Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد المقريف


د. محمد المقريف

الثلاثاء 12 اكتوبر 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

صفحات من تاريخ النظام الانقلابي في ليبيا (12)

فصول منتقاة من كتاب "الطغيان الثوري وعبقرية السفه" ـ تحت الاعداد

 

إعداد : الدكتور محمد يوسف المقريف

 

أوهام الدور العالمي وثمنه (1)

 

عبّر انقلابيو سبتمبر منذ بيانهم الثاني[1] الذي أعلنوه في الاول من سبتمبر عن تطلّعاتهم لأن يلعبوا دوراً يتجاوز حدود ليبيا ويحوّلها إلى :

 

" .. بلد تقدمي ، يناهض الاستعمار والعنصرية ويسعى لتحرير الشعوب المظلومة التى تعاني نفس قضايا التخلف والظلم الاجتماعي".

 

كما عبّروا في البيان ذاته عن ايمان مجلس قيادة الثورة بوحدة قضايا العالم الثالث وإلى تضافر جهود هذا العالم من أجل تحطيم نير التخلف الاجتماعي والاقتصادي.

 

أما القذافي نفسه فقد عبّر منذ الأشهر الأولى لأنقلابه عن تطلعه إلى أن يلعب دوراً على مستوى العالم العربي والقارة الافريقية والعالم الثالث بل العالم بأمره كما يتضح من المقتطفات التالية :

 

"إنّنا لم نهمل قضايا التحرّر في العالم الثالث، بل نناصرها عمليّاً أيضاً، وقد أعلنّا عن ذلك في البيان الثاني من قيام الثورة"

(خلال مؤتمر صحفي يوم 22/2/1970. ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الأول، صفحة 202).

 

".. إنّ هذه المبادئ العظيمة .. الحرّية، الاشتراكية، الوحدة، هي التي حرّكت الضباط الوحدويين الأحرار لكي يفجّروا ثورةً شعبية عظيمة، في أخطر مكانٍ استراتيجي من العالم وفي أخطر ظروف .."

(في خطاب بمدينة طبرق يوم 28/3/1970. ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الأول، صفحة 80).

 

".. أقول إنّنا اليوم نشعر بقوّةٍ أكبر، بعزيمةٍ أقوى، وبإيمانٍ عميق، ونحن ننطلق اليوم في معركة الحرية الاقتصادية، وفي معركة الحرية الاجتماعية، وفي معركة التزاماتنا تجاه المعركة المصيريّة للأمّة العربية كلّها .."

(في خطاب بمدينة بنغازي يوم 26/6/1970. ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الأول، صفحة 90).

 

".. هناك القضية العربية، قضية فلسطين، وهناك العدوان الإسرائيلي، وهناك تمزيق الأمَّة العربية، وهناك فقدان الوحدة، والاستهانة بكرامة الأمّة العربية، وهناك الاعتداء على الحقّ العربي المقدّس .. على المستوى القومي هذه الأشياء هي التي سبّبت قيام الثورة .."         ".. الثورة قامت لأسبابٍ وطنية، ولأسبابٍ قومية، ولأسبابٍ إنسانية وعالمية .."

(في خطاب بمدينة طبرق يوم 28/3/1971. ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الأول، الصفحات 32، 41).

 

".. وتقوم ثورة الفاتح من سبتمبر بدورها في الميدان القومي لأنّها لم تقم من أجل واقعٍ وطنيّ فحسب، ولكنّها قامت أيضاً من أجل تحقيق أهدافٍ قومية .."

(في خطاب بمدينة طرابلس يوم 1/9/1971. ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الأول، صفحة 136).

 

".. إنّ ثورة الفاتح تقوم بدورٍ إيجابيّ في حركة عدم الانحياز وتقوم بدورها في سبيل تخفيف التوتّر في حوض البحر المتوسط .. وقد استجابت دول أفريقية صديقة لنا وشقيقة استجابة إيجابية لدعوة ثورة الفاتح من سبتمبر من أجل العمل الجادّ لتحرير القارّة الأفريقية، واستثمار ثرواتها لصالح شعوبها وتأمين استقلالها .."

(في خطاب بمدينة طرابلس يوم 1/9/1971. ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الأول، صفحة 136).

 

".. إنّ الجمهورية العربية الليبية لا تتردّد في الاشتراك في عملياتٍ عسكرية نظامية وأن تخوض حرباً رسمية في أيّ جزءٍ من القارّة (الأفريقية) من أجل تحريرها والحفاظ على كرامة الإنسان فيها .."

(في افتتاح الدورة 19 للجنة التنسيق لتحرير أفريقيا بطرابلس يوم 13/1/1972. ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الأول، صفحة 206).

 

".. وبالإضافة إلى دورنا القومي في سبيل الوحدة العربية، فإنّ الجمهورية العربية الليبية بعد ثورة الفاتح من سبتمبر مدّت يدها القوية إلى شعوب أفريقيا المكافحة في سبيل حريتها .. وحتى هذا اليوم شارك شعب الجمهورية العربية الليبية في الكفاح الأفريقي والكفاح العربي والإسلامي .."

(خطاب بمدينة "إطار" بموريتانيا يوم 19/2/1972. ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الأول، صفحة                 208).

 

".. نحن كنّا محرومين من أداء دورنا .. لا بدّ أن نؤدّي دورنا الآن في نطاقنا العربي ونطاقنا الإنساني، ونطاقنا العالمي .."

(في الذكرى الثانية لإجلاء آخر طلياني يوم 7/10/1972. السجلّ القومي/المجلّد الرابع. الصفحة 107).

 

وإذا كان القذافي قد بدا متواضعاً بعض الشيء خلال السنوات الأولى لانقلابه وحتى عام 1971 كما يتّضح من الفقرات التالية التي وردت في خطابه بمدينة صبراتة يوم 7/10/1971:

 

" إنّ ثورة الفاتح لا تدّعي الزعامة في الوطن العربي، ولا تدّعي الشمول في الوطن العربي، ولا تصدّر الثورات، ولكنّها متواضعة في ذلك، وتعتبر نفسها رافداً من روافد الثورة العربية، وليست هي كلّ الثورة العربية ... ولا تدّعي لنفسها أنّها البديل عن الناصرية .... ولكن ثورة الفاتح من سبتمبر تحتفظ لنفسها دائماً بتواضعٍ كبير جمّ، وتعتبر نفسها هي حلقة في سلاح كفاح الأمّة العربية الثائرة، وتعتبر نفسها رافداً من روافد تيار القومية العربية، ولا تعتبر نفسها بديلاً، ولكنّها هي دفعة جديدة منشّطة لحركة القومية العربية، وليست وريثة القومية العربية .."

 

إلاّ أنّ هذا "التواضع الجمّ" المصطنع سرعان ما اختفى وتلاشى ليظهر مكانه تورّم وتضخّم غير محدود في أوهام الدور العالمي وادّعاءاته تُعبّر عنه المقتطفات التالية من أقوال القذافي نفسه خلال أشهرٍ قصيرة لاحقة:

 

".. إنّ ما حدث بعد الفاتح من سبتمبر .. ليس شيئاً بسيطاً وسهلاً، ولكنّه شيء عظيم، بل أعتبره انعطافة كبيرة للتاريخ المعاصر ليس على المستوى الوطني الليبي فقط، ولا حتى على المستوى القومي العربي، ولكنه على مستوى العالم الثالث بل على مستوى العالم أجمع .."

 

".. لأوّل مرّة نعلن للعالم ويسمعها العالم أنّ هناك جبهة في العالم جبهة واحدة فقط تعادي الاستعمار الشرقي والاستعمار الغربي، والاستعمار الإمبريالي الشرقي والاستعمار الإمبريالي الغربي وهي جبهة العالم  الثالث .. ولأوّل مرّة يسمع العالم الثالث هذا النداء ينطلق من القلعة الجمهورية العربية الليبية .."

 

".. كما أنّه لأوّل مرّة يقف شعب من شعوب الأمّة العربية وهو حرّ ليصارح الأمّة العربية بدون مجاملة وبدون مداراة لأنّه يتكلّم عن مصير أمّته العربية، لأوّل مرّة نقول كلاماً أشبه بالتدخّل في الشئون الداخلية لغيرنا .."

 

".. أعتقد أنّنا هنا وبهذه التجربة العظيمة الرائدة (الاتحاد الاشتراكي العربي) التي قدّمناها لأنفسنا، وللأمّة العربية وللعام الثالث، كما أنّنا طرحنا أشياء خطيرة لشعوب العالم بأسره، فإنّنا شعرنا بأنّنا لم نعد شعباً صغيراً، ولسنا بشعبٍ ما كان يُعرف أين مكانه على خريطة العالم، وما كان له صوت مسموع، بل أصبح صوت الجمهورية العربية الليبية يدَّوي في أرجاء المعمورة كلّها، شعب الجمهورية العربية الليبية اليوم أصبح من الشعوب القلائل التي يعرفها كلّ العالم، وأصبح صوتكم هو الصوت المدوّي في العالم  الثالث وفي العالم أجمع .."

 

".. إنّنا نبعث عهداً جديداً مثل عهود الصحابة مثل عمر ابن الخطاب، مثل عهد عمر بن عبد العزيز مثل عهد الخلفاء الراشدين .."

 

".. وإنّني أتصوّر أنّ هذا الشعب الصغير يلعب دور الشعب "البروسي" في وحدة ألمانيا وسيلعب الشعب الليبي هذا الدور في وحدة أمّته العربية، كما أنّني أشعر أنّ هذا الشعب الصغير وهذه الجمهورية الصغيرة سوف تلعب دور "بيدمونت" في وحدة إيطاليا، ستلعب هذه الجمهورية الصغيرة دوراً في وحدة الأمّة العربية .."

 

".. إنّ شعب الجمهورية العربية الليبية اليوم أصبح معلِّماً لشعوب لأمّة العربية، وأصبح طليعة ثوريّة بالفعل، وأصبحت بلاده قلعة من قلاع الحريّة .."

(في الجلسة الختامية للمؤتمر الوطني العام الأوّل للاتحاد الاشتراكي. المنعقد في الفترة : 28 مارس إلى 8 أبريل 1972 ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الأول، الصفحات 33، 127، 128، 129، 130، 131).

 

".. نرى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يتطلّعون إلى هذا الشعب الصغير بأملٍ     كبير .."

(خطاب في 11/6/1972. ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الأول، صفحة 130).

 

لا غرو، في ضوء هذه الادّعاءات، أن نرى "المؤتمر الوطني العام الأول للاتحاد الاشتراكي العربي" (المنعقد خلال الفترة من 28 مارس إلى 8 أبريل 1972) يضمِّن مقرّراته وتوصياته الفقرات التالية:

 

"*       يؤمن المؤتمر أنّ ثورة الفاتح من سبتمبر لا بدّ وأن تحمل على كاهلها بصدقٍ وعزم وثورية، وبوصفها ثورة تحرّرية، واجباً مقدّساً تجاه كلّ الثورات والانتفاضات والحركات التحرّرية لا في أرجاء الوطن العربي فحسب، بل في مختلف أقطار العالم و لا سيّما بين شعوب العالم الثالث في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

 

·        يؤمن المؤتمر بأنّ المعركة التي نخوضها ضدّ تحالف الاستعمار والصهيونية هي معركة قومية ودينية، يجب أن نحشد لها كافّة الطاقات والإمكانيات العربية.

 

·                يدعو المؤتمر إلى قيام حركة مقاومة فلسطينية واحدة، وتلتزم الجمهورية العربية الليبية بالوقوف معها ورفض ما عداها.

 

·        يلزم المؤتمر ثورة الفاتح من سبتمبر باعتبارها امتداداً طبيعياً ونضالياً لثورة 23 يوليو (تموز) الأم التي فجّرها قائد هذه الأمّة جمال عبد الناصر، بضرورة تحقيق الوحدة الاندماجية بين الأقطار المؤهلّة لها، وتهيئة كافّة الظروف الملائمة لإنجاحها لتكون نواة سليمة للوحدة العربية الشاملة.

 

·                يؤكّد المؤتمر عروبة كافّة الأراضي العربية واسترجاعها خالصة للأمّة العربية من أيدي مغتصبيها ووسيلتها في ذلك الكفاح المسلّح.

 

·        يؤكّد المؤتمر ضرورة تدعيم الدعوة الإسلامية وتمكينها من الانطلاق ونشر رسالة الإسلام، رسالة الخير والمساواة والعدالة، بين بني البشر على أوسع نطاق في مختلف أقطار العالم، وضرورة تقديم المساعدة المعنوية والمادية للجمعيات الإسلامية وللمسلمين المضطهدين والتعاون معهم ومناصرتهم .."

 

·        "الوقوف مع الحركات الناصرية ودعوتها لتحوّل نفسها رسمياً إلى اتحادٍ اشتراكي عربي، ويرفض المؤتمر تعدّد الحركات الناصرية في القطر الواحد.

 

·                يرى المؤتمر أنّ الجبهة الوحيدة المعادية للاستعمار من الشرق أو من الغرب هي جبهة العالم الثالث.

 

·        يطلب المؤتمر من مناضلي الاتحاد الاشتراكي تجنيد أنفسهم شعبياً بالاتصال بالقوى الشريفة في العالم لتمكينها من تقويض الأنظمة الرجعية والإقليمية والمرتدّة."

(ثورة الشعب العربي الليبي. الجزء الأول، الصفحات 311-318).

 

وقد شهد عام 1973 بلوغ أوهام الدور العالمي لدى القذافي مداها من التورّم والانتفاخ، كما يتّضح من المقتطفات التالية من بعض الخطب التي ألقاها في ذلك العام ...

 

ففي خطابٍ للقذافي ألقاه بمدينة نالوت بالجبل الغربي يوم 9/4/1973، ورد على لسانه ما نصّه:

 

"وأقول لكم إنّ الأمّة العربية كلّها الآن تنظر لتحرّكات شعب الجمهورية العربية الليبية بعد قيام الثورة، والعالم كلّه في أمريكا وفي أوروبا وفي آسيا وفي أفريقيا ينظر في إعجابٍ باستمرار لتحركات شعب الجمهورية العربية الليبية في كافّة الميادين. وأعداء الأمّة العربية ينظرون بقلق شديد لكلّ خطوات الجمهورية العربية الليبية. وجماهير الأمّة العربية كلّها تعلّق آمالاً كثيرة على ثورتكم وعليكم أنتم لكي تقودوا الزحف المقدّس"

(السجل القومي. المجلد  الرابع 72/1973. الصفحة 604)

 

أمّا في الخطاب الشهير الذي ألقاه القذافي بمدينة زوارة يوم 15/4/1973، فقد وردت على لسانه في هذا الشأن العبارات التالية:

 

".. وعليه الشعب الليبي الآن متورّط في الطريق الذي يؤدّي إلى الوحدة العربية، وإلى محاربة الاستعمار في الشرق والغرب، والى الوصول إلى فلسطين .. الشعب الليبي متورّط في هذه الطريق لا يستطيع أن يتراجع عنها .. سواء أكان معه معمر القذافي أو مجلس قيادة الثورة أو ليس معه : الشعب الليبي قرّر هذا والعالم كلّه حسد الشعب الليبي. وعليه فالشعب الليبي مطلوب منه دين وهذا الدَّين هو أن يستمرّ في قيادة الأمّة العربية نحو الحريّة ونحو الوحدة ونحو الاشتراكية ... أنتم ما زلتم بعد ثلاث سنوات من الثورة سائرين في طريق الوحدة العربية. وأنتم  تحاربون بريطانيا لأجل شمال أيرلندة، وتحاربون أمريكا لأجل التفرقة العنصرية ولأجل الأمريكان السود، وتحاربون في الفليبين من أجل المسلمين فيها، وتحاربون إسرائيل من أفريقيا ... أنتم تعيدون رسالة الإسلام من جديد .."

 

".. الثورة الليبية تبشير للعالم أجمع .. الثورة الليبية تحمل رسالة الأمّة العربية وتعبّر عن ضميرها .. إنكّم تستطيعون أن تحقّقوا ما تصبو إليه الأمّة العربية، وتستطيعون بعد ذلك أن تجعلوا هذه الأمّة تستأنف دورها في حضارة الإنسان ..."

 

".. الثورة الليبية كلّ شعوب العالم تنظر إليها كحدثٍ عظيم له أبعاده الخطيرة في مستقبل الإنسانية .."

(السجل القومي. المجلد الرابع 72/1973. الصفحات 629، 648-650).

 

وخلال قمّة هيجان ما أطلق عليه "الثورة الشعبية" خاطب القذافي طلبة كلية الحقوق بالجامعة الليبية في بنغازي يوم 28/4/1973، وكان ممّا جاء على لسانه بشأن "أوهام الدور العالمي" ما نصّه:

 

".. العمل الذي تقومون به هنا (الثورة الشعبية) سيكون في متناول بقية المنطقة العربية وفي خدمتها ... هذه بداية تاريخية لا بد أن نستمرّ فيها ... هذا  المجتمع، هو المجتمع المؤهّل لقيادة البشرية ... إنّنا قمنا بالثورة من أجل الوصول إلى ثورة شعبية، إلى تغيير     التاريخ ..."

(السجل القومي. المجلد الرابع 72/1973. الصفحات 691،  693، 706، 712).

 

وخلال حديث القذافي مع طلبة كلية الهندسة بجامعة طرابلس يوم 3/5/1973 قال ما نصّه:

 

"... هذا الشعب لازم يلعب دور خطير في العالم العربي والعالم كلّه ..."

(السجل القومي. المجلد الرابع 72/1973. الصفحة 741).

 

وفي كلمةٍ له في رجال المقاومة الشعبية في طرابلس يوم 5/5/1973 قال القذافي:

 

".. هذا الشعب الصغير أشعر بالفخر أن أكون أحد أبنائه، هذا الشعب الصغير اليوم يقوم بدور شعب "بروسيا" في توحيد أمّته الألمانية، ويقوم بدور شعب "بدمونت" في توحيد أمتّه الإيطالية ... الشعب الليبي اليوم هو الشعب الوحيد الذي كتب له الفضل ... الشعب الليبي هو الوحيد اليوم الذي يبني الاشتراكية ... والذي يبني التقدّم ويرفع القرآن ويطبّق الشريعة .."

(السجل القومي. المجلد الرابع 72/1973. الصفحات 762-763).

 

وخلال حديث القذافي مع طلبة كلية الاقتصاد والتجارة في جامعة بنغازي يوم 9/5/1973 زعم القذافي أنّه استطاع من خلال الثورة الشعبية تقديم  حلّ للثورة الطلابية في العالم:

 

".. احنا قدرنا نقدّم للعالم شيء .. حتى انتوا (الطلاب) تقدروا تقوموا بدوركم في ثورة الطلاب في العالم ... لعلّكم أنتم هنا بالثورة الشعبية تكونوا صنعتم بادرة للطلاب في العالم أنهم وجدوا طريق الخروج من الحلقة المفرغة التي من أجلها بيثور الطلاب .."

(السجل القومي. المجلد الرابع 72/1973. الصفحات 855-856).

 

وقد ازدادت هذه الأوهام مع السنوات تورّماً وانتفاخاً لم يعرف الحدود ..

 

".. إنّ طموحات ثورة الفاتح من سبتمبر أن تبعث العالم  الإسلامي. وهذا انعطاف تاريخي يعني من عام 1969 بدأ انعطاف في التاريخ .."

(في لقاء بالقيادات السياسية بطرابلس يوم 23/8/1975. السجل القومي. المجلد السابع. صفحة 135).

 

".. إنّ المفاجأة أنّ شعباً من الشعوب المتخلّفة مادياً (الشعب الليبي) يسبق كافّة الشعوب في العصر الحديث، ويقدّم الحلّ للمشكلة المعنوية للإنسان .. مشكلة الحرية، مشكلة الديمقراطية، التي هي المشكلة الحقيقية للإنسان في كلّ مكان .."

 

".. إنّه بقيام هذه التجربة الديمقراطية الفريدة، تكون قد انهارت كافّة النظريات السياسية في العالم، ولا بد أن تكون النظرة الحقيقية، نظرة الفاهم والعاقل، قد تغيّرت بين نهاية عام 1975 لميلاد المسيح عليه السلام وبين بداية عام 1976 م. (عندما صدر الفصل الأول من الكتاب الأخضر)."

 

"أذكر هذا التاريخ ... لأنّ التجربة الليبية اكتملت بنهاية عام 1975 وبداية عام 1976، وبين نهاية 1975 وبداية 1976 أعتقد أنّ النظرة قد اختلفت تماماً، نظرة الفاهمين والمحلّلين وغير المتعصّبين لكافة كتب الفلسفة، وكافّة النظريات الفلسفية، التي تناولت هذه القضية طولاً وعرضاً، قضية الديمقراطية. ولا أبالغ إذا قلت، إنّ كافّة كتب الفلسفة التي حاولت أن تأتي بتصوّر لحلّ مشكلة الديمقراطية قبل فجر عام 1976، أصبحت كافّة هذه المؤلفات في سلّة المهملات من الناحية الحقيقية .."

 

" حتى إعلان حقوق الإنسان –الذي يعتبر حتى عام 1975، الوثيقة التي تضمن الحرية للإنسان- أصبح بقيام التجربة الديمقراطية في الجمهورية العربية الليبية، هذه التجربة التي أقامها الشعب الليبي، أصبح أمامها إعلان حقوق الإنسان لا يساوي قيمةً تُذكر إطلاقاً في هذا العصر، وسيقدّم هذا الشعب فصولاً أخرى لحلّ مشاكل أخرى مستعصية حتى هذا اليوم على العالم كلّه ..."

(في الجلسة الختامية لمؤتمر الشعب العام يوم 18/1/1976. السجل القومي. المجلد السابع 75/1976. الصفحات 438-439).

 

".. أيها الأخوة .. إنّ نظامكم هو أكبر الأنظمة في البلاد العربية بل في العالم .. لماذا؟ لأنَّه يستند على هذه القوة الشعبية الجماهيرية الحرّة ..."

 

" أيها الأخوة .. إنّ القدر قد وضعكم في المقدّمة، إنّ القدر قد وضعكم في الطليعة .. إنّ إرادة الله أرادت للشعب الليبي الذي كان في المؤخّرة أن يصبح في المقدّمة، أن يصبح هو الشعب الرائد، هو الشعب القائد، هو الشعب المفكّر في الحرية، المفكّر في الانعتاق من القيود، المفكّر في بناء الاشتراكية على الأرض العربية ..."

 

"إنّ أصواتكم قويّة، لأنّها صادرة من قلوب مؤمنة، من جماهير حرّة، من قوّةٍ مصمّمة على انتزاع الحقّ ... على أن تخوض كافّة المعارك بالحقّ، وعلى أن تحقّق الأهداف النهائية لا للشعب الليبي فقط، ولكن لجماهير الأمّة العربية ولجماهير العالم  الثالث، وللعالم الإسلامي، وللشعوب المكافحة من أجل حريتها في كلّ مكان ...."

 

" أيها الأخوة .. القدر .. إرادة الله وضعت على الشعب الليبي مسئولية قيادة معركة التحرير، معركة الثورة الاجتماعية، معركة بناء الاشتراكية، معركة تحطيم القيود، معركة توحيد أمّة العرب ... القدر أيها الأخوة وضع على الشعب الليبي هذه المطالب .. القدر هو الذي فرض عليكم أن تقاتلوا مع الشعب اللبناني، مع القوة الوطنية اللبنانية، وأن تقاتلوا مع الشعوب المغلوبة في أيرلندا والفليبين ... القدر هو الذي وضع عليكم مسئولية التحريض على الثورة من المحيط إلى الخليج .. التحريض على الوحدة من المحيط إلى الخليج، التحريض على التحرير لكلّ أرضٍ عربية ..."

 

".. بدأنا نشعر، بأنّ أمريكا التي طردناها من الباب، تريد أن ترجع من النافذة .. إنّ الاستعمار الأجنبي لا يرضى للشعب الليبي أن ينشئ المصانع ويبني المنازل ويحوّل الصحراء إلى أرضٍ خضراء .. لا يريد لفلسطين أن تتحرّر، لا يريد للأمّة العربية أن تتوحّد، لا يريد للنظرية العالمية الثالثة أن تعمّ العالم ..."

 

".. لقد بدأنا أيها الأخوة نعدّ العدّة اعتباراً من الآن لحماية الثورة، بل للتبشير بالثورة، لتصدير الثورة ... لقد طال الانتظار للمعركة الحتمية التي تصفّي فيها الجماهير حسابها مع الرجعية ومع أعدائها فوق الأرض العربية ..."

 

"... إنّ جماهير الأمّة العربية من المحيط إلى الخليج تنتظر على أحرّ من الجمر الوقت الذي تعلن فيه طرابلس نداء التحرير، نداء الثورة، نداء استئناف المدّ الوحدوي الثوري الجماهيري الذي بدأه عبد الناصر، والذي تجمّد وتوقّف بموت عبد الناصر ..."

 

" أيها الأخوة .. طال انتظارنا للصراع .. طال انتظارنا لاستئناف المدّ الوحدوي الثوري ؟؟ لتحطيم الحدود .. لمواجهة أمريكا .. لمواجهة الرجعية .."

(من خطاب في المسيرة الشعبية الكبرى التي تجمّعت بمبنى مجلس قيادة الثورة بطرابلس يوم 4/4/1976. السجل القومي/المجلد السابع، الصفحات 611-632).

 

" .. لو أنّ الثورة حقّقت الجلاء فقط، لكانت تعتبر أعظم ثورة في تاريخ الأمّة العربية بل في تاريخ الشعوب المكافحة في سبيل حريتها. ولو أنّ الثورة اقتصرت فقط على تحرير الأرض الليبية من القواعد الأجنبية التي كانت فيها لكانت تعتبر أعظم ثورة بالفعل تسجّل في تاريخ الشعب الليبي وتاريخ الأمّة العربية، وتاريخ الشعوب التي تكافح ضدّ السيطرة الأجنبية .. فما بالك بثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة التي حقّقت الجلاء في شهور قصيرة، لأنّ الدول الاستعمارية قدّرت الموقف[2] –وعرفت أنّها خاسرة إذا واجهت هذا الشعب الثائر بالبقاء على أرضه."

(خطاب بقاعدة الوطية الجويّة في الذكرى السادسة لإجلاء القواعد الأمريكية يوم 11/6/1976. السجل القومي/المجلد السابع 70/1976. صفحة 977).

 

وهكذا يُفهم من جملة أقوال وتصريحات القذافي ومقرّرات وتوصيات هياكله السياسية أنّه يرى أنّ "دوره السياسي" ودور نظامه يتجاوز المستوى المحلّي الوطني الليبي ..

 

·         إلى المستوى العربي والقومي

·         وإلى المستوى الأفريقي

·         وإلى مستوى العالم الثالث

·         بل إلى مستوى العالم أجمع.

 

وقد تبنّى القذافي للقيام بهذا الدور عدّة مداخل ومبرّرات وشعارات، كان من أهمّها:

 

-        على المستوى العربي والقومي؛ وراثة الناصرية، والتصدّي للرجعية العربية، والسعي لتحقيق الوحدة العربية، ومناصرة القضية الفلسطينية، وقومية المعركة وتحرير فلسطين ..

 

-        وعلى المستوى الأفريقي؛ دعم حركات التحرير الأفريقية، وملاحقة فلول الاستعمار الغربي فيها، وتأمين استقلال دولها، واستثمار ثرواتها لصالح شعوبها ..

 

-                 وعلى مستوى العالم الإسلامي؛ مناصرة الإسلام والمسلمين.

 

-         وعلى مستوى العالم أجمع؛ التصدّي للاستعمار والانتقام منه، ومناهضة الصهيونية،  وتثوير العالم والوقوف مع حركة الثورة العالمية واليسار العالمي الجديد.

 

البُعد الفكري

 

شهد عام 1972 بروز بُعدٍ آخر للدور العالمي الموهوم للقذافي، حيث يبدو أنّه لم يكتفِ بدور "الثائر القائد"، و"الزعيم السياسي"، فأراد  أو اراد له عرابوه أن يضيف إلى ذلك "البُعد الفكري"  فيصبح فضلاً عن ذلك "مفكّراً عالمياً".

 

تحدّث القذافي، لأول مرة بشكلٍ واضح، عن "نظرية عالمية" قيد الإعداد، أثناء "المحاضرة" التي ألقاها في الدورة التثقيفية للاتحاد الاشتراكي بمعهد نصر الدين القمّي بطرابلس يوم 16/9/1972 تحت عنوان "ملامح النظرية الثالثة". وسرعان ما تحوّلت هذه النظرية وخلال بضعة أشهر، وتحديداً منذ الحديث الصحفي الذي أجرته معه الصحفية (هدايت السالم الصباح) لصالح مجلتها "المجالس الكويتية" يوم 4/4/1973 إلى "نظرية عالمية/دولية ثالثة ".

 

ولئن كان القذافي قد أشار خلال بعض أحاديثه المبكّرة حول هذه النظرية[3]، إلى أنّ فريقاً من المفكّرين والعلماء سوف يعكفون على إعداد تلك النظرية وصياغتها، وأنّ "الإسلام" سوف يكون أحد مرتكزاتها الأساسية، إلاّ أنّه سرعان ما تراجع عن هذين الأمرين، حيث أعلن في 6/4/1974 أنّه سيتخلّى عن مهامه البروتوكولية في الدولة للرائد عبد السلام جلود (الذي كان يشغل يومذاك منصب رئيس الوزراء) لكي يتفرّغ هو لمهام "التنظير" و"الثورة". كما أعلن يوم 9/11/1974، في ختام المؤتمر الوطني العام الأول للاتحاد الاشتراكي في دور انعقاده الثاني، أنّ "كتاباً أخضر" سيصدر لتنظير كافّة القضايا لتكون واضحة تمام الوضوح. كما ذكرت صحيفة "الفاتح" لسان حال "الوحدويين الأحرار" في عددها الصادر يوم 20/12/1974 أنّ القذافي بدأ في وضع "الكتاب الأخضر" الذي سيكون تنظيراً لفكر الثورة في جميع المجالات. كما أكّد القذافي  في حديثٍ له مع مجلّة "النهار" البيروتية (13/1/1975) أنّه بصدد وضع "كتاب أخضر" يحدّد للعالم مفهوم الجمهورية العربية الليبية للاشتراكية والاقتصاد الاشتراكي[4].

 

أمّا بالنسبة للقضية الثانية؛ وهي ارتكاز النظرية الثالثة على "الإسلام"، فقد شرع القذافي في التراجع عنها منذ منتصف مايو 1972[5] ..

 

".. النظرية (الثالثة) هذه تستند على أشياء ملك للجميع، ليست ملكاً لدولة أو لأمّة وليست لها صبغة قومية ولا صبغة دينية معيّنة، ولا صفة خاصّة، بل تستند على حقائق ملك لكلّ الناس .. هذا الذي يجعلها تخدم كل البشرية .."

(في افتتاح الدورة الاستثنائية للمؤتمر الدولي لشباب أوروبا والبلاد العربية بطرابلس يوم 14/5/1973. السجل القومي/المجلد الرابع. الصفحات 959، 984).

 

واعتباراً من 17 سبتمبر 1975 شرع القذافي في نشر مقتطفات من كتيّبه الأخضر في صحيفة "الفجر الجديد" الرسمية. وفي 3 من يناير 1976 أعلن عن صدور "الفصل الأول" من الكتاب الأخضر تأليف العقيد معمر القذافي، وهو يتناول حلّ مشكلة الديمقراطية (سلطة الشعب) الركن السياسي للنظرية العالمية الثالثة. وكان ممّا ادّعاه القذافي لهذا الفصل (الذي لم يتجاوز 40 صفحة من القطع الصغير) في صلب الكتيّب نفسه ..

 

".. ويقدّم الكتاب الأخضر الحلّ النهائي لمشكلة أداة الحكم ..

 

.. وبذلك تنحلّ مشكلة أداة الحكم بداهة وتنتهي الدكتاتورية، ويصبح الشعب هو أداة الحكم، وتحلّ نهائياً معضلة الديمقراطية في العالم ..

 

وليس هناك أيّ تصوّر آخر لمجتمعٍ ديمقراطي على الإطلاق غير هذا التصوّر .."[6].

 

كما تنقل الصحفية الإيطالية الشهيرة "أوريانا فالاتشي" عن القذافي قوله خلال مقابلةٍ أجرتها معه في أواخر عام 1979 نشرتها مجلة "الوطن" الكويتية في عددها الصادر يوم 16/12/79 ما نصّه:

 

".. إنّ الكتاب الأخضر هو نتاج كفاح الإنسانية .. إنّه ينير للبشرية طريق الانعتاق والتحرّر .. إنّه إنجيل العصر الحاضر وعصر الجماهير .. إنّ الكتاب الأخضر أوجد الحل لكلّ مشاكل مجتمعنا الحالي ... إنّني سوّيت (بالكتاب الأخضر) مشاكل الإنسان والمجتمع ... الكتاب الأخضر هو الإنجيل الجديد .. وأكرّر ذلك وكلمة واحدة فيه قد تدمّر العالم أو تنقذه .. كتابي الأخضر كلمتي .. إنّها كلمة قد تطيح بالعالم كلّه وتغيّر قيمة الأشياء ووزنها وحجمها في كلّ مكان وإلى الأبد ..."

 

ويتناول  محمد حسنين هيكل هذا الجانب من شخصية القذافي ودوره في إحدى مقالاته التي عُرفت ب"المقالات اليابانية" بتاريخ 19/3/1995، والتي أعادت نشرها مجلة "الشراع" اللبنانية"، وجاء فيها:

 

".. لكن لقائي الثاني معه [ مع القذافي ] –بعد شهور من اللقاء[7] الأول- لم يقنعني بأنّ تجربة الدولة جعلته يتغيّر، بل ولعلّها أضافت إلى شكوكه في العالم الحقيقي ..

 

كانت ملاحظاتي في ذلك الوقت متعدّدة، وكلّها متّصلة بثروةٍ هائلة مع سلطةٍ مطلقة أمسك بهما [8] شاب لم يكن مستعداً للاثنتين ..

 

ومن الواضح أنّ القذافي في أعماقه كان يشعر أنّ المطلوب منه [من قبل الذين هرعوا بالذهاب إلى ليبيا] هو المال، وقد حاول أن يقاوم وأن يثبت لنفسه وللآخرين أنّ لديه شيئاً آخر، وربّما أراد أن يصبح "الحاكم الفيلسوف" .. وهكذا فإنّه حاول أن يقرأ وأن يكتب، ولم تكن المحاولة ناجحة، وفي إحساسي شخصياً أنّه قرأ عدداً من الكتب، لكن مشاغله لم تتح له أن يهضمها على مهل ويستوعبها، كما أنّ محاولته للكتابة أنتجت شيئاً أسماه "الكتاب الأخضر" على نمط "الكتاب الأحمر" الشهير "لماوتسي تونغ"، لكن "الأخضر" سبق "الأحمر" إلى النسيان .. وهكذا بقيت للقذافي صفة "الغنى" دون أن تلحق به صفة "الحكمة" ..

 

ويواصل الأستاذ هيكل ..

 

" ويبدو أنّ ذلك كان يضايق القذافي، ومن هنا فإنّ تصرفاته بالمال بدت شديدة الإسراف، كما أنّ رصيده من الحكمة بدا شديد التواضع.

 

ما عنده لم يكن يعطيه ما أراد من كبرياء .. وما يعطيه الكبرياء في رأيه ليس متوفِّراً له.

 

ولقد ظلّت مشكلة "القذافي" باستمرار أنّه لا يريد أن يظلّ مجرّد حاكم لدولة بترولية فحسب، وإنّما يريد شيئاً آخر، فهو يريد أن يكون صاحب فكر ويريد أن يكون صاحب دور، وبشكلٍ ما فإنّه يشعر أن المسرح الليبي لا يتّسع لطموحاته ...".

 

عوامل وظروف وأسباب

 

وأيّاً كانت الأسباب الحقيقية[9] وراء بحث القذافي عن الدور العالمي السياسي أو الفكري أو الاثنين معاً، فمن المؤكّد أنّه لم يتوقّف في هذا المسعى عند حدّ الأقوال والتصريحات والخطب بل تجاوزها إلى الأفعال والأعمال بحيث أصبحت علاقات ليبيا الخارجية –خلال أمدٍ قصير من استيلائه على السلطة- تتمحور حول هذه الشعارات والمفاهيم وحول هذا "الوهم" بالدور العالمي، كما لم يتردّد في توظيف كافّة مصالح الدولة الليبية وجزءاً كبيراً من أموال خزانتها ووقت أبنائها لخدمة هذا الدور العالمي الموهوم بأبعاده السياسية والفكرية.

 

ونحن  لا نناقش هنا "شرعية هذا الدور"، و"الكيفيّة" التي أدّاه القذافي بها، و"النتائج" الحقيقية لهذا الدور الموهوم، والمستفيد الحقيقي والخاسر الأكبر منه، ولكن الذي يعنينا في هذا المقام أن نحاول الوصول إلى "الثمن" الذي تكبّدته الخزانة الليبية وتكبّده الشعب الليبي من وراء هذا الدور العالمي الموهوم الذي تصوّر القذافي أنّه يقوم به ويلعبه على المسرح العربي والأفريقي والعالمي.

 

وقبل أن نحاول معرفة هذا "الثمن"، قد يكون من المفيد الإشارة إلى جملةٍ العوامل والظروف والأسباب التي زيّنت للقذافي فكرة هذا الدور العالمي الموهوم، وأغرته وسهّلت له السير في طريقه وبلوغ النتائج المأساوية التي بلغها، وفي مقدّمتها تبديد ثروة الشعب الليبي وإفلاس الخزانة الليبية. وللاختصار يمكننا الإشارة إلى العوامل والأسباب التالية:

 

أ-        شخصية العقيد القذافي بكلّ تعطّشها للسلطة وزئبقيّتها وشذوذها وتعقيدها ونزقها وشغبها ومشاكستها وبحثها المستمرّ عن الأضواء وعن الدور، والتي تعيش حالة من النرجسية و الانفصام العُظامية، وتصرّ على أن ترسم للعالم "صورة خرافية" من صنع خيالها المريض، كما تصرّ في الوقت ذاته على أن تتعامل مع العالم من حولها من خلال تلك الصورة الخرافية.

 

ب-      تنامي عائدات ليبيا البترولية وأرصدتها النقدية مع استمرار حاجة أوروبا الغربية  واعتمادها على تزويدات البترول الليبي، وتزامن ذلك مع الكساد الاقتصادي الذي ضرب الدول الأوروبية لأياً من الزمن وبخاصةٍ على امتداد عقديْ السبعينات والثمانينات.

 

ج‌-      استمرار أجواء الحرب الباردة (حتى نهاية الثمانينات)، وما صاحبها من سياسات الاستقطاب والتحالفات وتجنيد العملاء وتقديم الخدمات والحماية المتبادلة، ورواج تجارة السلاح والبحث عن أسواق جديدة ومستمرّة لها.

 

د‌-       استمرار الصراع العربي الإسرائيلي، وتنامي الصلف الإسرائيلي وبقاء القضية الفلسطينية دون حلّ عادل ودائم، مع استمرار حاجة "الأمن الإسرائيلي" إلى إبقاء المنطقة العربية مشغولة ممزّقة، وإلى وجود نظم وتنظيمات عربية تشكّل " تهديداً مزعوماً ووهمياً " لهذا الأمن ..

 

هـ       وجود بؤر توتّر وصراع عرقي وطائفي ومذهبي وسياسي وأيديولوجي عديدة على امتداد العالم، وحاجة أطراف هذا الصراع إلى الدعم المالي والمادي والمعنوي، بالإضافة إلى وجود حركات تحرّر جادّة ذات مطالب عادلة تبحث هي الأخرى بدورها عن مختلف صوّر وأشكال النصرة والدعم.

 

و‌-       حالة التمزّق والتخلّف العربي والإسلامي، مع استمرار تطلّع الجماهير العربية والإسلامية إلى انبعاث "زعيم" و"قائد" حقيقي يمسح جراحها ويرفع صوتها وينتصر لقضاياها ويوحّد كلمتها وجهودها، وبخاصّة في أعقاب هزيمة حرب يونيو 1967.

 

ز‌-       تبنّي عبد الناصر للنظام الانقلابي في ليبيا، وتقديم كافّة صوَر الدّعم والحماية المبكّرة والحيوية له، وتغذية فكرة زعامة العالم العربي لدى القذافي وبخاصّة بعد تقديمه من قبل عبد الناصر للجماهير الليبية والعربية على أنّه "الأمين" على القومية العربية والوصي على الوحدة العربية (في خطاب ألقاه عبد الناصر في ليبيا أواخر عام  1969)[10].

 

ح‌-      الرحيل المفاجئ لعبد الناصر، والفراغ السياسي الهائل الذي أعقبه ذلك الرحيل، والذي أغوى القذافي بما يملكه من سلطةٍ مطلقة في ليبيا، وبما تحت تصرّفه من أموالها، للتحرّك لملْ ذلك الفراغ (تعزّز الفراغ في المنطقة باغتيال العاهل السعودي الملك فيصل في عام 1975).

 

ط‌-      قيام ما يمكن أن يُطلّق عليه "نوادي الواهمين والمخدوعين" المبهورين بالشعارات التي رفعها الانقلابيون في ليبيا، والتي زاد من انبهار أصحابها مسوح التقشّف والتواضع والتقوى والغيرة والحماس التي تظاهر بها هؤلاء الانقلابيون وبخاصة القذافي، وقد ضمّت هذه "النوادي" المئات من أصحاب الفكر والرأي والمثقفين وقادة الأحزاب والجماعات السياسية والدينية على اختلاف توجّهاتهم (من العرب والمسلمين وغيرهم) الذين عمّقوا لدى القذافي –بقصدٍ أو بدون قصد- الإحساس بالدور العالمي الموهوم وضخّموه لديه.

 

ي-      قيام "نوادي المرتزقة والمنتفعين" من سياسات النظام الانقلابي وتوجّهاته وبخاصّة فيما يتعلّق بدوره العالمي المزعوم، وقد ضمّت هذه النوادي صحافيين وإعلاميين ومرتزقة كلمة[11]. كما ضمّت سماسرة سلاح وتجّار سياسة[12]، كما ضمّت مرتزقة إرهاب وقتل[13]، كما ضمّت محترفي سياسة وجواسيس وتجّار مخدرات على مستوى عالمي[14]. كما تضمّ نوادي المنتفعين عدداً من الدول "دائمة الانتفاع" من بينها الولايات المتحدة الأمريكية ودول ما كان يُعرف بالاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية وكوبا وإسرائيل وإيطاليا وأثيوبيا منجستو، ودولاً أخرى "متقطّعة الانتفاع" وتضمّ هذه بعض الدول الأوروبية والعربية.

 

ك‌-            هناك بعض "المحطات" التاريخية التي ضخّمت لدى العقيد القذافي فكرة ووهم "الدور العالمي" منها:

 

1-            إعلان ميثاق طرابلس بين عبد الناصر والنميري والقذافي عقب اجتماعات بينهم امتدّت ما بين 25 و27 من ديسمبر 1969.

 

2-      إعلان بنغازي عن قيام اتحاد الجمهوريات العربية الصادر بتاريخ 17 أبريل 1971 موقّعاً عليه من كلّ من السادات والأسد والقذافي.

 

3-      بيان طبرق-بنغازي والإعلان عن إقامة الوحدة الكاملة بين مصر وليبيا، وهو البيان الذي وقّع عليه كلّ من السادات والقذافي بتاريخ 2/8/1972م.

 

4-      الزيارة التي قام بها القذافي خلال شهري مايو ويونيو 1970 لعددٍ من الأقطار العربية المشرقية (سوريا ولبنان والأردن ومصر)، والزيارات المبكرة التي قام بها خلال عامي 1971، 1972 لكلّ من السودان وتونس وموريتانيا وعدد من الدول الأفريقية حيث استقبل استقبالاتٍ شعبية حاشدة.

 

5-      الزيارة التي قام بها القذافي إلى باكستان في أواخر شهر فبراير 1974 للمشاركة في أعمال القمّة الإسلامية بلاهور. وقد استقبل القذافي أثناء هذه الزيارة استقبالاتٍ شعبية حاشدة لم يشهد مثلها من قبل في أيّ بلدٍ زاره[15]. (قام القذافي في طريق عودته إلى ليبيا بزيارة عدد من الدول الأفريقية الصومال، أوغندا، تشاد والنيجر).

 

6-      قيام الماريشال تيتو[16]بزيارة رسمية مبكرة لطرابلس في 25/2/1970. وردّ القذافي هذه الزيارة في 18/11/1973 (أربعة أيام). وقام تيتو بعدّة زيارات أخرى لليبيا لعلّ أهمّها تلك التي وقعت في 19/1/1977 واستغرقت ثلاثة أيام.

 

7-          اشتراك القذافي في الندوة التي نظمتها صحيفة لوموند الفرنسية بباريس يوم 24/11/1973.

 

8-            قيام الرئيس الروماني تشاوشيسكو بأوّل زيارة له إلى ليبيا في 12/2/    1974 م.

 

9-      قيام الاتحاد السوفييتي في 26/6/1971 بمنح القذافي "وسام لينين" وهو أرفع وسام سوفياتي، تقديراً لما يبذله من جهودٍ لصالح السلام العالمي.

 

10-   الزيارة التي قام بها الزعيم الكوبي فيديل كاسترو لليبيا في الأول من مارس /آذار 1977 أثناء انعقاد مؤتمر الشعب العام الذي أعلن فيه عن قيام الجماهيرية.

 

11-   الزيارات المتعدّدة التي قام بها المستشار النمساوي "برونو كرايسكي" لليبيا، والتي  كان من أهمها زيارته مع وفدٍ من الاشتراكية الدولية يوم 14/2/1975.

 

[1] راجع المرفق رقم (3)

[2]     أورد فتحي الديب في الصفحة (232) من كتابه "عبد الناصر وثورة ليبيا" ما نصّه: "أخبرني العقيد بأنّ قائد البحرية الأمريكية اجتمع بهم يوم الثاني والعشرين من أبريل ( 1970) وأخبرهم أنّ القوات الأمريكية ستجلو عن قاعدة  الملاحة قبل الموعد المقرّر، وحدّد لهم يوم الخامس من مايو  موعداً لتسليم القاعدة لليبيا، معلّلا أسباب ذلك بأنّهم وزّعوا قوات قاعدة الملاحة على قواعدهم في ألمانيا الغربية وأسبانيا ومالطة، وأنّ الفترة الأخيرة شغلتهم في نقل منشآت القاعدة  الأمر الذي أثّر على مستوى التدريب، وأنّ تعجيلهم بالجلاء هدفه الرئيسي تعويض الفترة السابقة للتركيز على التدريب ..". وأضاف الديب "وطلب مني الأخوة (معمر ..) الاحتفاظ بسريّة هذه المعلومات وعدم نشرها، وأنّهم أخطروني بصفةٍ خاصة لإبلاغ الرئيس عبد الناصر مؤكّدين أنّ هذا الخبر لا يعلمه سوى أعضاء مجلس الثورة  فقط" ؟!؟؟ ..

[3]     راجع على سبيل المثال ما ورد على لسان القذافي خلال الندوة الفكرية التي عقدت بمسرح الكشاف بطرابلس يوم 26/10/1972. (السجل القومي/المجلد الرابع 72/1973).

[4]     راجع يوميات ثورة الفاتح من سبتمبر، إعداد قسم الثقافة الجماهيرية  أمانة الإعلام والثقافة (4) 74/1975. الفقرات: (251، 427، 500)، الصفحات (66، 99، 115).

[5]     راجع على سبيل المثال أقوال القذافي في هذا الشأن خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده بمبنى مسرح الكشاف بطرابلس يوم 13 /5/1973، وأقواله خلال الحوار الذي أجرته معه صحيفة "الأهرام" القاهرية ونشرته في عددها الصادر يوم 26/5/1973، وما قاله خلال "الندوة الفكرية" التي نظمتها مؤسسة "أخبار اليوم" بالقاهرة يوم 30/6/1973. (السجل القومي/المجلد الرابع 72/1973).

[6]      الصفحات 7، 50، 71 من الفصل الأول من الكتاب الأخضر. الطبعة (24) 1998م. وبالطبع فإن مثل هذا التبجح لا يليق بالعلماء والمفكرين وما يتسّمون به عادة من تواضع.

[7]     جرى اللقاء الأول بينهما خلال الأسبوع الأول من قيام الانقلاب في مدينة بنغازي. راجع كتاب "الطريق إلى رمضان"، تأليف محمد حسنين هيكل، وكتاب "عبد الناصر وثورة ليبيا" لفتحي الديب، ومذكّرات صلاح الدين السعدني أول سفير مصري في ليبيا بعد الانقلاب (صحيفة الرأي العام الكويتية 29/9/1997 م.)

[8]     كان الأولى أن يقول "وُضِعتا تحت تصرّف"، فلم يكن بمقدور القذافي بمفرده أن "يمسِك" لولا الدعم الكامل والحيوي الذي قدّمته له جهاتٌ معيّنة الأستاذ هيكل أعرَفُ وأعلم بها من غيره.

[9]      نحن نميل إلى الاعتقاد بأنّ القيام بهذا الدور هو من المهام المرسومة مسبقاً للقذافي من قبل الجهة التي خطّطت له الانقلاب وساعدته في الاستيلاء على السلطة في ليبيا والإمساك بثروتها وحافظت عليه فيها. راجع كتاب " انقلاب بقيادة مخبر"  للمؤلف. من منشورات " مركز الدراسات الليبية – اكسفورد"  2010م.

[10] راجع كتاب " الحماية الناصرية للقذافي وانقلابه " للمؤلف تحت الطبع.

[11]    من أمثال وليد الحسيني وطلال سلمان وأمين الأعور وخير  الله خير الله.

[12]    من أمثال عدنان خاشقجي وأشرف مروان وتايني رولاند ووليد جلمبو  وروفائيل فلاح (الكيش).

[13]    من أمثال أبي نضال وإيدوين ويلسون وفرانك تربل.

[14]    من أمثال برونو كرايسكي (اليهودي النمساوي) وجوليو أندريوتي (الإيطالي) ودوم منتوف (المالطي) وتيتو  وتشاوشيسكو وأورتيغا (نيكاراجوا) ونورييقا (البنامي) ومنجستو (الحبشي) وعصمت عبد المجيد (المصري). وقد ذكر الأستاذ صبري أبو المجد في كتابه "القذافي حدث الأمّة العربية" (الصفحة 77): (أنّه بعد وفاة الزعيم جمال عبد الناصر يرحمه الله، هاجر العديد من مرتزقة السياسة في مصر وخارجها أيضاً إلى ليبيا ليكونوا إلى جوار القذافي، ذلك لأنّ القذافي ورقة رابحة دائماً: يكسب باستمرار من يلعب عليها ... والذي يريد أن يكسب الكثير من القذافي ليس مطلوباً منه أن يكون عبقرياً في الهندسة أو التخطيط الاقتصادي .. المطلوب فقط أن  تكون قادراً على استخدام العديد من الألفاظ المنمّقة المزوّقة وتستخدم هذه الكلمات لتمجيد عبقرية القذافي ونبوغه والخسارة التي كانت ستلحق بالبشرية لولا مجيء القذافي، والساحة النضالية العربية التي ظلّت ألف عام في انتظاره على أحرّ من الجمر ...).

[15]    كتب الرائد عمر عبد الله المحيشي في صحيفة "صوت الشعب الليبي" حول هذه الزيارة معلّقاً: "ولاحظت بعد عودة القذافي من لاهور أنّه ليس الرجل الأول الذي أعرفه حيث أنّه أصبح يردّد أنّه لم يعد رئيساً لمجلس قيادة الثورة ولكنّه أصبح زعيماً للعالم أجمع وبخاصّة العالم الإسلامي، كما بدأ يأنف أن يكون رئيساً لليبيا فقط ... لقد توهّم أنّ هذا "الاستقبال" جعله زعيماً للعالم بلا منازع، وبالتالي أصبح غير مقتنع بليبيا وينظر إليها باشمئزاز على اعتبار أنّ سكانها لا يتجاوزون المليونين والنصف. وقد اتخذ بعد هذه الزيارة عدّة إجراءات (6 أبريل 1974) من بينها، لم يعد يستقبل السفراء أو يستلم أوراق اعتمادهم، وعدم استقبال الضيوف من الرؤساء بالمطار ..".

[16]    عُرفت هاتان الشخصيتان  (تيتو وتشاوشيسكو) بأدوارهما المشبوهة ذات الطابع الخفي التآمري.

  

 

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السابعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home