Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Yousef al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد يوسف المقريف


د. محمد المقريف

الأربعاء 17 سبتمبر 2008

إضغط هنا للأطلاع على الجزء الأول
الجزء الثاني :   الحلقة الأولى      الحلقة الثانية     الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة
                              الحلقة الخامسة    الحلقة السادسة   الحلقة السابعة                                             

انقلاب بقيادة مخبر (4)

د. محمد يوسف المقريف

معركة مزعومة ضد القواعد الأجنبية!!

 

في 26/3/1972 الذى صادف الذكري الثانية لجلاء القوات البريطانية، نشر القذافي الحلقة الحادية عشر من قصة انقلابه تحت عنوان "معركة ضد القواعد"[1].

 

وعلى الرغم من أنّ "المعركة" التى تحدث عنها في تلك الحلقة هى "معركة وهمية" ومن باب "كنت سأعمل كذا وكذا..." إلا أن القصة كما رواها القذافي لا تخلو من دلالات مهمة بل وخطيرة تكشف حقيقة القذافي وتلقي الضوء على جوانب من شخصيتة ومن أبرزها صلته الوثيقة بجهاز مباحث أمن الدولة.

 

ولأن أى تلخيص لهذه "المعركة" كما رواها القذافي سوف يخل بدلالاتها فنحن مضطرون إلى ايرادها بكاملها دون نقص أو تحريف.

 

يقول القذافي فى تلك الحلقة من "قصة ثورته":

 

     "بمناسبة ذكرى جلاء القوات البريطانية عن بلادنا. أردت أن أنشر صفحة مطوية من جهاد الضباط الوحدويين الأحرار، وغيرهم من أبناء الشعب ضد الوجود الأجنبي. إن تلك الصفحة كانت في عام 67-1968م سراً خطيراً، ونحمد الله الذى مكن لهذا الشعب في أرضه. لينشر اليوم ما كان سراً محظوراً، بنشره علناً وعلى الملأ. لقد قررنا بعد انتهاء معركة 1967م إلى ما انتهت اليه، أن نبدأ نحن هنا المعركة ضد قواعد الدول التى وقفت مع العدو، وكان ذلك فرصة سانحة لنا لقيادة الشعب الليبي. في معركة ضد القواعد الأجنبية قبل قيام الثورة. وقررنا أن يشترك اشتراكاً مباشراً في هذا العمل عدد قليل من اللجنة المركزية، ومن الضباط الوحدويين الأحرار نظراً لخطورة الخطوة التى كنا نخشي أن تؤدى إلى كشف العمل الكبير، وربما القضاء عليه. وهو الحركة كلها من أجل الثورة، والتى أصبحت عام 1967م في مرحلة لا يستهان بها، إذ بلغ عمرها أعواماً طويلة في تلك السنة، وعليه تكفّل بالمغامرة في هذا العمل عبد السلام جلود، ومصطفي الخروبي،  و امحمد المقريف، وعبد الفتاح يونس، وأنا، وكنا جميعاً في معسكر قاريونس ببنغازي، واتخذ القرار الجدي بالفعل، وانطلقنا نكتشف من يعمل معنا من المدنيين، وقد وجدنا نفس الاستعداد لدى مجموعة من الناس، كانت تفكر في نفس تفكيرنا، وكان أول من تفاتحنا معه في العمل، نورى نجم شقيق محمد نجم، وذهبنا له في منزله في حى "الصابرى"، عبد السلام، وأنا، ومن تهورنا أننا ذهبنا في ملابس ميدان عسكرية، ونحن فعلاً في حالة طوارئ، ولكن كان ممكناً تغيير ملابسنا بملابس مدنية، وشعرنا جميعاً أننا جادون، ومؤمنون بضرورة بدء الجهاد المقدس، من أجل الحرية، والكرامة وقال لنا نوري نجم، إن بشير المغيربي من الذين يثق فيهم، وأنه تمكن بالفعل من شراء كميات من المفرقعات، وسمعنا أن مجموعة من الشباب مستعدة للعمل، إذا كان الجيش معهم في هذا الميدان."

 

   "وجرت بعد ذلك لقاءات مع بشير المغيربي، وقد عرفناه لأول مرة، وقررنا أن يجرى كل منا اتصالات مع من يعرفهم من المدنيين، لاعدادهم لذلك. وقلنا لهم أننا سوف نرسم الخطة الكاملة، ونتعهد بالتدريب، وقيادة العمليات ضد القواعد، وكذلك استخدام ما نستطيع الحصول عليه من أسلحة الجيش، وكان عبد السلام، وامحمد، وعبد الفتاح، في سلاح الهندسة. وكانت مهمتهم إعداد المفرقعات، وعمليات النسف، والتخريب، وانهمكنا في معسكر قاريونس، في رسم خرائط المعسكرات، واستطلاعها، وضبط حركتها، ومواعيدها."

 

    "وحاولت أن أحرض على مظاهرة ضد القواعد، بواسطة اتصالى مع عدد من طلاب الجامعة في بنغازي، ولكننى فشلت، وبينما نحن نعد العدة، ونتطلع لليوم الذى تطلق فيه الشرارة الأولي، نحو عمل تحرري جاد، جاءت الأوامر بنقلى فوراً إلى معسكر الفرناج بطرابلس، ونقلت على عجل، ووضعت في منزل فخم، به حدائق، وأعناب، دون أن يسند إلى عمل حقيقى، وكنت أتأخر عن الجمع الصباحى، فلا أسأل عن ذلك، وعلى أى حال فقد عاملنى آمر السرية معاملة حسنة، ثم قيل لى: أشرف على إنشاء بعض محطات المخابرة، وراقب سير العمل، وعندها أدركت أن المسألة كلها عبارة عن "مسخرة"، وقبل نقلى اتفقنا أن نعمل أنا في طرابلس، ويعمل بقية الجماعة في بنغازي، وسألت بشير المغيربي: هل تعرف أحداً وتثق فيه هناك، يمكننى أن أتعرف بواسكته على المدنيين؟ قال لى: إن محمود الهتكى صاحبى، وهو موظف فى وزارة التخطيط حسب ظنى الآن، والأمارة التى بينى وبينه ورقة ذات نصف جنيه، مقطوعة، فأخذتها منه، واحتفظت بها.

 

وفي طرابلس وجدت اضطرابات العمال، ومنشورات سرية بإسم اللجنة العليا، وتحفز أهل الزاوية للزحف على قاعدة الملاحة.. وأذكر أني تناولت الغذاء مع الرائد على الفيتورى في منزله، فأخرج رزمة كبيرة من المناشير يحتفظ بها، فأخذتها في سيارتي، وبدأت أوزعها في شوارع طرابلس وأنا أرتدى الملابس العسكرية، حتى لا تستطيع دوريات الشرطة القبض على وكنت أنطلق بسرعة عالية، وأقذف بالمناشير كلما وجدت أناساً مجتمعين، ولعل أصحاب متاجر شارع الهضبة يذكرون ذلك، ثم أخذت أذهب للزاوية، وأتحصل على المناشير هناك، من أصحاب متاجر لا أعرفهم، ولكن قضية حرية بلادنا والثأر لأمتنا، جمعا بيننا. دون سؤال ودون تردد.. وأذكر أني اتصلت بشخص أعرف أنه ينتمى إلى أحد الأحزاب العربية، وطلبت منه أن يجمع معه من يعرف من أهل هذا العمل، وشددت عليه أن يعتبر هذا اللقاء من أجل عمل معين، ولا صلة له بنشاطه الحزبي، ويجب ألا يذكره في تقاريره الحزبية، وأكدت أن المهمة محدودة، ونقطة اللقاء الوحيدة هى هذه المهمة. (المقاومة المسلحة ضد القواعد الأجنبية)، وأخذت منه عهداً بذلك، ولكنه لم يقدم لى أحداً بعد ذلك، بل كتب تقريراً لجماعته، طلب منهم محاولة ضمى لحزبهم.. وكانت تلك خيبة أمل في الحزبية في بلادنا العربية، كما كانت أيضاً امتحاناً لحقيقة الايمان بالقضية، أو عدم الايمان بها.

 

أما لماذا لم تشن المقاومة ضد القواعد؟

 

وماذا جرى بعد ذلك؟ وما هو مصير كميات المفرقعات، والأسلحة التى اشتريت؟

 

هذا ما سأجيب عليه في حلقة أخرى إن شاء الله!"

 

·              أول الملاحظات التى تصدم من يطالع هذه الحلقة هو حجم الادعاء الذي يضفيه القذافي على هذه "المعركة الوهمية المزعومة" التى رأى يومذاك (1967 – 1968) أن يبدأ من خلالها الجهاد والمعركة ضد قواعد الدول التى وقفت مع العدو في معركة 1967، وليس ذلك فحسب فقد رأى القذافي أن خوض تلك المعركة "يشكل فرصة لنا [اى لتنظيمه] لقيادة الشعب الليبي في معركة ضد القواعد الأجنبية قبل قيام الثورة". غير أنه يبدو أن القذافي لاحظ فيما بعد وجود مبالغة فيما ادعاه بشأن "قيادة الشعب الليبي" فأعاد صياغة هذه الفقرة فى كتابه" القذافي ورحلة 4000 يوم من العمل السري" على نحو بدا أكثر تواضعاً وأقل إدعاءً حيث أصبحت تلك المعركة الموهومة، "فرصة سانحة لاختبار قدرة التنظيم على قيادة الشعب الليبي ..."

 

·            يتحدث القذافي بعد ذلك عن قرار الاشتراك في تلك "المعركة" بالعبارة التالية:

 

"قررنا أن يشترك اشتراكاً مباشراً فى هذا العمل عدد قليل من اللجنة المركزية ومن الضباط الوحدويين الأحرار.."

 

من هو الذى اتخذ هذا القرار؟ من هم الذين قرّروا؟

 

للأسف فإن الأمر ظل مبهماً إلى أن تفضل القذافي فى عام 1999 بتوضيحه عندما أورد فى الصفحة (65) من كتاب "القذافي رحلة 4000 يوم من العمل السرّي" أن اللجنة المركزية للتنظيم هى التى اتخذت ذلك القرار..

 

من هم الذين سيشاركون فى هذه "المعركة"؟

 

القذافي يوحى فى روايته أن هناك أشخاصاً آخرين شاركوا فيها بطريقة غير مباشرة وهؤلاء لا عدّ لهم.. أما الذين سيشاركون بشكل مباشر فهم عدد قليل من اللجنة المركزية ومن الضباط الوحدويين الأحرار..

 

من هم هؤلاء؟ يجيب القذافي قائلاً:

 

"تكفل بالمغامرة فى هذا العمل عبد السلام جلود ومصطفي الخروبي وامحمد المقريف وعبد الفتاح يونس وأنا وكنا جميعاً فى معسكر قاريونس ببنغازى"

 

وعلى الرغم من أن القذافي عاد وأسقط فى كتابه " القذافي ..رحلة 4000يوم من العمل السرّى" هذه الأسماء كعادته فى تزييف التاريخ  بما فى ذلك الذى صاغه بنفسه، فقد عرفنا من هم هؤلاء..

 

لماذا اقتصر العمل على هذا العدد القليل؟

 

يجيب القذافي موضحاً:

 

"نظراً لخطورة الخطوة التى كنا نخشي أن تؤدى إلى كشف العمل وربما القضاء عليه، وهى الحركة كلها من أجل الثورة والتى أصبحت عام 1967 فى مرحلة لا يستهان بها[2] إذ بلغ عمرها أعواماً طويلة فى تلك السنة.."

 

وقد يكون هذا التعليل الذي قدمه القذافي مقبولاً ومفهوماً.. غير أن الأمر الذى يظل غير مفهوم ولا مقبول هو لماذا اقتصر هذا العدد المحدود على مجموعة ضباط بنغازى ولم يتجاوزهم إلى المناطق الأخرى وبخاصة طرابلس حيث توجد القاعدة الأمريكية "ويلس"؟!

 

·              بعد أن يؤكد القذافي اتخاذ القرار الجدّى بالفعل" يفصح عن أمر مهم بقوله:

 

"انطلقنا نكتشف من يعمل معنا من المدنيين"

 

       فإذا كان تنظيم القذافي خلال تلك المرحة (1967) قد بلغ مرحلة متقدمة جداً وكان يضم أعداداً من الضباط، كما كان له "كما يزعم القذافي" جناح مدني، وإذا كان القذافي حريصاً على ألا تؤدى تلك الخطوة إلى كشف التنظيم والحركة.. فما هى الحاجة للإتصال بالمدنيين من خارج التنظيم لكى يعملوا معهم؟ وبخاصة بأن القذافي ومجموعته - كما يزعم أيضاً – كانوا قادرين على الحصول على أسلحة من الجيش؟

 

   إن إقدام القذافي على الخطوة يبدو فى اعتقادنا أمراً غير مفهوم وغير مقبول وبخاصة أنه لم يحاول فى تلك الحلقة أو فى أى مناسبة أخرى تقديم أى تفسير أو تبرير لها؟!

 

       الأمر الوحيد الذى يمكنه أن يفسر إقدام القذافي على تلك الخطوة –أخذاً فى الاعتبار شواهد صلة القذافي القديمة  بجهاز مباحث أمن الدولة وما آلت إليه هذه المعركة كما يتضح فيما بعد – هو أنها كانت فى إطار مهمة مخابراتية كلّف بتنفيذها من قبل ذلك الجهاز وأراد بعد نجاح انقلابه أن يعطيهما صفة نضالية ووطنية.

 

·          ماذا كانت محصلة قرار القذافي ومجموعته الإتصال بالمدنيين؟

 

من الواضح – من خلال ما كتبه القذافي فى الحلقة – أنها لم تسفر عن أى شئ، ذى صلة بالمعركة ضد القواعد وفى اتجاه خدمة "العمل الخطير" المزعوم.. وأنها لم تسفر عن أى شئ سوى خدمة أهداف جهاز مباحث أمن الدولة في جمع المعلومات عمّا كان يدور فى الأوساط الوطنية خلال تلك الحقبة الخطيرة  فى أعقاب حرب يونية 1967.

 

ولنعد قراءة ما كتبه القذافي فى هذا الصدد:

 

"انطلقنا نكتشف[3] من يعمل معنا من المدنيين.. وقد وجدنا نفس الاستعداد لدى مجموعة من الناس كانت تفكر نفس تفكيرنا.. وكان أول من تفاتحنا معه فى العمل هو نورى نجم[4] شقيق محمد نجم، وذهبنا إليه فى منزله بحى الصابرى عبد السلام[5] وأنا، ومن تهورنا ذهبنا إليه فى ملابس ميدان عسكرية[6]... شعرنا جميعاً بأننا جادون ومؤمنون بضرورة بدء المجهود المقدس...

 

قال لنا نورى نجم إن بشير المغيربي من الذين أثق فيهم وأنه تمكن فعلاً من شراء كميات من المفرقعات..

 

وسمعنا أن مجموعة من الشباب مستعدة للعمل، إذا كان الجيش معهم فى هذا الميدان[7]. وجرت بعد ذلك لقاءات مع بشير المغيربي وعرفناه لأول مرة، وقررنا أن يجرى كل منا اتصالات مع من يعرفهم من المدنيين لإعدادهم لذلك.."

 

وماذا أيضاً غير "اللقاءات" و"الاتصالات"و "جمع المعلومات" عن الأشخاص المدنيين؟!

 

يضيف القذافي:

 

"وقلنا لهم أننا سوف نرسم الخطة الكاملة، ونتعهد بالتدريب، وقيادة العمليات ضد القواعد، وكذلك استخدام ما نستطيع الحصول عليه من أسلحة الجيش[8].."

 

" وكان عبد السلام [جلود] وامحمد [المقريف][9] وعبد الفتاح [يونس] فى سلاح الهندسة وكانت مهمتهم إعداد المفرقعات وعمليات النسف والتخريب، وانهمكنا فى معسكر قاريونس  [الخروبي والقذافي] فى رسم خرائط المعسكرات[10] واستطلاعها وضبط حركتها ومواعيدها"

 

غير أنه من الواضح أن كل ما ذكره القذافي من إدعاءات كان محض خيال وأحلام على الورق وليس أدّل على ذَلك من أن القذافي أغفل أن يوضح متى بدأت هذه الاتصالات؟ وكم استغرقت هذه التحضيرات؟ وليس أدل على ذلك أيضاً من أن كافة هذه الاتصالات والتحضيرات المزعومة لم تسفر عن تنفيذ أى عمليات حقيقية ضد القواعد والمعسكرات..

 

ولنترك القذافي يواصل رواية "معركته الوهمية":

 

"بينما نحن نعد العدة ونتطلع لليوم الذى تطلق فيه الشرارة الأولى نحو عمل تحررى جاد، جاءت الأوامر بنقلى فوراً إلى معسكر الفرناج بطرابلس ونقلت على عجل ووضعت فى منزل فخم.."

 

ما الذى فعله القذافي قبل أن يجرى نقله العاجل إلى طرابلس؟! يقول القذافي:

 

"وقبل نقلى اتفقنا أن نعمل أنا فى طرابلس، ويعمل بقية الجماعة فى بنغازى. وسألت بشير المغيربي هل تعرف أحداً وتثق فيه هناك [فى طرابلس] يمكننى أن أتعرف بواسطته على المدنيين [؟!؟!]"

 

قال لى: إن محمود الهتكى صاحبى وهو فى وزارة التخطيط حسب  ظنى والأَمَارة بينى وبينه نصف جنيه مقطوعة فأخذتها منه ووضعتها فى جيبي.."

 

ماذا فعل رفاق القذافي فى بنغازى بعد سفره فى اتجاه تنفيذ ما أُتفق عليه بينهم ببدء المعركة مع القواعد الأجنبية؟

 

وماذا فعل القذافي نفسه فى الاتجاه ذاته بالنسبة لطرابلس؟

 

بالطبع لاشئ هنا.. ولاشئ هناك!

 

يتساءل القذافي فى الحلقة (11) ذاتها قائلاً:

 

" أما لماذا لم تشن المقاومة ضد القواعد؟.. وماذا جرى بعد ذلك، وما هو مصير كميات المفرقعات والأسلحة التى اشتريت؟"

 

ولا يجيب القذافي بشئ حول هذه الأسئلة ثم يكتفى بأن يعد القراء فى ختام الحلقة قائلاٍ:

"هذا ما ساجيب عليه فى حلقة أخرى إنشاء الله"

 

وتوالت حلقات قصة الانقلاب العشرون ولم يتعرض القذافي فى أى منها للاجابة عن تلك التساؤلات التى طرحها هو نفسه ووعد بالإجابة عنها فى "حلقة قادمة". غير أن مؤلفة كتاب "القذافي رسول الصحراء" انتبهت إلى هذه المسألة أثناء إعدادها لكتابها[11] وسألت القذافي عن مصير تلك المتفجرات:

 

"وماذا فعلتم بالمتفجرات؟ فلقد قلت (سأروى لكم البقية فى مرة مقبلة.. ولكنك لم تعد إلى تلك الرواية..؟"

 

وتورد المؤلفة قائلة:

 

"انفجر [القذافي] ضاحكاً.. ثم قال: أود أنا نفسي أن أعرف ماذا حدث لتلك المتفجرات.. نسيت أن أسأل الذين أشتروها ماذا فعلوا بها.. عليك بسؤال سفيرنا في أبي ظبي[12] فقد كان هو المكلف بهذا الجزء من العملية.."

 

·        بالعودة إلى موضوع النقل المفاجئ للقذافى إلى معسكر الفرناج بطرابلس..

لم يذكر القذافي تاريخ ذلك النقل العاجل المفاجئ!

 

       وقد ظل ذلك التاريخ مبهماً وغير معروف إلى ان أشار إليه القذافي خلال الندوة التليفزيونية التى بثتها فضائية النظام مساء يوم 30/8/1999 بمناسبة الذكرى الثلاثين للانقلاب.. لقد ذكر أن قرار النقل صدر عن قيادة الجيش في 1/8/1967، وقد قام بالتوقيع على ذلك القرار العقيد (صالح عبد الحميد الصبيحى).

 

فإذا كان التاريخ الذى ذكره القذافي صحيحاً فمعني ذلك أن المدة التى استغرقتها القرارات والاجتماعات والتحضيرات التى أشار اليها القذافي فى تلك الحلقة كانت قصيرة جداً لا تكاد تبلغ الشهرين (المدة بين نهاية حرب يونية 1967 وقرار النقل المفاجئ فى1/8/1967)  وهو أمر غير قابل للتصديق لا سيما إذا أخذنا فى الاعتبار أن جزءاً كبيراً من هذه الفترة قد عاشته البلاد فى حالة طوارئ كاملة.

 

·          المسألة الأخرى المتعلقة بهذا النقل المفاجئ الذى تعرض له القذافي في تلك الفترة، هى سبب هذا النقل.

 

يقول القذافي فى هذا الشأن أن ظاهر قرار نقله إلى معسكر الفرناج بطرابلس هو تكليفه بالإشراف على بعض محطات المخابرة ومراقبة سير العمل فيها. ثم يضيف بأنه أدرك من خلال نوع الاقامة التى وفرّت له واعفائه من إسناد عمل حقيقى له "أن المسألة كلها مسخرة" مما أوحى له بأن قيادة الجيش كانت على علم بما كان (القذافي) يخطط له من "ضرب القواعد" وأنها رأت إجهاض ذلك العمل من خلال إبعاده إلى طرابلس فى مهمة مفتعلة يقيم خلالها فى بيت فخم به حدائق وأعناب...وقد أكّد القذافي هذا المعنى بطريقة مباشرة خلال الندوة التى أشرنا إليها آنفاً (30/8/1999) حيث ورد على لسانه:

 

"الليلة فقط عرفت سبب نقلى إلى طرابلس فى 1/8/1967.. معناها كانوا [رجال النظام الملكي] يتابعوا فىّ منذ عام 1967.. كانوا وراءنا منذ عام 1967".  ولكن إذا كان ما يدعيه القذافي صحيحاً.. فلماذا اقتصر قرار النقل عليه؟ ولماذا لم يشمل بقية المجموعة جلود والخروبي والمقريف وعبد الفتاح؟ لماذا لم يشمل مثلاً جلود على  الأقل باعتبار أنه شارك معه فى الاتصالات مع المدنيين فى بنغازي[؟!] "

 

وفضلاً عن ذلك فإذا كان النظام الملكى قمعياً – كما يزعم القذافي دوماً – ألم يكن بمقدور ذلك النظام اتخاذ اجراءات قاسية وقمعية تجاهه وتجاه بقية رفاقه، لا أن يرسل به للاقامة في بيت فخم به حدائق وأعناب وبدون عمل حقيقي؟!

 

السبب الحقيقي في اعتقادنا وراء قيام النظام بنقل الملازم القذافي بشكل مفاجئ إلى طرابلس أن مباحث أمن الدولة التى ينتسب إليها القذافي خفية ربما قررت بعد أن رأت عميلها القذافي قد نجح في جمع المعلومات المطلوبة حول تحرك العناصر الوطنية التى ترغب في رصدها ببنغازي، وتحاشياً لأن يتورط عميلها في المزيد من الاتصالات والتحركات التى قد تكشف حقيقته – قررت أن تنقله إلى طرابلس من أجل أن يواصل مهمته المخابراتية في جمع المعلومات عن عناصر وطنية أخرى وتحركاتها خلال تلك الأوقات العصيبة الحرجة التى تعاظم فيها الهيجان والغضب الشعبي فى أعقاب هزيمة حرب يونية 1967. ومن الأمور ذات الدلالة والأهمية فى هذا الصدد:

 

1.            عدم قيام الملازم القذافي أثناء وجوده بطرابلس بالاتصال بأى ضابط من ضباط تنظيمه ومفاتحته بشأن العمل الذى يزعم أنه كان يحضر للقيام به ضد القواعد الأجنبية.

 

2.            تركيز القذافي تحركه في منطقة طرابلس على الاتصال بالمدنيين والحزبيين في كل من مدينتي طرابلس والزاوية وغيرهما.

 

3.            تجاهل الإشارة فى الحلقة عما إذا كان القذافي قد قام بالاتصال بالمدعو محمود الهتكى الذى كان قد حصل على اسمه وكلمة السر للاتصال به من بشير المغيربي في بنغازي (هذا التجاهل له دلالة ومغزى كبير).

 

4.            انصراف القذافي عن فكرة العمل الموجه ضد القواعد في طرابلس وتركيز نشاطه أثناء إقامته فى طرابلس على "توزيع المنشورات" وغير ذلك من النشاطات التى لا يوجد أى دليل ملموس على مشاركته الفعلية فيها، ولا يخفى أن نشاط توزيع المنشورات من النشاطات التى يهتم بها المخبرون السريون حيث تتيح لهم الفرصة لمعرفة العناصر الحزبية والوطنية النشيطة.

 

·                  يزعم القذافي في تلك الحلقة أنه حاول خلال الفترة التى اصدر فيها تنظيمه القرار بخصوص المعركة ضد القواعد فى ليبيا، أن يحرض الطلبة في بنغازي على التظاهر ضد القواعد ولكنه فشل:

 

" حاولت أن أحرضّ على مظاهرة ضد القواعد بواسطة اتصالي مع عدد من طلاب الجامعة فى بنغازي ولكننى فشلت.."

 

ولم يقل القذافي فى تلك الحلقة لماذا فشل فى تحريك طلبة الجامعة فى بنغازي للقيام بمظاهرة ضد القواعد. ويبدو أنه ترك تلك المهمة لمؤلف كتاب "رئيسى ابنى" فريدريك موسكات حيث جاء فى الصفحة (78) منه:

 

"كما حاول معمر آنذاك أن يحمل الطلبة فى بنغازي على التظاهر ضد القوات الأجنبية في ليبيا، إلا أنه لم يكن لدى الطلبة من الحماس ما يدفعهم على اتخاذ تلك الخطوة الجريئة[13].."

 

وتجدر الإشارة إلى أن القذافي أعاد صياغة الفقرة التى وردت بالحلقة حول فشله في تحريك طلبة الجامعة فأوردها في الصفحة (67) من كتابه "القذافي ورحلة 4000 يوم من العمل السري" على النحو التالى:

 

"وحاولت أن أحرّض على مظاهرة ضد القواعد بواسطة اتصالى بعدد من طلاب الجامعة[14].."

 

ماذا فعل الملازم القذافي خلال فترة إقامته فى طرابلس التى امتدت قرابة أربعة شهور بدءاً من أوائل شهر أغسطس 1967؟!

 

       من الواضح أن القذافي – وفقاً لما جاء في تلك الحلقة و فى بقية حلقات قصة انقلابه- قد فعل كل شئ إلا شيئاً واحداً هو الموضوع الذى زعم أنه أتفق مع بقية رفاقه ومع عدد من المدنيين فى بنغازي على القيام به ونعنى به" بدء العمل ضد القواعد الأجنبية فى طرابلس" وفضلاً عن ذلك:

 

§              فهو لم يكترث بأن يتناول فى تلك الحلقة (11) الحديث عما إذا كان إتصل بمحمود الهتكي الذى أبلغه عنه بشير المغيربي فى بنغازي وأعطاه كلمة السر للاتصال به والمتمثلة فى "نصف الجنيه المقطوعة" التى يقول القذافي أنه أخذها من المغيربي ووضعها فى جيبه.

 

§              كما لم يتحدث القذافي في تلك الحلقة أو في غيرها عن قيامه بمفاتحة أى عضو من أعضاء تنظيمه العسكري أو المدني في طرابلس عن ذلك الموضوع الخطير... المعركة ضد القواعد!

 

وبدلاً من ذلك فالقذافي يتحدث عن نشاط غير عادى مارسه خلال الفترة أثناء إقامته بطرابلس فى مجالى:

 

o           توزيع المنشورات السرية.

o           والاتصال بالعناصر المدنية ذات التوجة الحزبي.

فماذا قال القذافي فى هذا الشأن؟

 

·          أما عن توزيع المنشورات، فيقول القذافي:

 

" وفي طرابلس وجدت اضطرابات العمال ومنشورات سرية بإسم اللجنة العليا، وتحفز أهل [مدينة] الزاوية للزحف على قاعدة الملاحة [الأمريكية].

 

وأذكر أننى تناولت الغداء مع الرائد على الفيتورى فى منزله [بطرابلس] فأخرج رزمة كبيرة من المناشير يحتفظ بها.. فأخذتها في سيارتي، وبدأت أوزعها فى شوارع طرابلس وأنا أرتدى الملابس العسكرية حتى لا تستطيع دوريات الشرطة القبض على. وكنت أنطلق بسرعة عالية وأقذف بالمناشير كلما وجدت أناساً مجتمعين ولعل أهل متاجر شارع الهضبة يذكرون ذلك..".

 

وليس ذلك فحسب، فيبدو أن القذافي عرف أن المصدر الذى يقوم بالاحتفاظ بالمنشورات هو في بلدة "الزاوية" القريبة من طرابلس، فلم يتردد في الاتصال به وفي أن يطلب منه المزيد من تلك المنشورات:

 

".. ثم أخذت أذهب للزاوية وأتحصل على المناشير من هناك من أصحاب متاجر لا أعرفهم ولكن حرية بلادنا وثأر أمتنا جمع بيننا دون سؤال ودون تردد..." ( بالطبع فلم يكن المخبر القذافي وبالتالي جهاز أمن الدولة في حاجة إلى معرفة أسماء أصحاب تلك المتاجر إذ تكفي عناوينهم)

 

ومن حق من يطالع هذه الفقرات العجيبة أن يتساءل:

 

o       لماذا قام القذافي بتوزيع هذه المنشورات بمفرده؟ ولماذا لم يطلب مساعدة أحد بمن في ذلك رفيقه (على الفيتوري) الذى وجد رزمة المناشير في بيته؟

 

 

o       إذا كان إرتداء القذافي للملابس العسكرية سيمنع دوريات الشرطة من القبض عليه.. فلماذا الاندفاع بالسرعة العالية بالسيارة؟!

 

o       وهل كان مأذوناً لضباط الجيش أن يفعلوا ما شاءوا طالما كانوا يرتدون ملابسهم العسكرية؟!

 

o       وإذا كان القذافي – كما يدعي في حلقات أخري من قصة انقلابه – أنه كان ضالعاً وخبيراً في إعداد المنشورات السرية وطباعتها وتوزيعها، فلماذا لم يقم بإعداد منشور خاص بإسم تنظيمه ويتولى توزيعه في تلك الأجواء الشعبية والوطنية المتأججة؟

 

o       ثم لماذا لم يفصح القذافي في الحلقة عن المصدر الذى عرف منه أصحاب المتاجر الذين يحتفظون بتلك المنشورات؟ ألم يجد الملازم القذافي وسيلة يدعم بها موقف أهل الزاوية الذين كانوا يتأهبون في تلك الآونة للزحف على قاعدة الملاحة الأمريكية بطرابلس سوي توزيع المنشورات؟!

 

لم ينس القذافي خلال الندوة التليفزيونية التى بثتها فضائية نظامه مساء 30/8/1999م. أن يباهى بمجهوده غير العادى في توزيع المنشورات خلال تلك الفترة، فأعاد رواية حكاية المنشورات التى وجدها في بيت (على الفيتوري) وأكد أنه قام بتوزيع تلك المنشورات بنفسه مستخدماً سيارة الفولكس الخاصة به وأنه كان مرتدياً الملابس العسكرية.. غير أنه لم يفته كالعادة إدخال بعض الإضافات الدرامية كان من بينها:

 

§        أنه لم يكن يعرف مدينة طرابلس في ذلك الوقت، ولهذا فقد دخل بالخطأ معسكر القوة المتحركة؟

 

§        لنفس السبب قام بسؤال شرطيين من رجال المرور عن الشارع الذي يوصّل إلى الهضبة(لم يقل لماذا الهضبة)؟

 

§        قام الشرطيان بأخذ رقم سيارة الملازم القذافي الفولكس..

 

§        أكد القذافي أنه رغم كل ما حدث لم يحصل له أى شئ، فلم يجر القبض عليه أو التحقيق معه..

 

وفي تصوِّرنا فإن المتابِع لهذه التحركات وهذه التصرفات، لا يملك إلا أن يجزم بأنها لا يمكن أن يقوم بها "مناضل جاد" ولا يمكنها أن تصدر إلا عن "مخبر مباحث" يقوم بجمع المعلومات واصطياد الأشخاص وعلى ثقة كاملة بأنه لن يُلاحق ولن يساءل من قِبل أجهزة الأمن عن تصرفاته وتحركاته.

 

·        أما عن الاتصال بالمدنيين في طرابلس خلال تلك الفترة فيخصص القذافي له فقرة مهمة من تلك الحلقة مبرزاً له بعنوان جانبي صارخ هو" خيبة أمل في الحزبية" يقول فيها:

                 

" وأذكر أننى اتصلت بشخص  أعرف أنه ينتمى إلى أحد الأحزاب العربية وطلبت منه أن يجمع معه من يعرف [؟!] من أجل هذا العمل، وشدّدت عليه أن يعتبر هذا اللقاء من أجل عمل معيّن ولا صلة له بنشاطه الحزبي ويجب ألا يذكره في تقاريره الحزبية، وأكدّت له أن المهمة محدودة ونقطة اللقاء الوحيدة هى هذه المهمة [المقاومة المسلحة ضد القواعد الأجنبية] وأخذت منه عهداً بذلك، ولكنه لم يقدم لى أحداً بعد ذلك، بل كتب تقريراً لجماعته طلب منهم محاولة ضمّى لحزبهم.."

 

ويخلص القذافي من ذلك إلى القول:

 

" وكانت تلك خيبة أمل في الحزبية في بلادنا العربية، كما كانت أيضاً إمتحاناً لحقيقة الايمان بالقضية أو عدم الإيمان.."

 

وتثير هذه الفقرات عدداً من التساؤلات لعل أهمها:

 

o       لماذا ترك القذافي رجال تنظيمه ولجأ إلى هؤلاء الحزبيين؟

 

o       ثم لماذا ترك الاتصال بمحمود الهتكي وجماعته ولجأ إلى هؤلاء الحزبيين الذين خيبوا أمله في الأحزاب العربية؟

 

o       ثم لماذا امتنع هذا الحزبي المزعوم (الذى لم يذكر اسمه) عن تقديم أى شخص للملازم القذافي؟ أليس من المحتمل أن يكون السبب هو شك هذا الحزبي في القذافي وربما معرفته له بأنه يعمل لصالح جهاز مباحث أمن الدولة؟

 

o       وإذا كانت هذه الواقعة – بافتراض صحتها – تبرّر للقذافي خيبة أمل في الحزب الذى ينتمى إليه ذلك الحزبي، فكيف يمكن أن تبرر له خيبة أمله في الحزبية في جميع البلاد العربية؟!

 

o       ولعل السؤال الأهم هو كيف عرف القذافي أن ذلك الشخص الحزبي كتب تقريراً عنه إلى حزبه يطلب منهم محاولة ضم القذافي إليهم؟ ألا ينمّ ذلك عن وجود صلة للقذافي  بجهة تتابع النشاط الحزبي فى البلاد.. وهل هناك جهة أخرى تقوم بتلك المهمة غير "مباحث أمن الدولة"؟!

 

وهكذا انتهت تلك "المعركة ضد القواعد" التى تحدث عنها القذافي فى الحلقة الحادية عشر من قصة انقلابه. ومن المثير للاستغراب أنه لم يحدث أن تكلم عن هذه "المعركة المزعومة" بوقائعها الغريبة أى من ضباط تنظيم القذافي الذين زعم أنهم شاركوا في أحداثها وهم عبد السلام جلود ومصطفي الخروبي وامحمد المقريف وعبد الفتاح يونس.

••     لاستكمال الصورة التى كانت عليها اهتمامات الملازم القذافي وأولوياته خلال الأشهر الأربعة التى أمضاها في طرابلس (منذ الأول من أغسطس 1967) وبيان كيف أنها كانت بعيدة كل البعد عن "المعركة ضد القواعد" التى زعم أن اللجنة المركزية لتنظيمه قررت خوضها في أعقاب حرب يونية 1967 ضد قواعد الدول التى وقفت مع العدو في تلك الحرب، يحسن أن نختتم هذا المبحث ببعض المقتطفات التى وردت عرضاً في كتاب "جانب من قصة الثورة" الذى ألفّه زميل القذافي الرائد عبد الكبير الشريف.

 

،، يورد مؤلف الكتاب المذكور في الصفحات (111، 112) ما خلاصته أنه جرى استدعاؤه والملازم ابريك الطشاني إلى معسكر الزاوية في الخامس من يونية 1967 حيث أمضيا هناك فترة من الوقت ، ثم يقول المؤلف بعد ذلك:

 

" في تلك الأثناء [لم يحدد التاريخ] اتصل بنا ضابط من " أساس التدريب بتاجوراء" وقال إن ضباط الأساس قرروا أن يثوروا على الحكم وأن علينا أن نقف معهم، وأخبرنا أن أحدهم اتصل بالسفير الجزائري ووعده بمساعدتهم بإرسال لواء جزائري" وسيدخل أفراد هذا اللواء بالملابس المدنية إلى طرابلس وسيعطونهم ملابس وتجهيزات وأسلحة ليبية.. وأن إجتماعاً سيعقد غداً عند الساعة العاشرة صباحاً فى مقهى قرب البريد المركزي بميدان الجزائر مقهى "البومبيرا" وقال يحضر الاجتماع واحد منكم فقط."

 

ويواصل عبد الكبير الشريف روايته:

 

"اتفقنا الملازم ابريك وأنا [الاثنان من جماعة القذافي] على أن يذهب الملازم ابريك لحضور هذا الاجتماع بينما أذهب أنا إلى الملازم معمر في معسكر الفرناج لأطلعه على الأمر.وفعلاً جئت إلى الملازم معمر, وشرحت له كل شئ. وقال لي: استمروا معهم ولكن كونوا حذرين فربما ذلك الضابط يتبع دائرة الاستخبارات العسكرية [على غرار ما يقوم به هو في أوساط المدنيين]، وإذا كان كلامهم صحيحاً فسوف نرى.. وقال لى سأزروكم غداً في الزاوية لأرى ما وصلتم إليه مع هؤلاء.."

 

وتتواصل القصة وفقاً لما رواه عبد الكبير الشريف على النحو التالي:

 

" ذهب الملازم ابريك لحضور الاجتماع حسب الموعد ولكنه لم يجد أحداً عدا ذلك الضابط الذى وجده جالساً يحتسي قدحاً من البيرة.. وبعد انتظار أكثر من ساعة عاد الملازم ابريك وأخبرني عن ذلك بطريقته المعروفة [!] وكان يعتصر المرارة ولا يكف عن سبّ أولئك المتقاعسين".

 

 

ويستطرد المؤلف في السياق ذاته ليقول:

 

" كان أحد "ضباط أساس تاجورا" ،[نفس المجموعة] قد اتصل بمعمر وأخبره أن إجتماعاً سيعقد في منزل ذلك الضابط عند المساء، وأن على الملازم معمر حضور ذلك الاجتماع الهام والخطير.. وفي الموعد المحدد ذهب الملازم معمر إلى منزل ذلك الضابط (يبدو أن القذافي لم يتعظ مما حدث مع الملازم ابريك؟) ووضعوا زجاجة الخمر تحت الطاولة وبقيت الأقداح فوقها.. وقال [الملازم معمر] لهم ما هذه بأخلاق الثوار [كيف عرف أنهم ثوار؟!] وهمّ بالإنصراف ولكنهم رجوه البقاء وأخبره أحدهم أنه على علم بأن له تنظيم قوي في الجيش [أى للملازم معمر] وأنهم سيتعاونون جميعاً لتغيير النظام. فقال لهم معمر ليس لدى أى تنظيم وما جئتكم إلا بنفسي وأنا أستغرب موقفكم هذا.. وغادر ذلك المنزل وقطع علاقته بهم.."

 

ويختم المؤلف القصة على النحو التالى:

 

"وجاءنا [الملازم معمر] في عشية اليوم التالى إلى معسكر الزاوية وأخبره ابريك بما حدث وضحك الملازم معمر وحكى لنا ما ذكرته وقال اقطعوا صلتكم بهم، وكانت تلك النهاية فلم يعاودوا الاتصال بنا قط.."

 

       ولا يخفي أن هذه القصة تثير علامات استفهام كثيرة حول شخصية الملازم معمر وطبيعة علاقته مع ضباط تنظيمه، من ذلك مثلاً كيف أنه في الوقت الذى نصح فيه رفيقيه [الشريف والطشاني] بمراعاة الحذر لم يقم هو بممارسة أى نوع من الحذر ولم ينتظر حتى اليوم التالى ليعرف منهما نتيجة الاجتماع بضباط "أساس تدريب تاجورا" حتى يستطيع أن يقرر في ضوء ذلك ما يفعله إزاء الدعوة التى وجهها هؤلاء الضباط أنفسهم للإجتماع معهم.

 

       غير أن الذى يعنينا فعلاً في هذا المقام هو غياب أى شئ في هذه الرواية يدل على أن الملازم القذافي أطلع رفيقيه المذكورين تلميحاً ولا تصريحاً، على "معركته" المزمعة مع القواعد الأمريكية فى طرابلس والبريطانية في بنغازي.

 

••   القصة الثانية رواها المؤلف السابق (عبدالكبير الشريف ) نفسه في الصفحات (114- 115) من كتابه، وقد وقعت أحداثها أثناء تواجده فى مدينة طرابلس مكلفاً بمهمة حماية المنشآت الحكومية خلال الأشهر التى أعقبت حرب يونيه 1967، وقد تزامن ذلك مع وجود الملازم معمر القذافي فى معسكر الفرناج بالمدينة نفسها.

 

يقول المؤلف عبد الكبير الشريف:

 

"استلمت محطة الكهرباء [جنوب غرب المدينة القديمة] ومصرف ليبيا المركزى، وما أن بقيت هناك يومين حتى اتصل بى جماعة من البعثيين وطلبوا منى تدريبهم على قذف الرمانات [القنابل اليدوية] واستخدام السلاح، واستغربت لهذا الطلب العجيب وسألتهم عن السبب فقالوا: سنقيم ثورة شعبية في القريب العاجل وطلبت منهم أن يأتونى غداً. واتصلت بالملازم معمر وحكيت له الحكاية. فقال: استمر معهم وحاول تنفيذ طلباتهم. وكان على أن أخبره بالنتيجة.. وبدأت في تدريب بعضهم فوق أسطح محطة الكهرباء، وطلبوا منى حضور الاجتماع الهام والخطير معى على حد قولهم والذى سيعقد فى منزل أحدهم لتحديد موعد الثورة وذهبت لحضور الاجتماع الذى حضره عشرة أشخاص أغلبهم لا يروا إلا بنظارات طبية من النوع السميك[15]، وقلت لهم أين المجتمعين [المجتمعون ]، فقالوا: قد تأخروا. وسألت عن عددهم فأجابوا مائتين موزعون[ موزعين] في جميع أنحاء ليبيا. فقلت وهل مائتان من المدنيين يغيرون نظاماً تحميه البنادق والمدرعات[16]؟ وانصرفت."

 

ويختم المؤلف عبد الكبير القصّة على النحو التالي:

 

" وأحطت الملازم معمر بما جرى.. ضحك كثيراً وهو يقول: لم يخلق لهذا الواجب سوانا.. نحن فقط خلقنا لذلك.."

 

وبعيدأ عن الغرور الكاذب الذى يقطر من كلمات الملازم القذافي التى نقلها عنه المؤلف والذى يبدو أنه يوافقه على مضمونها، فإن الذى يعنينا هنا هو دلالة هذه القصة على أن القذافي لم يكن يفكر أو لم يكن منشغلاً بموضوع "معركته الموهومة" ضد القواعد الأحنبية وإلا لكان صارح رفيقه الملازم عبد الكبير الشريف (المؤلف) بشأنها وبخاصة بعد أن رأى لديه الاستعداد لتدريب المدنيين الراغبين في استخدام السلاح.

 

••  الواقعة الثالثة التى تعنينا في هذا المقام وردت هى الأخرى في كتاب عبد الكبير الشريف "جانب من قصة الثورة" (صفحة 167) ضمن الملحق رقم (1) الذى أعده النقيب أحمد محمود الزوي أحد أعضاء تنظيم القذافي تحت عنوان "أضواء على التخطيط والإعداد لثورة الفاتح من سبتمبر".

 

يقول النقيب أحمد محمود في ذلك الملحق ما نصه:

 

" وفي بداية سنة 1968 أقيمت دورة أساسية لضباط سلاح المدفعية انتظمت فيها مع الإخوة خليفة حفتر ويوسف الدبري والهادي امبيرش ويوسف أبو حجر. وكان من حسن الطالع في ذلك الوقت أيضاً أن نقل الملازم معمر القذافي إلى طرابلس لسرية المخابرة. وهكذا سنحت لنا فرصة فريدة لطوال أربعة أشهر في معسكر الفرناج بطرابلس وسهل ذلك علىّ مهمة الاتصال بمعمر القذافي.، وفي ذلك الوقت ايضاً انتدب عمر المحيشي للعمل في الكتيبة السادسة مشاة بمعسكر الزاوية. وكانت تلك مناسبة طيبة للقائي بمعمر القذافي وعمر المحيشي مستغلين في ذلك فترات الراحة والعطلات الرسمية لدراسة ومناقشة ما قد تحقق في التنظيم. واستمرت تلك المقابلات حتى انتهت دورة المدفعية ورجعت إلى مصراته وانتدبت بعدها إلى حامية سبها. كما نقلت الكتيبة السادسة مشاة التى كان بها عمر المحيشي إلى المرج ورجع الملازم معمر القذافي إلى معسكر قاريونس في بنغازي."

 

إذن وفقاً لهذا المقتطف[17] فقد كان الملازم القذافي موجوداً في معسكر الفرناج بطرابلس في مهمة من قِبل قيادة الجيش الليبي آنذاك مثل غيره من عشرات الضباط الذين جاءوا إلى معسكرات طرابلس من شتي وحدات الجيش بمختلف المدن الليبية ولم يكن وجوده هناك – كما يزعم في الحلقة (11) من قصة انقلابه– من قبيل الابعاد له عن قصد وأن ذلك ذو علاقة بما كان يخطط للقيام به ضد القواعد الأجنبية في بنغازي.

 

إلا أن الأهم من ذلك هو أن الملازم القذافي لم يقم طوال الأربعة أشهر التى أمضاها مع  زميليه المحيشي وأحمد محمود في معسكر واحد بمفاتحة أى منهما، ولو لمرة واحدة، في موضوع "المعركة ضد القواعد الأجنبية" رغم كثرة وتعدد اللقاءات بينهم ولم تتجاوز موضوعات تلك اللقاءات "دراسة ومناقشة ما قد تحقق من خطوات في التنظيم".

 

والخلاصة التى تؤكدها هذه المقتطفات الثلاث أنه على الرغم من أن الملازم معمر القذافي أمضى ما لايقل عن أربعة أشهر في معسكر الفرناج بطرابلس كان خلالها على اتصال بعدد من ضباط تنظيمه (وهم عبد الكبير الشريف، ابريك الطشاني، أحمد محمود، عمر المحيشي، خليفة حفتر، يوسف الديري، يوسف ابو حجر) عدا غيرهم بالطبع، ومع ذلك فلم يحدث أن فاتح القذافي أحداً من هؤلاء في موضوع "المعركة ضد القواعد الأجنبية" الذى يفترض - وفقاً لما ورد في الحلقة (11) من قصة انقلابة - للقاءات بينهم ولم تتجاوز موضوعات تلك اللقاءات "دراسة ومناقشة ما قد تحقق من خطوات في التنظيم".أنه كان يشغل باله ويقع فى أعلى سلم أولوياته النضاليه في تلك الفترة.

 

وتجدر الإشارة إلى أن تخاريف القذافي ومغالطاته حول هذه "المعركة الوهمية" لم تتوقف عند الحد الذى  ورد في الحلقة (11) من قصة انقلابه، إذ نجده يجيب على سؤال وجهه إليه مندوب مجلة "الموقف العربي" بتاريخ 4/9/1989 حول موقف معسكرات الجيش البريطاني في ليلة الانقلاب، قائلاً:

 

"الجيش البريطاني بعد عام 1967 تمت مضايقته حتى أننا وضعنا مخططاً لشن عمليات فدائية ضده فانسحب البريطانيون من بنغازي إلى طبرق[18]."

 

فمن الواضح أن معركة القذافي الوهمية أسفرت عن نتائج لم يعلم بها إلا القذافي وحده وهى انسحاب الجيش البريطاني من بنغازي إلى طبرق!!!.

 

[1] نشرت أول مرة في "ثورة الشعب العربي الليبي- من اقوال القذافي " الجزء الأول الصفحات (229-230) وزارة الاعلام والثقافة 1972 -1973 ثم أعيد نشرها في السجل القومي/ المجلد الثامن 76/1977 الصفحات (114-117) ثم أعيد نشرها مرة ثالثة بعد ادخال تعديلات عليها في كتاب "القذافي ورحلة 4000 يوم من العمل السري" من اصدارات شعبة التثقيف ملتقي رفاق القائد (تاريخ النشر عام 2000م) ص (65 – 69).

[2] يبدو أن القذافي عاد وراجع نفسه بشأن هذا الوصف الذى أطلقه بشأن حالة تنظيمه وقرر استبدالها بوصف آخر أكثر قوة فى كتابه "أربعة آلاف يوم من العمل السري" هى أنه "أصبح فى عام 1967 فى مرحلة متقدمة جداً".  ص (65).

[3] تكاد هاتان اللفظتان أن تكشفا عن طبيعة قائلهما المخابراتية.

[4] أُسقط إسم محمد نجم من رواية هذه القصة كما أوردها القذافي بكتاب "القذافي ورحلة 4000 يوم من العمل السرّي".

[5] أسقط إسم عبد السلام جلود هو الآخر وفق الرواية الجديدة.

[6] شاهد آخر على فقدان القذافي لمقومات التفكير السوى.

[7] كان أصل هذه العبارة كما وردت فى أول رواية لهذه الحلقة "وسمعنا مجموعة من الشباب المستعدة للعمل إذا كان الجيش معنا فى هذا الميدان".

[8] يبدو أن القذافي نسي ما زعمه فى الحلقة (14) من قصة انقلابه التى نشرها فى 27/9/1973 تحت عنوان "ذخيرة.. ليوم الثورة" بأنه كان قد أخفى ذخيرة في بيت أبو بكر يونس منذ عام 1965م. كذلك تجدر الإشارة إلى أن مؤلف كتاب "ابنى رئيسى" أشار فى الصفحة (78) من كتابه أن القذافي ورفاقه حصلوا على أكبر قدر من الذخيرة ووضعوها فى أماكن آمنة.

[9] أسقط مؤلف كتاب "رئيسى ابنى" إسم امحمد المقريف فى روايته لتلك الحلقة حيث أن الكتاب جرى تأليفه بعد وفاة النقيب امحمد المقريف مساء يوم 21/8/1972 فى ظروف غامضة.

[10]  لم يوضح القذافي عدد هذه المعسكرات ولا أسماءها ولا مواقعها.

[11] م.س.ص.(136- 137).

[12] يقصد محمد بشير المغيربي. وتجدر الإشارة إلى أن السيد المغيربي أصدر فى عام 1992 كتاب "وثائق جمعية عمر المختار- صفحات من تاريخ ليبيا" الذى سرد فيه جوانب من نشاط رجال الجمعية فى المجالين الوطنى والقومى حتى عام 1967 غير أنه لم يورد أى إشارة تتعلق بما أورده القذافي فى تلك الحلقة من قصة انقلابه.

[13] لقد غاب عن المستر موسكات ومن لقّنه تلك المعلومات كيف أن شوارع مختلف المدن الليبية، بما فيها بنغازي كانت، منذ قيام حرب يونية1967، تعج بالمتظاهرين وكان طلاب الجامعة في مقدمتهم.

[14] أى أنه استبعد وصف الفشل في المحاولة فالقائد لا يعرف الفشل أبداً!!؟

[15] وكأن ذلك مسّبة ومنقصة؟!

[16] ألم يقل قائده القذافي في أكثر من مناسبة أنه كان يفكر في القيام بثورة شعبية قبل أن يدخل الكلية؟

[17] ووفقاً لما ورد أيضاً في المقتطف الذى سبقه.

[18] راجع السجل القومي، المجلد/21- 89/ 1990، الصفحات (40-41).


الجزء الثاني :   الحلقة الأولى      الحلقة الثانية     الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة
                              الحلقة الخامسة    الحلقة السادسة   الحلقة السابعة                                             

إضغط هنا للأطلاع على الجزء الأول
Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home