Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد المقريف


د. محمد المقريف

السبت 13 نوفمبر 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

صفحات من تاريخ النظام الانقلابي في ليبيا (15)

فصول منتقاة من كتاب "الطغيان الثوري وعبقرية السفه" ـ تحت الاعداد

 

إعداد : الدكتور محمد يوسف المقريف

 

أوهام الدور العالمي وثمنه -4
 
 
سابعاً: فكر معلّب مدفوع الثمن

 

ساهم "البعد الفكري" للدور العالمي الموهوم عند العقيد القذافي بدوره في ابتلاع حصّةٍ هائلة من عائدات ليبيا النفطية وفي تكبيد خزانتها أموالاً طائلة كان بمقدورها، لو جرى توجيهها للإنفاق على أغراض التنمية، أن تسهم مساهمةً فعّالة في تقدّم الشعب الليبي ورفاهيته.

 

وكما هو معروف فقد تمثّل البعد الفكري لهذا الدور في ما عُرِف بالنظرية الثالثة وكتيّبها الأخضر. فلم يألُ القذافي جهداً، مذ كانت هذه النظريّة وكتيّبها فكرة وليدة [1]، في عقد الملتقيات "الفكرية" حولها حيث استضاف لها عشرات المفكرين والكتّاب العرب من مختلف المذاهب والتوجّهات. ويشير الدكتور سيّد دسوقي حسن (مصري) في كتيّبه "مقدّمات في البعث الحضاري" إلى عيِّنةٍ من هذه الملتقيات وما كان يدور حولها وخلالها: 

"دعتني الحكومة الليبية في صيف 1973 للمشاركة في مؤتمر عالمي في طرابلس حول النظريّة الثالثة. وهناك التقيت بأخي الرشيد بن عيسى الذي جاء من الجزائر للمشاركة في نفس المؤتمر. ووجدت نفسي أنا والرشيد في لجنة التنظير. ويبدو أنّ الفكرة كانت أن يستعرض أهل الفكر من المؤمنين بهذه النظريّة أفكارهم على هذا الجمع الحاشد من المدعوّين لعلّهم يؤمنون بها ويعودون إلى بلادهم مبشّرين ومنذرين."

 

"ولكن سير الأمور في المؤتمر أشار إلى أنّ هذه الغاية ليست قريبة المنال، بل إنّ هناك شبه رفض لمحتواها الفكري عند كثيرٍ من المدعوّين. وشعرت بالقلق عند المسئولين الليبيين، وتطوّر هذا القلق إلى غضبٍ أحياناً، وحاولت أنا والرشيد أن ننبّه أهل النظريّة إلى حقائق بسيطة في عمليّة انتشار الأفكار. فالأفكار لا يمكن تعبئتها في أفئدة الرجال بالقوّة والقهر، وإنّما تتسرّب إلى النفوس بطرائق مختلفة وفق قوانين اجتماعية حاكمة."

 

"وفي إحدى اجتماعات لجنة التنظير تحدّث أخي الرشيد حاملاً معه رسالة من أستاذنا العظيم مالك بن نبي -رحمه الله – فقال إنّنا في العالم  العربي ورغم المعاناة الاجتماعيّة لم نسمع عن النظريّة الماركسية على مستوى الجمهور قبل أن تتمثّل هذه النظريّة في مجتمعٍ عصريّ متقدّم. فلمّا تمثّلت في هذا المجتمع افتتن بها كثيرون وانتشر هذا الافتتان من مجالٍ إلى مجال، من السياسة إلى الفنّ إلى الاقتصاد، وأصبح لها في بلادنا مؤمنون يُسجَنون في سبيلها ويموتون من أجلها .."

 

"ومن ثمّ فعلى الثورة الليبية أن تعمل من خلال هذه النظريّة الثالثة على إبداع مجتمعٍ عصريٍّ متقدّم، ويوم يتحقّق هذا الهدف لا تحتاج ليبيا أن تعقد كلَّ يومٍ مؤتمراً تقدّم فيه هذه النظريّة، وتحاول جاهدةً تعبئتها في نفوس الرجال كأنّها مياه غازيّة، وكأنّ أفئدة الرجال زجاجاتٍ فارغة .."

 

ولأنّه ليس في نيّة أو في مقدور "النظريّة الثالثة" وأصحابها[2] إبداع مجتمعٍ عصريٍّ متقدّم – كما اقترح وتصوّر المفكّر الإسلامي الكبير مالك بن نبي- فقد سار العقيد القذافي في طريق التهريج الإعلامي والدّعائي للنظريّة وكتيّبها بنتائجه الوخيمة كلّها على أرض الواقع الليبي وبكامل تكلفته الباهظة للخزانة الليبية.

 

وتُظهر يوميّات النظام الانقلابي الوقائع التالية بشأن هذه النظريّة وكتيّبها:

     

·        بعد مضيّ قرابة العام على دفع العقيد القذافي للبلاد في أتون ما أطلق عليه اسم "الثورة الشعبية"، أعلن في السادس من أبريل 1974 تخلّيه عن التزاماته البروتوكوليّة وتفرّغه لقضايا التنظير والثورة.

 

·             أعلن القذافي يوم 9/11/1974 في الجلسة الختامية للمؤتمر الوطني العام الأول للاتحاد الاشتراكي في دور انعقاده الثاني أنّ كتاباً أخضر سيصدر لتنظير كافّة القضايا لتكون واضحة تمام الوضوح.

 

·        ذكرت صحيفة "الفاتح" لسان حال الوحدويين الأحرار في عددها الصادر يوم 20/12/1974 أنّ العقيد القذافي بدأ في وضع "الكتاب الأخضر" الذي سيكون تنظيراً لفكر الثورة في جميع المجالات.

 

·             ذكر القذافي خلال حديثه مع مجلّة "النهار" اللبنانية (الصادرة يوم 13/1/1975) أنّه بصدد وضع "كتاب أخضر" يحدّد للعالم مفهوم الجمهورية العربية الليبية للاشتراكية والاقتصاد الاشتراكي.

 

·        ذكر القذافي خلال التوضيح الذي قدّمه يوم 27/4/1975 عبر الإذاعتين بشأن  التعديلات الجوهرية التي أدخلت يومذاك على النظام الأساسي للاتحاد  الاشتراكي أنّ "الكتاب الأخضر" سوف يوضّح كافّة المفاهيم الخاصّة بالنظام السياسي الجديد.

 

·                اعتباراً من 17 من شهر سبتمبر 1975 شرعت صحيفة "الفجر الجديد" الرسمية في نشر مقتطفات من "الكتاب الأخضر" المنتظر.

 

وفي 3 من يناير من عام 1976جرى الإعلان عن صدور "الفصل الأول" من الكتاب الأخضر تأليف معمر القذافي وهو يتناول حلّ مشكلة الديمقراطيّة (سلطة الشعب، الركن السياسي للنظرية العالمية الثالثة).

 

وقد أورد القذافي في صلب كتيّبه الادّعاءات التالية بشأن نظريّته: 

"... ويقدّم الكتاب الأخضر الحلَّ النهائي لمشكلة أداة الحكم .." 

"... وبذلك تنحلّ مشكلة أداة الحكم بداهةً وتنتهي الدكتاتورية، ويصبح الشعب هو أداة الحكم، وتحلّ نهائياً معضلة الديمقراطية في العالم" 

"وليس هناك أيّ تصوّر آخر لمجتمع ديمقراطي على الإطلاق غير هذا التصوّر .."

(الصفحات 7، 50، 71 من الكتاب الأخضر. الطبعة 24 عام 1998م.) 

وقد أعلن القذافي يوم 18 يناير 1976 في كلمته التي ألقاها في الجلسة الختامية لمؤتمر الشعب العام: 

"... لكن المفاجأة أنّ شعباً من الشعوب المتخلّفة مادياً (الشعب الليبي) يسبق كافّة شعوب العصر الحديث ويقدّم الحلّ للمشكلة المعنوية للإنسان .. مشكلة الحريّة، مشكلة الديمقراطيّة التي هي المشكلة الحقيقيّة للإنسان في كلّ مكان (من خلال الكتاب الأخضر)" 

".. وإنّني أعتقد اعتقاداً أكيداً، أنّه بقيام هذه التجربة الديمقراطيّة الفريدة (المؤسَّسة على الكتاب الأخضر) قد انهارت كافّة النظريات السياسيّة في العالم، ولا بدّ أن تكون النظرة الحقيقية، نظرة الفاهم والعاقل،  قد تغيّرت بين نهاية عام 1975م. لميلاد المسيح عليه السلام وبين بداية عام 1976 ..

 

"أذكر هذا التاريخ ... لأنّ التجربة الليبية اكتملت بنهاية عام  1975 وبداية عام 1976، وبين نهاية عام 1975 وبداية عام 1976 (وهو التاريخ الذي جرى فيه الإعلان عن صدور الكتاب الأخضر) أعتقد أنّ النظرة قد اختلفت تماماً، نظرة الفاهمين والمحلّلين وغير المتعصّبين لكافّة كتب الفلسفة، وكافّة الكتب الفلسفية، التي تناولت هذه القضية طولاً وعرضاً، قضية الديمقراطية. ولا أبالغ إذا قلت، إنّ كافّة الكتب الفلسفية التي حاولت أن تأتي بتصوّر لحلّ مشكلة الديمقراطية قبل فجر عام 1976م. (أي قبل صدور الكتاب الأخضر) أصبحت كافّة هذه المؤلفات في سلّة المهملات من الناحية الحقيقية."

 

"حتى إعلان حقوق الإنسان –الذي يعتبر حتى عام 1975، الوثيقة التي تضمن الحرية للإنسان- أصبح بقيام التجربة الديمقراطية في الجمهورية العربية الليبية، هذه التجربة التي أقامها الشعب الليبي (وفقاً لما جاء في الكتاب الأخضر) أصبح أمامها إعلان حقوق الإنسان، لا يساوي قيمةً تُذكر إطلاقاً في هذا العصر .." 

كما لم ينسَ العقيد القذافي في تلك الكلمة أن يعِد الليبيين والعالم أجمع ويبشِّرهم أنّه: 

"سيواصل السير من أجل تقديم فصول أخرى (من الكتاب الأخضر) لحلّ مشاكل أخرى مستعصية حتى هذا اليوم على العالم كلّه.."[3]

 

وإذا كان صدور هذا الكتيّب/النظرية قد عنى على المستوى الداخلي الزجّ بالبلاد في مرحلةٍ وحلقةٍ جديدة من التجريب السياسي[4] المتواصل وفرض مقولاته على الشعب الليبي لتحكم ولتتحكّم في مختلف جوانب حياته[5]، فإنّه قد عنى على المستوى العالمي، وقد تصوّر له صاحبه أنّه "نظريّة عالميّة"، وأنّ مهمّته في نظره هي إنقاذ العالم أجمع بتقديم الحلّ الوحيد والنهائي لمشاكله الأساسية المستعصية في السياسة والاقتصاد والاجتماع، لقد عنى ذلك ألا يتردّد القذافي في توظيف كافّة مقدّرات الدولة الليبية؛ أموالها وعلاقاتها، من أجل التبشير بأطروحات هذه الكتيّب/النظريّة ونشرها وتصديرها.

 

لقد مرّت بنا بعض ادّعاءات القذافي وأوهامه بالنسبة لكتيّبه ونظريّته[6].. وقد انعكست هذه الأوهام والادّعاءات على أجهزة وأبواق إعلامه .. فينسب إلى صديق القذافي "الحميم" ووزير إعلامه [7] المدعو محمد أبو القاسم الزوى قوله:

 

"أفكار ومقولات الكتاب الأخضر أكبر وأعظم وأثمن من أي مبلغ ينفق من أجل التبشير بها .."

 

كما رددّت إذاعات النظام الخاضعة للوزير نفسه في أكثر من مناسبة:

 

"إنّ مقولات الكتاب الأخضر ليست ملكاً لشعب الجماهيرية وحده، ولكنّها ملك أبناء الوطن العربي والإنسانيّة جمعاء .."

 

ومن ثمّ فلم يكن غريباً في ضوء هذه الأوهام والتصوّرات أن يطالع المرء في وقائع أحداث النظام المتعلّقة بتلك الفترة:

 

·        قيام وزير الدولة محمد أبو القاسم الزوى لدى مشاركته في الدورة العادية لمؤتمر وزراء الإعلام الذي انعقد بالقاهرة يوم 15/2/1976، بتعميم ثلاث مذكّرات سياسية على اللجنة الدائمة للإعلام العربي تتعلّق الأولى منها بتفاصيل الكتاب الأخضر.

 

·             أن يصبح الكتيّب/النظريّة أحد المحاور الأساسيّة (إن لم يكن أهمّها) في أيّة مباحثاتٍ تجريها وفود النظام داخل ليبيا أو خارجها على وفود أيّة دولةٍ أخرى[8].

 

وقد نشرت صحيفة "الأهرام" القاهرية في عددها الصادر يوم 26/5/1974 النصّ الكامل للرسالة الأولى التي بعث بها الرئيس أنور السادات يوم 7 مايو 1974 إلى رئيس وأعضاء مجلس قيادة الثورة، وكان من بين ما جاء فيها:

 

"إنّ العقيد القذافي عرض أن تخصّص ليبيا ألف مليون دينار (3 بلايين دولار) على خمس سنوات لدفع الطاقة الإنتاجية للمصانع في مصر، وفي اليوم التالي فوجئت مصر بالرائد عبد السلام جلود يطلب الثمن أن تلتزم مصر مسبقاً بالنظريّة الثالثة للعقيد والثورة الشعبية، رغم أنّ مصر كانت قد حدّدت مسبقاً رأيها واضحاً في كلّ هذه القضايا .."

 

وفي إطار تعريف النظام الانقلابي بالنظريّة الثالثة والتبشير بها، جرى التركيز في الفترة السابقة على صدور الكتيّب الأخضر (ما بين عام 1972 وبداية عام 1976) على عقد واستضافة الملتقيات والندوات والمؤتمرات "الدولية" في ليبيا وخارجها،  تحدّث فيها القذافي حول النظريّة ومرتكزاتها وأبعادها ودورها العالمي المرتقب. وقد كانت هذه الملتقيات  "مدفوعة الثمن" من خزانة الشعب الليبي. وكان من أشهرها:

 

·                      ندوة صحيفة "الأهرام" بالقاهرة يوم 7 أبريل 1972.

 

·                الدورة التثقيفية الموسّعة للاتحاد الاشتراكي العربي بمعهد نصر الدين القمّي بطرابلس (سبتمبر1972).

 

·                      الندوة الفكرية التي عُقدت بمسرح الكشاف بطرابلس يوم 26/10/1972.

 

·                لقاء مع الكتّاب والصحفيين وقيادات الاتحاد الاشتراكي العربي في القاهرة يوم 8/2/1973.

 

·                الدورة الاستثنائية للمؤتمر الدولي لشباب أوروبا والدول العربية بمسرح الكشاف بطرابلس حول النظريّة الدولية الثالثة يوم 14/5/1973.

 

·                لقاء مع رجال الفكر والإعلام في دار "روزاليوسف" بالقاهرة يوم 28/6/1973م.

 

·                ندوة فكرية بدار مؤسسة "أخبار اليوم" بالقاهرة يوم 30/6/1973 م.

 

·                لقاء مع قيادات الاتحاد الاشتراكي العربي بالقاهرة يوم 1/7/1973 م.

 

·                ندوة صحيفة "لوموند" الفرنسية بباريس يوم 24/11/1973 م.

 

·                المؤتمر العام العربي الرابع للحركات الأفريقية للشباب يوم 23/3/1974م.

 

أمّا منذ مطلع عام 1976 وبعد صدور الفصل الأول من الكتيّب الأخضر، فقد أضاف النظام الانقلابي إلى نشاطه السابق في عقد الملتقيات والندوات بشأنه، عدّة نشاطات جديدة تمثّلت في طبع وترجمة وتوزيع الكتيّب مجاناً وبشتى الأساليب[9].

 

ثامناً: جماعات شاذَّة

 

جرياً وراء أوهام الدور العالمي، لم تقتصر العلاقات التي أقامها العقيد القذافي على كلّ من ادّعى "الثوريّة" و"اليسار" و"الفكر" و"النضال" على امتداد العالم كلّه، بل تجاوزهم إلى مجموعاتٍ أخرى هي وفقاً للمعايير كلّها لا تندرج إلا تحت تصنيف الجماعات الشاذّة والمنحرفة فكريّاً وسلوكيّاً وأخلاقيّاً. ومن أشهر هذه الجماعات التي أقام القذافي معها علاقات حميمة منذ مرحلة مبكّرة "أبناء الرب" Children of God.

 

يقول الرائد عمر عبد الله المحيشي في صحيفة "صوت الشعب الليبي" تحت عنوان "ضياع القذافي مع الهيبيين":

 

"في يوم أول مارس 1972 وهو يوم الاحتفال بافتتاح معرض طرابلس الدولي قمت نيابةً عن مجلس قيادة الثورة بقصّ شريط افتتاح المعرض بصحبة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان. وعند تجوالي بين أجنحة الدول المشاركة لاحظت ولاحظ معي السادة المدعوّون الرسميون والسفراء الأجانب، وجود فتيات يلبسن أثواباً غجرية ويسدلن شعورهنّ بشكلٍ لا يبالي ويحملن في أيديهنّ نشرات وآلات موسيقية، وسألت عن هويّتهنّ فقيل لي إنّهنّ "بنات الله" وتقدّمن مني، وكنت حينها في جناح الولايات المتحدة الأمريكية وكان آخر جناح بسبب موقعه، وبحضور السفير الأمريكي المعروف "جوزيف بالمر"، تقدّمن منّي وقلن إنّنا أصدقاء للقذافي وبدأن يعزفن أغنية تتردّد فيها كلمة "القذافي" عدّة مرّات، وقد حاولت المجاملة في ذلك الوقت بحكم ضرورات الموقف ..."

 

ويواصل الرائد المحيشي:

 

"بعد هذه الحادثة لفت نظري كثرة الحديث عن كلمة أبناء الرَّب (Children of God)، وعرفت أنّ القذافي يصاحب هذه المجموعة الهيبيّة بلا استحياء، وضارباً عرض الحائط بمقتضيات منصبه. كان رئيس مجلس قيادة الثورة يجد متعةً فائقة في مصاحبتهنّ .. يجلس معهم في الخيمة المنصوبة بجوار فيلّته الفاخرة في الهضبة الخضراء الساعات الطوال، بل خصّص لهنّ معوناتٍ مالية وضيّفهنّ على حساب الدولة .."

 

ويستطرد الرائد المحيشي في مقالته:

 

"ولقد سألته مرّة عن الحكمة من وراء مصاحبة " أبناء الرَّب". فقال إنهنّ يروجْن اسمه في أوروبا من خلال الأغاني التي تغنيها الفتيات الضائعات، ونصحناه أنّ مكانته لا تسمح له بمعاشرة أمثال هؤلاء الفتيات فأعرض عن السماع .."

 

   ويواصل الرائد المحيشي:

 

".. وأبناء الله مجموعة تتّبع تقاليد الهيبّيين بشكلٍ كامل من حيث الإباحية الجنسية، ولكن لا يُستبعد أن يكون من ورائهم منظمة صهيونيّة تسخّرهنّ لغرض التجسّس، ذلك أنّهنّ بعد خروجهنّ من مقابلات القذافي يتوجّهن إلى تجمّعات الضباط حيث يسهرن معهم ويرقصن في حفلات الأفراح مع ما يصاحب ذلك من إباحيّة جنسية مع من يرغب من السادة الضبّاط .."

 

".. القذافي لم يقف عند هذه الحدّ فقط بل سخّر سلطانه كرئيس للدولة بأن خصّص ضابطاً من الحرس الجمهوري واسمه سعيد صويصة [10] بأن يكون حلقة وصل مع هذه المجموعة في مقرّها في لندن. كان هذا الضابط يأتي لنا ليحكي قصصاً غريبة وعجيبة كلّها فجور وفسق. ويبدو أنّ القذافي كان يريد إفساد أخلاق هذا الضابط بإتاحة فرصة سفره إلى لندن والاختلاط بهذه المجموعة، إلا أنّ الرجل كان يقظاً. هو الآن محكوم عليه بالسجن المؤبّد بتهمة الاشتراك في انتفاضة أغسطس".

 

وقد نشرت صحيفة "الأهرام" القاهريّة في عددها الصادر يوم 27/11/1976 خبراً مطوّلاً تحت عنوان "القذافي يموّل في أمريكا جماعة دينية شاذّة تماثل جماعة جويانا"، كان من بين ما جاء فيه:

 

"تردّدت أنباء قويّة في الولايات المتحدة وبعض عواصم أوروبا الغربية تفيد بأنّ السلطات الليبية تقوم حالياً بتشكيل جماعة دينية شبيهة ب"معبد الشعب" التي ارتكبت منذ عدّة أيام حادث الانتحار الجماعي داخل معسكرها في جويانا .."

 

"وقد ذكر مراسل وكالة أنباء الشرق الأوسط في واشنطن أنّ الأنباء التي تردّدت في العاصمة الأمريكية تشير إلى أنّ العقيد الليبي معمّر القذافي هو النبيّ الجديد لمجوعة من الشباب الأمريكي البائس الذين أصبحوا يعيشون على ما تقدمّه لهم السلطات الليبية من مساعداتٍ مالية مقابل عضويتهم في تلك الجماعة الدينية التي يشرف القذافي بنفسه على تكوينها في الولايات المتحدة وعددٍ من دول العالم الأخرى ..."

 

وتمضي الصحيفة القاهرية:

 

".. وذكرت الأنباء أنّ موسى ديفيد زعيم جماعة "أطفال الله" وهو يهودي ويُعرف باسم ديفيد بيرج قد زار طرابلس مؤخّراً لمناقشة خطط إقامة مركز  لجماعته في العاصمة الليبية مع المسئولين الليبيين، وأنّ القذافي قد استقبله خلال هذه الزيارة وأجرى معه حواراً استمرّ 9 ساعات .."

 

"والمعروف أنّ الاتصالات بين القذافي وبين جماعة "أطفال الله" اتصالات قديمة، وأنّهم يعتبرونه في تعاليمهم واحداً ممّن اختارهم الله لإنقاذ البشرية، وأنّه يتحدّث باسم الله، وأنّ الله اختاره ليكون زعيم العالم بأسره وهو نفس ما تردّده السلطات الليبية عن القذافي."

 

   وتمضي صحيفة "الأهرام" في خبرها الذي نقلته عن وكالات الأنباء في واشنطن في 26             /11/1976 :

 

" .. وقالت الأنباء أنّ العقيد القذافي قد أطلق على جماعة "أطفال الله" في مقابل ذلك وصف "الأنبياء الجدد" .. وأضافت أنّ القذافي كان قد قام بتأليف نشيد لهذه الجماعة باللغة الإنجليزية ليكون بمثابة رسالة منه للشباب البائس في الغرب .."

 

ولا نشك أنّ المقتطفات التالية، من الكتيّب الذي ألّفه المدعو "موسى ديفيد" زعيم هذه المجموعة الشاذَة بعنوان "عالم القذافي الثالث" في عام 1973، تُبرز الأسباب الحقيقيّة التي دعت العقيد القذافي للاتصال بهذه الجماعة وتبنّيها وإغداق الأموال عليها، وهي باختصار سعيه وجريه المحمومان وراء الدور العالميّ المزعوم.

 

   يقول موسى ديفيد (أو ديفيد بيرج) في كتيّبه:

 

"(لا يستطيع أحدٌ أن يُنكر أنّ العالم يعيش في فوضى مخيفة أو يرجع ذلك إلى الكفر بالله والإيمان بالمادّة، ورفض القيم الروحيّة).

 

وربّما تعتقدون أنّني أنا نفسي الذي قلت هذه الكلمات لأنّها تشبه على وجه يقين ما يمكن لي أن أقوله، وتعبّر عن حقيقةٍ ظللت أعزف على وترها سنواتٍ طوال.

 

بيد أنّ هذه الكلمات ليست كلماتي، بل كلمات نبيّ آخر في عصرنا الحاضر، قائد ثوري تقدّمي شاب عميق التديّن ... يشقّ طريقه الآن ليصبح شخصية سياسية ذات شهرة عالمية – معمر القذافي ! رئيس مجلس قيادة الثورة الليبي، والذي يتقدّم على نحوٍ سريع ليصبح أهم زعيم للعالم العربي، وينعقد عليه الأمل ليصبح صوت العالم الثالث بأكمله ومرشده العظيم على الطريق ..". (الفقرة الأولى، الصفحة الأولى).

 

·     ذلك الصوت المعبّر عن زعامة وقوّة العالم الثالث التي تبزغ إلى الوجود شيئاً فشيئاً هو صوت الزعيم الشاب المتمسّك بعقيدته معمّر القذافي زعيم ليبيا رمز العالم الثالث وزعيمه، والذي يمثّل أوّل تحدٍّ للدولتين العظمتين كليهما معاً. (الفقرة/15، الصفحة/5).

 

·     لقد قال أحد كبار المؤرّخين أنّ العالم ينتظر رجلاً عظيماً يوِّحد نظمه السياسية وعقائده الدينية ويحلّ مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية ويخلّصه من الحروب والآثام ويجلب السلام والرَّخاء والنّعيم السماوي إلى عالمنا الأرضي! ويتنبّأ الكتاب المقدّس بأنّ مثل هذه الرجل سيظهر في الأيام الأخيرة لحكم الإنسان على الأرض، وسينقذ العالم من الدَّمار الشامل قبل أن يعود المسيح ليحكم الأرض ومن عليها. (الفقرة/16، الصفحة/5).

 

·         لم يحن الوقت بعد كي نعرف إن كان القذافي هو ذلك الرجل المنتظر أو أنّه مجرّد تعبيد لظهوره كزعيم للعالم، إلاّ أنّ القذافي على وجه  اليقين يحمل جميع خصائصه، كما كشف لنا الوحي أنّه سيكون بين القذافي ورجلنا المنتظر الكثير.

 

·     وإن لم يكن القذافي هو رجلنا المنتظر ذاته فهو يقيناً تمهيد لظهوره، لأنّ القذافي لا يوحّد العالم  الثالث خلف زعامته بقوته المتزايدة وصوته الذي يدوّي في وضوحٍ فحسب، وإنّما لأنّ العالم بدأ يدرك أنّ عليه أن يستمع إليه، أراد أم لم يرد، وذلك لأنّ العرب يسيطرون على معظم ما في العالم من نفط ويحصلون في مقابله على معظم ما في العالم من ذهب ! ولن يصبح في العالم شيء له قيمة غير النفط والذهب وذلك بعد أن تتهاوى نظم النقد وتنفد مصادر الوقود، وهو الأمر الذي بدأ يحدث على نحوٍ سريع في الوقت الحاضر. (الفقرتان/71-18، الصفحة/5).

 

·     وسيكون علاء الدين الحديث يحمل مصباح النفط الذي يعود عليه بالثروة والقوة وخزائن من الذهب جالساً على القمّة بينما يصبح العالم بلا مصدر للوقود وبلا نقود. (انظر: "مصباح القذافي السحري". أنباء الأمم الجديدة –14 مايو) 1973). وتشعر كّلاً (كلٌّ) من الدولتين العظمتين بالجزع إزاء نهضة العالم  الثالث وصوته المرتفع وزعامته الجديدة التي تتمثّل في الشخصيّة الساحرة الجذّابة لهذا النبيّ السياسيّ الشاب الملهم. (الفقرة 19، الصفحة/6).

 

·     والآن، تشعر الأمّ أمريكا بأنّ هذه الروح الاستقلالية الجديدة التي تتمثّل في فردية العمل إهانة لها، أمّا الأب روسيا فيبدو وكأنّه فخور بأن يرى ابنته الصغيرة تصبح امرأة شابّة قويّة تستقلّ عن أمّها، ولا شكّ أنّه يأمل أن يؤدّى بها ذلك إلى وحدةٍ أوثق مع أبيها –إلاّ أنّ الابنة قد تفاجئ "بابا" بأن تجد لنفسها صديقاً وترغب في الاستقلال عن أبيها تماماً. وقد يكون هذه الصديق شاباً وسيماً يسمّى القذافي يمكّن للابنة أن تقع في غرامه وخاصّة إذا ما أسبغ عليها من نفطه وذهبه فيما ينتظر العالم من أزمةٍ في النفط والنقد. (الفقرة/22، الصفحتان 6 و7).

 

·     وتوحّد أوروبا في الوقت الحاضر صفوفها وتقطع روابطها القديمة إلاّ أنّها تحتاج إلى صديقٍ جديد ليساعدها على الاستمرار في الحياة، وهذا الشاب الوسيم الأسمر الفارع الطول يمكن أن يقدّم لها كلّ ما تحتاجه لتحصل على استقلالها التام عن أبويْها، الفخور منهما والغيور، وأن تحيا حياتها الخاصّة، في منزلها المستقل بمساعدة هذا الشاب القوي وما يقدّمه لها من نفطٍ ومال، فهذان هما كلّ ما تحتاج إليه بجانب زعامته، وهو على استعدادٍ ليواجه كلٍّ من "ماما" و"بابا". (الفقرة/22، الصفحة 7).

 

·     ويبدو وكأنّ القذافي لديه كلّ شيء تحتاجه أوروبا، وستقع في غرامه إذا ما أعطاها الفرصة، وخاصّة عندما يستبدّ بها اليأس وتترك البيت، لأنّ الأم أمريكا تمنع عنها النفوذ والأب روسيا يحاول أن يحبسها في حجرته! وهي تخشى كذلك أن يكون الأب يتوّعدها بدوره لذلك ستحتاج الحماية والعون من الشاب القويّ ومن أصدقائه كذلك! وأيّ زواجٍ يمكن لها أن تطمح إليه أفضل من زواجها بذلك الشاب الجريء الذي يمكن له أن يساعدها في بناء بيتها بقوّته وثروته وأصدقائه وزعامته المؤمنة بالله –خاصّة وليس أمامها من الخطّاب الذين تختار بينهم سوى العدد  القليل. (الفقرة/24، الصفحة 7).

 

·     ما الذي يمنعها إذاً؟ من الذي أمامها لتختاره؟ ولا ينعقد الأمل على القذافي ليصبح زعيم العالم العربي فحسب بل وزعيم أفريقيا جميعها كذلك، وربّما جانب من جنوب آسيا وذلك عن طريق قوّته ونفوذه ليس كزعيمٍ سياسي فحسب وكعلاء الدين الذي يحمل في يده المصباح، مصباح النفط وثروة هائلة، وإنّما كذلك كزعيمٍ دينيّ قوي ومؤثّر لإمبراطورية إسلاميّة قويّة منتشرة في أرجاء العالم. (الفقرة/26، الصفحات 7، 8).

 

·     إلى من غير القذافي تتطلّع أوروبا إذاً من أجل الزعامة والعون؟ إلى الأم أمريكا المتداعية المنهارة التي يمكن أن تبيعها بثمنٍ بخسٍ بدلاً من أن تنقذها مرَّة أخرى؟ إلى أبيها روسيا الذي يتوّعدها وتخشى أن يحلّ بها عقابه؟ أم إلى قريبها القديم البعيد "ماو" الذي لا تعرفه حقّ المعرفة؟ من الذي يمكن لها أن تلجأ إليه بعيداً عن هؤلاء؟ من الذي يخطب ودَّها؟ مّنْ غير القذافي الشاب الوسيم الأسمر الفارع الطول بكلّ ما يحمله من نفطٍ وذهب وأصدقاء شبّان أقوياء! إنّها تعرفه أكثر ممّا تعرف الآخرين، وكانت تعيش معه في وقتٍ من الأوقات، والآن لا زالت تعيش على مقربةٍ من داره عبر البحيرة الصغيرة التي تجري بينهما. (الفقرة/27، الصفحة 8).

 

·     أيُّ قوّةٍ ستكون لبيتيهما عندما يتّحدان معاً ويصبحان بيتاً واحداً يقف وبجانبه أصدقاء القذافي في آسيا وأفريقيا ضدّ جميع البيوت الأخرى والخطَّاب والمنافسين وأصدقاء الماضي وأعداء المستقبل!

 

ويمكن لأوروبا والقذافي معاً أن يشيّدا بيتاً شامخاً هو قوّة العالم الثالث التي تستطيع بالنفط والذهب والأصدقاء والعقول والزعامة الروحيّة أن تتحدّى بقيّة العالم –أو تدعوها للانضمام إليها ليصبح هناك عالم واحد!

 

·     من الذي يعلم؟ الله يعلم! ونحن كذلك نعلم، لأنّ الله قال لنا إنّ ذلك ممكن أن يحدث إذا ما أدّى كلٌّ منّا واجبه وأطاع الله وما أراده الله للعالم كما أوحي به إلينا! لقد حدّثنا الله عن القذافي منذ سنواتٍ عديدة قبل أن يسمع عنه بقيّة العالم وقال إنّه سيظهر زعيم عظيم، وقد أصبح القذافي عظيماً بالفعل، وجعل العالم أجمع ينصت إلى ما يقوله، وهو الشاب الذي تنبّأت الجدّة "جين ديكسون"[11] ونحن والكتاب المقدّس بأنّه سيخرج من مصر ليقود العالم، والمستقبل يدّخر له الكثير! ولماذا لا يقدّمه الله  وهو ما هو عليه من نعم قوّة وثروة وزعامة؟ (الفقرة/29، الصفحة 9).

 

·     إنّه الزعيم السياسي الوحيد في العالم الذي يمجّد الله ويقول إنّ الإيمان بالله هو الدواء الوحيد لمشكلات العالم، ويقدّم لنا البديل الإلهي الوحيد للمادّية الكافرة في الرأسمالية والشيوعية! إنّه الزعيم الوحيد في العالم الذي يقدّم للعالم الله والاشتراكية كدواء لاحتياجاته ومشكلاته! إنّه الزعيم الوحيد في العالم الذي ينسب لله ما هو جدير به من فضل ويبشّر العالم بأنّه يمكن أن يكون الله الإيمان بالله والاشتراكية جنباً إلى جنب". (الفقرة/30، الصفحة 9).

 

·     من ذا الذي يقدّم لنا الاشتراكية جنباً إلى جنب مع إيمانٍ بالله يضمن لها النجاح؟ إنّ الزعيم العالمي الوحيد الذي أعرفه والذي يرفع صوته عالياً ضد الرأسمالية والشيوعية كليهما، ويقدّم لنا البديل الوحيد لذلك، الاشتراكية المؤمنة بالله، ليس سوى الشاب الشجاع من الجنوب، علاء الدين الذي يحمل مصباحه السحري في يده، ويبشّر بالبديل السياسي الوحيد أمام عالمنا الراهن". (الفقرة/32، الصفحة 9).

 

·     إنّ القذافي هو الوحيد الذي له من إخلاصه ومن إيمانه بالله ومن قوّته ومن قدرته على الإقناع وإيمانه بالمستقبل ومن بصيرته وشبابه ما يجعله قادراً على أن يجتذب لبّ شباب العالم وتطلّعهم إلى المثل العليا وإعجابهم وعلى أن ينال إخلاصهم وولاءهم، وهم الدم المتدفّق بالحياة في كلّ ما يحدث في العالم من تطوّرٍ أو طفرات. (الفقرة/33، الصفحتان 9،  10).

 

·         هذا ما يقوله الابن الفقير لراعي أغنام في الصحراء والذي أصبح الآن القائد الشاب ومفكّر العالم الثالث. (الفقرة/54، الصفحة/14).

 

·     إنّ سيدتنا الجميلة أوروبا تحسن عملاً بأن تصغي إلى كلماته التي يطلب بها يدها الضعيفة لأنّها سوف تحتاج إليه وإلى ما لديه عندما تحين ساعة الحساب والتي ستأتي في القريب عندما تفرغ مصادر الوقود فيها ويضيع الذهب من يدها، إنّ لديه كلّ ما تحتاجه من إيمانٍ بالله وزعامة حكيمة مؤمنة بالإضافة إلى نعم الله من نفطٍ وذهب وإلهام فكري –كذلك لديه دين ينتشر في أرجاء العالم، وأتباع لسياسته وكلّ هذا يمكن أن يساعدها في أوقات الشدّة التي تنتظرها. (الفقرة/55، الصفحة/14).

 

·     إلى أوروبا، إلى العالم أجمع، استمعوا إلى كلماته الحكيمة، أصْغوا إلى صيحته، لتنقذوا أنفسكم من آثامكم وتوفّروا على أنفسكم ما ينتظركم، وإن لم يستمع إليه سوى شخص واحد، فسأكون أنا ذلك الشخص! (الفقرة/56، الصفحة/14).

 

·     لينقذنا الله، قبل أن ندمّر أنفسنا أو يدمّرنا الآخرون! ليتّحد شباب العالم المؤمن معاً ضدّ الرأسمالية الكافرة والشيوعية الملحدة كليهما وليخلقوا معاً عالماً جديداً، متحرّراً منهما معاً، يعيش فيه الجميع في حرّية في ظلّ الله ذاته، آمين. (الفقرة/57، الصفحة/14).

 

·     ليحفظنا الله نحن الذين نحفظ كلماته وليبارك الله ويحفظ نبيّه الشجاع الشاب، معمر القذافي، الذي ينطق بكلمات الله لينقذ العالم ولينقذ كلَّ من يسير وراءه! وباسم المسيح، آمين." (الفقرة/58، الصفحة/14).

 

وإنّنا ندعو القارئ أن يطالع معنا الفقرات التالية التي وردت على لسان العقيد القذافي في عددٍ من المناسبات، كانت الأولى منها في طرابلس يوم 26/10/1972 خلال الندوة الفكرية حول النظريّة الثالثة، وذلك ليرى بنفسه ما بينها وبين آراء المدعو (موسى ديفيد) السابقة من تطابق، وما بينها من تجاوب، وليلاحظ التثمين الإيجابي الذي يثمّن به القذافي هذه "الحركة الهيبية".

 

يقول  القذافي في تلك الندوة:

 

"نحن حين نتكلّم في هذه الجلسة للعالم الثالث، بل ركّزنا عليه بشدّة، لأنّ العالم  الثالث هو الذي يتعرّض الآن للانقسام بواسطة الدول الكبرى التي تتصارع في العالم. وقلنا إنّ المعسكرين الكبيرين، هما معسكر تقوده أمريكا.. والمعسكر الآخر تقوده روسيا، وما عداهما فهو المعسكر الثالث، بغضّ النظر عن دينه وعن فكره وعن لغته."

 

"لكن العالم الثالث تنقصه نظرية .. تنقصه عقيدة تهديه، حتى لا يبقى ممزّقاً بين نظريّة الشرق ونظريّة الغرب. ومن أجل هذا نقول إنّ الإسلام هو النظرية الصحيحة ... باعتبار أنّ الإسلام رسالة عالمية، لا يفرّق بين الأديان (؟!) ولا بين الأجناس ولا اللغات ولا الألوان، نتكلّم عن الإسلام لا من حيث أنّنا مسلمون .. نحن نتكلّم عن الإسلام باعتباره ملكاً للجميع .. رسالة موجّهة للعالم كلّه، حقيقية إلهيّة .. تهدي الناس أينما كانوا .. سواء كانوا هندوكاً أو مسلمين .. أو مسيحيين .. بالإضافة إلى أنّها يمكن أن  تخلق قوّة في العالم  الثالث ... نجاح هذا المعسكر بقيادة هذه الأمّة التي تدين بالدين الإسلامي .. هذا أيضاً يفيد العالم كلّه وممكن يقدّم الهداية للناس الحيارى في العالم الشرقي والغربي .. لهذا تطلع حركة "أبناء المسيح"[12] في الشرق، الحركات (الهيبيز) التي تجتاح العالم وغيرها .."

(ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الثالث، صفحة 318، فقرة 198م).

 

أمّا المناسبة الثانية فهي خلال الندوة الفكرية بدار مؤسسة "أخبار اليوم" بالقاهرة يوم 30/6/1973 حيث جاء على لسانه:

 

".. فيه فريق آخر اسمه "أبناء المسيح".. العودة إلى الله، ومجموعة إسمها أبناء المسيح ومجموعة الهيبيز هذه كلّها حركات اجتماعية في المجتمع الأمريكي كردّ فعلٍ على الواقع الأمريكي كنتاج للثقافة الأمريكية .. أنا من حقّي أن أطّلع عليها وأعرف هذه الأسباب، ولو أنّي اطّلعت على الثقافة الأمريكية فعلاً وعرفت أنّ الهيبيز ظاهرة مترتّبة على الثقافة الأمريكية أو على الواقع الأمريكي لم أكن هيبيز، لكن الذي يجهل الثقافة الأمريكية هو الذي يطلع هيبيز .."

(السجل القومي. المجلد السنوي الرابع 72/1973. الصفحة 1175).

 

ولا نحسب أنّ أحداً يطالع المقتطفات التي وردت على لسان المدعو "موسى ديفيد"، وينظر في أصدائها التي وردت على لسان العقيد القذافي، سوف يجد صعوبة في معرفة الأسباب الحقيقة من وراء سعي القذافي لإقامة علاقة حميمة مع هذه الجماعة الشاذّة، وقضاء الساعات الطوال في صحبة بناتها داخل خيمته، وإغداق الهبات والأموال عليها ..

 

·           ولكن كم كلّفت هذه العلاقة المشبوهة الشاذّة خزانة الشعب الليبي؟!

 

للأسف ليس بمقدورنا أو بمقدور أحدٍ تحديد ذلك ..

 

ولكنّنا على يقين بأنّه مبلغ كبير وكبير جداً يتجاوز كلَّ "صوَر الوفر" التي يزعم العقيد القذافي أنّه حقّقها في ميزانية الدولة وأموالها، كما مرّ بنا في فصل "مآخذ الانقلابيين وعهودهم". وحتى لو افترضنا أنّ هذا المبلغ كان زهيداً، فإنّ أبناء وبنات الشعب الليبي هم أحقّ وأولى به من هذه "الجماعة الشاذّة". وذهبت هذه المبالغ، كما ذهب غيرها، هباء .. ولم يكفّ القذافي عن اللهاث وراء سراب هذا الدور العالمي المزعوم.

 


[1]      وردت أول إشاراتٍ عارضة إلى هذا الموضوع في عام 1971. وقد شهد عام 1972 أوّّل إشاراتٍ محدّدة إلى هذا الموضوع، خلال المؤتمر  الصحفي الذي عقده بطرابلس يوم 30/3/1972 ثمّ خلال  الندوة التي نظّمتها له صحيفة الأهرام بالقاهرة يوم 7 أبريل 1972 ثمّ خلال "المحاضرة" التي ألقاها بطرابلس يوم 16/9/1972 تحت اسم "ملامح النظريّة الثالثة".

[2]      نحن نزعم هنا أنّ فكرة النظرية ذاتها وحتى صياغتها ليست من ابتكار العقيد القذافي وإنما قُدِّمت له وأمليَت عليه بواسطة الجهة راعية الانقلاب.

[3]      راجع السجل القومي. المجلد السنوي السابع/1975-1976. الصفحات 438، 439.

[4]      راجع فصل "التجريب السياسي المتواصل".

[5]      على سبيل المثال، قام وزير التربية والتعليم (الدكتور محمد أحمد الشريف) في 2 مارس 1976 (أي بعد شهرين من صدور الكتيّب الأخضر) بإصدار القرار رقم (105) لسنة 1976 قرّر بموجبه تدريس الفصل الأول من الكتاب الأخضر على طلبة وطالبات معاهد مرحلة ما بعد التعليم الإلزامي (الابتدائي) } راجع العدد (55) من السنة (14) من الجريدة الرسمية للنظام{.

[6]      لمعرفة المزيد من هذه الادّعاءات والأوهام يراجع بحث "حول النظريّة الثالثة والكتاب الأخضر" للمؤلف تحت الطبع.

[7]      كان يشغل في تلك الفترة منصب "وزير الدولة".

[8]      راجع "يوميّات ثورة الفاتح من سبتمبر" القسم الخامس 75/1976. مرجع سابق.

[9]      انظر فصل "التجريب السياسي المتواصل".

[10]     أحد الضباط الذين انضمّوا للجيش بعد الانقلاب من الجامعة، وكان محسوباً على النقيب امحمد أبو بكر المقريف عضو مجلس قيادة الثورة، وكان من بين الضباط الذين اتهموا بالاشتراك في محاولة أغسطس 1975 الانقلابية، وقد تمكّن من الهروب إلى مصر حيث توفّي بها في أواخر الثمانينات.

[11]     هي عرّافة أمريكية مشهورة، وقد تنبّأت في منتصف الستينات أنّ رجلاً قد وُلِد حينذاك في منطقة الشرق الأوسط وعلى الأرجح مصر وسيكون هذا الشخص بمثابّة مبعوث العناية الإلهية لإنقاذ العالم حيث سيقدّم "دين الله" في صورةٍ جديدة  توّحد الأديان جميعها حولها.

[12]     هكذا يسمّيها القذافي "أبناء المسيح" بدلاً من "أبناء الرب".

 

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home