Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Yousef al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد يوسف المقريف


د. محمد المقريف

الخميس 13 نوفمبر 2008

الجزء الأول      الجزء الثاني      الجزء الثالث

الجزء الثالث : الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
            الحلقة السادسة  الحلقة السابعة  الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة ( الأخيرة )


انقلاب بقيادة مخبر (1)

د. محمد يوسف المقريف

الفصل الثالث

تمهيد

عندما أهلّ عام 1969م. كان  معمر أبو منيار عبد السلام القذافي قد أمضى نحو عشر سنوات في "العمل السرّي" كمخبر (بصّاص) لدى أجهزة النظام الملكي الأمنية.

·    منها نحو خمس سنوات ما بين 1958-1963 كمخبر سرّي لدى "جهاز المباحث العامة" بولاية فزان، كان معروفاً خلالها في دوائر الجهاز باسم "معمر عبد السلام".

·    أما الخمس الباقية، وتحديدا منذ عام 1963[1] وحتى مطلع عام 1969، فقد أمضاها كمخبر سرّي لمصلحة "جهاز أمن الدولة" على مستوى المملكة، وهو الجهاز الذي وجّهه – مع آخرين- في أواخر صيف عام 1963 للالتحاق بالدفعة السابعة بالكلية العسكرية في بنغازي، حيث تخرّج منها برتبة ملازم ثانٍ بالجيش الليبي في أغسطس من عام 1965 باسمه الجديد "معمر القذافي" ثمّ التحق منذئذٍ بالعمل في سلاح المخابرة (الإشارة) "بمعسكر قاريونس" القريب من مدينة بنغازي.

لقد حقّق الطالب "معمر عبد السلام أبو منيار" نجاحاً في عمله كمخبر  لدى جهاز المباحث العامّة التابع لنظارة الداخلية بولاية فزان، حيث تمكّن من جمع معلوماتٍ واسعة عن نشاط العناصر الطلابية والحزبية بالولاية، ساعدت في الاعتقالات التي تعرّضت لها العناصر المنتمية إلى "حزب البعث العربي الاشتراكي" في مطلع شهر أغسطس من عام 1961[2].

كذلك فقد حقّق الملازم "معمر القذافي" نجاحاً مماثلاً في موقعه الجديد كضابط بالجيش الليبي وكمخبر بجهاز أمن الدولة في جمع معلوماتٍ  واسعة عن الجيش الليبي وضباطه واتجاهاتهم وارتباطاتهم، عبر جهوده الخاصّة وعبر أعضاء "التنظيم السرّي العسكري" الذين أوهمهم بأنّه يقوم بجمع هذه المعلومات لأغراض ذلك التنظيم.[3]

وعلى الرغم من هذا النجاح الذي حقّقه القذافي بشخصيتيه المزدوجتين كطالبٍ مخبر، وكضابطٍ مخبر، فما كان لهذا النجاح أن يغيّر من حظوظه شيئاً، وما كان له أن يغيّر من مستقبل دوره كمخبر في خدمة الأجهزة الأمنية السرّية للنظام الحاكم في ليبيا يومذاك ..

      ومن ثمّ فقد كان متوقّعاً لمعمر القذافي أن يمضي بقية عام 1969، بل وبقية حياته كضابطٍ مخبر يقدّم خدماته السرّية لمن يعتلي سدّة الحكم في البلاد .. أمّا "التنظيم العسكري السرّي" الذي أقامه، فعلى الرغم من صدق توجّه وحماس عدد من ضباطه، ما كان له في ضوء ظروف تأسيسه وانطلاقته المشبوهة، وبقيادة "المخبر القذافي" إلا أن يؤول إلى الاضمحلال والتلاشي.[4]

تطوّرات وأحداث هامّة 

نعم ذلك ما كان سيؤول إليه أمر (الضابط المخبر) الملازم معمر القذافي وأمر تنظيمه السرّي المزعوم، لو لم تشهد ليبيا الملكية منذ عام 1967 جملةً من الوقائع والتطوّرات التي غيّرت من حظوظ الملازم وجماعته، وغيّرت بالتالي من حظوظ ليبيا ووجهة تاريخها ..  

ما هي هذه التطورات والوقائع والأحداث؟‍ 

أهم هذه التطورات

أولاً:      تقدّم سنّ الملك إدريس واعتلال صحته، وتنامى الرغبة لديه في التخلي عن العرش، وتلويحه في أكثر من مناسبة برغبته في استبدال النظام الملكي بآخر جمهوري. 

ثانياً:     ضعف شخصية ولي العهد ألامير الحسن الرضا السنوسي، وظهور عجزه عن تطوير قدراته، وفشله في إقناع كافّة الأطراف (الليبية والأجنبية) التي كانت على صلة به، بوجود أيّة فرصةٍ لديه في السيطرة على أوضاع البلاد في أعقاب وفاة الملك إدريس الذي كان قد اشرف في مارس من عام 1968 على بلوغ السابعة والسبعين من العمر.

ثالثاً:     تزايد النفوذ السياسي والعسكري والمالي للأخوين عبد العزيز وعمر الشلحي[5]، سواء من خلال المزيد من التصاقهما بالملك إدريس، وإظهار الأخير لحدبه عليهما علنياً. أم من خلال التحالفات السياسية والقبلية التي حقّقاها (مع الملكة فاطمة، ومع رئيس الوزراء الأسبق عبد الحميد البكوش، وعن طريق مصاهرة رئيس الوزراء الأسبق حسين مازق)[6]. أم من خلال تفاقم قبضتيهما على الجيش الليبي عبر صهرهما رئيس الأركان اللواء السنوسي شمس الدين، وعبر عدد كبير من كبار ضباط الجيش الذين يدينون لهما بالولاء. ومع ازدياد هذا النفوذ برزت مؤشرات عديدة تدلّ على تحرّكهما في اتجاه الاستيلاء على السلطة في البلاد بعد وفاة الملك أو ربّما أثناء حياته، وبمباركة خارجية مصرية (ناصرية) واخرى بريطانية غير مؤكدة ومشكوك فيها. 

رابعاً:    إنقسام النخبة الحاكمة، سواء منها من كان في الحكم أو خارجه، على نفسها وفق  أسس جهوية ومصلحية أنانية.. وكان هذا الانقسام يزداد تفاقماً بل أن بعض رجال هذه النخبة كان يعيش "حالة تآمر" غير معلن على النظام.[7]

 خامساً:  معاناة الجيش الليبي من ضعف قيادته، وانعدام الانضباط والنظام في صفوف ضباطه[8]، وتدنى درجة ولائهم فضلاً عن انقسام معظم ضباطه إلى شلل وبين عدد من التنظيمات السرية المناوئة للنظام الملكي والتى بلغ عددها يومذاك نحو خمس تنظيمات (على الأقل) كانت تسعى جميعها للاطاحة بالنظام الملكي. 

سادساً:   فقدان قوات الأمن الداخلى للكثير من هيبتها وثقلها وبخاصة منذ وفاة قائدها العام السابق الفريق محمود أبو قويطين في سبتمبر 1964، واسناد قيادتها إلى الفريق مفتاح سليمان أبو شاح الذى كان معروفاً بتواضع إمكانياته وقدراته.

 

أحداث هامة أخرى

 وإلى جانب هذه التطورات والملامح الأساسية، كانت هناك جملة من الأحداث والتطورات التي، وإن بدت أقل أهميّة، إلا أنه أخذت بعداً أكبر في ضوء التطورات الأساسية التي أشرنا إليها. من هذه الأحداث والوقائع والتطورات: 

1-   تعاقب أربعة رؤساء على الوزارة في ليبيا خلال فترة قصيرة نسبياً ( ما بين مارس 1965 وحتى اغسطس 1969) وهم السادة حسين مازق وعبد القادر البدري وعبد الحميد البكوش وونيس القذافي وهو ما اعتبر مظهراً ودليلاً على التململ وعدم الاستقرار السياسي في البلاد. 

2-   تجدّد الاضطرابات الطلابية والعمالية منذ يناير 1967، وفي أعقاب حرب يونيو 1967، وبروز معارضة شعبية منظمة ضدّ النظام الملكي خلال الأشهر التى أعقبت تلك الحرب. 

3-   وقوع اعتداءات على السفارتين البريطانية والأمريكية في ليبيا، وتعرّض أعداد من اليهود الليبيين لحوادث اعتداء وقتل في أعقاب اندلاع حرب يونيو 1967. وقد أدّت تلك الاعتداءات إلى ترحيل قرابة ألف يهودي ليبي ونحو (6) آلاف مواطن أمريكي خارج البلاد حفاظاً على حياتهم. وأسفرت هذه الحوادث عن إظهار الحكومة الليبية بمظهر العجز بل وبعدم الرغبة حتى في السيطرة على الأوضاع. 

4-   قيام حكومة السيد عبد القدر البدري بتقديم سبعة من المواطنين الليبيين للمحاكمة أمام محكمة الجنايات بطرابلس بتهمة القيام بأعمال تحريضية على الشغب خلال شهري يونيو ويوليو 1967، وقد اصدرت المحكمة بحقّهم في 7/8/1967 أحكاماً تراوحت بين البراءة والسجن لمدّة أربع سنوات.[9] 

5-   قيام حكومة حكومة السيد عبد الحميد البكوش في مطلع عام 1968 بتقديم (106) مواطناً ليبياً إلى المحاكمة اما محكمة الجنايات بطرابلس بتهمة تأسيس جزبٍ غير مرخّص به (حركة القوميين العرب) وقد اصدرت المحكمة أحكامها بتاريخ 24/2/1968 فتراوحت ايضاً بين البراءة والسجن لعددٍ من السنوات المحدودة.[10] 

6-   تعرض المنشآت النفطية في البلاد منذ عام 1965 لسلسلة من أعمال التخريب والتفجير وقع أولها يوم 14/5/1965 (حكومة السيد حسين مازق) واستهدفت خمسة آبار نفط تابعة لشركة B.P.  في منطقة تبعد نحو (70) كيلومتراً عن الحدود المصرية ووقع آخرها يوم 7/6/1969 ليلاً. (حكومة السيد ونيس القذافي) واستهدفت منشآت نفطية تابعة لشركة إسو الأمريكية. وقد أثبتت التحقيقات أن عملاء للنظام المصرى كانوا وراء عدد من هذه الحوادث على الأقل.[11]  

سياسات ومواقف 

  وإلى جانب هذه التطورات والأحداث الخطيرة الجسيمة التي تدلً جميعها على ضعف النظام الملكي ووهنه، وعدم استقراره، وتزيد من المخاوف على مستقبله[12]،كانت هناك جملة من السياسات والمواقف التي اتخذها ذلك النظام بدوافع وطنية أو قومية، والتي وإن كانت قد سرَّت احد حلفائه الغربيين فقد استثارت حليفاً رئيسياً آخر، وأغضبت في بعض الأحيان الجميع بلا استثناء.. 

من هذه السياسات والمواقف: 

(أ‌)          في مجال النفط: 

·    قامت وزراة البترول في ليبيا في يوليو 1966 (حكومة السيد حسين مازق) بمنح دفعة جديدة من "عقود الامتياز" للتنقيب عن البترول في ليبيا لعددٍ من الشركات الأمريكية المستقلة (من بينها شركة الأوكسيدنتال) وعدد كبير من الشركات الأوروبية. وقد تميّزت هذه الجولة في منح عقود الامتياز بظاهرة حرمان الشركات الأمريكية الكبيرة فيها (وأبرزها شركة إسوليبيا أكبر الشركات الأمريكية وأقدمها في ليبيا)، كما تميّزت بكثرة الشائعات والاتهامات حولها بوقوع عمليات رشوة واسعة امتدت لتطال أحد الشخصيات الليبية في حاشية الملك (عمر الشلحي مستشار الملك إدريس وشقيق العقيد عبد العزيز الشلحي). 

·    قامت حكومة السيد عبد الحميد البكوش في عام 1968 بإبرام أول اتفاقية مشاركة في مجال النفط بين المؤسسة الليبية العامّة للبترول ومجموعة شركات فرنسية. وقد فتحت هذه الاتفاقية الباب على مصراعيه أمام الشركات الفرنسية لدخول صناعة النفط الليبيي بقوة. 

·        سارعت الحكومة الليبية (حكومة السيد حسين مازق) إلى وقف إنتاج وتصدير النفط الليبي بالكامل فور اندلاع حرب يونيو 1967. و(يقدّر البعض انّ أوروبا يومذاك كانت تعتمد على تزويدات النفط الليبي بما يغطي نحو 40% من احتياجاتها النفطية). 

(ب‌)        في مجال التسليح والإنفاق العسكري 

·    خصّصت الحكومة الليبية في ميزانتها الخمسية للدفاع في عام 1968 نحو (1,4) مليار دولار (شكّل هذا المبلغ نحو 21% من إجمالي مخصصات الميزانية الخمسية). 

·    قامت حكومة السيد عبد الحميد البكوش في ظلّ هذه المخصّصات الضخمة بإبرام صفقة مع الحكومة البريطانية[13]في فبراير 1968 لتزويد الجيش الليبي بمنظومة دفاع جوّي قيمتها (360) مليون دولار، وأتبعت هذه الصفقة بأخرى في شهر أبريل من العام نفسه قيمتها (112) مليون دولار لشراء سيارات مدرّعة ومدفعية و(88) دبابة طراز شفتين البريطانية الصنع. وقد تردّد أنّ هذه الصفقات قد أبرمت مع الحكومة البريطانية باقتراح من العقيد عبد العزيز الشلحي الذي لعب دوراً فعلياً في إبرامها، كما تردّد أنّ الحكومة البريطانية دفعت رشاوي مالية كبيرة لعدد من المسؤولين الليبيين من أجل حصولها على تلك التعاقدات. 

(ج) في مجال الصراع العربي الإسرائيلي 

     لم تتردّد كافّة حكومات العهد الملكي، منذ حصول ليبيا على استقلالها في أواخر عام 1951، في التعبير عن موقفها إزاء الصراع العربي الإسرائيلي والقائم على مبدأين هما: 

·        رفض الاعتراف بإسرائيل ومقاطعتها بالكامل ورفض التعاون والتعامل معها بأيّة صورةٍ من الصور.

·        التأييد المطلق والمتواصل وغير المشروط لحقوق الشعب الفلسطيني.

وقد اتّخذ هذا الموقف الرسمي الليبي شكلاً من الإجماع والثبات والاستمرارية،  مع الحدّة في بعض الأحيان، بحيث بدا هذا الموقف في بعض الأوقات "ظاهرة سياسية محيّرة" لدبلوماسيي سفارتي بريطانيا والولايات المتحدة تناولتها تقاريرهم وبرقياتهم السرية إلى عواصم بلدانهم في أكثر من مناسبة. 

وقد جاءت حرب يونيو 1967 لتدفع حكومات العهد الملكي منذئذٍ نحو المزيد من السياسات والمواقف المساندة للقضية الفلسطينية والتي اتّسمت في نظر المراقبين الغربيين بالحدّة والتطرّف، من ذلك:

·    أطلقت سلطات العهد الملكي (حكومة السيد حسين مازق) العنان للمشاعر الشعبية والوطنية في التعبير عن سخطها واحتجاجها في أعقاب اندلاع حرب يونيو 1967، كما سارعت إلى وقف إنتاج وتصدير النفط الليبي بالكامل، كما تبنّت المطالب الشعبية المنادية بإغلاق القواعد البريطانية والأمريكية في ليبيا فوراً. بل وشرعت فعلاً في استئناف المحادثات مع الحكومتين المعنيتين حول هذا الموضوع. 

·    أعطت الحكومة الليبية (بموافقة الملك إدريس ومباركته) الإذن لمختلف الهيئات والمنظمات واللجان الأهلية والشعبية في ليبيا بجمع التبرعات لصالح القضية الفلسطينية. وقد بلغ إجمالي ما تبرع به القطاع الخاص الليبي في الفترة ما قبل نهاية شهر يونيو 1967 نحو (3,5) مليون دولار. 

·    قدمت الحكومة الليبية التأييد السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية فور قيامها وسمحت لها بفتح مكاتب في ليبيا وبأن يكون لها جناح خاص في معرض طرابلس الدولي، كما أذنت لها بعقد الملتقيات والاجتماعات الحاشدة إحياءً لذكرى "يوم فلسطين" في شتي مدن ليبيا. وفرضت كذلك ضريبة بمعدّل 6% اعتباراً من 24/6/1969 تستقطع من مرتبات جميع الفلسطينيين العاملين في ليبيا لصالح "صندوق الدعم اللفلسطيني". 

·    أعلنت الحكومة الليبية (حكومة السيد عبد الحميد البكوش) منذ مايو 1968 بتوجيهٍ من الملك إدريس وموافقته دعم العمل الفدائي الفلسطيني ممثلاً في "حركة فتح"، وقد سمحت لها بفتح مكاتب خاصّة بها في ليبيا وبفتح جناح خاصٍّ بها في معرض طرابلس، وقد باشرت الحركة نشاطها في جمع التبرعات للعمل الفدائي الفلسطيني برعاية الملك إدريس والملكة فاطمة. 

·    أعطت الحكومات الليبية المتعاقبة للصحافة الوطنية (الرسمية والشعبية) الحرية الكاملة في التعبير عن المشاعر الشعبية والوطنية والقومية إزاء القضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي، وفي التعريض بإسرائيل وبالصهيونية وبحلفائها في الولايات المتحدة وبريطانيا وفي الغرب بصفةٍ عامّة.. 

·    شاركت الحكومة الليبية في أعمال القمّة العربية بالخرطوم أغسطس/ سبتمبر 1967 (في أعقاب حرب 1967) والتزمت بمقرّراتها وبتقديم دعم مالي سنوي لكلٍّ من مصر والأردن، وقامت فعلاً بتقديم هذا الدعم دون توقّف. وبالإضافة إلى تعهّداتها بموجب قمّة الخرطوم فقد التزمت الحكومة الليبية بأن تدفع إلى مصر والأردن مبلغ (70) مليون دولار أخرى على امتداد السنوات الثلاث التالية.[14] 

(د) التوجّهات الوطنية (الليبية) المتطرّفة 

منذ أواخر الخمسينات وبداية ظهور مؤشّرات بشأن إمكان اكتشاف البترول في ليبيا بكمياتٍ تجارية، لم تخلُ أغلب القارير السرّية التي بعثت بها السفارة الأمريكية في ليبيا عن حالة الاقتصاد الليبي من إشاراتٍ لاذعة وقاسية، تنمّ عن الضيق والتبرّم بما أطلقت عليه تلك التقارير ووصفته ب"الروح الوطنية" و"الروح الوطنية المتطرّفة" و "الوطنية الضيقة الأفق" و"الشوفينية الليبية" و"كراهية الأجنبي" و" عداء غير الليبيين" و" ليبيا لليبيين". وكانت هذه العبارات تصف موقف الليبيين (الرسميين وغير الرسميين، في الحكومة وخارجها) من الأجانب العاملين في ليبيا ومن الاستثمارات الأجنبية والمستثمرين الأجانب. 

وقد تضمّنت تلك التقارير الإشارة إلى عددٍ من التشريعات والقوانين والسياسات والمواقف التي سنّتها أو اتخذتها مختلف حكومات العهد الملكي. 

وتعكس التقارير السرّية للخارجية الأمريكية الخاصّة بالفترة اللاحقة (وحتى عام 1969) ازدياد التبّرم لدى رجال السفارة الأمريكية بهذه التوجّهات وبهذه الروح الوطنية المتطرّفة لدى الليبيين (رسميين وغير رسميين) في ظل اكتشافات  النفط الليبي المتواصلة وتنامي عائداته المتزايدة وإحساسهم بأنّهم لم يعودوا بحاجةٍ للاعتماد على المساعدات الأجنبية، مع غلبة الشعور لديهم بأن ثروة بلادهم أصبحت هدفاً لكل أجنبيّ ومطمعاً له. 

وفضلاً عن هذه السياسات والمواقف التى برزت خلال السنوات منذ العام 1967 فقد كان للنظام الملكي جملة من المواقف والسياسات الأخرى التى ظهرت خلال السنوات السابقة والتى كانت مثار استياء وعدم ارتياح لدى حلفائه الغربيين وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. من ذلك: 

1.   قيام النظام الملكي في عام 1955 بإقامة علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتى وعدد من دول الكتلة الشرقية واستخدام هذه العلاقات في عملية ابتزاز لحلفائه الغربيين من أجل الحصول على المزيد من المساعدات الاقتصادية والمالية[15].وظهور بعض المؤشرات على أخذ هذه العلاقات في التنامي. 

2.   ما أظهره النظام الملكي في عام 1957 (حكومة السيد عبد المجيد كعبار) من استعداد لعرض موضوع القاعدة الأمريكية في ليبيا على الأمم المتحدة بحجة أن "دولة قوية" تفرض نفسها على طرف ضعيف (ليبيا) بالقوة، وكان هذا الموقف احتجاجاً من النظام الملكي على التسويف والمماطلة اللذين أظهرتهما الولايات المتحدة في تقديم المساعدات المالية والاقتصادية التى سبق أن وعدت بها الحكومة الليبية.[16] 

3.   عدم استجابة النظام الملكي لبعض المقترحات الأمريكية  عام 1963 (حكومة الدكتور محي الدين فكينى) بتخصيص حصة من عائدات النفط الليبي تقوم الولايات المتحدة بإنفاقها (بالنيابة عن النظام الملكي) من اجل تمويل مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول الافريقية ودول العالم الثالث.[17] 

4.   شروع النظام الملكي منذ عام 1964 (حكومة السيد محمود المنتصر الثانية) بمطالبة الحكومتين الأمريكية والبريطانية بالدخول في مفاوضات من أجل إلغاء المعاهدتين معهما وإجلاء قواتهما العسكرية عن الأراضى الليبية. 

5.   عودة الملك إدريس لفكرة إلغاء النظام الملكي واستبداله بنظام جمهورى في البلاد أكثر من مرة وكان آخرها في عام 1966 (خلال حكومة السيد حسين مازق) وقد تمت هذه المرة الأخيرة بأسلوب مفاجيء لكافة المراقبين.[18]وقد عبّر السفير الأمريكي ديفيد نيوسوم في تقرير مطّول أعده حول هذه المحاولة الأخيرة من انزعاج شديد بشأنها صاغه على النحو التالى: 

" إن الملك إدريس ومجموعة قليلة من المستشارين المحيطين به استطاعوا أن يذهبوا بعيداً ويقطعوا شوطاً كبيراً في التخطيط لمشروع تحوّل سياسي ضخم دون أن يعرف به غيرهم... إن الملك ومستشاريه المقربين قد ينجحون في إحدى المرات في الوصول بمشروعهم إلى درجة التنفيذ دون أن يدرى به أحد من خارج هذه الدائرة...[19]

6.   اتجاه حكومات العهد الملكي خلال الحقبة النفطية إلى الاستغناء التدريجي عن الخبراء الأمريكان كمستشارين في دوائر الحكومة وبخاصة في مجالات التخطيط والتنمية واستبدالهم بغيرهم من بعض الدول الأوروبية ويوغسلافيا. (وقد سجلت السفارة الأمريكية تخوفها وانزعاجها من هذه الظاهرة في عدد من التقارير التى أعدتها بهذا الشأن منذ عام 1966).[20] 

7.   إتّسـام "نمط الانفاق العام" (الحكومي) في العموم بطابع غلبت عليه الحيطة والحذر والابتعاد عن مظاهر الاسراف والسفه[21] ، وتوجّهه إلى تخصيص حصص كبيرة منه للانفاق على التنمية الاقتصادية والاجتماعية ودعم القضايا القومية (دعم الكفاح الفلسطيني[22]والمجهود العسكرى العربي). 

قوى متربصة 

           وإذا كانت الحالة الليبية بهذه الملامح والسياسات والمواقف قد زادت من استياء ومخاوف الولايات المتحدة (على وجه الخصوص) وبريطانيا (بدرجة أقل) من النظام الملكى، فإنها من جهة ثانية لم تقلل من تحامل أطراف دولية أخرى على هذا النظام وتربصها به منذ سنوات مبكرة. 

·    فكانت هناك إسرائيل بمخاوفها التوراتية وأطماعها البعيدة وثأراتها القديمة مع النظام الملكي التى تجددت وتأججت اثر ما تعرض له بعض اليهود الليبيين من اعتداءات بالضرب والقتل في أعقاب حرب يونيو 1967. 

·    وكانت هناك إيطاليا بأحقادها الدفينة ضد الملك إدريس والحركة السنوسية وبأطماعها المستمرة في ليبيا وثرواتها، ومخاوفها من سياسات النظام الملكي الموجهة ضد مصالحها وأطماعها. 

·    كما كان هناك الاتحاد السوفيتى ودول الكتلة الشرقية التى وإن كانت قد حرصت على تحقيق أكبر استفادة تجارية وثقافية وسياسية لها من خلال إقدام النظام الملكي على إقامة علاقات دبلوماسية معها منذ عام 1955، إلا أنها لم تكف عن النظر إلى النظام الملكي الليبي على أنه "رجعى" و"عميل للغرب"، وتستعجل نهايته على يد قوى "ثورية" "تقدمية".

·    وعلى الرغم من أن فرنسا الديجولية أقامت علاقات جيدة مع النظام الملكي (وبخاصة خلال فترة السيد عبد الحميد البكوش أكتوبر 1967- سبتمبر 1968) إلا أنه من المستبعد أن تكون فرنسا قد اغتفرت للنظام الليبي دعمه غير المحدود للثورة الجزائرية (1954- 1962) ومن غير المستبعد أن فرنسا كانت لا تنظر بإرتياح إلى توجهات النظام الملكى خلال سنواته الأخيرة نحو الاهتمام ببعض الأقطار الأفريقية التى كانت جزءاً من المستعمرات الفرنسية مثل النيجر وتشاد. 

·    وإلى جانب هذه الأطراف الدولية كانت هناك أطراف عربية عديدة مما كان يعرف بالنظم "الثورية" و"التقدمية" تتربص بالنظام الملكي وتتمنى نهايته باعتباره نظاماً "عميلاً" و "رجعياً" وقد ضمت هذه الأطراف[23] كلاً من سوريا والعراق (اللذين كانا خاضعين لحكم البعث) واليمن الجنوبي (الشيوعي) ومصر والجزائر (الثوريتان) وانضم إليهما السودان منذ مايو 1969. وقد كانت مصر والجزائر بحكم الجوار أشد هذه الأطراف تحاملاً على النظام الملكى وتربصاً به.[24] 

موقف القوى الجديدة 

على الرغم من النتائج المفجعة والوخيمة التى أسفرت عنها سياسات ومواقف النظم التى كانت توصف بالتقدمية والثورية خلال عقد الستينات من القرن الماضى، وعلى الرغم من الانجازات الطيبة والمتواصلة التى واصل النظام الملكى في ليبيا تحقيقها في كافة المجالات على الصعيدين الداخلى والقومى، فقد ظلت شرائح معينة من المجتمع الليبي وعلى الأخص في أوساط ما يطلق عليه بالقوى الجديدة (من طلاب ومثقفين وأصحاب التوجهات  الحزبية وضباط الجيش والنقابيين) متشبثة، وبإصرار، بموقفها المناوئ للنظام والمعارض لكافة سياساته لدوافع أيديولوجية أو حزبية أو جهوية وحتى شخصية، ولأسباب غير ذات صلة أحياناً بالزمان وبالمكان. وكان من بين المآخذ التى ظلت هذه القوى ترددها بحق النظام الملكي:[25] 

·    قيام النظام بإبرام معاهدات مع بريطانيا (1953) والولايات المتحدة الأمريكية (1954) وفرنسا (1956) فرّطت في السيادة الوطنية والتراب الوطني (حسب اعتقادها).

·        ما شاع باطلاً حول استعمال القواعد البريطانية والأمريكية في ليبيا في الاعتداء على مصر عامى 1956، 1967.

·        عدم سماح النظام بتشكيل الأحزاب السياسية في البلاد.

·    ما تردد حول وقوع تزوير في الانتخابات التشريعية العامة وعلى الأخص التى أجريت في البلاد خلال السنوات 1952، 1956، 1964.

·        قضايا الفسـاد المالى والادارى وبخاصة في مجال النفط.

·        الشروع في توسيع مدينة البيضاء، من أجل اتخاذها عاصمة ادارية للبلاد.

·        إتسـاع الهـوة بين مستويات الدخول للمواطنين.

·        عدم إتاحة الفرصة للمشاركة السياسية أمام المواطنين.

·        استمرار سيطرة اليهود والطليان على التجارة في البلاد بشكل مباشر أو غير مباشر.

·    إلقاء النظام القبض على أعداد من أصحاب التوجهات الحزبية وتقديمهم إلى المحاكمة (البعثيين عام 1961، والقوميين العرب عامى 1967، 1968).

·        قضية اغتيال العقيد إدريس العيساوى (نائب رئيس أركان الجيش) في ديسمبر 1962 وبقاء القضية سراً بدون كشف.

·        الحظوة التى ظل يتمتع بها آل الشلحي لدى الملك إدريس. 

ومن الثابت أن رموزاً عديدة من هذه القوى الوطنية والحزبية كانت  على إتصال سرّي برجال السفارات الأجنبية في ليبيا ( وفي مقدمتها السفارة الأمريكية) تنهش لديهم في عرض النظام الملكي وتستحثهم على مساعدتها في التخلّص منه وفي إقامة حكم "تقدمي" و "عصرى" بديل له. ومن الثابت أيضاً أن عدداً من رموز هذه القوى كانوا على "صلة ما" بالأشقاء الجيران المتربصين بالنظام الملكي في الشرق والغرب. 

غير أنه مما تجدر الاشارة إليه أن كافة التشكيلات والقوى السرية، العسكرية والمدنية، المناوئة للنظام كانت –دون استثناء – ضعيفة ومتنافرة وتفتقد إلى القاعدة الشعبية، وظل النظام الملكي – في أعين غالبية الليبيين – هو صاحب الشعبية والشرعية.


 

[1]      جرى في أبريل من ذلك العام إلغاء النظام الاتحادي وتمّ توحيد البلاد تحت اسم المملكة الليبية وألغيت الولايات.

[2]      راجع فصل "الطالب المخبر بسبها".

[3]      راجع فصل "الضابط المخبر بالجيش الليبي.

[4]      أورد الرائد عمر المحيشي في مذكّراته (مرجع سابق) أنّ الملازم القذافي اقترح في عام 1967 حلّ التنظيم. كذلك أجمع الضباط أعضاء التنظيم في أحاديثهم المنشورة والمذاعة أنّ التنظيم كان في أسوأ وأضعف أحواله عندما وقع الانقلاب في سبتمبر 1969.

[5]       وهما نجلا إبراهيم الشلحي الذي كان أحد المقربين جداً من الملك إدريس وكان يشغل منصب ناظر الخاصّة الملكية إلى أن جرى اغتياله في شهر أكتوبر من عام 1954 على يد ابن أخي الملكة فاطمة "الشريف محي الدين السنوسي".

[6]   كان السيد حسين مازق من أقوى الشخصيات السياسية في ليبيا وعلى الأخصّ في المنطقة الشرقية، كما كانت القبيلة التي ينتمي إليها (قبيلة البراعصة) من أقوى القبائل نفوذاً في ليبيا. وكان العقيد عبد العزيز الشلحي اقوي شخصية في الجيش الليبي في أواخر العهد الملكي، أمّا أخوه عمر فقد عيّن في شهر ابريل عام 1969 مستشاراً للملك إدريس.

[7] من النماذج التى كانت تمثل هذه الحالة أحمد الصالحين الهونى  ومصطفي بن حليم.

[8] لعب مقتل العقيد ادريس العيساوى رجل الجيش القوى والموالى للنظام الملكي (9/12/1962) دوراً كبيراً في تدهور أوضاع الجيش.

[9] كان من بين هؤلاء الدكتور محمود سليمان المغربي الذى ترأس أول حكومة بعد انقلاب سبتمبر.

[10] برز عدد من هؤلاء المحكومين بعد الانقلاب واسندت إليهم مناصب كبيرة ومن هؤلاء عمر المنتصر الذى تولى رئاسة الوزارة في عام 1987.

[11] أظهرت هذه التفجيرات النظام الملكي بمظهر العاجز عن حماية الثروة النفطية وضمان تدفقها إلى المستهلك الغربي.

[12] لا يخفى أن معايير الحكم على ضعف النظام الملكى وعدم استقراره هى معايير نسبية وعلى العموم فلم يكن النظام الليبي يومذاك اضعف النظم في المنطقة أو أقلها استقراراً ولم يحدث إطلاقاً أن بلغ النظام حالة كان فيها أضعف من معارضيه بأى معيار من المعايير.

[13] كانت الحكومة الليبية (حكومة السيد محمود المنتصر) قد الغت في عام 1964 صفقة دبابات أمريكية وأرجعت الدبابات التي كانت قد وصلت الموانئ الليبية إلى أمريكا. وكان قرار الإلغاء بناءً على تدخّل الملك إدريس الذي لم يكتفِ بذلك بل قام بإقالة وزير الدفاع آنذاك السيد سيف النصر عبد الجليل.

[14] للمزيد حول هذا الموضوع راجع ما ورد بكتاب  "حسابات إسرائيل المعلقة مع النظام الملكي الليبي.. هل كانت وراء انقلاب سبتمبر" للمؤلف.

[15] راجع مذكرات السيد مصطفي بن حليم رئيس وزراء ليبيا الأسبق (1954- 1957) المنشورة بعنوان "صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي" بريطانيا، 1992.

[16] راجع "ليبيا بين الماضى والحاضر- صفحات من التاريخ السياسي" للمؤلف، الجزء الأول، المجلد الثالث ص(54-62)

[17] راجع ما ورد حول هذا الموضوع بكتاب "ليبيا بين الماضى والحاضر- صفحات من التاريخ السياسي" المجلد الرابع، حكومة الدكتور محي الدين فكينى، للمؤلف ص (512- 516).

[18] راجع "مختصر تاريخ حكومات الحقبة النفطية للعهد الملكي في ليبيا" للمؤلف – تحت الإعداد.

[19] التقرير يحمل عنوان " من مملكة إلى جمهورية: الأزمة الدستورية في ليبيا- 1966" مؤرخ في 16/3/1966 ويحمل الرقم A- 415 بالملف المركزى لوزارة الخارجية الأمريكية رقم Pol -1 Libya

[20] راجع تقرير السفارة الأمريكية رقم A- 418 المؤرخ في 17/3/1966 الملف  Political Libya وقد أوضح التقرير أن عدد الخبراء الأمريكان في ليبيا يومذاك بلغ ستة خبراء من مجموع خبراء بلغ عددهم (60) خبيراً في مجال التخطيط والتنمية.

[21] بالطبع كانت هناك استثناءات من هذه الحالة، ولكنها ظلت تشكل استثاءً من التوجه العام للانفاق الحكومي.

[22] راجع كتاب  "حسابات إسرائيل المعلقة مع النظام الملكي الليبي- هل كانت وراء انقلاب سبتمبر 1969؟!"

[23] عبر الملك إدريس وولى عهده الأمير الحسن الرضا سراً إلى سفيرى بريطانيا وأمريكا في ليبيا أكثر من مرة، عن مخاوفهما من عبد الناصر وأحمد بن بيللا (ومن بعد هوارى بو مدين) واطماعهما في ليبيا.

[24] سارعت هذه الأطراف فور قيام الانقلاب في الأول من سبتمبر إلى إرسال وفود إلى ليبيا تعرض خدماتها الثورية على الانقلابيين. راجع فتحى الديب " عبد الناصر وثورة ليبيا" دار المستقبل، القاهرة 1987.

[25] ليس هنا مجال مناقشة مدى صحة هذه المآخذ ومشروعيتها.

 


الجزء الثالث : الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
            الحلقة السادسة  الحلقة السابعة  الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة ( الأخيرة )


الجزء الأول      الجزء الثاني      الجزء الثالث
Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home