإن كان قد جرى تمديد العقوبات السابقة. 

ومع حلول العام الميلاد الجديد 1993 توقع الليبيون وانتظروا أن يشرع في تنفيذ خطته المزعومة بشأن عائدات النفط الليبي. 

وبعد إنتظار لم يطل طويلاً ظهرالقذافي على التليفزيون الليبي في مطلع شهر مارس 1993 الماضي ومعه كل من محافظ المصرف المركزي الدكتور عبدالحفيظ الزليطني ووزير الطاقة والنفط عبدالله البدري لينقل إلى الليبيين، فيما يشبه الإخراج المسرحي حديثاً مسهباً ومطولاً كانت محاوره الرئيسية وخلاصته كما يلي:

1.     إن الإختصاصيين (ممثلين في شخص محافظ المصرف المركزي ووزير النفط والطاقة) اعترفوا أمام الشعب الليبي أن جميع العائدات من بيع النفط الليبي تجد طريقها إلى المصرف المركزي الليبي الذي يقوم بدوره بتقسيمها إلى ثلاثة أقسام، الأول: يجد طريقه إلى الخزانة التي تتولى الإنفاق منه على الميزانية الإدارية وميزانية التنمية والدفاع وغيرها (؟!)، والثاني: ويجد طريقه إلى وزارة النفط التي تتولى الإنفاق منه على تشغيل آبار النفط وصيانتها، والثالث: ويبقى للإستثمار الخارجي كاحتياطي للدولة. 

ولا نشك أن هذا الجزء من الحديث كان موجها للرد على الإتهامات التي وجهتها الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا ضد النظام وبخاصة ما ورد في عدد مجلة "الإنقاذ" السابق رقم (42). 

2.     التأكيد على أن القذافي هو وحده صاحب فكرة توزيع عائدات النفط الليبي نقداً على الليبيين بالتساوي، وهو وحده المدافع عنها والحريص على تطبيقها. 

وقد تكلم خلال المقابلة بلغة "نحن الشعب وأنتم الخبراء"، كما حرص على ترديد "إننا نحن الشعب والثوار نخاف أن يكون المال العام قد أنفق في غير طاعة الله.. نحن الشعب، أنا أمثل جانب الفقراء والكادحين والجماهير والناس التي تريد نقود، وأنتم الذين تمثلون الدولة والمؤسسات المالية لها والخبرات والنظرة الإستراتيجية."  

3.     التأكيد على أن الإختصاصين والمثقفين وأساتذة الجامعات هم الذين يقفون ضد تطبيق فكرته الرامية إلى توزيع عائدات النفط نقداً على الليبيين. 

"شرائح كثيرة من حملة الشهادات العليا والمثقفين والمتعلمين والخريجين هؤلاء بالعكس ضد المشروع، حضر لي أستاذ من الجامعة وقال إنني ضد أنك توزع دخل النفط على الليبيين، هذا كلام غلط، فالمثقفين والمتعلمين وأنتم الآن من ضمنهم ضد المشروع ويقولون لا توجد دولة توزع دخلها على الناس مباشرة، لكن الذين يريدون النقود في بيوتهم ومتحمسين هم الناس العامة الذين لا يفهمون لغة الآرقام."  

وهكذا فهو يقيم الإعتبار لأراء المثقفين والإختصاصيين ويستقبل أساتذة الجامعات الذين يقولون له "لا" ويعارضون أفكاره. 

4.     أمام الإعتبارات والصعوبات الفنية والمالية التي ذكرها الخبراء والإختصاصيون لم يعد بد من تأجيل النظر في تطبيق فكرة القذافي وخطته الجهنمية الخاصة بتوزيع عائدات النفط نقداً على الليبيين بالتساوي. 

وهكذا خاب ظن الليبيين الذين كانوا ينتظرون أن يقوم مع مطلع العام 1993  فعلاً بتوزيع جزء من عائدات النفط الليبي عليهم. 

غير أن خيبة ظنهم وخسارتهم لم تقتصر على هذا الأمر بل تجاوزتها إلى بقية الإجراءات الأمنية والقمعية التي شرع في تطبيقها بحجة التمهيد لتطبيق هذا الإقتراح (إلغاء الوظائف العامة والمهايا والمرتبات، واستمرار المداهمات لحصر ممتلكات المواطنين وأموالهم، والعودة إلى الأسواق الشعبية والكتيبات الإستهلاكية...)  

بل أن الأمر لم يقتصر على ذلك فقد انتهز القذافي هذا اللقاء ليوجه السباب إلى الليبيين كعادته. حيث ادعى أن تقريراً وصل إليه بعد انعقاد مؤتمر الشعب العام الذي أعلن فيه عن خطته المزعومة، وادعى أن هذا التقرير يقول: 

"بعد الإعلان عن هذا المشروع في مؤتمر الشعب العام حصلت ظاهرة سلبية جداً في المجتمع وهو أن الزوج والزوجة تفرقا بسبب اتفقا عليه، واحد ياخذ الولد والآخر البنت وكل واحد يسكن في شقة ويحصل على كتيب عائلة للحصول على عشرين ألف دولار، رغم أنهما من الممكن أنهما لا زالا معاً، حتى المطلقة الموجودة لدى أهلها ولديها طفل هي الأخرى أخذت طفلها وذهبت للسكن في شقة من أجل الحصول على عشرة آلاف دولار وأهلها يأخذوا عشرة آلاف دولار، وحدثت عمليات زواج تعسفي وعمليات زواج سابقة لأوانها من جميع النواحي، كانت أسرة واحدة الآن أصبحت ثلاث أو أربع من أجل أن يحصلوا على ثلاثين أو أربعين آلف." 

وهكذا فإن كل الذي نال الليبيين من هذا المشروع العجيب هو المزيد من السباب لهم والمزيد من الإجراءات القمعية ضدهم، مع تخلي الدولة عن مسؤولياتها المالية فلا مهايا ولا مرتبات ولا إنفاق على المرافق والخدمات دون أن يجري توزيع أي حصة من عائدات النفط عليها. 

غير أنه فيما يتصور القذافي أنه مرر لعبته السمجة على الليبيين فإننا على يقين بأن شيئاً منها لم ينطل عليهم. 

فلم يفت الليبيين أن يربطوا بين غياب وزير الخزانة محمد البخاري وبين ما يتردد من إشاعات حول توقفه عن ممارسات صلاحياته احتجاجاً على الإهدار الذي تتعرض له الأموال العامة. 

كذلك لم يفت الليبيين أن يلاحظوا ما اعترى القذافي من ذعر عندما وردت من محافظ المصرف المركزي إشارة عابرة إلى التصرف في الأموال العامة خلال السنوات الماضية، وسارع القذافي إلى القول: 

 "دعونا من الذي مضى، نحن نتحدث عليكم الآن الذين تستلمون السلطة وتمارسون كل صلاحياتكم في المحلات، ولا توجد أي مشكلة." 

ولم يفت الليبيين أن الذي أشار إليه "بالذي مضى" تناول (230) مليار من الدولارات هذا عدا ما صاحبها من وقت وجهد وتضحيات على امتداد ثلاثة وعشرين عاماً أو يزيد.

ومن ثم فإذا لم يكن بمقدورهم مواجهته حتى الآن فيما يسمى بمؤتمر الشعب العام، فإنهم لم يتوقفوا عن الكتابة على الحيطان "أين أموالنا يا أبو مليار".


(*) هذا المقال من إعداد الدكتور محمد يوسف المقريف وجرى نشره بالعدد 43 من مجلة الانقاذ الصادر في يوليو 1993.

ملاحظة : هذا المقال جرى إعداده قبل ظهور أبناء القذافي على مسرح الأحداث في ليبيـا.




Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home