Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Yousef al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد يوسف المقريف


د. محمد المقريف

الأحد 21 سبتمبر 2008

إضغط هنا للأطلاع على الجزء الأول
الجزء الثاني :   الحلقة الأولى      الحلقة الثانية     الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة
                              الحلقة الخامسة    الحلقة السادسة   الحلقة السابعة                                             

انقلاب بقيادة مخبر (5)

د. محمد يوسف المقريف

 

لِمَ لمْ يجر القبض على الملازم المتآمر؟!

 

يتضح من عددٍ من الأقوال التي وردت على لسان العقيد القذافي ورفاقه أنّ تنظيمهم أصبح منذ مارس 1969 معروفاً ومكشوفاً من قبل أجهزة النظام الأمنية سواء العسكرية منها أم المدنية.

 

"ضباط الاستخبارات الذين كانوا في طرابلس حقيقة عندهم علم بالحركة أبلغوا هويسة [المقدّم أحمد هويسة]، وهويسة أبلغ مصطفي [الخروبي]، ومصطفي أبلغني أنا.. قالوا لنا ردوا بالكم إنّهم اكتشفوكم.."...

 

" وبعدين ضابط اسمه عزّوز [الرائد عبد المطلوب عزّوز] أيضاً قال لي: أمن الدولة اكتشفكم ولهذا أبلغ زملاءك وخذوا حذركم..".

 

"[الرائد] السيد الفار قال خش تحت الأرض لأنهم عرفوك.."[1]

 

أمّا الرائد بشير هوادي [عضو مجلس قيادة الثورة] فقد ذكر خلال الندوة التلفزيونية نفسها التي عقدت مساء 31/8/1974 ما نصّه:

 

".. بالكامل كان كلّ شئ معروف [من النظام] عن التنظيم"[2].

 

أمّا المقدّم مصطفي الخروبي (عضو مجلس قيادة  الثورة) فيضيف في هذا الشأن خلال الندوة التلفزيونية التى عقدت مساء يوم 27/7/1978 ما نصّه:

 

"..لابدّ لنا أن نذكر أنّ بعضاً من الأخوة الذين كانوا في الاستخبارات العسكرية (ليسوا من التنظيم) أبلغونا بأنّنا مراقبون، وأبلغونا أنّ أسماءنا واصلة الملك شخصياً.. عندنا أيضاً مدنيون آخرون أبلغونا بذلك، وبخاصّة أثناء أحداث مارس التى تأجّلت فيها الثورة..."[3]

 

       وليس ذلك فحسب.. فقد أكدّت إفادات بعض الأشخاص الذين استضافهم برنامج "شهادات للتاريخ" الذي بثته فضائية النظام أيام 29، 30، 31 من أغسطس عام 1998[4] أنّ أسماء الضابط معمر القذافي وعدد من زملائه (وعلى الأخصّ الضابط مصطفي الخروبي) كانت لدى الأجهزة الأمنية وجهاز "أمن الدولة" بالذات (وبأنهم كانوا يخططون مع مجموعة أخرى من الضباط للقيام بانقلاب) قبل وقوع انقلاب سبتمبر بعدّة أشهر[5].

 

من الذي كشف التنظيم وأسماء أعضائه؟ لا يعنينا هذا الأمر هنا[6]..

 

ولكن الذي يعنينا هنا أنّ العقيد القذافي قد أكّد خلال الندوة التلفزيونية التي عقدت مساء يوم 31/8/1974 أنّه قرّر وأصدر أوامره فور هذا الاكتشاف ب"الدخول تحت الأرض" و"قطع كافّة الاتصالات" إلى درجة أنّ جميع الأجهزة الأمنية في ذلك الوقت اعترفت بأنّ الحركة ضاعت منهم، ولم يستطيعوا أن يحدّدوا لها مكاناً أو أين اختبأت(؟!)[7].

 

وبصرف النظر عمّا تنطوي عليه عبارات القذافي من ضحالة وسذاجة وتفاهة حيث أنّه يعبّر عن الحركة كما لو كانت جسماً مادياً محسوساً له وجود مكانيّ معيّن[8]ومن ثمّ فقد اختفت فجأة كما تختفي الأشياء.. وبصرف النظر عمّا تثيره إشارته بأنّ "جميع الأجهزة الأمنية قد اعترفت.." من تساؤل عن الكيفية التي أمكنه أن يعلم بذلك "الاعتراف..." ما لم يكن هو يعمل في داخلها وعلى علم بتقييماتها للأمور!! بصرف النظر عن ذلك كله - رغم أهميّته – فيظلّ قرار القذافي، بالدخول تحت الأرض وقطع جميع الاتصالات بين أعضاء التنظيم، في نظر أيّ عاقل قراراً حكيماً فذلك هو عين ما يقتضيه الحرص على سلامة التنظيم وأمنه..

 

غير أنّ العقيد القذافي يفاجئ المتابع لقصّة انقلاب سبتمبر العجيبة بمزاعم أخرى مناقضة تتعلق بالفترة نفسها (ما بعد انكشاف التنظيم في مارس 1969)[9]..

 

ففي الندوة التلفزيونية التي بثتّها إذاعات النظام مساء يوم 31/8/1974. ورد على لسان القذافي ما نصّه[10]:

 

" إحنا وصلنا من القوّة في ساعة من الساعات لدرجة أنّنى مشيت إلى ضابط استخبارات في حوشه [بيته] وطلبت منه الانضمام إلينا..وهو استغرب[11]. وقالي: هذا لعب صغار [لعب أطفال].. وأنت شخص مستهتر.. وأنت ماوراكش [أي ليس وراءك] عمل أبداً.."

 

ويعود القذافي إلى تأكيد هذا الزعم خلال الندوة التلفزيونية التي ادارتها وزيرة إعلامه السابقة المدعوة فوزية شلابي وجرى بثّها مساء 30/8/1999 (الذكرى الثلاثين للانقلاب) حيث جاء على لسانه مانصّه[12]:

 

".. بعد مارس [1969] وعرفنا أنّ الحركة اكتشفت.. أنا أصبحت نشتغل على المكشوف.. فاتحت عدد كبير من الضباط من ذوي الرتب العالية[13].. ذهبت إليهم في بيوتهم وفي مكاتبهم.."

 

وقد برّر العقيد القذافي تلك الخطوة المتهوّرة المستهترة بقوله:

 

"لا نريد أن نحرمهم من المشاركة في هذا العمل التاريخي.."[14].

 

وليس ذلك فحسب.. حيث يتبيّن من مطالعة "حلقات قصّة الثورة" وكافة الندوات المتعلقة بأحداث ووقائع هذه المرحلة منذ انكشاف أمر التنظيم في مارس 1969، أنّ تحرّكات وسفرات واجتماعات الملازم  القذافي ورفاقه لم تتوقف ولم تنقطع..

 

o       قام الملازم القذافي أثناء هذه الفترة، التى يفترض أنّ كافّة حركاته  خلالها كانت مراقبة من قبل أجهزة النظام الأمنية، بعدّة سفرات بين طرابلس وبنغازي بالطائرة وبالسيارة.

 

o       عاد من طرابلس بالسيارة عبر سرت خلال شهر مارس 1969 وقد تاهت السيارة في شعاب سرت؟![15]

 

o       السفر على عجل من بنغازي إلى طرابلس مساء 18 مارس 1969 واستقبله زميله خيري نوري خالد[16].

 

o       العودة من طرابلس إلى بنغازي بالطائرة يوم 19/3/1969 واستقبله في المطار زميله الخويلدي الحميدي[17].

 

o       رحلة بطائرة الفولكر إلى طرابلس عن طريق مرسى البريقة مساء يوم 21/8/1969 ولا يعرف متى عاد من تلك الرحلة.[18]

 

o       رحلة بالطائرة إلى طرابلس مساء يوم 28/8/1969 والعودة منها صباح 30/8/1969[19].

 

وقد اعترف القذافي في الحلقة (16) من قصّة الثورة أنّ رحلاته الأخيرة كانت "قاتلة" و"تحت المنظار":

 

"لعلّ تحركاتي فيما بعد وخاصّة الرحلتين القاتلتين في مارس وأغسطس1969 كانت تحت المنظار (منظار الأجهزة الأمنية)."

 

o       قام الملازم القذافي ورفاقه أعضاء اللجنة المركزية أثناء هذه الفترة الحرجة نفسها بعقد اجتماع لهم بالقرب من سرت في السابع والعشرين من يوليو 1969[20]، ولم يراعوا بشأن هذا الاجتماع الحد الأدني من الاعتبارات الأمنية رغم حرج وخطورة الظروف المحيطة بهم.

 

o       قام الملازم القذافي خلال الرحلة المفاجئة التي قام بها إلى طرابلس بالاجتماع مساء يو م 18 مارس 1969 بعددٍ من أعضاء التنظيم وقرّروا تفجير الثورة يوم الأحد 24 مارس 1969[21].

 

o       ذكر الرائد عبد السلام جلود خلال الندوة التي بثها تليفزيون النظام مساء يوم 31/8/1974[22] وشارك فيها إلى جانب العقيد القذافي الرواد هوادي والخروبي وحمزة ما نصّه:

 

".. بالصراحة عملية المراقبة [من قبل أجهزة النظام الملكي].. كان فيه حماس كبير [لدى أعضاء التنظيم].. في الستة شهور الأخيرة [أي منذ انكشاف التنظيم] لدرجة لم نكن مهتمين بالمراقبة.."

 

ويضرب جلود مثلاً بقوله:

 

" أتذكر مرّة في وقت أن اكتشف التنظيم.. في بيتي بزاوية الدهماني [بطرابلس] اجتمعنا أكبر عدد من الضباط[!!!] "

 

ويضيف القذافي الذي يبدو أنّه كان حاضراً للاجتماع في بيت جلود قائلاً:

 

"وناقشنا فيه قضايا خطيرة جداً.. [لم يقل ما هي]".

 

ويختم جلود حديثه بعد مداخلة القذافي قائلاً: 

"وناقشنا قضايا خطيرة.. وكانت النافذة مفتوحة [أي نافذة الحجرة التي كان الضباط مجتمعين فيها] وكان مقابلنا [سكان] فلسطينيين [أي في الشقة المقابلة]، والحقيقة أنّ القانقا [يقصد النقيب بلقاسم القانقا، أحد ضباط التنظيم] صوته عالٍ وهو يتكلم[؟!] فكان النقاش حادّ..[23]

o       يروي الرائد عبد السلام جلود خلال ندوة مساء يوم 31/8/1977[24]موقفاً حرجاً حدث له ولزميله الملازم القذافي في مطار طرابلس إثر أحد الإجتماعات التي عقدوها في الفترة التي أعقبت اكتشاف التنظيم، وكاد أن يشكّل ذلك الموقف خطراً عليهم.  

ويقول جلود بالحرف الواحد: 

"مرّة كنّا في إحدى المحاولات، وكان تحدّد موعد الثورة في مارس أو...[؟!] وفيما بعد جاء الأخ العقيد لطرابلس.. وفي آخر لحظة أجلّت الثورة.. فكنت أنا وبعض الأخوة [كم؟] نودّع الأخ العقيد – طبعاً الملازم معمر – في المطار[25] كان ماشي لبنغازي. وإذا بنا نواجه موقفاً.." 

ويوضّح الرائد جلود ذلك الموقف بقوله.. 

"فيه واحد [العقيد يونس العمرانى]، هذا كان آمراً [بالجيش الليبي] ومن الضباط ... في العهد البائد. طبعاً كان شخص كويّس [أى صدفة وحسن حظ].. يعني ارتبكنا، وسألنا [أى الآمر] أسئلة، لا أدري كيف أجاب عنها الأخ العقيد، ولا أتذكّرها..". 

o       ذكر العقيد القذافي في الحلقتين (19) و(20) من قصّة الانقلاب وفي عددٍ من الندوات التلفزيونية، كان من بينها الندوة التي عقدت في الذكري العاشرة للانقلاب، أنّه قام برفقة الضابطين مصطفي الخروبي وأمحمد المقريف (أعضاء اللجنة المركزية) خلال يومي السبت والأحد السابقين على الانقلاب (أي يومي 30 و31 من أغسطس1969) بتحرّكٍ واسع وشبه علني بين معسكرات ومدن المنطقة الشرقية وتحديداً بنغازي والمرج والأبيار والبيضاء..

 

وقد يكون لهذه الأحداث والوقائع والتصرفات دلالات كثيرة ومتعدّدة.. ولكن الذي يعنينا في هذا المقام.. سؤالان مترابطان:

 

الأول منهما..

كيف يمكن أن يفسّر سلوك القذافي وتصرفاته خلال هذه الفترة الخطيرة الحرجة إثر انكشاف أمر تنظيمه؟!

 

أهي الجرأة والشجاعة وروح المغامرة؟

 

أم هو الاستهتار والتهوّر وعدم تقدير الأمور؟

 

أم هو شئ آخر يتمثّل في اطمئنانه إلى أنّه يملك - في مواجهة السلطات الأمنية – الغطاء الكافي الذي يستطيع من خلاله تبرير تصرّفاته كافّة؟

 

نحن نميل إلى ترجيح السبب الأخير في تفسير وفهم هذا الأمر[26]..

 

أما السؤال الثاني فهو..

 

لِمَ لمْ تقم سلطات العهد الملكي بإلقاء القبض على الملازم معمر القذافي وبقية زمرته الذين عرفت أسماءهم على وجه التحديد..؟!

 

o       أهو تسامح النظام الملكي؟

 

o       أهو عجزه أو بلوغه حالة أصبح فيها – خلال تلك الفترة – عاجزاً عن اتخاذ أيّ قرار من هذا النوع؟

 

o       أهو اطمئنان الأجهزة الأمنية إلى أنّ ما يقوم به الملازم/ المخبر معمر هو في إطار المهمّة المكلّف بها والتي لا يعلم عنها القليلون في المستويات العليا بالاجهزة الأمنية والجيش  ( أما في المستويات الدنيا التي كانت تجمع المعلومات عن تحرّكاته فلم يكن احد يعلم بها إلا مصادفة او بمجهود شخصي).

 

o       أم هو وقوع الشلحي ومجموعته (الذين كانوا يخطّطون لانقلابٍ عسكرى آخر) في عملية سوء تقدير بشعة ساهم في إيقاعهم بها عملية تمويه مركّبة من إعداد الراعي الأمريكي[27]..

 

نحن نميل إلى الاعتقاد بأنّ الإجابة عن هذا السؤال تكمن في مزيج من هذه العوامل كلّها[28]... 

 

إجتماع شهر يوليو 1969 بسرت

 

       الاجتماع موضوع هذا المبحث هو للجنة المركزية لتنظيم القذافي، وقد تمّ في منطقةٍ تبعد نحو (50) كيلومتراً غربي بلدة سرت على الساحل يوم 27من يوليو 1969م.[29]

 

ونترك للعقيد القذافي وصف السياق التاريخي والملابسات التي تمّ فيها ذلك الاجتماع..

 

"والحركة من مارس [1969] في مثل هذه الأيام كانت قد اكتشفت من قبل قادة الجيش والنظام الملكي.. كنّا نمرّ بمرحلة خطيرة جداً في هذه الأيام، وقد اكتشفت الحركة[30].."

 

" بعد شهر مارس 1969 تأكّد لجميع الأعضاء أنّ جميع الجهات الأمنية على علم بمخططّاتهم، ولكن دون أن تحدّد الأطراف المفصلية.." "الشهور الخمسة اللاحقة لشهر مارس 1969 كانت صعبة جداً."[31]

 

أمّا كيف اكتشف النظام الملكي الحركة؟ ومن وشي بها؟ .. يقول القذافي:

 

" ... والذى كشفها واحد من الضباط الذين انضمّوا أخيراً للحركة..(الملازم محمد الشلماني) كان يتجسّس علينا في ذلك الوقت لصالح النظام...هو (الملازم الشلماني) ضابط عادي.. ولكنّه دخل في الحركة.. أدخلته في الحركة قبل مارس بمدّة قليلة.."[32]

 

 " هو (الملازم الشلماني) الذي كشف التنظيم.. لاأقول إنّني أعرف أنه مخبر تماماً.. ولكنّه ليس من اللجنة المركزية.."[33]

 

إذن فخلاصة هذه الأقوال أنّ التنظيم أصبح مكشوفاً من قِبل أجهزة النظام الملكي العسكرية والأمنية منذ مارس 1969، والشخص الذي كشف التنظيم هو الملازم محمد الشلماني الذي كان قد جرى ضمّه من قبل الملازم القذافي قبل شهر مارس 1969 بقليل..

 

ما الذي فعله القذافي إزاء هذا الوضع "الخطير" و "الصعب جداً"؟! يقول القذافي:

 

"نحن فعلاً دخلنا تحت الأرض أو كان الأمر بهذا الشكل(؟!!) لازم ندخل تحت الأرض، وكأن شيئاً لم يكن.. لا يوجد شئ على السطح.. شهر مارس وأبريل ومايو و يونية كنّا مكشوفين ولكن لمدّة شهرين أو ثلاثة دخلنا تحت الأرض، وخبّينا [؟!] أنفسنا خالص.."[34].

 

     غير أن وضع التنظيم لم يبق طويلاً على هذا الحال من الكمون تحت الأرض[35].. فقد قرّر الملازم القذافي فجأة ضرورة عقد اجتماع للجنة المركزية للتنظيم في أواخر يوليو (1969)..

 

"في شهر يولية قرّرنا [مَنْ؟!] اللجنة المركزية لازم نجتمع"[36]

وقد يكون قرار عقد اجتماع اللجنة المركزية في تلك الظروف الأمنية "الخطيرة" و"الصعبة جداً" خطوة نضالية شجاعة وجريئة فوق أنها ضرورية.. ولكنّنا نتصوّر أنّ أبسط مقتضيات الأمن والتنظيم والحرص كانت توجب على الملازم معمر وزملائه أن يتّخذوا لذلك الاجتماع ترتيبات أمنية خاصّة وفوق العادية مراعاةً لتلك الظروف الاستثنائية، فضلاً عن أنّ ذلك الاجتماع كان مقدراً له أن يناقش قضايا على درجةٍ عالية من الأهمّية والحساسية والخطورة.. 

"كان ممكن يكون اجتماع خطير حيث توضّح فيه كلّ الأشياء بوضوح ونهائياً.."[37].

 

إن أبعد أمر يتوقعه المرء أن ينعقد ذلك الاجتماع "الحاسم والتاريخي" و" في تلك الظروف الاستثنائية الخطيرة" بالشكل الارتجالي المفضوح أمنياً الذي تم به، وإنّ أبعد أمر يتوقعه أي إنسان عاقل جاد هو أن يُسمح (للملازم محمد الشلماني) بحضور ذلك الاجتماع، إذ فضلاً عن أنّ هذا الشخص كان مشكوكاً فيه، فإنه لم يكن عضواً في اللجنة المركزية التي يُفترض أنّ الاجتماع كان مقتصراً على أعضائها..

 

لكن الذي حدث، ووفقاً لما تحدّث به القذافي ورفاقه، أنّ الملازم الشلماني كان بين الضباط الذين وصلوا إلى سرت يومذاك، وحضروا اجتماع اللجنة المركزية للضباط الوحدويين الأحرار يوم 27/7/1969 (أو 31/7/1969 كما يؤكد الخروبي).

 

ولعلّ الأدهى من ذلك كلّه أن يوصف حضوره بأنّه كان صدفة وبسبب حاجة أحد أعضاء اللجنة إلى سيارة[38] يستخدمها لحضور الاجتماع الذي سيعقد في سرت.

 

ويحسن أن نترك القارئ مع المقتطفات التالية التي وردت على لسان القذافي في توضيح ما أحاط بذلك الاجتماع من ملابسات:

 

"لكن من مارس إلى سبتمبر [1969] ستة شهور التي اكتشف فيها التنظيم بواسطة الشلماني. هذا هو الشخص الوحيد الذي كان نافذة فقط، ولا يمكن لهذا التنظيم ان يعلم به أيّ واحد..[؟!] من مارس إلى سبتمبر الضباط المتحمّسين [من أعضاء التنظيم] ووجهوا بالخطر الحقيقي.. أصبح فيه خطر حقيقي..فيه الموت أصبح محقق.. القبض والطرد من الجيش.. يعنى الستة شهور كانت صعبة جداً في الحقيقة.. من مارس إلى سبتمبر كنّا نشعر بالخطر يومياً..كنّا نعيش في مقدمات الموت.."[39]

 

"في شهر يولية 1969 قرّرنا أنّ اللجنة المركزية لازم تلتقي..

والشلماني كانوا مكلّفينه (عبد العزيز الشلحي وقيادة الجيش) بمراقبة عوض [عوض حمزة عضو اللجنة] ومراقبة الضباط [أعضاء التنظيم].. بعدين لمّا الشلماني شاف عوض يتحرّك.. عرض خدماته على عوض، سمع أنّ عوض يبحث عن سيارة، فقال له أنا أوصلك في سيارتي.."[40]

 

ويواصل القذافي توضيحاته .. الغبيّة أو المتغابية حول ذلك الاجتماع العجيب.

 

"عوض [حمزة] اعتقد أن الشلماني شخص موثوق فيه[41][؟!].. وبعدين إحنا بنروح نجتمع لصالح الحركة فعوض قال له [أي للشلماني] أعطني سيارتك أو وصلنّي فيها.. إحنا[42] لمّا جينا إلى سرت، الحقيقة أنا أوّل ما شفته [الشلماني] مع الجماعة، لا يهمّني أن أعرف 100% أنّه جاسوس [مخبر] طبعاً هو شخص غير موثوق فيه تماماً.. لا أقول إنّني أعرف أنّه مخبر تماماً، ولكنّه ليس من اللجنة المركزية.. فلمّا شفته مع الجماعة، أنا قرّرت في نفسي عدم الإباحة بشي، ولكن نتكلم في الحدود التي هو يعرفها، لأنّه هو عرف أنّه كانت فيه حركة بتقوم.."[43].

 

وتتواصل العجائب حول هذا الاجتماع بقراءة ما ورد على لسان المقدّم أبي بكر يونس جابر عضو مجلس قيادة الثورة وقائد عام الجيش الليبي – خلال تلك الندوة – حيث أنّه كان من بين أعضاء اللجنة المركزية الذين حضروا ذلك الاجتماع[44] حيث يقول:

 

"اتضح الآن بعد الثورة أنّ الأخ العقيد كان يشكّ في عددٍ من الحاضرين، وخاصّة الشلماني الذي كان حضوره مفاجأة لنا.."[45]

 

إذن الشكّ لم يكن يحوم حول الشلماني وحده في ذلك الإجتماع.. فقد حضره آخرون هم أيضاً مشكوكُ بأمرهم.. وللأسف فإنّ أبا بكر يونس لم يوضح لنا من هم وكم عددهم؟

 

كما يورد الرائد عمر عبد الله المحيشي (عضو مجلس قيادة الثورة حتى عام 1975)، في الصفحة (47) من مذكّراته، المزيد من التفاصيل التي لا تخلو من دلالة حول هذا الاجتماع:

 

"لقد كنّا [في سرت] نتوقع حضور أمحمد المقريف ومصطفي الخروبي ومعمر القذافي، كما كنّا نتوقع حضور عبد الرحمن الصيد وعطيه موسى الكاسح.. وبينما نحن في انتظار حضور الأخوة من بنغازي جلسنا في أحد المقاهي بالطريق العام [ببلدة سرت]، وتطرّق الحديث وتشعّب حول تصوّرنا السياسي لما بعد الثورة[؟!]."[46].

 

نعود إلى الأسئلة التي تعنينا من وراء إيراد قصّة هذا الاجتماع!!

 

والسؤال الأوّل الذي يطرح نفسه في هذا المقام:

 

هل كان حضور الملازم الشلماني المشكوك فيه والمعروف بصلته بالعقيد عبد العزيز الشلحي وجماعته (الذين كانوا يدبّرون انقلاباً آخر موعده الخامس من سبتمبر 1969) مجرّد صدفة أم أنّه كان مدبراً؟

 

المقدم مصطفي الخروبي يؤكّد خلال الندوة التلفزيونية التي عقدت مساء يوم 27/7/1978[47]بمناسبة الذكرى التاسعة لاجتماع سرت المذكور أنّ حضور الشلماني كان صدفة محضة:

 

"صدفة طبعاً، عوض التقى هو والشلماني في طرابلس، قال له وصلّني للاجتماع.. السبب هو الاحتياج لأن عوض ليس لديه سيارة"

 

غير أننا نميل إلى الاعتقاد بأنّ الأمر لم يكن صدفة، ولم يكن مجرّد ارتجال واستهتار تنظيمي وأمني من قبل الملازم معمر (وإن كان هذا ليس بغريب عنه) ، ولكنه أمر مدبّر وكان جزءاً من عملية التمويه المركّبة" التي أوصي بها "الراعي الأمريكي"[48]الملازم القذافي وزميله الخروبي والتي استهدفت إيهام عبد العزيز الشلحي وجماعته عن طريق الملازم الشلماني بأنّ الملازم معمر (ومن المرجّح الخروبي أيضاً) يعمل فعلاً حتى يومذاك مخبراً للنظام الملكي، وليس ذلك فحسب، بل إنّه ومن حوله من اصدقاء من الضباط الصغار متعاطفون ومؤيدون للحركة التي يخطّط الشلحي لها ويعدّ لها العدّة في الخامس من سبتمبر 1969م.

 

ويمكننا الاستدلال على هذا الزعم الذي نذهب إليه بالآتي:

 

1- ورد في التقرير الصحفي الذي نشرته صحيفة "الفجر الجديد" الرسمية[49] عن الندوة التلفزيونية التي عقدت في سرت بمناسبة الذكرى التاسعة للاجتماع، الذي عقد على شاطئ البحر الأبيض المتوسط غرب مدينة سرت بحوالى (50) كيلومتراً تقريباً، أنّ المقدّم مصطفي الخروبي قد ذكر خلال تلك الندوة ما يلي:

 

       "الزوي: هل هؤلاء حضروا صدفة؟!

 

                     ج       : صدفة طبعاً، عوض كان هو والشلماني في طرابلس، قال له وصّلني للاجتماع فجاء به المقدّم مصطفي السبب هو الاحتياج لأنّ عوض حمزة ليس لديه سيارة حسب علمنا فيما بعد فركبا مع الشلماني وحضروا جميعاً إلى هنا".

 

هذا هو النص كما نشرته صحيفة "الفجر الجديد"، ويفهم منه أنّ المقدّم الخروبي لعب " دوراً ما" في حضور الشلماني إلى الاجتماع الخطير.

 

غير أنّه يلاحظ أنّ تحريفاً وقع على هذا النص عندما جرى إعادة نشره في السجل القومي/ المجلد التاسع، الصفحة (1052). فجاءت كلماته على النحو التالي:

 

"المقدم مصطفي: صدفة طبعاً. عوض التقي هو والشلماني في طرابلس. قال له وصّني للاجتماع.. السبب هو الاحتياج لأنّ عوض حمزة ليس لديه السيارة..حسبما عرفناه فيما بعد وهو أنّه كنّا محتاجين لسيارة الشلماني فركبا معاً.. إذن حتى الشلماني كان من ضمن الحاضرين للاجتماع".

 

ويتضح من مقارنة النصيّن أنّ التحريف مقصود ومتعمّد، وقد أبعد اسم المقدّم مصطفي الذي ورد بالنصّ الأوّل وكان واضحاً منه أنّه لعب دوراً في ترتيب مجئ الشلماني للاجتماع، وإنّنا نميل إلى الاعتقاد أنّ السبب وراء هذا التحريف[50] هو الرغبة في إظهار أنّ مجيء الشلماني لذلك الاجتماع كان صدفة ولم يكن مرتباً مسبقاً بهدف التمويه على عبد العزيز الشلحي وجماعته. 

2- ذكر العقيد القذافي خلال الندوة التلفزيونية التي جرى بثّها مساء يوم[51] 31/8/1974 في معرض حديثه عن ذلك الاجتماع ما نصّه : (الصفحة 81). 

" ...فلمّا جئنا في اجتماع سرت على  البحر اللي حكى عليه بشير في المحكمة[52]، حاولت نعمل تمويه[53]، فنقول في النهاية سنستمرّ في هذا العمل، وسيتحدّد في المستقبل ميعاد الثورة، وسنعمل لها حدّ أدني وحدّ أقصى وكلام من هذا القبيل [؟!] كأنّنا نتكلّم أن فيه ناس لسّه مش حاضرين (؟!) كأنّنا مش كاملين كلّنا، وأنّ هذا الاجتماع فرعي للضباط، ولكن هو [الشلماني] طبعاً مشي بهذه المعلومات."

 

وقد أشار العقيد إلى هذا الموضوع مرّة أخرى خلال الندوة التلفزيونية التي عقدت مساء 27/7/1978 والتي سلفت الإشارة إليها.. فقد جاء على لسانه: (الصفحة 1052 من السجل القومي/ المجلد التاسع).

".. ولهذا حاولت أن نجعل الاجتماع [اجتماع سرت] اجتماع لضباط في الحركة، بحيث الذي لا يعرف القيادة، لا يعرف هل هذه حلقة من حلقات الحركة، والا هذه قيادة الثورة.. حاولت ألا يعرفوا أنّ هذه هي القيادة.." 

ومن الواضح أنّ هذا ما فعله الملازم معمر خلال ذلك الاجتماع، ومن المؤكد أنّه أدّى دوره التمويهي[54]بإتقان إلى درجةٍ جعلت الملازم عمر المحيشي عضو اللجنة المركزية والذي لم يكن على علم بالعملية التمويهية يتساءل خلال الاجتماع باحتجاج وحدّة:

 

".. والله إذا كانت هذه ليست القيادة معناها الموضوع فيه غموض.." 

●    من هو المستهدف بالرسالة التي أريد من الملازم الشلماني أن يحملها؟

      لا يوجد شكّ في أنّه العقيد عبد العزيز الشلحي وجماعته.. 

●    ما فحوى الرسالة من خلال كلمات الملازم القذافي السابقة؟

      في اعتقادنا أنّها تتلخّص في الآتي: 

o       أنّ القذافي يتحدّث على أنّ قيادة الحركة المزمعة هي من خارج هذه المجموعة.. وبالتالي فليطمئن العقيد الشلحي بأنّ هذه المجموعة (وبالأخصّ الملازم معمر) تنظر إليه على أنّه هو الذي يمثّل تلك القيادة. وأنّ العمل الذي يقومون به سيكون سنداً لحركته المزمعة..

 

o       أنّ هذه المجموعة – بافتراض أنّه لا يثق في صحّة الشقّ الأول من الرسالة – لم تحدّد بعد موعداً لتحرّكها، وفي الأغلب أنّه سيكون بعد الخامس من سبتمبر 1969 الموعد الذي كان الشلحي يومذاك قد حدّده لانقلابه.

 

وبمقدور القارئ أن يستنبط صحة ما ذهبنا إليه من خلال مطالعة ما جاء في الصفحات (213- 216) من كتاب "القذافي- رحلة 4000 يوم من العمل السرّي" وعلى الأخصّ ما جاء في الصفحة 214 منه:

 

".. والمعروف أنّ الشلماني كان قد أبلغ عن الحركة من قبل. كما أحاط الشلحي علماً بموعد هذا الاجتماع، والذي كلّفه بناءً عليه بحضور هذا الاجتماع الخطير حيث قدّم له تقريراً عنه أكّد  فيه أنّ أعضاء الحركة قد اتّخذوا قراراً بالتأجيل".

 

المصادفة الثانية الأخرى التي حدثت خلال ذلك الاجتماع العجيب الذي لم يستمر سوى ساعات والذي وصف من قبل القذافي وجماعته بأنّه سري وتاريخي وحاسم.. تحدّث عنها القذافي وزميله الخروبي خلال الندوة الآنفة الذكر نفسها[55]

يقول القذافي:

 

" فيه واحد نسمّيه "الحاج بورياقة".. لمّا كنّا طلبة كان يأتي مرّة القسم الداخلي [بسبها]، ومرّات يتنقل بين سبها وطرابلس وبنغازي، وكلّ المجموعة تشكّ فيه..

يا ترى هو شخص فعلاً درويش، والا شخص مكلّف بمهمّة سرّية.. واحد يقول هذا تابع أمن الدولة، واحد يقول تابع البوليس الاتحادي، واحد يقول تابع الديوان، تابع مجلس الوزراء.."

 

ويواصل القذافي:

 

"هذا الشخص المشكوك فيه، والذي نعرفه ونحن طلبة، من الصدفة أن يأتي إلينا في هذا المكان [مكان اجتماع اللجنة المركزية الواقع حوالي 50كلم غربي بلدة سرت] آتياً من الشط [من ناحية البحر][56]، لغاية ما قلنا من هذا الشخص؟ شخص آتٍ إلينا؟ شخص جانا، شخص جانا[57].."

 

ويمضي القذافي في سرده قائلاً:

 

"ويقول بشير [بشير هوادي الذي كان حاضراً الاجتماع]: هذا ملازم في أمن الدولة، هكذا قال لنا، قال: أنا أعرفه ويعرفني. وجاء سلّم علينا بالواحد [فرداً فرداً]. ولما سألناه أنت من أيّ مكان، ومن أين جئت؟ حاول يتهرّب، وبعدها سألناه عن بطاقته.. بعد أن قلنا له البطاقة.. زاد اضطرابه وبدأ يهرب.. وطلع ما بين"العتل" بتاع البحر، ونحن نقول له: هات البطاقة هات البطاقة، وهو يقول  ليس عندى بطاقة. حاولنا نبقيه وعزمنا عليه، شرب الماء، وبعد أن سألناه عن البطاقة بدأ يتهرب من الأسئلة.."

 

ويعلق القذافي على هذا السرد بقوله:

 

" يعني هذا الشخص المشكوك فيه لماذا يأتي في هذا الوقت بالذات؟ قلنا يبدو [يبدو فقط] أنّ هذا الاجتماع مبلّغ عنه فعلاً وأنّه معروف [من قبل سلطات العهد الملكي]، وهذا شخص جاء يستطلع المكان، ويتعرّف على الوجوه.. ويمكن بعدين تتمّ عملية أخرى.. وربّما خابر بأرقام سياراتنا.."

 

وبعد أن يقوم مدير الندوة (محمد بالقاسم الزوي) بسؤال القذافي عمّا إذا كان هذا الزائر الغريب (الحاج بورياقة) يعرفه شخصياً، يجيب القذافي قائلاً[58]:

 

"لا.. بشير قال هو يعرفني.. يعني يعرف بشير.. لكن هو سلم علينا بالواحد.. كنّا حتى نشكّ فيه لماذا سلّم علينا بالواحد.. وهو يبدو عليه الدروشة.. وهكذا الاجتماع [التاريخي الحاسم] لم يطل كثيراً.."[59]

 

ويضيف المقدّم الخروبي (الذي كان حاضراً في ذلك الاجتماع) من جانبه:

 

".. وأنهينا الاجتماع بسبب هذا الرجل.. أنهيناه بسرعة ورجعنا.. واعتقد أنّ هذه الزيارة (زيارة الحاج بورياقة) هي التي حدت بالرائد مختار (مختار القروي أحد الحاضرين في الاجتماع) أن يأخذ إجازته، واعتقد أيضاً أنّ الرائد (محمد) نجم (لم يكن حاضراً الاجتماع ولكن سمع بما حدث فيه) فيما بعد طلع في إجازة.."[60]

 

"ثمّ إنّ الذي جعلنا ننهي هذا الاجتماع مجيء هذا الرجل (بورياقة) سبحان الله أنهى الاجتماع بحضوره.. [ياللصدف العظيمة].."

 

ويضيف الخروبي قائلاً:

 

"بعدين بورياقة جاء للسيارات قبل.. هذا الرجل وقف قليلاً [عند سيارات الحاضرين] ثمّ قدم إلينا.. لعلّه كان يأخذ أرقام السيارات.. بعدين قدم إلينا..وأوّل ما زعلنا عليه..[؟!]الرائد هوادي قال هذا واحد ملازم أوّل في أمن الدولة.. سألناه: تعرفه؟ قال نعم بدليل أنّ بشير سلّم عليه ولم يريه وجهه ولكن مدّ له يده.. وكل واحد قال: هيّا تفضّل، ويمكن الرائد عوض قال: هات البطاقة الشخصية حتى نتعرّف عليه.. أعتقد أنّ وجوده أنهى الاجتماع"

 

ويختم المقدّم الخروبي مداخلته في تلك الندوة بعباراتٍ تقطر غباءً أو استغباءً حيث يقول:

 

" أنا والملازم معمر في ذلك الوقت ركبنا سيارتنا[61] [بعد انتهاء الاجتماع] وكانت" بيجو" مستعارة من النقيب علي نصر [لم يكن من التنظيم].. ورجعنا بسرعة جنونية (140)كلم تقريباً، وأنا كنت أسوق [لِمَ السرعة الجنونية؟!] خشيت أن يسبقنا "بورياقة" إلى نقطة الشرطة الموجودة في [منطقة] القوس[!!].. ولكن الحمد لله كنّا أسرع [أين كانت سيارته مخبّأة؟ فقد قدم إليهم على رجليه]، خشيت أن يأخذ أرقام السيارات[62] [ألم يأخذها من قبل؟]. فقلنا لابد أن نسبقه قبل أن يسبق[63] ويبلّغ عنّا".

 

ما هي حقيقة بورياقة؟ وما المهمّة التى جاء من أجلها إلى تلك المنطقة، إلى حيث كانت اللجنة المركزية لتنظيم القذافي تعقد اجتماعاً تاريخياً وحاسماً هو من أخطر اجتماعاتها؟

 

اللافت للنظر أنّ القذافي وجماعته لم يحاولوا بعد استيلائهم على السلطة أن يتعرّفوا على حقيقة هذا الرجل والدور الذي كان يقوم به ذلك اليوم، وأن يحصلوا منه على شهادةٍ لتاريخهم النضالي..

 

وفي اعتقادنا أنّ الأمر لايخرج عن كونه وجهاً آخر لعملية التمويه التي أوصي بها الراعي الأمريكي.. غير أنّ الضحية في هذه المرّة هو جهاز أمن الدولة نفسه.. فمبوجب هذه العملية التمويهية قام الملازم معمر، في إطار طمأنة جهاز أمن الدولة الذي يعمل فيه بأنّه ما زال قائماً على تأدية واجباته نحوه، بالإبلاغ عن الاجتماع – كما سبق أن أبلغ عن اجتماعات أخرى سابقة – وقد قام الجهاز فعلاً بإرسال الملازم أوّل بورياقة إلى الجهة التي حدّدها الملازم المخبر القذافي لهم.. ولمس ذلك الملازم صحّة المعلومات التي قام زميله القذافي بنقلها إلى الجهاز.. واطمأن الجهاز، وبالتالي بقية الأجهزة الأمنية، إلى أن الأمور تحت السيطرة وألا صّحة لما يتردد حول الملازم المخبر القذافي وجماعته يومذاك.

 

[1] من أقوال العقيد القذافي خلال الندوة التليفزيونية مساء يوم 31/8/1974. السجل القومي/المجلد السادس. الصفحات(79-80).

[2] الندوة السابقة الذكر. الصفحة (76) من السجل القومي/ المجلد السادس.

[3] راجع السجل القومي /المجلد التاسع.صفحة(1059).

[4] البرنامج بإشراف "الثورى" ميلاد الفقهي.

[5] راجع على الأخصّ شهادات حسين عبد الرحيم (الحلقة الأولي من الشهادات) وهو أحد مفتشّي قسم التحرّي بجهاز أمن الدولة في بنغازي، وعقيد شرطة المبروك عبد المولى الحاسي الذي كلّف بعد الانقلاب بمهام مدير عام الشرطة في المحافظات الشرقية والذى كلّف باستلام وجرد محتويات مكتب العقيد إدريس علي بالبيضاء الذي كان يشغل منصب مدير عام أمن الدولة عند قيام انقلاب سبتمبر 1969.

[6] سترد الإشارة إليه في المبحث التالي من هذا الفصل تحت عنوان "اجتماع يوليو بسرت".

[7] السجل القومي/ المجلد السادس، الصفحة (80). زكتاب "القذافي:رحلة 4000 يوم من العمل السرّي"، الصفحات (212-213).

[8] أو أنّه يتحدّث عن "الحاجّة حركة"..

[9] نحن هنا نشير إلى ما ورد بـ(الحلقة الثامنة) من قصة الثورة من حديث حول ما أطلق عليه القذافي "الانفتاح اللامبالي" و"عدم الحذر واللامبالاة" فقد يكون ذلك مفهوماً ومقبولاً إذا صدّق المرء قصّة الموعد الأول للانقلاب في 13 -14 مارس 1969. نشرت الحلقة الثامنة يوم 24/3/1971. السجل القومي/ المجلد الثامن. الصفحات (102- 108).

[10] السجل القومي/ المجلد السادس. صفحة (91).

[11] كيف لا يستغرب؟!

[12] ردّد القذافي هذا الزعم في ندوةٍ مماثلة في الذكري الواحدة والثلاثين للانقلاب.

[13] لم يذكر اسم أيّ واحد منهم. وقد ورد على لسان زميل القذافي الملازم الريفي على الشريف خلال المقابلة التي أجرتها معه مؤلفة كتاب "القذافي رسول الصحراء"(الصفحة54)" كان يحذر من التورّط مع الضباط الكبار ويقول:هؤلاء راضون عن أوضاعهم، وإلا فما الذي منعهم من القيام بعمل ما..؟"

[14] لا ينسجم هذا القول مع قرار الانقلابيين فور نجاح انقلابهم باعتقال وتسريح جميع ضباط الجيش الليبي الذين يحملون ما فوق رتبة رائد...

[15] الحلقة السادسة المنشورة 9/3/1970. السجل القومى/ المجلد الثامن. الصفحات (97-100).

[16] الحلقة السادسة نفسها.

[17] الحلقة السابعة. مارس 1971. السجل القومي/ المجلد الثامن. الصفحات (100-102)..

[18] كشف عن هذه الرحلة الرائد عبد الكبير الشريف في الصفحات (139-141) من كتابه..

[19] الحلقة السابعة عشر نشرت يوم 28/8/1976. السجل القومي/ المجلد الثامن. الصفحات (151-153)

[20] سنتناول هذا الاجتماع بمزيدٍ من التفصيل في مبحث لاحق من هذا الفصل.

[21] الحلقة السادسة من "قصّة الثورة".

[22] السجل القومي/ المجلد السادس. الصفحات (95-96).

[23] لابدّ أنّها "كرامات" الملازم/ المخبر معمر هي التي حالت دون انكشاف أمر ذلك الاجتماع!!.

[24] راجع السجل القومي/ المجلد السادس. صفحة (26).

[25] ما كان ينقصهم إلا فرش البساط الأحمر له فوق أرض المطار؟!

[26] هناك جانب آخر سوف نتناوله في الفصل التالي "الراعي الأمريكي.."

[27]  راجع ما جاء فى فصل "الراعى الأمريكي -2؟" بهذا الخصوص.

[28] تجدر الاشارة إلى أن القذافي قال خلال الندوة التلفزيونية التى بثت مساء يوم 31/8/2000م ما نصه: "(عبد العزيز) الشلحي كان وراء إفشال أمر القبض على" وهى في نظرنا عبارة ذات دلالات بعيدة وجديرة بالمتابعة والمزيد من البحث والتحقيق.

[29] يؤكد المقدّم مصطفي الخروبي الذى حضر ذلك الاجتماع أنه تمّ يوم الجمعة الموافق 31/7/1969 وليس 27/7/1969 كما يزعم القذافي. راجع السجل القومي/المجلد التاسع. الصفحة (1055).

[30] ندوة تلفزيونية في سرت 27/7/1978. السجل القومي/ المجلد التاسع.

[31]  كتاب "القذافي: رحلة 4000 يوم من العمل السرّي"، مرجع سابق. الصفحات (205، 212، 213).

[32] السجل القومي/ المجلد التاسع. الصفحات (1050، 1061)(الندوة التلفزيونية بسرت يوم 27/7/1978).

[33]  ندوة تلفزيونية مساء يوم 31/8/1974. السجل القومي/ المجلد السادس. الصفحات (74)، (81).

[34] خلال ندوة تلفزيونية مساء يوم 31/8/1974. السجل القومي/ المجلد السادس. صفحة (80).

[35] راجع ما ورد بهذا الخصوص في مبحث "لِمَ لم يجرِ القبض على الملازم المتآمر؟!" من هذا الفصل.

[36] ندوة مساء يوم 31/8/1974. السجل القومي/ المجلد السادس. صفحة (80).

[37] ندوة سرت مساء يوم 27/7/1978. السجل القومي/ المجلد التاسع. صفحة(1053). كما جرى وصف ذلك الاجتماع في الصفحة (213) من كتاب "القذافي: رحلة 4000 يوم من العمل السرّي" بأنه "حاسم وتاريخي".

[38] زعم العقيد القذافي في (الحلقة الثالثة) من قصّة الثورة أنهم اضطروا من أجل المحافظة على حضور الاجتماعات الخاصّة باللجنة المركزية أن يشتري أكثر الأعضاء سيارات خاصّة لتكون في خدمة الحركة.. فأين ذهبت تلك السيارات؟!...(راجع السجل القومي/ المجلد الثامن. الصفحات 91-93).

[39] ندوة تلفزيونية مساء يوم 31/8/1974. السجل القومي/ المجلد السادس. الصفحات (74-76).

[40] المرجع السابق. صفحة (80).

[41] ألم يكن هناك وقت كافٍ بين شهري مارس ويولية 1969 لإبلاغ عوض حمزة (عضو اللجنة المركزية) وتحذيره من الشلماني الذي أصبح في دائرة الشك منذ مارس 1969، بحيث لا يتورّط من ثُمّ بإحضاره إلى ذلك الاجتماع الخطير تحت أيّ سبب من الأسباب..؟ أليست تلك أبسط مقتضيات وجود تنظيم سرَيِّ جاد؟!

[42] أشار الرائد عمر عبد الله المحيشي في مذكراته (القذافي "حدث" الأمّة العربية- مرجع سابق. الصفحات 46- 48) إلى أنّ القذافي والخروبي وصلا الليلة السابقة للاجتماع إلى بلدة سرت وناما الليلة فيها سوياً ولم يحضرا الاجتماع (يبعد حوالي 50كم) إلا صباح اليوم التالي.

[43] ندوة تلفزيونية مساء يوم 31/8/1974. السجل القومي/ المجلد السادس. الصفحة (81).

[44] حضر هذا الاجتماع كلّ من الملازمين معمر القذافي وعبد السلام جلود وأبي بكر يونس جابر ومختار القروي وعمر المحيشي وعوض حمزة وبشير هوادي (كان هذا هو الاجتماع الأول الذي يحضره بشير هوادي) بالإضافة إلى محمد الشلماني.

[45] السجل القومي/ المجلد التاسع. الصفحة (1051).

[46] لاحظ اجتماعهم في مقهى بطريق عام أثناء مرحلة هي على درجة كبيرة من الخطورة، كذلك تجدر ملاحظة أنّهم وفي ذلك التاريخ أي قبل شهرٍ واحدٍ من الانقلاب لم يكن لديهم تصوّر  سياسي لما بعد الثورة؟!.

[47] السجل القومي/ المجلد التاسع. الصفحة (1052). أكد الخروبي خلال هذه الندوة أنّه والقذافي وصلا إلى سرت مساء يوم 30/7/1969 وأمضيا الليلة فيها سوياً ولم يلتحقا ببقية زملائهم المجتمعين (على بعد 50كم فقط) إلا صباح اليوم التالي 31/7/1969.. فماذا كانا يفعلان في سرت؟!.

[48] سنلاحظ في فصل  "الراعي الأمريكي.." أنّه جرى تجنيد الملازم المخبر معمر من قبل المخابرات الأمريكية منذ مطلع عام 1969 وأصبح منذئذٍ ليس ضابطاً مخبراً فحسب ولكن أيضاً "عميلاً متآمراً".

[49] العدد (1844) الصادر يوم 29/7/1978. الصفحة الثامنة. العمود الثاني.

 [50] ممّا تجر ملاحظته أنّه عند عقد الندوة كان عوض حمزة قد أبعد من مجلس الثورة بعد اتهامه بالضلوع في المحاولة الانقلابية التي كشف النقاب عنها في منتصف أغسطس 1975م.

[51] السجل القومي/ المجلد السادس. الصفحات (47- 114). وقد شارك فيها بالإضافة إلى القذافي كلّ من عبد السلام جلود وبشير هوادي ومصطفي الخروبي وعوض حمزة.

[52] كانت "محكمة الشعب" برئاسة الرائد بشير هوادي تنظر في القضايا المتعلّقة بالجيش   خلال تلك الأيام.

[53] في اعتقادنا أنّ التمويه كان مدبّراً مسبقاً وباتفاق مع الراعي الأمريكي، ولم يكن تأخّر القذافي وزميله الخروبي بسرت (مساء يوم 30/7/1977) إلا من أجل التحضير لكيفية إدارة الاجتماع وإيصال الرسالة التمويهية عن طريق الشلماني إلى الشلحي وجماعته.

[54] لعلّه تدرّب عليه في سرت قبل حضور الاجتماع.

[55] جرى بثها مساء يوم 27/8/1978 ونشرت بالسجل القومي/ المجلد التاسع. راجع الصفحات (1053- 1063).

[56] أي أنّه أتى ماشياً على رجليه وسط تلك المنطقة النائية.

[57] لم ينقصه إلا أن يقول يا عوينّا.. يا فرحتنا.." كما نردّد في العامّية...

[58] لِمَ ينكر القذافي هذه المعرفة؟ ألم يعترف في البداية أنّه كان يتردّد عليهم في القسم الداخلي بسبها.. فكيف يعقل ألاّ يعرفه القذافي أو أنّه لا يعرف القذافي، والأخير – كما يدّعي – كان معروفاً ومشهوراً في القسم الداخلي وفي سبها كلها؟!.

[59] السجل القومي/ المجلد التاسع. الصفحات (1053- 1055).

[60] المرجع السابق. صفحة (1055)، كان القروي ونجم في إجازة خارج ليبيا عندما وقع الانقلاب.

[61] أين ذهبت السيارات الخاصّة التي زعم القذافي في الحلقة الثالثة من قصّة ثورته أنّ أكثر أعضاء اللجنة المركزية قاموا بشرائها لتمكينهم من حضور الاجتماعات؟

[62] ألم يسبق للخروبي أن قال أنّ بورياقة توقّف قليلاً عند السيارات قبل أن يقدم على المجتمعين، وأنّه ربّما كان يأخذ أرقام السيارات أثناء ذلك التوقُف؟

[63] ماذا كان يغيّر من الأمر إن سبقهم أم سبقوه؟ ألم يأخذ أرقام سياراتهم؟.. ألم يسلّم عليهم ويتعرّف على وجوههم فرداً فرداً.. ألم يكن بمقدور سلطات النظام الملكي والاستخبارات أن تلاحقهم، حتى لو اجتازوا بوابة القوس، فيما بعد في معسكراتهم. حيثما كانوا في بنغازي أم في طرابلس؟!.


الجزء الثاني :   الحلقة الأولى      الحلقة الثانية     الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة
                              الحلقة الخامسة    الحلقة السادسة   الحلقة السابعة                                             

إضغط هنا للأطلاع على الجزء الأول
Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home