Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد المقريف


د. محمد المقريف

الأحد، 22 يونيو 2008

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

أهـداف الحراك السياسي وحدوده كما يرسمها القذافي
(1 من 2)

د. محمد المقريف

يطلق مصطلح " الحراك السياسي" عادة على صور التفاعل والتنافس والتدافع والنشاط السياسي السلمي بين مختلف القوي والتجمعات والتكتلات السياسية في بلد ما ، سواء ما كان من هذه القوى داخل الحكم وفي السلطة وما كان منها في المعارضة وخارج السلطة والحكم . ويأخذ الحراك السياسي المقصود هنا صور السجال والحوار في وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقرؤة وداخل قاعات البرلمان ومن فوق منابره وأثناء الحملات الانتخابية وخلال المظاهرات الاحتجاجية وغيرها من مظاهر التعبير العامة بالطرق السلمية. والحراك السياسي المقصود هنا هو ذلك الذي يكون حراً وعفويا وإراديا في إطار من الحماية الدستورية ووفقا لقواعد اللعبة السياسية كما أقرّتها كافة الاطراف السياسية من أحزاب وتكتلات سياسية ومؤسسات ومنظمات المجتمع المدني في البلد المعني.

فالحراك السياسي بالمفهوم المتعارف عليه يفترض:

1. وجود نظام سياسي تحكمه قواعد دستورية واضحة ومستقرة تميز بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وتتبنى قيم ومفاهيم الديمقراطية وتداول السلطة وتكفل كافة الحقوق والحريات الاساسية لجميع المواطنين وفي مقدمتها حرية اعتناق الافكار والتعبير عنها وحق المشاركة السياسية وتشكيل الاحزاب والتنظيمات السياسية.

2. وجود أطراف سياسية وشخصيات وأحزاب وتكتلات ومؤسسات مجتمع مدني تشارك في العملية السياسية بكافة جوانبها ومقتضياتها وهي تملك كامل الحرية في التصرف وفي التعبير عن اختياراتها وفقا لأحكام الدستور والقانون وبما لا يتعارض مع المصلحة العليا للدولة .

3. وجود القضاءالمستقل النزيه الذي تستطيع كافة الاطراف السياسية أن تلجأ اليه للفصل في أي نزاعات تقوم بينها سواء أكانت داخل الحكم او خارجه.

وليس من قبيل التجنى وعدم الانصاف القول بأن الدولة الليبية منذ أن جثم على صدرها انقلابيو سبتمبر في عام 1969 لم تعرف أي " حراك سياسي " بالمعنى السابق والصحيح للكلمة لسبب بسيط هو أن الانقلابيين هدموا النظام الدستوري والسياسي الذي كان قائماً في ظل دستور 1951 وأقاموا بديلا عنه نظاماً " فوضوياً قمعياً" يقوم على فكرة " الشرعية الثورية " المناقضة لفكرة الدستور والشرعية الدستورية ، كما يقوم على جملة من الافكار والشعارات الاستبدادية القمعية التى لا تعترف بالرأي الاخر وتقسّم المجتمع الى فئتين ، الأولى مع الثورة ومستفيدة منها والأخرى متضررة من الثورة وعدوة لها بل وتذهب الى حد رفع شعار " التصفية الجسدية هي الصورة النهائية في جدل الثورة مع أعدائها " . كما أن هؤلاء الانقلابيين حرّموا قيام أي نشاط او حراك سياسي إلا من داخل الأطر والهياكل التى ابتدعوها ( الاتحاد الاشتراكي العربي ثم اللجان والمؤتمرات الشعبية ) وحتى هذه الأطر والهياكل ظلت خاضعة خضوعاً كاملا لقبضة رأس النظام الحديدية عبر أجهزته الأمنية ولجانه الثورية ومن ثم فلم تشهد أي حراك سياسي بأي معنى من معاني الكلمة .

* * *

كان طبيعيا في ظل هذه التوجهات الفردية الإقصائية من قبل النظام الانقلابي أن نجده ينظر إلى أي نشاط أو تحرك سياسي يقوم به أي مواطن ليبي – بمفرده أو مع غيره – من أجل التعبير عن أي رأي مخالف أو حتى من أجل إسداء النصح اليه على أنه عمل معاد ومناوئ للثورة يستوجب الملاحقة والقمع وحتى السحق وعلى الأقل الطرد والإقصاء وهو ما حدث خلال السنوات الأولى للانقلاب لأعداد من الطلاب وأعضاء هيئة التدريس الجامعي والمثقفين والصحافيين وعلماء الدين والتكنوقراط وحتى عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة والوزراء والعسكريين وبعض الهيئات الرسمية كديوان المحاسبة وإدارة الفتوى والتشريع وغير الرسمية كنقابة المحامين .

ومع تعاظم قبضة النظام – الذي اصبح متجسداً بشكل كامل في شخص العقيد القذافي - وسيطرته الكلية على كافة منابر وأدوات التعبير الحر وعلى النظام القضائي وأجهزته ، وتغوّل الاجهزة الامنية والعناصر الثورية في ممارساتها القمعية الإرهابية ، وانسداد كافة السبل أمام الساعين لإصلاح النظام من داخله أو خارجه بالأساليب السلمية وعبر حراك سياسي حر، كان طبيعيا وطبيعيا جداً أن تتجه جهود القوى الوطنية الليبية – ومن منطلق الحرص على الوطن ومصالحه العليا ووحدته الوطنية – إلى استخدام أساليب تتجاوز النقد والنصح إلى كافة صور العمل الإيجابي الممكنة والمتاحة بما فيها استعمال " القوة " من أجل وضع نهاية عملية للنظام الانقلابي وتوجّهاته وممارساته .

وفي هذا السياق وقعت جملة من المحاولات العسكرية للإطاحة بالنظام الانقلابي اشهرها وأخطرها محاولة أغسطس 1975 التى أتهم بالاشتراك فيها أربعة من أعضاء مجلس قيادة الثورة وما لا يقل عن 17 ضابطاً من أعضاء تنظيم "الضباط الوحدويين الأحرار"، كما كان من أشهر هذه المحاولات :

• المحاولة التى استهدفت ضرب المنصة التى كان القذافي يخطب من فوقها بميدان السراي الحمراء بطرابلس يوم 11/06/1975 بصاروخ من طائرة عسكرية ليبية أثناء إحدى احتفالات النظام.

• المحاولة العسكرية التى قادها النقيب إدريس الشهيبي ( أحد ضباط التنظيم ومن المقربين جداً للقذافي) ، خلال الأسبوع الأول من شهر أغسطس 1980.

• المحاولةالانقلابية التى نسبت إلى عناصر عسكرية ومدنية من قبيلة المقارحة ( صيف عام 1981 )

• المحاولة التى استهدفت طائرة القذافي أثناء عودته من زيارة الى الاتحاد السوفيتي عام 1982.

• المحاولةالتى ارتبطت بإسم العقيد ميلود الرحيبي نائب القائد العام للمقاومة الشعبية ( عام 1983 ).

أما بالنسبة للقطاعات المدنية من الشعب الليبي التى اتسمت ردة فعلها الأولي الرافضة لتوجّهات النظام بالطابع السلمي والمطلبي ( حرية العمل الطلابي والنقابي وحرية الصحافة والتعبير ووضع دستور دائم للبلاد )، فقد وجدت هي الاخرى نفسها في ظل تعاظم توجهات النظام القمعية مضطرة إلى اللجوء لاستخدام أساليب جديدة تميل إلى "العنف والقوة " في مواجهة النظام وأجهزته الأمنية ولجانه الثورية. وفي هذا الصدد يمكن الاشارة الى :

1. الانتفاضة الطلابية التى شهدتها ساحات الجامعة الليبية في مدن بنغازي وطرابلس ( يناير – أبريل 1976 ).

2. المحاولة الفدائية التى اشترك فيها عدد من الطلاب والعسكريين واستهدفت حياة القذافي أثناء زيارته لأحد الاسواق العامة بمدينة بنغازي وعرفت بمحاولة " سوق الرويصات " ( ديسمبر 1980 ).

3. قيام مجموعة من الشباب الليبي ( مدنيين وعسكريين ) خلال شهر يولية 1986 باغتيال أحد عناصر اللجان الثورية الخطرة ( المدعو أحمد مصباح الورفلي ). وكانت هذه العملية هي الأولي من نوعها تقوم بها عناصر معارضة بحق أحد عناصر النظام .

* * *

ومن جهة اخرى فقد أسهم استمرار النظام في ممارساته القمعية وقيامه بتشكيل اللجان الثورية واندفاعه على طريق العنف الداخلي البالغ في الهمجية والقسوة وقيامه بتنفيذ الإعدامات العلنية في عدد من المدنيين والعسكريين خلال الاسبوع الاول من شهر ابريل 1977 إلى انطلاق ما عرف فيما بعد بفصائل وتنظيمات المعارضة الليبية في الخارج .

ومما تجدر الإشارة إليه والتأكيد عليه أن جميع هذه الفصائل والتنظيمات التى اخذت تتشكل في الخارج منذ عام 1979 . أجمعت في وثائق تأسيسها على ضرورة " إسقاط النظام الانقلابي" و "الإطاحة به " و " إنهائه " كمدخل لا غنى عنه من أجل انقاذ ليبيا والأخذ بها على طريق الحكم الرشيد والإصلاح الحقيقي.

وشهد عقد الثمانينات من القرن الماضي تنامي وتعاظم جهود فصائل وتنظيمات المعارضة خارج ليبيا في مقاومة النظام وفي تعريته أمام العالم ، بل في نقل المعركة معه إلى مكانها الطبيعي داخل ليبيا من خلال العملية الفدائية البطولية التى قادها الشهيد أحمد إبراهيم احواس مع كوكبة من فدائيي الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في مايو من عام 1984 . كما تجسدت هذه المقاومة في قيام ثلاث مجموعات من ضباط سلاح الطيران الليبي باللجوء بطائراتهم العسكرية الى مصر خلال عامي 1987 -1988 كما تجسدت ايضاً في مشروع " الجيش الوطني الليبي " الذي أسسته الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا فوق الأراضى التشادية وكان قوامه فدائيو الجبهة وعدد كبير من ضباط وجنود الجيش الليبي الذين كانوا قد وقعوا في الأسر خلال المعارك التى جرت خلال العامين 1986-1987 مع القوات التشادية .

* * *

لا يوجد شك في أن النظام الانقلابي حقق عددا من " النجاحات " في مواجهة المعارضة الليبية بالخارج حيث استطاع في ظل " سياسة التحييد " التى انتهجها منذ عام 1983 تجاه الدول العربية التى كانت تتعاطف مع هذه المعارضة وتقدم لها بعض صور الدعم، وفي ظل شعار " تنقية الاجواء العربية " الذي ساد علاقةالأقطار العربية منذ عام 1987 ومنذ عودة العلاقات مع مصر في عام 1989. لقد استطاع النظام في ظل هذه الأوضاع أن يُفقد فصائل المعارضة الليبية جلّ المواقع التى كانت تنطلق منها عربيا في مقارعتها له .

وعلى الرغم من ذلك فقد ظلت هذه المعارضة تشكل للنظام الانقلابي كابوسا مخيفاً وهاجساً مؤرقاً وبخاصة في ضوء ما أصبحت تتمتع به من تعاطف مع الداخل وفي ضوء الهزائم العسكرية التى مني بها في تشاد وظهور مشروع الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا العسكري في تشاد. ومظاهر الفشل التى أخذت تطبع كافة سياساته الاقتصادية والمالية والاجتماعية ومجئ الرئيس السوفياتي خورباتشوف الى السلطة في الاتحاد السوفييتي.

ومن ثم لم يكتف النظام بأساليب البطش والفتك التى دأب على استعمالها مع كل ما ينتمي وينتسب الى المعارضة الخارجية داخل ليييا والملاحقة والاغتيال في الخارج فنجده اخذ ينتهج أسلوبا جديداً في تعامله معها يقوم على المناورة والخداع من خلال الاستعداد للقاء والحوار مع بعض رموز المعارضة في الخارج. ومن المفارقات العجيبة أنه بينما كان العقيد القذافي يلتقي شخصيا في العاصمة الجزائرية أواخر شهر يولية 1987 بعنصرين من العناصر القيادية في المعارضة الخارجية هما الرائد عبدالمنعم الهوني والدكتور محمود سليمان المغربي كان عملاؤه قد نفذوا إحدى جرائمه بإغتيال أحد رموز هذه المعارضة ( الشهيد يوسف صالح خربيش ) في العاصمة الايطالية روما. وقد ترتب على هذا اللقاء الذي شهدته الجزائر استقالة الدكتور المغربي من موقعه القيادي في التجمع الوطني الديمقراطي الليبي والعودة الى ليبيا.

كما شهد شهر مارس 1988 قيام النظام الانقلابي بالاعلان عما أطلق عليه " انفراجات مارس " التى قام بموجبها بإطلاق سراح عدد من المعتقلين السياسيين والسماح لأعداد من الليبيين بالسفر الى الخارج ودعوة المعارضين الليبيين في الخارج بالعوة إلى البلاد وهو الأمر الذي ترتب عليه عودة أعداد منهم إلى ليبيـا. ولم تكن تلك العودة مشروطة بإجراء أي إصلاحات داخلية عدا تلك التي ادعى النظام القيام بها بمبادرة منه غلب عليها الطابع المسرحي كإصدار ما أطلق عليه الوثيقة الخضراء لحقوق الانسان الجماهيري في يونية 1988. ولم يتجاوز ما حققه هؤلاء العائدون سوي الأمان على حياتهم مع الحصول على بعض المنافع المادية والمكاسب الوظيفية والمالية.

وعلى الرغم من عودة هذه الأعداد من " المعارضين " إلى البلاد إلا أن غالبية العناصر التى كانت تشكل الجسم الرئيسي في المعارضة بالخارج ظلت على موقفها الثابت من النظام وهو ما شكل مع ظهور المعارضة الاسلامية في الداخل (منذ مارس 1989 ) وتمكّن الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا من نقل قواتها من منطقة الخطر في تشاد إثر سقوط نظام الرئيس هبري بها ( أواخر 1990 ) وتمكن الجبهة من عقد مجلسها الوطني الثالث ( أبريل 1992 ) بدالاس في الولايات المتحدة ، وتصادف كل ذلك مع فرض العقوبات الدولية على النظام بسبب حادثتي تفجير الطائرتين الامريكية ( ديسمبر 1988 ) والفرنسية ( سبتمبر 1989 )، لقد شكل ذلك هواجس كبيرة لرأس النظام ومخاوف لا حدود لها من إمكانية أن تلعب المعارضة بالخارج دوراً قياديا في الإطاحة به .

ومرة أخرى لم يكتف النظام بالضغط على الحكومة المصرية كي تسلمه اثنين من قيادات الجبهة ( جاب الله حامد مطر وعزات يوسف المقريف ) اللذين كانا مقيمين بمصر حتى شهر مارس 1990، بل سعى في الوقت ذاته إلى ترويج فكرة أن النظام يسعى الى تأليف " حكومة إصلاح وطني " سوف يعهد برئاستها إلى "المعارض" الرائد عبدالمنعم الهوني كما ستضم في تشكيلتها بعض رموز المعارضة في الخارج من مدنيين وعسكريين . وقد عهد النظام بترويج هذه الفكرة الى المدعو أحمد قذاف الدم ، ومن المفارقات العجيبة أيضاً أن هذا الشخص ذاته هو الذي تولى نقل الاخوين مطر والمقريف على متن طائرة خاصة الى ليبيـا حيث اودعا السجن ولم يعرف أي شئ عن مصيرهما.

لقد قام القذافي نفسه خلال هذه الفترة باللقاء بعدد من رموز المعرضة التى كانت مقيمة في مصر ومن بينها الرائد الهوني . أما قذاف الدم فقد كان مستميتا يومذاك في الترويج لمشروع ابن عمه ومحذرا من تعرض ليبيا لأخطار خارجية داهمة تهدد وحدة التراب الليبي كما تحذر من مجئ الرائد عبدالسلام جلود الى السلطة بديلاً للقذافي ، ولم يتردد قذاف الدم في الاتصال الهاتفي الشخصي ببعض عناصر المعارضة الرئيسية يدعوها إلى عدم المشاركة كضيوف في الدورة الثالثة للمجلس الوطني للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا الذي كانت الجبهة تعد العدة لعقده بالولايات المتحدة الامريكية ( ابريل 1992 ).

وفي هذه الاثناء انعقد في جنيف خلال شهر نوفمبر من عام 1992 تحت اسم "المؤتمر العام للقوى الوطنية الديمقراطية " شارك فيه ممثلون لخمس تنظيمات وإثنا عشر شخصية مستقلة وقد اسفر المؤتمر عن اختيار هيئة للتنسيق الوطني برئاسة الرائد عبدالمنعم الهوني وعزالدين الغدامسي اللذين كانا على صلة وثيقة بأحمد قذاف الدم ومشروع ابن عمه الخاص بتشكيل حكومة " للإصلاح الوطني " برئاسة الهوني كما ذكرنا. كما كان الغدامسي قد قام بزيارة الى ليبيا بهذا الصدد.

ولعل من أهم ما يلفت النظر بشأن أعمال هذا المؤتمر هو تقديم ورقة اليه بإسم " ورقة الموقعين " كان من بين المقترحات الواردة فيها بقاء القذافي رئيساً روحياً ورمزاً لكل الليبيين.

وبالتزامن مع النشاط المحموم للنظام ولمروجي أفكاره في اوساط المعارضة ظهرت أصوات في داخل الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا (قبيل عقد مؤتمر دالاس أبريل 1992 وبعده) تدعو الى إسقاط " مطلب الإطاحة بالنظام " كهدف من الاهداف الاستراتيجية الأساسية التي وردت بالبيان التأسيسي للجبهة ، كما جرى توزيع " ورقة " بين أعضائها كان من بين ما دعت إليه :

" أن تُعنى الجبهة بالتركيز على استثمار وتوظيف الطاقات داخل الوطن وخارجه في مختلف قطاعات وفئات الشعب لبلورة تصور مشترك لحل القضية الليبية ، بما يجسد الارادة الوطنية في التغيير والحد الممكن من طموحاتنا وأحلامنا حول مستقبل بلادنا "

ومن الوقائع ذات الدلالة الهامة والجديرة بالإشارة إليها في هذا السياق أنه في خضم حماس بعض الأطراف المعارضة في الخارج لمشروع " حكومة الإصلاح الوطني " قام القذافي بإصدار أوامره الى ابن عمه أحمد قذاف الدم "عرّاب المشروع المذكور " بالالتحاق بمقر عمله الجديد بكتيبة الامن بطبرق وهو ما أسقط في يد هذه الاطراف وجعلها تصاب بخيبة أمل في النظام ومشاريعه الاصلاحية المزعومة. غير أنها لم تكن خيبة الامل الأخيرة . ومما تجدر الإشارة إليه أيضا أن هذه المناورة من النظام أسفرت عن أمرين خطيرين في مسيرة المعارضة الخارجية أولهما حدوث انشقاق خطير في الجبهة الوطنية لأنقاذ ليبيا كانت له تداعياته السلبية على حركة أكتوبر / بني وليد 1993 وثانيهما قيام عملاء النظام بإختطاف الأستاذ منصور رشيد الكيخيا أثناء وجوده بالقاهرة في أوائل ديسمبر 1993.

وعلى الرغم من ظهور المقاومة المسلحة للنظام في الداخل منذ منتصف عام 1995 على يد رجال " الجماعة الاسلامية المقاتلة " وغيرها من المجموعات إلا أنه يمكن القول عموماً بأن المعارضة الخارجية عاشت حالة من التراجع والارتباك بسبب الظروف والأوضاع الإقليمية والدولية المتقلبة، كما تكرست هذه الحالة بعودة عدد من رموز المعارضة التى رفعت شعارات الإصلاح والمصالحة مع النظام وبظهور أصوات بالخارج عبر مواقع الانترنت تجاهر بالدعوة للحوار والمصالحة مع النظام. ثم جاءت احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بتداعياتها وإرباكاتها الدولية والإقليمية لتزيد من حالة الإرتباك والتراجع لدي المعارضة الليبية وبخاصة أمام ما بدا من نجاح القذافي في تجاوز التأثيرات السلبية لتلك الاحداث على نظامه من خلال " الانبطاحات " التى قدمها و اظهاره الاستعداد لتقديم المزيد منها.

* * *

وفي هذه الاجواء كان ظهور سيف إبن القذافي الذي يبدو أن والده قرر استخدامه لمتابعة مناوراته السابقة ( حول الإصلاح المزعوم ) مع من بقى من فصائل وشخصيات المعارضة في الخارج فهذا الابن اكثر تأهيلاً وأكثر " جاذبية " للتعامل معها من أحمد قذاف الدم وعبدالله السنوسي وغيرهم من الذين تولوا هذه المهمة في الماضي. كما أن هذا الابن بمقدوره أن يتنصل من " الوعود الكاذبة " التي سبق أن قدمها لهؤلاء بشأن " الاصلاح " كما أنه باستطاعته أن يدعى أنه يتكلم بإسم والده ويعبر نيابة عنه أكثر من غيره.

كانت بداية سيف مع " جمعية القذافي الخيرية " حيث جرى تجميع بعض "الوجوه " حوله من التى كانت محسوبة على المعارضة بالخارج بل والتى سبق أن دخلت السجن السياسي حيث تعاملت هذه الجمعية بشكل " انتقائي " وغير شامل مع بعض ملفات انتهاكات حقوق الانسان الليبي على امتداد السنوات. كانت هذه الخطوة هي المدخل لفتح الباب أمام الابن للإتصال ببعض العناصر التى بقيت محسوبة على المعارضة في الخارج برعاية غير معلنة من موسى كوسة رئيس جهاز مخابرات النظام الذي كان قد نجح في مد جسور الاتصال بهذه العناصر. كما حرص القذافي من أجل انجاح مهمة ابنه مع المعارضة في الخارج أن يشيع بأنه يواجه معارضة شديدة بشأن توجهاته الاصلاحية ممن أسماهم أحياناً "بالحرس القديم " و " المعوقين والمثبطين " من العناصر الثورية (رغم ان الكل يعلم بأن العناصر جميعها هي صنيعة القذافي وبمقدوره إنهاء دورها من مسرح الأحداث بجرة قلم أو خطاب منه ). ومن أجل إقناع وخداع العناصر المعارضة التى التقى بها سيف بصدق توجهاته الاصلاحية فقد طلب منها التعبير عن رؤاها ومطالبها الاصلاحية في مذكرات تقدم اليه بشكل عاجل ناصحاً هذه العناصر ، من أجل مساعدته في إنجاح مهمته الإصلاحية ، أن تكون مطالبها متواضعة إلى حد ما وأن تكون ذات سقف منخفض. ( وهو ما حدث فعلاً وقد عرف بعض هذه المذكرات النور وظل بعضها الاخر حبيس ادراج أصحابها ).

غير انه كما هو معروف وكما هو متوقع فقد كانت حركة سيف مع المعارضة في الخارج رهينة مزاج القذافي وتوجيهاته له والتى كانت بدورها مرتبطة بما يتلقاه من إشارات حول درجة رضى الإدارة الأمريكية عنه واستعدادها لتطبيع علاقتها به. فكلما تلقى القذافي من الإدارة الأمريكية ما يوحي له ويطمئنه إلى سير علاقته معها في اتجاه التطبيع والتحسن كلما انصرف عن الاهتمام بمواصلة مناوراته مع عناصر المعارضة بالخارج واتسمت علاقة ابنه بهذه العناصر – بناء على تعليماته – بالتراخي أو بالإهمال ، بل لم يتردد هذا الابن حتى في إطلاق التصريحات العلنية التى تفيد تراجعه عما سبق أن أطلقه من وعود بالاصلاح (راجع سلوك القذافي وابنه في أعقاب زيارة الوفد الامريكي لليبيا في مطلع شهر مارس 2004 ). وفي الوقت ذاته فلم يتردد القذافي ونجله في إظهار الاهتمام بعناصر المعارضة الخارجية وتجديد الاتصالات واللقاءات معها كلما أحس بأن الفتور والعطب أصاب علاقته بالولايات المتحدة ، ولا يوجد شك في أنه مما أغرى القذافي وابنه بتكرار هذا النهج ومعاودته مع العناصر المذكورة ما عرف عن هذه العناصر من "سعة صدر" و "تسامح" و "تغليب لحسن الظن" و "استعداد دائم" للقاء مجدداً مع هذا الابن رغم ما يظهره لها من "تجاهل واهمال" وما يصدر عنه بين الفينة والاخرى من "تصريحات مخيبة للأمل" .


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home