Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد المقريف


د. محمد المقريف

الثلاثاء 21 ديسمبر 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية

القذافي وفكرة "الحق".. والرأي الآخر  (1)

 

د. محمد يوسف المقريف

 

 

"إنّ التركيبة المريضة لشخصية معمر القذافي تجعله لا يضيق فقط بأيّ صوت معارض لصوته، حتى ولو كان صادراً من أحد رفاقه الذين شاركوه الانقلاب، بل تجعله لا يتصوّر إمكان وجود أيّ رأي آخر غير رأيه يدّعي له صاحبه الصواب أو حتى مجرّد احتمال الصحّة والصواب". 

 

جاء على لسان الضابط القذافي في حديث مبكر له مع صحفي ياباني مسلم بتاريخ  8 مايو 1971 ما نصّه:

 

"كنت في طفولتي أتمسّك بكلّ ما كنت أعتقد أنّه الحق"[1].

 

ولا يوجد شكّ في أنّ هناك الملايين من الناس، ليبيّين وغير ليبيّين، الذين يعتقدون هذا الاعتقاد ويدّعون لأنفسهم هذه الصفة .. بل يمكن القول إنّ الأصل في خلق الله الأسوياء أن يكونوا هكذا .. وتحلّي المؤمنين بهذه الصفة هو أمر تدعو الأديان جميعها إليه، وهو سجيّة من السجايا الكريمة ومن مكارم الأخلاق.

 

ولا نشكّ في أنّ هذه الصفة كانت ستُعدّ كذلك حتى عند الضابط معمر القذافي لو أنّه بقي شخصاً عادياً بعيداً عن السلطة .. أو أنّه كان له مفهومه الطبيعي والسويّ والمعقول لفكرة "الحق".

 

فالناس الأسوياء لا يربطون فهمهم للحق ولا مفهومهم له بذواتهم وأشخاصهم وأهوائهم، ولكنّهم يستندون في ذلك إلى مرجعية دينية أو أخلاقية عليا أكبر وأسمى منهم (حتى وهم يستعملون في ذلك فطرتهم وعقولهم وأحاسيسهم الخاصّة). وفضلاً عن ذلك، فإنّ الناس الأسوياء يظلّون يعترفون ببشرية ومحدودية وإمكان خطأ فهمهم وإدراكهم لـ"الحق" في أيّة قضية أو حالة أو أمر، ومن هنا جاء قول أحد علماء الإسلام الأجلاّء: "رأينا صواب ويحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ ويحتمل الصواب".

 

أمّا بالنسبة للحالة التي بين أيدينا، وهي حالة الضابط القذافي، فإنّ "ذاته" و"هواه" هما المرجع وهما الحجّة في تحديد ما هو حقّ وما هو غير ذلك.

 

وحتى لو حدث أن استعمل القذافي مرّة من المرّات، أو في قضية من القضايا، الإسلام كمرجعية في حديثه، فإنّ "فهمه الخاص" للإسلام يظلّ في اعتقاده هو المرجع وهو الأساس ووحده هو الفهم الصحيح ولو خالف بذلك القرآن ذاته أو سنّة رسوله الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم أو خالف اجتهادات علماء الإسلام في تلك المسألة، وليس ذلك فحسب، بل إنّ "صواب وصحّة" هذا الرأي الذي يشطح به الضابط القذافي يظلّ في نظره وفي اعتقاده يحمل صفات الإطلاق والنهائية والدوام.

 

من هنا، وعلى سبيل المثال، نجد أنّ الضابط القذافي عندما يتحدّث عن فهمه للإسلام يصفه بعبارة "التصوّر الإلهي للإسلام"[2] وكأنّه يريد أن يقول إنّ فهم الناس جميعاً (بمن فيهم كافّة العلماء وربّما حتى الأنبياء والرسل) للإسلام هو فهم إنساني قاصر وغير صحيح، أمّا فهمه هو للإسلام فهو الوحيد الصحيح حيث أنّه يعبّر عن هذا الفهم بالتصوّر الإلهي للإسلام أو الإسلام كما أراده الله ولم يفهمه حتى يومذاك سوى القذافي.

 

وبهذا المفهوم لدى القذافي عن تصوّره الذاتي والخاص للحق وما له من صفات الإطلاق والنهائية واللامحدودية في الصواب، أعطى القذافي لنفسه حقّاً لم يعطه الله حتى للأنبياء والرسل الكرام، ولم يعطوه هم لأنفسهم، وهو "أن يُدخلوا الناس إلى الجنّة بالسلاسل"[3] كما يحلو للقذافي أن يردّد حول مهمّته ورسالته في الحياة وفي الحكم.

 

وانطلاقاً من هذا المفهوم "الذاتي" عند القذافي لفكرة "الحق" نراه يتحدّث عن القرآن الكريم –كما هي حقيقته- فيقول:

 

"القرآن وضع حلاً لكلّ المشكلات والتصوّرات العامة. القرآن متجاوز للمكان والزمان .. من أجل هذا نقول إنّه مهما تطوّر العالم لا يمكنه أن يمسّ القرآن أو يناله بالقصور"[4].

"إنّ القرآن إذا أردتم أن تحلّوا مشاكلكم فإنّ فيه حلولاً لمشاكل البشرية كلّها"[5].

 

ثمّ نراه يعود ثانية لمفهومه الذاتيّ السقيم، فيقول عن القرآن الكريم:

 

"القرآن لا يتحدّث عن المشاكل التي نحكم بها المجتمع. القرآن لم يتحدّث عن القضايا كلّها .. القرآن نسخة واحدة .. وكتاب واحد .. والتي لا توجد في القرآن ليس لنا علاقة بيها[6] .. نسخها ربّي أسقطها نساها[7]"

 

"آيات القرآن لا تتعلّق بالمشاكل التي نحن نخلقها يومياً، ولكنّها تتعلّق بيوم القيامة، تتعلّق بالحياة بعد الموت"

 

"إنّ القرآن جزء من قليل تستطيع أن تحكم به مجتمعنا الآن، أمّا الباقي فأغلبها تتعلّق بيوم القيامة".

 

القذافي يعتقد أنّه دوماً على "الحق" كما يتصوّره هو ويراه من منظوره .. ومن ثمّ فإنّه لا يرى أيّة غضاضة في أن يتمسّك برأيه، بل وأن يفرضه بالقوة على الآخرين .. لأنّ رأيه –بنظره- هو الحق ولا حقّ غيره حتى لو لم يره الآخرون كذلك .. ومن ثمّ فهو يرى أنّ ما يفعله هو بالآخرين لا يعدو أن يكون حرصاً من جانبه على "أن يُدخلهم إلى الجنّة بالسلاسل" حتى ولو كانوا هم غير واعين لذلك وحتى لو كانوا يرون في هذه الجنّة القذافية المزعومة جحيماً وسقر.

 

وانطلاقاً من هذا المفهوم السقيم، أطلق القذافي على انقلابه العسكري اسم "ثورة الحق؟"

 

"من أجل هذا كانت ثورتنا، إحنا الحقيقية، نراها ثورة الحق، فإحنا ما يهمّنا شيء يترتّب على إعلان كلمة الحق، دائماً مع الحق .. "[8].

 

"إحنا بنجاهر العالم الآن بكلمة الحق. فالفيصل لازم يكون الحق. كل شي لازم يكون الحق .. "[9].

 

وبالطبع فلو كان ما يعنيه القذافي بهذه العبارات هو أنّ انقلاب سبتمبر جاء من أجل "نصرة الحق" وأنّه سوف "يتحرّى الحق" لكان ذلك أمراً مقبولاً وموضع ترحيب من الجميع .. غير أنّه كما تبيّن للشعب الليبي فيما بعد أنّ الذي عناه القذافي بهذه العبارات هو شيء آخر .. شيء قبيح وممجوج ومرفوض .. لقد تبيّن للشعب الليبي أنّ الذي عناه القذافي أنّ كلّ ما يصدر عن انقلابه وعنه شخصياً بالذات هو وحده الحق ولا حق غيره .. وأنّ أيَّ رأي آخر، حتى لو كان صادراً في بعض الأحيان من أحد رفاقه في الانقلاب، هو باطل ..

 

وانطلاقاً من هذا الفهم المشوّه السقيم لدى القذافي "لفكرة الحق" والملتصق بذاته وشخصه وما يصدر عنه لم يتردّد في أن يقول في كتيّبه الأخضر:

 

"الكتاب الأخضر قد حلّ مشاكل البشرية والمجتمع .. الكتاب الأخضر هو الكتاب المقدّس الجديد .. في كتبكم المقدسّة [مخاطباً الصحفية الإيطالية] مكتوب: في البدء كانت الكلمة .. إنّ الكتاب الأخضر هو الكلمة .. كلمة واحدة من كلمات الكتاب الأخضر يمكن أن تدمّر العالم أو تنقذه"[10].

 

كما قال عنه في مناسبة أخرى:

 

"الكتاب الأخضر الذي ألّفه كفاح الشعوب من أجل الحرية، ألّفه حنين الإنسان للسعادة .. ألّفته الملايين المكبّلة بقيود الاستغلال والعبودية والحاجة، الباحثة عن حلّ لقيودها وانعتاق نهائي منها .."[11].

 

كما أورد القذافي في الفصل الأول من كتيّبه الأخضر – حلّ المشكل السياسي ما نصّه:

 

"يقدّم هذا الكتاب الأخضر الحلّ النظري النهائي لمشكلة أداة الحكم .. إنّ الكتاب الأخضر يقدّم الحلّ النهائي لمشكلة أداة الحكم، ويرسم الطريق أمام الشعوب لتعبر عصر الديكتاتوريات إلى عصور الديمقراطية الحقيقية ... وليس هناك أي تصوّر آخر لمجتمع ديمقراطي على الإطلاق غير هذا التصوّر"

 

كما أورد القذافي في الفصل الثاني من كتيّبه وهو الخاص بحلّ المشكل الاقتصادي حسب زعمه:

 

"إنّ الكتاب الأخضر لا يحلّ مشكلة الإنتاج المادي فحسب،  بل يرسم طريق الحلّ الشامل لمشكلات المجتمع الإنساني ليتحرّر الفرد مادياً ومعنوياً تحرّراً نهائياً لتتحقّق سعادته".

 

ويصل العته الفكري عند الضابط القذافي منتهاه عندما يتكلّم في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الشعب العام التي انعقدت يوم 17/1/1976 فيقول عن كتيّبه الذي كان قد نشر الفصل الأول منه في مطلع عام 1976 ما نصّه[12]:

 

"وإنّني أعتقد اعتقاد [اعتقاداً] أكيد [أكيداً] أنّه بقيام هذه التجربة الفريدة (يعني المؤتمرات الشعبية) انهارت جميع النظريات السياسية في العالم .. ولا بدّ أنّ النظرة الحقيقية نظرة الفاهم والعاقل تغيّرت بين نهاية 1975 [من] ميلاد المسيح عليه السلام إلى بداية عام 1976 .. لأنّ التجربة الليبية اكتملت في نهاية عام 1975 وبداية عام 1976 [يعني بعد صدور الجزء الأول من الكتيّب الأخر وانعقاد مؤتمر الشعب العام لأول مرّة تحت ذلك الاسم] .. فبين نهاية ذلك العام وبداية هذا العام، أعتقد أنّ النظرة اختلفت تماماً، نظرة الفاهمين والمحللين وغير المتعصبين لكافّة كتب الفلسفة، وكافّة النظريات الفلسفية التي تناولت هذه النظرية طولاً وعرضاً، قضية الديمقراطية .." 

 

"ولا أبالغ إذا قلت أنّ كافّة  الكتب الفلسفية التي حاولت أن تأتي بتصوّر لحلّ مشكلة الديمقراطية .. في فجر عام 1976 أصبحت كافّة هذه المؤلفات في سلّة المهملات من الناحية الحقيقية. حتى إعلان حقوق الإنسان الذي يعتبر حتى عام 1976 هو الوثيقة التي تضمن الحرية للإنسان .. بقيام التجربة الديمقراطية في الجمهورية الليبية [لاحظ أنّ ذلك قبل قيام الجماهيرية]، أصبح أمامها إعلان حقوق الإنسان لا يساوي قيمة تذكر في هذا العصر "

 

ولا يخفى على القارئ أنّ هذه العبارات لا يمكن أن تصدر إلا عن شخص يتصوّر أنّ ما يقوله وما يصدر عنه من أفكار هو "الحقّ" بعينه .. ولا حقّ غيره .. بل لعلّه قد بلغ به الخبل إلى درجة بات يتصوّر معها أنّه هو "الحق" ذاته .

 

وانطلاقاً من هذا المفهوم السقيم لدى القذافي لفكرة "الحق" أجاز لنفسه أن يقول بشأن "تجربته السياسية الأولى" المسمّاة "الاتحاد الاشتراكي العربي" التي كان قد استعارها من النظام الناصري في مصر وعرفت بفشلها الذريع فيها:

 

"إنّ الاتحاد الاشتراكي هو الإطار الأمثل، وهو أحسن تنظيم تشمل كافّة قوى الشعب العاملة"[13].

 

فعلى الرغم من الفشل الذريع والمعروف الذي منيت به تلك التجربة في مصر لم يتردّد القذافي في أن يصفها بنعوت "الأمثل" و"الأحسن" لا لأيّ سبب أو لأيّ جديد طرأ على تلك التجربة سوى أنّ القذافي قرّر يومذاك تبنّيها واعتبارها تمثّل "الحقّ" كما يفهمه ويتصوّره بعقله السقيم.[14]

 

والأعجب من ذلك أنّه بعد أن قرّر القذافي في عام 1975 التخلّي عن تجربة الاتحاد الاشتراكي العربي "المثلى" والتحوّل إلى تجربته السياسية الجديدة المتمثّلة في "المؤتمرات الشعبية" لم يتردّد في أن يزجي لها أيضاً الأوصاف والنعوت ذاتها التي أزجاها لسابقتها من المثالية والتفرّد ونهائية الصواب:

 

"المؤتمرات الشعبية هي الوسيلة الوحيدة للديمقراطية الشعبية. إنّ أيّ نظام للحكم خلافاً لهذا الأسلوب، أسلوب المؤتمرات الشعبية، هو نظام حكم غير ديمقراطي. إنّ كافّة أنظمة الحكم السائدة في العالم الآن ليست ديمقراطية ما لم تهتدِ إلى هذا الأسلوب. المؤتمرات الشعبية هي آخر المطاف لحركة الشعوب نحو الديمقراطية."[15].

 

وليس ذلك فحسب، بل إنّه هدّد بأنّ الثورة سوف تقاوم أيّ رأي مخالف:

 

"إنّ نظامنا هو آخر تجربة في الديمقراطية .. وإنّ الثورة ستقاوم كلّ عبث وفوضى."

 

وإلى لقاء في حلقة قادمة بإذن الله.

 

[1]     ص (233). "ثورة الشعب العربي الليبي – من أقوال معمر القذافي" الجزء الأول. من منشورات وزارة الإعلام والثقافة. ليبيا 1972.

[2]     محاضرة للقذافي عن "ملامح النظرية الثالثة" في الدورة التثقيفية الموسمية للاتحاد الاشتراكي العربي بمعهد نصر الدين القمّي بطرابلس بتاريخ 16/9/1972، وكذلك الطرح الذي قدّمه أثناء لقائه بكبار المفكرين والكتاب ورجال الصحافة والإعلام وقيادات الاتحاد الاشتراكي العربي في القاهرة يوم 8/2/1973 م.

[3]    أي رغماً عن إرادتهم، وقد سمع الكاتب شخصياً هذا القول من القذافي أكثر من مرّة. والمعروف أنّ رسالة الأنبياء والرسل ومهمتهم لم تتجاوز إبلاغ الناس رسالات الله ثمّ ترك الخيار لهم في أن يتّبعوا أو لا ما جاءهم به هؤلاء الرسل.

[4]     من خطاب للقذافي بالجامعة الليبية ببنغازي يوم 5/3/1973 م.

[5]     من أقوال القذافي أثناء المؤتمر الصحفي بطرابلس يوم 13/5/1973 م. 

[6]     إشارة إلى أنّه لا يعترف بالسنّة.

[7]     للّذين ما زالوا يتحدّثون عن القذافي كإنسان مؤمن مسلم ها هو يصف الله سبحانه وتعالى بالنسيان من خطاب معمر القذافي بطرابلس. منشور بصحيفة "الفجر الجديد" الرسمية يوم 4/7/1978 م.

[8]    من محاضرة للقذافي عن "ملامح النظرية الثالثة" في الدورة التثقيفية الموسّعة للاتحاد الاشتراكي العربي بمعهد نصر الدين القمّي بطرابلس بتاريخ 16/9/1972.

[9]    المرجع السابق.

[10]    من مقابلة الصحفية الإيطالية أوريانا فلاتشي مع القذافي يوم 23/11/1979 نشرت في عدّة صحف ومجلات عالمية منها نيويورك تايمز ودير شبيجل في 10/12/1979 م.

[11]   من خطاب للقذافي منشور بصحيفة "الفجر الجديد" الرسمية يوم 2/9/1978 م. 

[12]   راجع صحيفة "الفجر الجديد" الرسمية الصادرة يوم 19/1/1976 م.

[13]    القذافي أثناء المؤتمر الصحفي المنعقد بطرابلس يوم 16/4/1973 م.

[14]    ولا نحسب أنّ عبد الناصر نفسه ادّعى لتجربته تلك الادّعاءات.

[15]   من الفصل الأول من الكتاب الأخضر.

 

الحلقة الأولى الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home