Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Yousef al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد يوسف المقريف


د. محمد المقريف

الجمعة 22 أغسطس 2008

إضغط هنا للأطلاع على الجزء الثاني    
الجزء الأول :   الحلقة الأولى     الحلقة الثانية      الحلقة الثالثة
                     الحلقة الرابعة     الحلقة الخامسة الحلقة السادسة

انقلاب بقيادة مخبر (4)

د. محمد يوسف المقريف

مظاهرة اكتوبر 1961م 

استحوذت مظاهرة الخامس من أكتوبر 1961 على حيّز كبير من مزاعم العقيد القذافي النضالية عن المرحلة السابقة على الانقلاب. ولسنا هنا بصدد تفنيد تلك المزاعم ولكننا سوف نتوقف عند بعض الوقائع المتعلقة بتلك المظاهرة والتي تشكل بنظرنا قرائن إضافية على ارتباط الطالب معمر أبي منيار يومذاك بجهاز المباحث العامّة في ولاية فزان. 

نشرت صحيفة "الأسبوع الثقافي" الرسمية في عددها الصادر يوم 6/10/1972 تحت عنوان " ذكريات الذين حضروا المظاهرة" أقوالاً نسبتها للسيد المبروك عبد السلام عبد الله مسيك الذى كان يشغل منصب مدير المباحث في ولاية فزان عندما قامت مظاهرة 1961، جاء فيها: 

".. إنني كنت قادماً من غات [بلدة في فزان] ذلك اليوم (5/10/1961) فوجدت المظاهرة ولم تبعث المباحث أيّ تقرير بأسماء الطلبة الذين قادوها، ولكن وجدت بين أوراقي رسالة بعض المدرّسين وأرسلتها للأخ العقيد وكانت تضم اسمه وبعض الأسماء الأخري.." 

"الأخ العقيد" الذي يشير إليه السيد مسيك من المفروض أنه كان طالباً في المدرسة الثانوية وليس موظفاً لدى المباحث العامّة.. فما الذي جعله وهو مدير المباحث يرسل إلى الطالب معمر أبي منيار برسالةٍ كتبت عنه وعن آخرين من بعض المدرّسين؟! 

أهي صلة رحم؟ ليس بين الاثنين صلة رحم أو رابطة قبلية.. 

أهي الصداقة؟ بين الاثنين فارق زمنيّ كبير في العمر.. كما أن بينهما فاصلاً اجتماعياً واسعاً، فضلاً عن أنّ أحدهما طالب (يفترض أنه مشاكس ومعادٍ للسلطة) والآخر موظف على رأس أهمّ جهاز لحماية تلك السلطة والدفاع عنها ضدّ "القذافي" وأمثاله.. 

وفضلا عن ذلك فالرائد المبروك عبد السلام عبد الله مسيك - وفقاً لمزاعم القذافي – هو الضابط الذي كان يشغل منصب مدير المباحث في فزان  عام 1958، وهو الذي أمر الشاويش في أعقاب مظاهرة الأول من مارس 1958 (كما مرّ بنا) بإلقاء القبض على تلميذ الإعدادية (يومذاك) معمر أبي منيار متهماً إياه بقيادة المظاهرة رغم أنه لم يكن له بها أيّة صلة.. 

إن الإجابة عن هذه الألغاز والتساؤلات بسيطة في نظرنا.. وهي تتمثل في أن معمر أبا منيار  لم يكن يومذاك (1961) مجرّد طالبِ بالمدرسة الثانوية.. بل كان فضلاً عن ذلك " مخبراً سرياً" للمباحث العامة في تلك المدرسة.. ومن ثم فكان يهم مدير تلك المباحث أن يحيط "عميله السري" علماً بما كتب عنه من قبل بعض المدرّسين حتى يأخذ حذره وينتبه إلى البيئة المحيطة به.. 

● ورد على لسان العقيد القذافي خلال الندوة التي شارك فيها بسبها مساء يوم 3/3/1977 والتى بُثت عبر الإذاعتين المرئية والمسموعة للنظام يومذاك، كما نشرت بالسجل القومي/ المجلد السنوي الثامن[1]: 

" عمر الغليظ كان مديراً للمدرسة [الثانوية التي كان معمر يدرس فيها]، وكان شاباً قومياً حقيقة، مكنّنى من رؤية التقارير السرّية

ربّما يكون الأستاذ عمر الغليظ مدير المدرسة شاباً ذا مشاعر قومية فعلاً.. وقد تكون هذه المشاعر هي التى جعلته يقوم بما قام به تعاطفاً مع القذافي.. رغمّ أن القذافي  لم يحدثنا عن محتوى تلك التقارير السرّية.. 

ولكن أليس من المحتمل أيضاً أنّ ما قام به عمر الغليظ كان بسبب علمه بأن الطالب معمر هو " مخبر سري " للمباحث، وأنّ إطلاعه على التقارير السرّية كان من باب قيامه بواجبه كمدير للمدرسة نحو معمر أبي منيار مندوب المباحث العامّة السرّي بالمدرسة، وليس نحو " معمر الطالب "؟! 

● اشار العقيد القذافي في أكثر من مناسبة[2] إلى مدير البوليس بالنيابة في فزان (عام 1961) المقدّم (محمد السويني الشريف) وكيف أنه سقط  على الأرض أثناء مظاهرة 5/10/1961، وأنّ الطالب معمر هو الذي أنقذه من الموت بصعوبة.. وكيف أنّ المقدم السويني كتب عن هذا الأمر في التقرير الذي رفعه إلى رؤسائه حكمدار المباحث وناظر الداخلية بالولاية. 

"نائب مدير الشرطة سقط في الطريق على الأرض.. والطلبة [المتظاهرون] فعلاً أحبوا أن يدوسوه.. وقفت عليه ووضعته بين رجليّ، ومنعت الطلبة أن يدوسوه وساعدته على النهوض .. وبعد أن نهض كتبها في التقرير.." 

وقد تكون واقعة سقوط "المقدم السويني" على الأرض أثناء المظاهرة صحيحة.. وقد يكون ما ادّعاه العقيد القذافي من القيام بحمايته صحيحاً، بصرف النظر عمّا إذا كان ذلك من منطلق إنساني أو منطلق القيام بواجبه الرسمي (كمخبر) بالمحافظة على أمن المظاهرة أو بالمحافظة على حياة أحد رؤسائه الواقع على الأرض.. 

لكن الذى يعنينا هنا هو التقرير الذي أشار إليه القذافي وادّعي أنّ المقدّم السويني كتبه إلى رؤسائه بشأن الحادث.. هذا التقرير لا وجود له، وليس من ضمن "الوثائق" التي نشرها النظام في وسائل إعلامه حول أحداث المظاهرة. فالتقريران المنشوران في صحيفتي " الأسبوع السياسي"[3]و  "الفجر الجديد"[4]الرسميتين والمنسوبان إلى المقدّم السويني لا يشيران إلى واقعة سقوطه وقيام الطالب معمر بحمايته. 

نحن لا نشكّ في الواقعة ولا في التقرير، ولكن أين التقرير؟ ولِمَ لمْ ينشره النظام في وسائل إعلامه؟ والسؤال الأهم كيف علم القذافي بوجود هذا التقرير وبأيّة صفةٍ تمكّن من الإطلاع على محتواه؟ 

هل يمكن أن يكون القذافي قد اطلع على التقرير غير المنشور بصفته أحد العاملين بجهاز المباحث العامة؟.. ذلك ما نعتقده.. 

وفي الواقع إنّ كلّ ما قاله العقيد القذافي حول تلك المظاهرة يصبّ في هذا الاتجاه.. ولنطالع على سبيل المثال ما جاء على لسان القذافي في سبها مساء يوم 5/10/1977 في ذكري المظاهرة المزعومة: 

" وجائني مدير الأمن (المقدّم محمد سويني الشريف) ومسكني من يدي، قال لى: من المستحسن أن توجّه المظاهرة إلى القسم الداخلي.. واستطعنا توجيهها إلى القسم الداخلي.."[5] 

هل كانت هذه أوامر رئيس إلى أحد مرؤسيه؟ 

أم كلمات ضابطٍ يمثل سلطة "نظام ملكي قمعي" إلى أحد قادة مظاهرةٍ خرجت تحدياً لذلك النظام..؟ 

نترك للقارئ أن يستنبط ما يشاء.. على أنّه تجدر الإشارة إلى أنّ السيد (محمد سويني الشريف) كان أحد الأشخاص الذين كرّمهم القذافي في عام 1989 باعتبار أنه أحد الذين قدّموا خدمات للثورة، وربّما من الأصحّ القول بأنه أحد الذين حفظوا سر الطالب المخبر معمر أبي منيار. 

●         مرّ بنا تحت عنوان "اعتقالات البعثيين في سبها- أغسطس 1961". من هذا المبحث كيف أن أعضاء من حزب البعث العربي الاشتراكي السريّ تعرضوا للاعتقال في مطلع شهر أغسطس 1961 وأن الاعتقالات شملت أعضاءهم  في الولايات الثلاث برقه وطرابلس وفزان: وقد مرّ بنا أيضاً أن الطالب/ المخبر معمر أبو منيار الذى كان على      "صلة" بالبعثيين في سبها – والذى لم تشمله تلك الاعتقالات- تحرك على الفور وذهب إلى بلدة هون في طريقه إلى طرابلس التى قرر البقاء فيها لبضعة أسابيع حتى "تهدأ العاصفة". 

وبصرف النظر أين اقام القذافي خلال تلك المدة في طرابلس وفي ضيافة من؟[6]  فالقذافي لم يقل لنا كم بقي مختبئاً في طرابلس.. ومتى عاد إلى سبها؟ 

ومن حقنا أن نفترض – أمام صمت القذافي – أن "هدوء العاصفة" كان يحتاج لعدة أسابيع وأن القذافي لم يرجع إلى سبها إلا في منتصف شهر سبتمبر 1961 تقريباً.. ومن حقنا أن نفترض أن مدينة سبها كانت ما تزال تعيش حالة طوارئ؛ إثر عمليات الاعتقال التى جرت في شهر أغسطس السابق. وأن المواطنين وبخاصة الشباب والطلاب كانوا ما يزالون يعيشون حالة من الرعب والخوف.. ومن حقنا أن نفترض أيضاً أنه لو كان الطالب القذافي  مطلوباً للقبض عليه.. فإن  الأمر بالقبض عليه كان مايزال قائماً وسوف لن يغير من هذا الأمر هروبه إلى طرابلس وبقائه فيها عدة أسابيع.. 

إذا كان الأمر كذلك فمن حقنا أن نتسآل كيف يعقل أن يقوم الطالب (الهارب والمُلاحق) معمر أبو منيار بقيادة مظاهرة في 5 أكتوبر 1961 ضد إرادة النظام وبدون موافقته، أو حتى بمجرد المشاركة في تلك المظاهرة؟ 

طرد الطالب القذافي من سبها 

كان من بين ما تحدث عنه العقيد القذافي في الحلقة (13) من قصة الثورة أحداث ليلة 29 أكتوبر 1961[7] بنحو 23 يوماً. وقد زعم القذافي في تلك الحلقة أنّ كافة السلطات بمدينة سبها (البوليس والمباحث وسكرتير والىِ الولاية) كانوا يبحثون عنه منذ حلول مغرب تلك الليلة ليبلغوه أنّ " البيّ محمد سيف النصر" طلب إحضاره إليه في منزله، وأنّه فعلاً تمّ أخذه عن طريق سكرتير الوالىّ لمقابلة "البىّ محمد" في بيته بعد الساعة الواحدة والنصف ليلاّ، وقد أبلغه هذا الأخير بأنه سوف يطرد في اليوم التالي من ولاية فزان. والذى يعنينا في هذا المقام ما ورد على لسان القذافي في تلك الحلقة في وصف ما حدث له بعد خروجه من بيت "البيّ محمد" وفي تلك الساعة المتأخرة من الليل، حيث جاء فيها ما نصّه: 

"غادرت منزل (البيّ) وسرت في نفس الطريق التي كنت أسير فيها قبل طلبي من قِبله، ولكن عند مفترق الطرق اعترضنى زمرة من رجال المباحث، أعرفهم فرداً فرداً معرفة جيدة. وأوقفوني قائلين: أين كنت؟ كل الدنيا مقلوبة عليك!! وتجاهلت أنني قابلت (بيّهم) وسألت عن سبب قلب الدنيا كلها ، وليس جزءاً منها؟!" 

ويمضي القذافي في سرد ما جري وما حدث بينه (وهو الطالب يومذاك بالمدرسة الثانوية) وبين تلك الزمرة من رجال المباحث في تلك الساعة المتأخرة من الليل.. 

" فقالوا: إن (البيّ محمد) يريدك.. ومن المغرب ونحن نبحث عنك. وذهبنا لأهلك عدّة مرات، وللمركز الثقافي عدّة مرّات، وأيضاً القسم الداخلي.. وأخيراً ربطنا الطرق.." 

" فقلت لهم: على أىّ حال الوقت متأخّر جداً، وكلّ الناس نائمون، وغداً إن شاء الله.." 

" فاعترضواة مراتطالب يومذاك بالمدرسة الثانوية) وبين تلك الزمرة من رجال المباحث في تلك الساعة المتأخرة  بسرعة..لا..لا.قال [أي البيّ محمد] لنا حتى الساعة..الخامسة.. السادسة.. متى وجدتموه آتوني به مسرعين، مهطعين." 

ويواصل القذافي روايته لأحداث تلك الليلة التي يفترض أنها كانت عصيبة بالنسبة له، وهو الذي لا يزال طالباً بالمرحلة الثانوية، وقد تلقّي لتوْه خبر طرده من الدراسة بولاية فزان، وفي صحبة زمرة من رجال جهازالمباحث العامة الذي يفترض أنه جهاز قمعي وزمرة رجاله تبحث عنه منذ حلول المغرب، وقد ربطت الطرق جميعها لكي تحاصره  وتجده وتأخذه لمقابلة "البيّ محمد" في أيّه ساعةٍ من الليل، الرابعة الخامسة السادسة..  فيقول: 

" فتظاهرت بالرفض التام.. وحاولت السير في اتجاهي.. فمسكوا بيدي يخفون الجدّ بالمزح.. وبعد أن اتضح لهم لي إصرارهم.. أخبرتهم بما حدث [أى أنه التقي بالبيّ محمد بالفعل].. فتركوا سبيلي" 

هذه هي الرواية التي سردها القذافي لأحداث تلك الليلة في الحلقة الثالثة عشر من " قصة الثورة" يوم 3/2/1973. وقد أكد القذافي ما جرى بينه وبين رجال المباحث في تلك الليلة، ليس فقط بلسانه، ولكن أيضاً بحركاتٍ من يديهإصرارهم.. أخبرتهم بما حدث (أى أنه التقي بالبيّ محمد بالفعل)..  ربطت الطرق جميعها لكي تحاصره  وتجده وتأخذه لم خلال الندوة التلفزيونية التي نقلتها قناة النظام الفضائية مساء يوم 30/8/1999، والتى لاشك أنّ أىَ مشاهدٍ لها قد خرج بانطباع قاطع الدلالة حول سلوك القذافي ونوع "العلاقة الحميمة" التي كانت تربطه بتلك الزمرة من رجال المباحث الذين أكدّ بأنه يعرفهم فرداً فرداً معرفة جيدة. 

وفي رأينا فإنّ حقيقة وطبيعة هذه العلاقة سوف تتضح من خلال طرح جملة من الأسئلة والاستفسارات، غير أننا نود في البداية أن نذكر القاري ببعض الحقائق الأساسية التي تتعلق بحالة الطالب معمر أبي منيار في تلك الساعة المتأخرة التي التقي خلالها بالزمرة هذه من رجال المباحث العامة. 

·        يفترض أنّ القذافي في تلك الليلة كان مجرّد طالب بالسنة الثانية الثانوية. 

·        أنه كان وحيداً وكانت الساعة قد تجاوزت الواحدة والنصف ليلاً. 

·    أنه في تلك اللحظة كان قد خرج لتّوه من لقاء عاصف مع أقوى شخصية يومذاك في ولاية فزان "البيّ محمد" وأنّ هذا الأخير هذّده وتوّعده وأبلغه أن ملفه في المباحث أسود وأنه سيجري طرده في اليوم التالي من الدراسة في جميع مدارس الولاية. 

·        أنّ زمرة رجال المباحث الذين قابلهم عند مفترق الطرق (لم يحدد عددهم) كانوا يبحثون عنه منذ المغرب في كلّ مكان في مدينة سبها. وأنهم كانوا مكلفين بإحضاره إلى بيت "البيّ محمد" في أيّة ساعة من الليل. 

إن أوّل الأسئلة التي نرى طرحها في هذا الشأن يتعلق بما اعترف به القذافي في روايته بأنه كان يعرف "زمرة رجال المباحث الذين قابلهم في تلك الليلة فرداً فرداً معرفة جيّدة".. فكيف تأتـّي للطالب معمر أبي منيار أن يعرف هؤلاء الرجال المخبرين بالمباحث العامة؟ ( الذين لم يحدّد القذافي عددهم ومن حقنا أن نفترض أنهم كانوا أكثر من اثنين فهم زمرة) .. قد يقول قائل إنّ ذلك تمّ من خلال صداقة مباشرة بينه وبين كلّ واحدٍ منهم على حدة.. غير أنّ ذلك أمر مستبعد وبخاصّةٍ في ظلّ ما عرف عن القذافي من قبل أصدقائه ورفاقه ومدرّسيه من "ميل للعزلة"، ثم كيف يتصادف أن يكون هؤلاء جميعاً من رجال المباحث العامّة؟ الأمر الأرجح هو أن معرفة الطالب معمر أبي منيار برجال هذه الزمرة ترجع إلى زمالته معهم في العمل بالمباحث العامّة, وممّا يرجـّح هذا جو الملاطفة والممازحة الذي ساد بينه وبينهم خلال اللقاء في تلك الساعة المتأخّرة. 

أمّا ثاني الأسئلة فهو يتعلّق بما أشار إليه القذافي نفسه من وقوع "ممازحة" بينه وبين رجال تلك الزمرة وملامسة منهم له بأيدهم في تلك الليلة.. فلا نحسب أن أولئك الرجال الذين أمضوا -وفقاً لمزاعم القذافي نفسه – الساعات الطويلة منذ مغرب تلك الليلة بحثاً عن الطالب معمر أبي منيار[8]كانوا في وضع يسمح لهم بملاطفته وممازحته والمسح على ذراعيه بعد أن عثروا عليه في تلك الساعة المتأخّرة من الليل ما لم تكن بينهم وبينه علاقة حميمة من نوع ما، علاقة زمالة عمل، أو علاقة من نوع ما. كذلك فلا نحسب أنّ الطالب معمر من جانبه وفي تلك الساعة المتأخرة من ليل ذلك اليوم الطويل الذي أمضي جزءاً منه في اجتماع سرّي لإحدى الخلايا في منطقة "القرضة" (حسب زعمه مؤخراً) وأمضي ساعاتٍ منه غير بعيدة يستمع إلى تهديدات وتوّعدات "البيّ  محمد " ويتلقي منه الأخبار بعزم حكومة الولاية على طرده من مدارسها، لا نحسب أنّ الطالب معمر كان في وضع ساعتئذٍ يسمح له بممازحة أو ملاطفة أحد أو تلقّي الملاطفة والملامسة منه وبخاصةِ إذا كان مع أو من رجال المباحث العامّة، وبخاصة أيضاً في ضوء ما يردّده رفاق القذافي عنه منذ مرحلة الدراسة الاعدادية بأنه كان يميل إلى الجدّية ويتمتع بهيبة جميع من عرفوه وتعاملوا معه.. التفسير الوحيد لوقوع تلك الملاطفة والممازحة والمسح على الأيدي بين الطالب القذافي ورجال المباحث العامّة في تلك الليلة يكمن في وجود "علاقة خاصّة" بينه وبينهم " علاقة زمالة عمل" أو "علاقة من نوع آخر". 

كيف تم قبول القذافي بمدرسة مصراته ؟ 

تحدّث العقيد القذافي في الحلقة(13) من قصة الثورة التى رواها يوم 3/2/1977[9] عن قصة قبوله في المدرسة  الثانوية بمصراته (العام الدراسي 61/1962) بعد طرده من سبها على النحو التالي: 

" وعلى كلٍّ قابلت مدير المدرسة الأستاذ "السنوسي النجار"، الذي طلب منى الرجوع إلى سبها لإحضار شهادة حسن السير والسلوك من مدرسة سبها.. وشهادة صحية من هناك، وشهادة من شيخ القبيلة تثبت أنى من أهالي سرت.. وشهادة من البلدية تثبت أني مولود في سرت، وأخري من بلدية سبها تثبت انّ عائلتي ليست مسجّلة في بلدية سبها أو أنها انتقلت إلى سرت.. وأخيراً الشهادة الاعدادية.. وقال لي إذا ثبت أنك فعلاً تبع ولاية طرابلس [التي تشكّل مدينة مصراته إحدى متصرفياتها يومذاك] أصلاً يمكنك دخول المدرسة.. أمّا القسم الداخلي فلا يوجد به مكان لك.." 

ويواصل العقيد القذافي في تلك الحلقة الحديث عن الكيفية التى تمّ بها قبوله في مدرسة مصراته الثانوية قائلاً:

".. وفي اليوم التالي فتشت حقيبتي التى كانت في محطة الوقود [كان قد أحضرها معه من سبها] وجمعت منها بعض الأوراق، وحملتها إلى مدير المدرسة، مع أنّها ليست الأوراق المطلوبة، إلا أنها أدخلتني المدرسة بقدرة قادر[؟!] وهي عبارة عن شهادة ابتدائية مزخرفة[10]، وشهادة براءة من المباحث بأنه لا يوجد حكم محكمة ضدّي وهي مستخرجة منذ مدة للاحتياط، بالإضافة إلى كشف الدرجات وشهادة تثبت أنْى مقيّد في السنة الثانية الثانوية "قسم علمي"[11]، وهي نفس الأوراق التى قدّمتها في اليوم السابق ولم توف بالغرض، إلا أنه في زحمة العمل على المدير، وكثرة الأوراق التى قدّمتها له [يزعم أنها الأوراق نفسها] وحسن نيّة الرجل قال لي أدخل الصف، أما القسم الداخلي فلا يوجد به مكان الآن". 

غير أنّ القذافي عاد إلى الحديث عن الموضوع نفسه خلال اللقاء[12] الذي نقلته الإذاعتان المرئية والمسموعة مساء يوم 3 مارس 1977 وكان مما جاء على لسانه في هذا الشأن: 

" وعندما عدت إلى المدير [مدير مدرسة مصراته] طلب مني الأوراق وأعطيتها له وحينما أطلّع على الأوراق التي كانت معي قال: لا، لابدّ أن تأتي بأوراق أخري تؤكدها، وكذا وكذا.."  

ثمّ مضى العقيد القذافي مواصلا روايته الجديدة لوقائع هذا الموضوع قائلاً.. 

" وكانت معي أوراق في الحقيبة ليست لها علاقة بموضوع النقل إطلاقاً.." 

ما هي هذه الأوراق؟ وماذا تخفي إن لم تكن ذات صلة بموضوع النقل والقراءة..؟ 

يستطرد القذافي موضحاً: 

" عبد السلام جلود [الذى كان حاضراً اللقاء] كان له أخ اسمه عمر جلود.. ذهبت إليه قبل أن يسجّلوا على أىّ شئ، وقلت له اعطني شهادة البراءة.. فذهب وأخذ يفتش في السجّلات.. ويفتش هنا وهناك، واذكر أنّ عمر جلود كان في " إدارة تحقيق البصمات"[13].. المهم أنّ عمر [جلود] ساعدني [؟!] وأعطوني الشهادة وكتبوا عليها "لاشئ". 

إلى هنا والأمر يبدو عادياً, وهو ما يحدث لأي مواطن يرغب في الحصول على شهادة حسن سيرة وسلوك لأغراض الدراسة أو العمل أو الانتقال من جهةٍ إلى أخري.. غير أنّ الأمر لم يقتصر على ذلك.. فقد أضاف القذافي موضحاً: 

" وأعطوني [أى جهاز المباحث العامّة] أوراقاً أخرى ليست خاصة بالمدرسة, ولكنها خاصّة بالوظيفة.."

ودون أن يوضّح  القذافي ماهيّة "الوظيفة" التي حصل على أوراق بشأنها، واصل سرده مبيّناً: 

".. وأخذت هذه الأوراق التي طلبتها..حاجات خاصّة بالوظيفة، وليست خاصّة بالمدرسة!! المهم وضعت هذه الأوراق أمام مدير المدرسة، وكان اسمه الأستاذ السنوسي النجار، وكان رجلاً طيباً.. قَبِل هذه الأوراق، وقال سنأخذك في المدرسة.." 

إذن وفقاً لهذه الرواية/ الاعتراف[14]، يقدم لنا القذافي هاهنا تفاصيل جديدة، مثيرة وخطيرة، وتختلف عمّا رواه في المناسبة السابقة (الحلقة الثالثة عشر من قصّة الثورة). 

ووفقاً لهذه الرواية الجديدة، لم تكن "قدرة قادر" ولا " زحمة العمل" ولا " كثرة الأوراق" ولا "حسن نيّة المدير" هي التى جعلت الأستاذ السنوسي النجار مدير مدرسة مصراته الثانوية يغيّر رأيه ويقبل الطالب معمر فوراً في المدرسة كما زعم في الرواية السابقة.. 

العقيد القذافي يؤكّد لنا في هذه الرواية الجديدة، بمناسبة قيّام "الجماهيرية السعيدة"، أنّ المدير النجار قرّر فوراً قبول الطالب معمر بمدرسته بمجرّد أن قدّم إليه الطالب معمر الأوراق الجديدة التي لم تكن ذات صلة بالدراسة وإنمّا تتعلق فعلاً بالوظيفة.. 

فأيّة "وظيفةٍ" هذه التي جعلت الأوراق المتعلقة بها مدير المدرسة في مصراته يقبل  صاحبها فوراً؟ 

القذافي لم يقل صراحة لمستمعيه أي شئ عن ماهية تلك الوظيفة.. ولم يجرؤ أحد من المشاركين في تلك الندوة على سؤاله عنها أو طلب توضيحاتٍ منه بشأنها[15]..  

ولكننا نعتقد أن القذافي قال عن تلك الوظيفة ما يكفي.. 

·          فهي وظيفة حصل على الأوراق الخاصّة بها من المباحث العامّة بسبها (وقد تكون من إدارة تحقيق البصمات بالمباحث العامّة على وجه التحديد). 

·          وهي وظيفة جعلت مدير مدرسة مصراته الثانوية يقبل الطالب معمر في مدرسته بمجرّد أن اطّلع ذلك المدير على الأوراق الخاصّة بها وتوصيتها. 

ولم يسبق بالطبع للعقيد القذافي[16]أن أشار تصريحاً أو تلميحاً، في أحاديثه كافة التي تناول فيها وقائع هذه المرحلة (وما سبقها وما تلاها حتى تخرّجه من الكلية العسكرية في عام 1963)، إلى التحاقه بأيّة وظيفةِ من أىّ نوع.. 

أفلا يكون بالتالي من حقْنا منطقياً أن نستنبط أنّ تلك الوظيفة ذات صلة بجهاز المباحث العّامة، وأنها لمّا كانت غير معلنَة وغير معروفة فهي وظيفة سرّية لا مفرّ، أي وظيفة "مخبر سري" أو ما يطلق عليه بالعامّية في ليبيا "بصاص"[17]؟ 

مصادر دخل الطالب القذافي 

كما سبق أن أشرنا من قبل أن ليبيا كلها، قبل اكتشاف البترول في عام 1959 وحتى بعد اكتشافه بسنوات، كانت فقيرة جداً، كما أنّ ولاية فزان كانت من أشدّ ولايات المملكة الثلاث فقراً، كما أن الطالب معمر ووالده وأسرته كانوا يعانون من حالة فقر مدقع.. 

يصف محمد بالقاسم الزوي، أحد أبناء تلك المنطقة وزميل القذافي منذ عام 1959 وأحد أعضاء " التنظيم المدني" الذي يزعم القذافي أنّه أسسه في سبها عام 1959، الحالة الماديّة (المالية) لأعضاء التنظيم (وجلّهم من الطلاب) في تلك السنوات المبّكرة على النحو الآتي: 

"كان الطالب ما يقدرش يسافر من سبها إلى مصراته، ما عنداش إمكانيات، وحتى موظفي الحكومة [الذين يفترض أنّهم أحسن الناس حالاً] متبهدلين.."[18] 

ويؤكد القذافي هذه الحقيقة بنفسه بقوله في أكثر من مناسبة، ومن بينها الندوة التى تحدّث فيها زميله محمد بالقاسم الزوي، أنه بعد طرده من سبها في أواخر أكتوبر 1961، لو لم يجد سيارات للجيش الليبي متّجهة يومذاك إلى طرابلس، لما تمكّن من السفر إلى مصراته. 

وفضلاً عن ذلك، فإن زميل القذافي الرائد عبد الكبير الشريف يؤكد في الصفحة (55) من كتابه سالف الذكر:

 "أنّ معمر كان لا يسمح ولا يرضى بأن يعطى له أىّ مبلغ هبة من أحد مهما تكن صفته، كما أنه لم يسبق وأن طلب من أحدٍ أن يقرضه شيئاً ولو بسيطاً.."[19] 

فإذا كان ذلك كله صحيحاً.. ونحن لا نشككّ في صحّة ذلك – فكيف يمكن تفسير كثير من التصرّفات والتحرّكات الواسعة التى أكّد القذافي في أكثر من مناسبة أنّه قام بها، فضلاً عن اعالته والدته وأخواته الثلاث اللواتي جئن جميعاً من سرت للإقامة معه في سبها[20]؟! 

فهذه التحرّكات والتصرفات كلّها تتطلب مالاً من المؤكد أنه ليس في مقدور الطالب المعدم تدبيره.. وعلى سبيل المثال (كما مر بنا): 

·    قام الطالب معمر أبو منيار في صيف 1959 بحضور المخيم الكشفي التدريبي السابع بجودايم في طرابلس على نفقته الخاصة وليس مع البعثة الكشفية التي ذهبت من سبها. 

·    قام الطالب معمر في عام 1958 بزيارة مصراته من أجل رؤية زميله (أيام الدراسة بسرت)" محمد خليل أبو زعكوك" لمجرّد أن يراه ويمضي الأمسية معه .. كما قام بزيارته مرّة ثانية في عام 1959 ليطلعه على "العمل" الذي كان بدأه في سبها, ومن مصراته ذهب إلى طرابلس.[21] 

·    فور شروع السلطات في فزان في بدايات شهر أغسطس 1961 بإلقاء القبض على عناصر حزب البعث، توجّه الطالب معمر إلى بلدة (هون) ومنها إلى طرابلس حيث أمضي فيها بعض الوقت حتى "تهدأ العاصفة". 

·        قام الطالب معمر خلال السنوات نفسها بالذهاب إلى مدن الزاوية وزليطن والخمس وجنزور لكي يؤسّس العمل الذي بدأه في سبها. 

فإذا صحّ أن القذافي قام بهذه السفرات كلها، ونحن لا نشكك في ذلك، فكيف أمكن له تدبير نفقات السفر والإقامة، وهو كما أشرنا الطالب المعدّم الذي يقيم في القسم الداخلي أو مع والدته وأخواته الثلاث بمدينة سبها؟ وهو الذي فضلاً عن ذلك لا يقبل الهدية ولا يحبْ أن يقترض من أحد؟ 

حاول القذافي خلال الندوة التي عقدت في 3/3/1977[22]أن يجيب على هذا التساؤل بقوله: 

"الحقيقة كان من الصعب على أي طالبِ في ذلك الوقت أن يسافر ويتنقل بهذا الشكل.. ولكن الذي كان يساعدني في ذلك هو محمد التبو.. وكان موظفاً في وزارة الزراعة في ذلك الوقت[23] . وكان صهره [لم يذكر اسمه] عنده سيارة يذهب بها إلى طرابلس، وكان يأخذني معه في السيارة، ويساعدني في الذهاب والعودة.. وكان محمد [التبو] يرسل إلينا نقوداً في مصراته.. وفي مرّة أرسل لي خمسة جنيهات والخمسة جنيهات كانت تساوي في ذلك الوقت خمسين جنيهاً.."[24] 

قد يكون ما قاله القذافي صحيحاً.. ولكنه يظل غير كافٍ. 

فمن الواضح أنّ الطالب معمر القذافي كان يملك قدراً من المال يغطّي من خلاله نفقات والدته وأخواته الثلاث، كما يغطي من خلاله نفقات سفره وإقامته التي أشرنا إليها. فمن أين كان يأتيه هذا المال؟ وأسرته فقيرة، وهو طالب معدم.. و"الخلية المدنية" المزعومة تتكوّن من طلابِ معدمين أيضاً؟ المصدر الوحيد المتبقي لهذا المال لابدّ أن يكون "الوظيفة السرّية" التي أشار إليها دون قصد في حديثه مساء يوم 3/3/1977 وهي التي حصل بشأنها على شهادة وأوراق من المباحث العامّة بسبها

شهود مغيّبون 

آخر القرائن وليس أقلها أهميّة بالنسبة لهذه المرحلة (سنوات الدراسة بولاية فزان) تتمثل في عددٍ من الشهود الهامّين الذين تعمّد القذافي وأجهزة إعلامه إسقاطهم وعدم دعوتهم للإدلاء بشهادتهم الحيّة حول عددٍ من الوقائع والأحداث المتعلقة بهذه المرحلة والتى كانوا شهوداً مهمين لها وعليها.. من هؤلاء.. 

·    الطالب حسين الشريف : وهو من أكثر أشخاص تلك المرحلة التصاقا بالطالب معمر أبي منيار منذ أيام الدراسة الإعدادية بشهادة القذافي نفسه وشهادة بقية رفاقه؛ كما رأينا فقد كان رفيق الطالب معمر لدى زيارتهما للأستاذين المصريين عفت وشعلان في منزلهما بسبها شتاء عام1958، كما كان زميله في عملية السطو على مكتبة مدرسة سبها المركزية وسرقة بعض كتبها والمثول أمام المحكمة بسبب تلك العملية، كما كان أحد أعضاء "الخلية المدنية" التى زعم القذافي أنه أسسها عام 1959، وقد أشار إليه زملاؤه أنه الوحيد من بينهم الذي كان يملك جهاز مذياع. 

ورغم  ذلك كله، لم يحدث أن جرت دعوته للمشاركة في أية من الندوات واللقاءات التى عقدها العقيد القذافي مع رفاق تلك المرحلة، وتحدّثوا فيها عن وقائعها وأحداثها. وقد كان متوقعاً على الأقل أن يظهر مشاركاً في الندوة التى عقدت في 3/3/1977 بسبها (حيث يقيم الشريف) وهي الندوة التى حضرها وشارك فيها جميع أعضاء "الخلية المدنية" المزعومة.. ولكنّه لم يظهر فيها ولم يشارك، وقد وردت إشارات كثيرة إليه خلالها كان من بينها تلك التى وردت على لسان القذافي نفسه[25]: 

" وكنت (في السنة الثانية الثانوية) أعرف مجموعات كثيرة جداً من كلّ مكان (؟) أعرفهم حقَ المعرفة، ولكن كان هناك واحدٌ معي وكان لصيقاً بي جداً، ولكنه تعب وتعثر بعد ذلك في الدراسة الجامعية.. وهو حسين الشريف.. وهذا كان في السنة [الدراسية] التي كنت أنا فيها". 

فهل يكفي تعثره في الدراسة الجامعية مبرّراً لاختفائه وعدم ظهوره؟ أم أن وراء ذلك الاختفاء وعدم الظهور أسباباً خطيرة كفيلة بتعرية حقيقة القذافي وكشف مزاعمه؟ 

·          الطالب عبد الله سليمان الشامي[26]:  وهو الطالب الذي شارك في مظاهرة مارس  1958بسبها تأييداً للثورة الجزائرية، وقام بالاعتداء خلال المظاهرة على مدير المباحث يومذاك (المبروك عبد السلام عبد الله أمسيك) وشجّ رأسه، وترتب على ذلك أن جرى احتجازه في مركز شرطة سبها لمدّة ثلاثة أيام مع الطالب معمر أبي منيار رغم أنّ الأخير لم يشارك في تلك المظاهرة.. 

فعلى الرغم من أهميّة شهادة هذا الطالب لتدعيم رواية ومزاعم القذافي بشأن اعتقاله بسبب تلك المظاهرة، إلا أن القذافي وأجهزة إعلامه (وكتَبَة تاريخه) تعمّدوا تجاهل شهادته ولم يُدعَ للمشاركة في أيّة من الندوات واللقاءات التي عقدت للحديث عن وقائع تلك المرحلة وتوثيقها..تُرى ما السبب من وراء ذلك؟ 

·          الطالب عبد الرحيم الساعدي : وقد وردت الإشارة اليتيمة إليه على لسان زميل القذافي المدعو "محمد خليل أبو زعكوك" خلال الندوة التلفزيونية التي عقدت بسبها في 3/3/1977.. وجاءت تلك الإشارة على النحو التالي: 

"الأخ معمر عندما جاء إلى سبها في عام 1956 انقطع الاتصال بيني وبينه سنة 1957، ولكن في سنة1958 التقيت مع عبد الرحيم الساعدي، وسألته يا عبد الرحيم أين معمر؟ فقال لي إنّ معمر في الجديد [يقصد مدرسة الجديد الإعدادية بسبها].."

ويفهم من هذه الإشارة الوحيدة إلى المدعو عبد الرحيم الساعدي، كما يبدو من اسمه أنّه قد يكون أحد أبناء عم معمر المدعو الساعدي، الذي يعتزْ به العقيد القذافي كثيراً لدرجة أنَه أطلق اسمه على إحدى كتائب الأمن المهمّة وعلى أحد أبنائه. 

والأمر اللافت للنظر هو عدم ظهور اسم هذا الطالب "عبد الرحيم الساعدي"[27] مرّة ثانية في أيّة مناسبة أخري، ولم تجر دعوته للمشاركة في أىّ برنامج من البرامج التى نظّمتها وسائل إعلام النظام لتوثيق مسيرة الطالب معمر النضالية.. 

·       الأستاذ السنوسي النجار:  وهو مدير مدرسة مصراته الثانوية التى انتقل إليها الطالب معمر أبومنيار بعد أن جري طرده من الدراسة بسبها.

وعلى الرغم من أنّ القذافي وصفه بأنه طيب، وحسن النيّة وجري تكريمه في عام 1989، إلا أنه لم تجر دعوته للمشاركة بإدلاء شهادته حول الأحداث والوقائع التي عاصرها وكان طرفاً فيها والمتعلقة بملابسات وأسباب قيده بالدراسة في مصراته رغم طرده من سبها؟ 

لعلّ الأسباب وراء ذلك تكمن في أنه سوف يدلي بحقائق من شأنها أن تعرّى حقيقة الطالب معمر أبي منيار وحقيقة ارتباطه بالأجهزة الأمنية السرية؟ وربّما كان سيكشف السرّ حول ما إذا كان قد تلقي تعليمات من أيّة "جهة" بقبول قيد الطالب معمر في مدرسته رغم طرده من مدارس فزان.. ربّما كان سيكشف ما اطلعت عيناه عليه من الأوراق التي قدّمها إليه معمر والمتعلّقة بالوظيفة.. ربما.. كان سيقول أنها وظيفة بصّاص.. مخبر سرّي لدى المباحث العامّة[28].. 

إذن فنحن نميل إلى الاعتقاد بأنّ مجرّد قيام العقيد القذافي وأجهزته بحجب هؤلاء الشهود ..أو حتى مجرد عدم دعوتهم للمشاركة للإدلاء بشهادتهم يشكِّل في حدّ ذاته - في ضوء ما ذكرنا – قرينة إضافية هامّة على ارتباط الطالب معمر ابي منيار بالعمل لدى جهاز المباحث العامّة في سبها، أو يشكّل على الأقلّ دليلاً على عدم صحّة كثير من مزاعمه بشأن تلك المرحلة.


[1]   راجع الصفحة (533) من المجلد المذكور.

[2]  راجع على سبيل المثال الحلقة الثالثة عشر من " قصة الثورة " التي رواها القذافي يوم 3/2/1973 ونشرت بالمجلد الثامن من السجل القومي. الصفحات (125-126)، وراجع ايضاً ما نشرته صحيفة "الفجر الجديد" الرسمية على لسان القذافي يوم 4/10/1977.

[3]  راجع العدد (227) الصادر يوم 7/10/1977م.

[4]   راجع العدد (1592) الصادر يوم 8/10/1977م. راجع أيضاً السجل القومي/ المجلد التاسع، الصفحات (177-182).

[5]   السجل القومي المجلد السنوى التاسع صفحة (176)

[6]    لم يتناول القذافي هذا الموضوع في أى من أحاديثه الكثيرة عن تاريخ نضاله المزعوم.

[7]   يبدو أن القذافي قد استقر أخيراً برأيه على أن هذا التاريخ هو 25 أكتوبر 1961 وليس 29 منه كما ردّد عدّة مرّات في السابق، وقد وردت آخر إشارة بهذا الخصوص في الصفحة (140) من كتاب "القذافي رحلة 4000 يوم من العمل السرّي" (من اصدارات شعبة التقيف- ملتقي رفاق القائد 1999م).

[8]   في الواقع، إن المتابع للأقوال المتعلّقة بأحداث تلك الليلة (المنسوبة إلى رجال المباحث أو أسرة معمر في سبها أو الحاج حامد وحيدة سكرتير والى فزان) الورادة في الندوة التى عقدها النظام مساء يوم 5/10/1977 ونشرها في المجلد التاسع من السجل القومي (الصفحات 135-195) يجد أنّها جميعاً تعطى الانطباع بأنّ الإشارات إلى الطالب معمر كانت كما لو أنّه أحد رجال المباحث العامّة وليس شخصاً غريباً عنهم أو خصماً لهم، وأنّ البحث عنه تمّ عن طريق رجال المباحث وبواسطتهم على اعتبار أنّه واحد منهم وليس مطلوباً أو ملاحقاً من قبلهم.

[9]   انظر السجل القومي / المجلد الثامن. الصفحات (121-134).

[10]   استبدل مؤلفو كتاب "القذافي: 4000 يوم من العمل السري" عبارة "مزخرفة" كما وردت في السجل القومي (المجلد الثامن. الصفحة 133) بعبارة "ممزّقة" (الصفحة 160 من الكتاب الجديد).

[11]   كما استبدل مؤلفو الكتاب المذكور عبارة "القسم العلمي" بعبارة "القسم الأدبي" (الصفحة 140 من الكتاب) والفرق بين الاثنين كبير

[12]    كان من بين الذين شاركوا في هذا اللقاء بالإضافة إلى العقيد القذافي كلّ من الرائد عبد السلام جلود ومحمد بالقاسم الزوي ومحمد خليل أبو زعكوك والهادي فضل وإبراهيم ابجاد وعلي ناجم ومحمد عقيلة، كما أدار اللقاء المذيع محمد التواني، وقد نشر هذا اللقاء في المجلد الثامن من السجل القومي تحت عنوان "حديث الذكريات – قصة الخلية الأولي- لقاء الثوار". الصفحات (491-571).

[13]   هذه الإدارة تتبع جهاز المباحث العامّة.. ويبدو أنّها إدارة أخري غير تلك التي كان معمر يعمل فيها!!

[14]   الصفحات (554-555) من المجلد الثامن من السجل القومي.

[15]   ربّما لأنهم فعلاً يعرفون الحقيقة بشأنها، وهي حقيقة لم يرغبوا بفضحها على  الملأ..

[16]   لم يعد العقيد القذافي بالطبع إلى هذا الموضوع مرّة أخري في سائر لقاءاته وأحاديثة التالية.

[17]   لا نشك أنّ اعتراف القذافي بهذه الحقيقة المفجعة هو الذى جعل الموظّف المكلّف بتفريغ نصّ المقابلة المذكورة (كانت مذاعة بالإذاعتين المرئية والمسموعة) لنشرها في السجل القومي يقوم بوضع علامتْي تعجب (!!) بعد عبارات "حاجات خاصة بالوظيفة وليست خاصة بالمدرسة!!".

[18]   ورد قوله هذا خلال الندوة التي عقدت في مدينة سبها يوم 5/10/1977. راجع السجل القومي/ المجلد التاسع "الصفحات (151 -152).

[19]   تجدر الاشارة إلى أنّ قريب القذافي المدعو مفتاح على السبيع قد زعم في المقابلة التى أجرتها معه مؤلّفة كتاب "القذافي رسول الصحراء" أنّ القذافي رفض قبول الوظائف التى عرضت عليه للعمل بشركة البترول، كما أوردت المؤلفة ذاتها أنّ القذافي منع والده من أخذ المكافأة الشهرية التي كان العهد الملكي يعطيها للمجاهدين القدماء " راجع الخطاب الذي القاه القذافي يوم 4/9/1970 بالمدينة الرياضية ببنغازي.

[20]   نسبت مؤلّفة كتاب "القذافي رسول الصحراء" إلى زميل القذافي  الريفي علي الشريف قوله (الصفحة 52)" حين نضرب عن الطعام احتجاجاً على السلطة.. كان (معمر ) يهرب في الليل (من القسم الداخلي) ويأتينا بالطعام من بيتهم..".

[21]   " جانب من قصة الثورة الليبية". مرجع سابق" الصفحة (56).

[22]   سلفت الإشارة إليها أكثر من مرّة.

[23]   تجدر الإشارة إلى أن محمد علي التبو (الذي أصبح بعد الانقلاب وزيراً للزراعة لعدّة سنوات) لم  يكن عضواً في التنظيم المدني الذي زعم القذافي أنّع أسّسه في عام 1959، بل كان عضواً في حزب البعث العربي وقد جرى اعتقاله يوم4/8/1961 ضمن عشرات البعثيين الذين جرى اعتقالهم آنذاك. والواقع أنه لا يتصوّر أن يقوم التبو بتقديم المال للطالب معمر ما لم يكن الأخير- على الأقل- متظاهراً بأنّه من أعضاء حزب البعث وعلى صلة بالبعثيين، وإذا كان الأمر كذلك فلِمَ لم يجرِ اعتقال الطالب معمر ضمن بقية البعثيين الذين جرى اعتقالهم في أغسطس 1961؟ ولا يتصوّر ، من جهة أخرى، أن التبو قام بعد اعتقاله في 4/8/1961 بإرسال نقود إلى القذافي في مصراته حيث أنه لم يصلها إلا بعد أكتوبر 1961!!.

[24]   السجل القومي/المجلد الثامن " الصفحة (546).

[25]   راجع السجل القومى/المجلد الثامن. الصفحة (497).

[26]    ذكر خلال الندوة التلفزيونية التى بثتّها فضائيته في أواخر شهر أغسطس 1999 أنّ الطالب عبد الله الشامي قد توفّي، ولكنّ الوفاة على ما نعلم لم تحدث إلا مؤخراً، ومن المؤكّد أنه كان حياً يرزق عندما عقدت معظم تلك الندوات واللقاءات.

[27]   يعتقد البعض أنّ هذا الشخص هو ابن عم الطالب معمر الذي كان كثير الشبه به، وكانت أمّه يهودية. ولقد سبّب هذا التشابه بينه وبين معمر إحراجاً كبيراً للأخير بين زملائه إلى أن مات الأول.(روى القذافي قصة هذا القريب لكلّ من أحمد صدقي الدجّاني وإبراهيم الغويل أثناء المقابلة الصحفية التى أجرياها معه ونشرت في البلاغ الليبية وصحيفة كل شئ اللبنانية يوم 1/9/1973، ثُم طلب القذافي من الصحفيين إسقاط القصة وعدم نشرها عندما عرضا عليه نصّ المقابلة لمراجعته قبل نشره).

[28]  علمت من احد الاصدقاء أن النظام استضاف الاستاذ النجار في إحدى حلقات برنامج " شهادات للتاريخ " ومن   المهم الاطلاع على ما جاء في تلك الشهادة رغم أنه لا يخفى ما يمارسه القذافي وعملاؤه من ضغوط على الذين يستضافون للأدلاء بشهاداتهم في ذلك البرنامج وبخاصة أن الاستاذ النجار كان في سن متقدمة جداً.


الحلقة الأولى   الحلقة الثانية   الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة   الحلقة السادسة

إضغط هنا للأطلاع على الجزء الثاني
Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home