Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Mohammed Yousef al-Mgaryaf
الكاتب الليبي د. محمد يوسف المقريف


د. محمد المقريف

الثلاثاء 10 فبراير 2009

الجزء الأول      الجزء الثاني      الجزء الثالث

الجزء الثالث : الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
            الحلقة السادسة  الحلقة السابعة  الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة ( الأخيرة )


انقلاب بقيادة مخبر (7)


د. محمد يوسف المقريف

الاختبارات...[1]

كان من بين المهام المناطة بالعقل الأمريكي المدبر منذ لقاء يناير/ فبراير 1969 إخضاع الملازم القذافي وجماعته لجملةٍ من "الاختبارات" لأغراض التعويد والتدريب والإخضاع والسيطرة. 

ولعلّ الاختبار الأوّل كان يتعلّق بجمع "المعلومات" عن الجيش الليبي وضباطه ووحداته. وفي الواقع لم تكن المخابرات الأمريكية تنقصها المعلومات في هذا المجال، إذ كان لها من العيون ما يكفي لجمع أدقّ الدقائق عن الجيش الليبي، ولكنّها أرادت أن تختبر بذلك قدرات القذافي[2] وتنظيمه في هذا المجال من جهة، ومن جهةٍ أخرى اختبار درجة استعداده للخضوع لسيطرتها والتزامه بتنفيذ الأوامر التى تصدر إليه، ومن جهةٍ ثالثة معرفة دقة المعلومات المتوفّرة لدى القذافي وجماعته في هذ الشأن. 

يقول القذافي في " الحلقة السادسة" من "قصة الثورة".[3] 

" وفي شهر يناير 1969 كتبت ورقة من أربعة أسطر وأرسلتها إلى عبد السلام جلود من بنغازي إلى طرابلس بواسطة عريف من سرّية المخابرة الأولي، وكانت تحوي أمراً إنذارياً إلى جميع الضباط الوحدويين الأحرار ليعرفوا مدى قوّة تحرّكهم وإمكانية سيطرتها على جميع فروع القوات المسلحة، وذلك بإجراء عملية حصر وإحصاء للقوّة العمومية للأشخاص والآليات والذخيرة والأسلحة.."[4] 

وكما مرّ بنا، فإنّ الملازم القذافي أخذ أوّل إجازة له (45يوماً) في شهر يناير 1969.. فهل كان إصداره للأمر الإنذاري قبل خروجه في إجازة.. إن كان كذلك فلا بدّ أن يكون تحضير تلك المعلومات في إطار الإعداد للقائه المزمع مع نيوسوم وسنوك في أواخر شهر يناير 1969 حتى يبيّن لهما قوّة تنظيمه في الجيش، أمّا إذا كان التاريخ المذكور (في الحلقة السادسة) غير دقيق، فمن المرجّح في هذه الحالة أن يكون إصدار الأمر الإنذاري بعد عودته من الإجازة ومن اللقاء مع نيوسوم وسنوك. وبالتالي يكون تنفيذاً لمهمّة طّلِبت منه خلال ذلك اللقاء أو بعده. 

أمّا الاختبار الثاني فقد أخذ شكل تحديد "ساعة صفر وهميّة" للانقلاب ثمّ إلغائها في آخر لحظة وهى موعد الثاني عشر من مارس 1969. وقد جرى الإلغاء لأسباب "أخلاقية" و "إنسانية" بحجّة أنّ ذلك الموعد تصادف مع قيام السيدة أم كلثوم بإحياء حفلةٍ غنائية لصالح العمل الفدائي الفلسطيني ووجود معظم المسؤولين فيها، الأمر الذي كان سيعيق عملية الاعتقالات. وإذا كان الهدف الأساسى- في اعتقادنا- من وراء تحديد ذلك الموعد الوهمي[5] الأوّل هو اختيار جاهزيّة تنظيم القذافي ومدى استعداده وانضباطه الأمني والتنظيمي، فإنّنا لا نستبعد أن يكون العقل المدبر وجماعته قد قصدوا من وراء ذلك خدمة أهداف أخرى، من بينها معرفة مدى تسرّب المعلومات عن التجهيزات للمحاولة، وما هي ردود فعل النظام والأطراف الأخرى (الشلحي وجماعته) لها، كما قد يكون من بينها خلق حالة إرهاق للنظام وأجهزته الأمنية، واخيراً ربّما كان من بينها خلق حالة استكانةٍ واسترخاء لدى تلك الأجهزة بعد اكتشافها أنّ المحاولة لم تتم.. 

وفي الواقع، فإن التمويه على القذافي وجماعته بأنّ الموعد الأوّل كان حقيقياً قد بلغ إلى درجة أنّ العقل المدبر وجماعته طلبوا من القذافي تجهيز الأناشيد والأشرطة أو لعلهم قاموا بتزويده بها في مارس 1969. 

"ونحن فى مارس كنا مجهزين الأشرطة والأناشيد والاسطوانات فى كل المعسكرلت [؟!] كنا مجهزين كل شئ، ولكن بعد ما أجلّنا واكتُشفت الحركة أعدنا كل هذه الحاجات [إلى من أعيدت؟!].. أما فى مارس كنا مجهزين كل الأناشيد.."[6]

خدمات حيوّية.. 

المعروف عن "أسلوب عمل" أجهزة المخابرات الأمريكية أنها عندما تضطلع بأى عملية من "العمليات السرية" فإنها لا تترك اى جزئية من جزئياتها، سواء في مرحلة التخطيط أو التنفيذ، للمصادفة والتخمين، وأنها لا تترك مصير تلك العملية نهباً أو عرضة لاحتمالات النجاح والفشل بسبب النتائج السياسية والأمنية التى يمكن أن تترتب على مآل أى عملية للفشل. 

وتعلم المخابرات الأمريكية من تجاربها الانقلابية السابقة في المنطقة حاجة الانقلابيين الماسّة إلى عددٍ من الخدمات الحيويّة التي من دونها يكون الفشل والفشل الذريع هو المصير المحتّم الوحيد الذى ينتظر المحاولة الانقلابية. وتزداد هذه الحاجة لدى مدبّرى الانقلاب أو "واجهته" – كما هي الحالة بالنسبة للقذافي وجماعته – كلما كانوا صغار الرتب ومحدودي التجربة (إن لم يكونوا معدومى التجربة) العسكرية والحياتية.. 

وتؤكد تجارب المخابرات الأمريكية في المنطقة أنّ مثل هذا النوع من الانقلابيين الأغرار يحتاجون عادةً إلى إسنادٍ شبه كامل من عملاء المخابرات الأمريكية في بلدانهم حتى يمكنهم النجاح في مؤامرتهم.. ومن الخدمات التي يحتاج إليها مثل هؤلاء المتآمرين الأغرار[7]عادة: 

1-     المعلومات الحيّة الدقيقة بشأن التطوّرات السياسية والأمنية في البلاد سواء فيما يتعلّق بالنظام القائم وأجهزته أو فيما يتعلّق بالخصوم والمنافسين للحركة الانقلابية. 

2-     القيام بأيّة أعمال (كالمظاهرات والمنشورات والإشاعات...)  من شأنها إنضاج الظروف السياسية والاجتماعية والأمنية في البلاد وجعلها مواتية ومتقبّلة للحركة الانقلابية. 

3-     رصد تحرّكات القوى المناوئة للحركة الانقلابية المزمعة.. 

4-   القيام باعمال "تمويهيّة" تستهدف التشويش على كافّة القوى المناوئة للحركة، وإرباك تلك القوى وطمأنتها أو إلهائها، واستنزاف طاقاتها الأمنية والعسكرية وإفقادها القدرة على اتّخاذ أيّة خطواتٍ إجهاضية. 

5-     الاطمئنان إلى توفّر و سلامة الاتصال الآمن بين الانقلابيين في مختلف أنحاء البلد موضوع الحركة.. 

وفي الواقع فإن المطالع لقصّة انقلاب الأوّل من سبتمبر 1969، كما رواها القذافي ورفاقه في مختلف المناسبات، لا يستطيع أن يستنتج منها أنّ القذافي والمتآمرين معه كانت لديهم أيّة "قدرات" في أيّ مجالٍ من المجالات الآنفة، بل لم يرد على لسانهم ما ينمّ حتى عن اهتمامهم بهذه القضايا، ولن تتجاوز ادّعاءاتهم بشأن قدرات تنظيمهم عندما قاموا بالانقلاب سوى القدرات العددية التي تمثَّلت فى نحو خمسين ضابطاً من صغار الرتب[8]كانوا منتشرين في عددٍ من معسكرات الجيش في شتى أنحاء ليبيا الواسعة، ولم يكن من بينهم ضابط واحد في الاستخبارات العسكرية أو قريباً من قيادة الجيش. وفضلاً عن ذلك: 

·        فإن العقيد القذافي يعترف، بل ويباهى، بأنّ تنظيمه لم تكن له  "لجنة أمنية"[9]

·        كما أنّه يعترف بأنّ اتصاله بأعضاء التنظيم كان يتم عن طريق الهاتف العادي. "اتصل بهم بالهاتف...". 

"لو كان العهد البائد يراقب المكالمات ويحلّل وخاصّة الأماكن المشبوهة كالقوات المسلحة والضباط.. وخاصّةٍّ وأنّنا متابعين [؟!] لو راقبوا المكالمات لأمكن حدوث أشياء أخرى كثيرة، ولكن لحسن الحظ لم يكن هناك مراقبة في ذلك الوقت".[10]

 إنّنا لا نشك أنّ تنظيماً بهذه الإمكانات المتواضعة هو في أمسّ الحاجة إلى "الإسناد" الذى تقدّمه له "الجهة الراعية" إذا أرادت له النجاح في حركته، وهو ما نحسب أنّ المخابرات الأمريكية لم تكن تملك أن تقامر بأن تتركه يفشل طالما أنها قرّرت في لحظةٍ ما اختياره مواجهةٍ للتغيير العسكري في ليبيا. 

وهو ما نحسب أنّ المخابرات الأمريكية، عبر العقل المدبر وفريقه، قد قامت به بالفعل.. 

فما هي الخدمات التي قدّمتها المخابرات الأمريكية لعميلها القذافي وتنظيمه؟ 

(أ‌)         استكمال شبكة الاتصالات اللاسلكية[11] 

لا يخفى على أحد أهميّة وجود شبكة اتصالات لاسلكية في بلدٍ مترامي الأطراف مثل ليبيا تفصل بين مدنها في الشرق والغرب والشمال والجنوب مئات وأحياناً آلاف الكيلومترات، كما لا يخفى كذلك أهميّة وجود مثل هذه الشبكة لتحقيق الاتصال السريع الفعّال بين أيّة عناصر تخطط للاستيلاء على السلطة في كامل البلاد، على الأقل خلال الساعات الأولي الحاسمة لحركتها. 

كان النظام الملكي قد تعاقد في عام 1965 مع شركة أمريكية تسمّي TMC (وشركة أخرى من الباطن تسمّى ICAS) لبناء محطة إرسال واستقبال تربط كلّ أنحاء ليبيا والتي تقرّر إقامتها في معسكر قاريونس لتشمل المعسكرات الليبية جميعها. وقد عهد الجيش الليبي إلى المقدّم آدم الحواز (الذي كان مسؤولاً عن وحدة إصلاح الأجهزة الألكترونية في الجيش الليبي ومستشاراً لسلاح الإشارة بالإضافة إلى عمله كمدرّس بالكلية العسكرية الملكية في بنغازي) بمهمّة الإشراف على المشروع. 

ومن "المصادفات" الغريبة أنّ إتمام العمل بهذا المشروع الحيوي والخطير، والذي لعب دوراً حاسماً في نجاح انقلاب سبتمبر، اكتمل خلال أسابيع قليلة من وقوع الانقلاب. وقد نشرت مجلّة "المعرفة" التى يصدرها المركز الثقافي الأمريكي خبر إنجاز المشروع في عددها رقم (410) الصادر بتاريخ 28/7/1969، وهو العدد نفسه الذي ظهرت على غلافه صورة السفير الأمريكي نيوسوم يتسلّم من رجل الأعمال الليبي الحاج محمد مصطفي الشيباني[12] هدية تذكارية مع عنوانٍ عريض يحمل عبارة "ليبيا تودّع السفير نيوسوم". 

ومن الأمور اللافتة للنظر أنّ "التقرير الصحفي" الذي نشرته مجلة "المعرفة" حول المشروع المذكور قد تضمّن وصفاً مسهباً لشبكة الاتصال اللاسلكي المنفذّة وخصائصها الفنّية بحيث لا يخفى على القارئ المتمعّن أنّ ذلك التقرير الصحفي لم يكن سوى تقرير فنّيِّ أمني أعِِدَّ بعنايةٍ فائقة لتمكين قارئه (القذافي وجماعته) من الاطمئنان إلى قدرات وإمكانات الشبكة ومزاياها وخفاياها. واللافت للنظر ايضاً أنّ تقرير مجلة "المعرفة" رغم طوله الفاضح فإنّه لم يشَر إلى إسم الشركة المنفذّة للمشروع ولا إلى جنسيّتها[13]..    

    فهل كان إتمام تنفيذ شبكة الاتصالات في ذلك الموعد الحيوي مجرّد "مهمة" قامت بها الشركة الأمريكية المنفذة وفاءً بالتزاماتها التعاقدية مع الحكومة الليبية؟ أم أنّه شكّل فضلاً عن ذلك "خدمة" حيوية للانقلابيين، تمَّت عن قصد، وحرصت المخابرات الأمريكية العقل المدبر وفريقه على انجازها في موعدٍ معيّن مثلما حرصت على أن تبعث بتقرير "برئ" بشأنها عبر صفحات مجلة "المعرفة"؟ 

لا يساورنا أدنى شكّ في أن إنجاز هذه "الشبكة" كان من أهمّ الخدمات التي قدّمتها المخابرات الأمريكية للملازم معمر وجماعته إذ لولاها لكان نجاح الانقلاب ضرباً من المستحيل.[14] 

(ب‌)     عملّية التَّمويه المزدوجة 

كان مصدر الخطر الأكبر على مخطّطات المخابرات الأمريكية في ليبيا، وبالتالي على القذافي وجماعته، هو "العقيد عبد العزيز الشلحي" الذي كان أقوى شخصية في الجيش الليبي يومذاك، وكان معروفاً لدى المخابرات الأمريكية- زغيرها_ بأنّه كان يخطّط لانقلاب وشيك، وكانت فرص النجاح لذلك الانقلاب كبيرة رغم أنّه لم يكن يحظى بتأييد الولايات المتحدة الأمريكية (تردّد أنّه كان يحظى بتأييد عبد الناصر وبريطانيا). 

وكان للخطر الذي يمثّله الشلحي وجماعته وجهان: 

الأول  :     إمكان أن يقوم العقيد الشلحي، بحكم صلاحياته العسكرية ونفوذه في الجيش والدولة، بإلقاء القبض على الملازم القذافي وجماعته بعد أن اكتشِف أمرهم وعرِفت أسماؤهم (منذ مارس 1969). 

الثاني:    احتمال أن يقوم العقيد الشلحي بالتعجيل بموعد انقلابه عن الموعد الذي كان قد حدّده مع جماعته – وعرِف من قبل المخابرات الأمريكية وغيرها – وهو الخامس من سبتمبر 1969، وهو احتمال تزداد فرص وقوعه كلما أحسَّ الشلحي وجماعته بأنّ غيرهم يمكن أن يسبقهم إلى القيام بحركته. 

        وفي اعتقادنا أنّ هذه المخاوف الأمريكية من الشلحي هى التى دفعت بالعقل المدبر وفريقه إلى التفكير في "عملية تمويهية خداعية" تستهدف تضليل الشلحي من ناحيتين. 

الأولى:   تقليل الخطر الذي يمثّله معمر وجماعته في نظر الشلحي وتذكيره بأنّ معمر ليس سوى مخبر لدى أمن الدولة[15] بل وإيهامه بأنّ معمر وجماعته يعملون لصالح حركته (حركة الشلحي) وهو في انتظار ما يصدر إليهم من الشلحي. 

الثانية:  أنّه ليس في نيّتهم (أي القذافي وجماعته)، وليس لديهم الاستعداد للقيام بأيّ تحرّكٍ قبل الموعد الذي حدّده الشلحي لانقلابه وهو الخامس من سبتمبر. 

إنّنا نفترض أنَّ العقل المدبر ومساعديه وضعوا "خطّة التمويه" على الشلحي وطلبوا من الملازم معمر أن يقوم بتنفيذها تحت إشرافهم المباشر والدقيق وبتلقينهم، وكانت مقتضيات الخطّة. 

·    أن يقوم الملازم معمر بإبلاغ الشلحي بكلّ الطرق (المباشرة إن امكن)[16] بأنه يعتبر نفسه ومجموعة أصدقائه من الضباط الأصاغر مؤيّدين له ومن انصاره ويستطيع الاعتماد عليهم. 

·    أن يقوم الملازم معمر بالتّظاهر بتجنيد أحد عناصر الجيش المعروفين بصلته بالشلحي من أجل استخدامه في توصيل ما يريدون إيصاله للشلحي من معلومات مضلّلة عنهم. 

ولا يوجد بين أيدينا من أقوال العقيد القذافي ورفاقه ما يدلّ على وجود اتصالات مباشرة بين الملازم معمر والعقيد الشلحي في الفترة التى سبقت الانقلاب (على الأخصّ منذ عملية التعميد وحتى قيام الانقلاب)[17]غير أنه يوجد الكثير حول قيام الملازم القذافي بضمّ أحد ضباط الدفعة السابعة المعروفين بصلتهم الحميمة بالشلحي إلى تنظيمهم قبيل شهر مارس 1969 وهو الملازم أوّل (محمد جمعة الشلماني). وممّا يلفت الانتباه أنّ هذه هى إحدى المرّات القلائل – إنْ لم تكن الوحيدة – التى قام فيها الملازم معمر بنفسه بمفاتحة أيّ شخصً –مباشرةً- بالانضمام لتنظيمه.. 

يتحدّث العقيد القذافي عن أسلوبه في ضمّ أعضاء جدد إلى تنظيمه سواء "المدني" أو "العسكري" قائلاً:[18] 

"حين اكتشف أي طالبٍ له استعداد نضالي، ومستعدّ للانضمام إلى الخلايا الثورية أمهد لأفكاره وبعد ذلك أقول لأحد الزملاء: هيّا أنت اذهب إليه وفاتحه". 

".. فمثلاً حينما كنت في الكلية الحربية كنت أجتمع مع بعض الطلبة وأهيّئهم فكرياً، ثمّ نكلّف أحد الأعضاء في التنظيم لمفاتحتهم في الأمر وضمّهم إلى الحركة.."[19]. 

أمّا خلال الندوة التلفزيونية التي نقلت من "سرت" في 27/7/1978 فيتحدّث القذافي عن تجنيد الملازم محمد الشلماني في الحركة قائلاً[20]

"الشلماني هو ضابط عادي، ولكنّه دخل في الحركة، وأدخلته[21] في الحركة أخيراً قبل مارس (1969) بمدّةٍ قليلة.." 

ويصف الرائد عوض حمزة (عضو مجلس قيادة الثورة السابق) في ندوة تلفزيونية عقدت يوم 31/8/1974 كيف جرى تجنيد القذافي للشلماني قائلاً[22]

".. كيفية دخوله [محمد الشلماني] جاءت بطريقةٍ متأخّرة.. أذكر أنّه جاءنا الأخ معمر في معسكر الهضبة [بطرابلس]، وقال لي: ما هو رأيك في الشلماني؟ قلت هذا إنسان ناكر أصله [23]واللى ناكر أصله ينكرنا أيضاً.." 

" .. وفي اليوم التالي فوجئت [لاحظ أنّ عوض حمزة هو عضو في اللجنة المركزية للتنظيم] بالشلماني يقول لي الأخ معمر اتغدّى عندي [تناول الغذاء عنده] وقال لي فيه كذا وكذا وأطلعني على حاجات دقيقة جداً..". 

ويبدو أن العقيد القذافي أحسّ خلال الندوة بالحرج من افتضاح أمره ودوره التمويهي المكّلف به من قبل سنوك وجماعته مع الشلماني فعقَّب على كلام الرائد حمزة بقوله مستنكراً: 

"أيّة حاجات دقيقة؟ أنا قرأت عليه منشور[؟] وقلت له إنّ الحركة اصبحت قريبة جداً في هذه الأيام..". 

أمّا الشقّ الثاني من "المهمة التمويهية" التي كلّف بها الملازم القذافي من قبل العقل المدبر وجماعته وتستهدف تضليل الشلحي وجماعته، فقد تجسَّد بوضوح خلال الاجتماع الذي عقده الملازم القذافي وبعض رفاقه بالقرب من "سرت" في أواخر شهر يوليو 1969[24]، وكان يفترض أن يكون خاصاً بأعضاء اللجنة المركزية فقط ومع ذلك فقد حضره الشلماني الذي لم يكن عضواً في اللجنة المركزية، ورغم أنّه كان معروفاً[25] عند الملازم القذافي (وربّما غيره من أعضاء التنظيم وعلى الأخصّ مصطفي الخروبي) بأنّه وشى بالتنظيم عند العقيد عبد العزيز الشلحي في مارس 1969.. وكانت الحجّة التي تعلّل بها العقيد القذافي فيما بعد لتبرير حضور الشلماني لذلك "الاجتماع السرّي الخطير" هي أنّ أحد أعضاء اللجنة المركزية المدعوين لحضور الاجتماع لم تكن لديه سيارة خاصّة ومن ثمّ اضطرّ أن يطلب من الشلماني توصيله إلى الاجتماع (؟!). 

لقد تناولنا ما حدث خلال ذلك الاجتماع السرّي (في سرت أواخر شهر يوليو 1969) في فصلٍ[26] سابق. ولا يخالجنا أدنى شكّ في أنّ الاجتماع كان بهدف التمويه على الشلحي وجماعته من خلال "المعلومات المفبرّكة" التي ذُكرت خصيصاً أمام الملازم الشلماني الذي جرى ترتيب حضوره للاجتماع بتدبيرٍ وتخطيطٍ مسبّقين. ونكاد نجزم أنّ تأخّر الملازم القذافي والملازم الخروبي عن الاجتماع إلى صباح اليوم التالي رغم وصولهما إلى بلدة سرت في الليلة السابقة كان بسبب حاجتهما إلى إجراء مراجعةٍ نهائية مع العقل المدبر لِما يجب على الملازم القذافي أن يقوله بكلّ دِقَّةٍ امام الملازم الشلماني والذي سوف ينقله بدوره إلى العقيد عبد العزيز الشلحي. 

وفي اعتقادنا أيضاً أنّ حضور المدعو "الحاج أبو رياقة" المباغت والعجيب وتواجده "المفاجئ" في ذلك المكان النائي (50كلم غربي سرت) كان هو الآخر جزءاً من عمليةٍ تمويهيةٍ أخرى نفترض أنّ العقل المدبر وجماعته قاموا بوضعها واستهدفت التمويه على جهاز أمن الدولة بشأن عميله المخبر معمر القذافي  كما سبق أن أوضحنا في الفصل السابق نفسه. 

(ج) المنشور السرّي [27] 

تدرك المخابرات الأمريكية تمام الإدراك أنّ وجود الملك إدريس في البلاد أثناء أيّة محاولة انقلابية سوف يؤدّي بالضرورة إلى إفشالها، وعلى الأقلّ فإنّ وجوده أثناءها في ليبيا قد يضع "حلفاءه" البريطانيين والأمريكيين في حرجٍ كبير إذا لم يسارعوا للدفاع عن نظامه وحمايته، كما أنّ تعرّض حياته لأيّ أذى من قبل أيّة مجموّعةٍ انقلابية (وبخاصة إذا كانت مدعومةً منهم) سوف يلقي عليها (المخابرات الأمريكية) مسؤوليةً كبيرة ويسبّب لها حرجاً أكبر. 

إذاً فوجود الملك إدريس خارج البلاد هو شرط أساسي لنجاح أيّ انقلاب. 

ويتبيّن من مطالعة الوقائع المتعلّقة بعام 1969 أنّ الملك إدريس غادر ليبيا إلى اليونان في رحلة استشفائيةٍ بدأت يوم 12/6/1969م. كما يتبين منها أنّ الملك غادر اليونان في 12 اغسطس 1969 إلى تركيا حيث كان ينوي قضاء بضعة أسابيع أخرى للاستجمام يعود بعدها إلى بلاده مع أواخر شهر أغسطس من ذلك العام. 

وكما أشرنا من قبل فإنّ العقل المدبر والمخابرات الأمريكية كانوا يرون في عودة الملك إدريس ووجوده في البلاد عند وقوع انقلابهم الذي كانوا يخطّطون له- والذي ربّما لم يكن موعده قد تحدّد بعد بشكل نهائي – هو أمر يتهدّد نجاح ذلك الانقلاب... 

إذن فعليهم أن يقوموا بكل ما في وسعهم للحيلولة دون عودة الملك إلى ليبيا ودون وجوده بها عند تنفيذهم لانقلابهم المزمع.. وكان ممّا سهّل هذه المهمّة على المخابرات الأمريكية أنها كانت على علّم بتحرّكات الملك وبرامجه خلال تلك الرحلة.. كما أنّها كانت على درايةٍ كافية بسلوك الملك وردود فعلّه إزاء مختلف المواقف.[28]

ويبدو أنّ العقل المدبر وجماعته قد وجدوا "السبيل الأمثل" لتحقيق تلك المهمّة من خلال القيام بإعداد وبتوزيع "منشور سرّي" في مدن ليبيا الرئيسية خلال النصف الثاني من شهر يوليو (مع موعد اقتراب عودة الملك)، وقد حرصوا على أن يتضمّن ذلك المنشور سباباً بذيئاً ومباشراً موجّهاً إلى الملك شخصياً، كما حرصوا على أن يصل ذلك المنشور البذيء إلى سرير الملك في منتجعه.. 

يقول الأستاذ مصطفي بن حليم (رئيس وزراء ليبيا الأسبق) في مذكّراته "صفحات مطويّة من تاريخ ليبيا السياسي"[29] حول هذا الموضوع ما نصّه:

"وبعد وصولي إلى طرابلس (يوم 19/8/1969) بيوم واحد جاءنى صديق[30] يحمل لي صورة من منشورٍ سرّي جرى توزيعه بصورةٍ واسعة، وكان المنشور عبارة عن سلسلةٍ طويلةٍ من السباب البذيئ في شخص الملك..." 

ويمضي الأستاذ بن حليم قائلاً: 

" وفهمت من صديقي أنّ ذلك المنشور السرّي البذيء قد أرسَل إلى الملك في منتجعه الصحّي في اليونان، وأنّ الملك قد ثارت ثائرته؛ وقرّر التنحّي عن المُلك، واستدعى رئيس مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب ليسلّمهما استقالته.." 

وتكشف وثيقة سرّية من وثائق الخارجية الأمريكية، جرى الإفراج عنها مؤخراً، بعنوان "منشورات سرّية تهاجم النظام الليبي"[31]المزيد من المعلومات حول ذلك المنشور البذيء. ويتلخّص ما جاء فيها بشأنه بما يلي: 

·    أنّ منشوراتٍ سرّيةً جرى توزيعها في مدن البيضاء وبنغازي وطرابلس على امتداد الأسبوعين السابقين على كتابة التقرير (أي منذ نهاية الأسبوع الأول من شهر يوليو 1969). 

·    تضمّنت محتويات المنشور هجوماً على الملك صراحةً وعلى الحكومة وعلى أبناء الشلحي، كما ردّد المنشور أنّ العقيد عبد العزيز الشلحي يتآمر على ليبيا بالتحالف مع المصريين والإنجليز. 

·        جرى توزيع المنشور أيضاً عن طريق البريد حيث أرسَل إلى عدد من المسؤولين والوجهاء. 

·        أنّ لغة المنشور العربية ركيكة وتنطوى على أخطاء لغوية ونحوية كثيرة. 

·        أنّ المنشور ظهر بثلاث صيّغ وطبعات غير أنّها جميعاً تحمل المضمون نفسه. 

·    أنّ أحمد الصالحين الهوني (وزير الاعلام يومذاك) والذي وصفه المنشور ب"المنافق الأوّل" أرسل مبعوثاً خاصّاّ إلى الملك إدريس في اليونان نقل إليه صورةً من ذلك المنشور.[32] 

وممّا يلفت النظر حول هذا " المنشور" درجة الاهتمام غير المألوفة التى ظهرت على سلوك وتحرّكات مختلف الأطراف الأمريكية بشأنه وبرصد ومتابعة تأثيراته على الملك إدريس وردود فعله إزاءه: 

o    فجوزيف بالمر (السفير الجديد المعيًّن) يقوم ، قبل أن يستلم عمله في طرابلس، بزيارة السفير الليبي في واشنطن السيد فتحي العابدية ويستفسر منه عن المنشور وتأثيراته على الملك إدريس ويخرج بانطباع تسجّله البرقية السرّية الواردة من واشنطن (الخارجية الأمريكية) إلى سفارتها في ليبيا التي تؤكّد: 

" أنّه ليس لدى العابدية ما يدلّ على أنّ الملك يفكّر في اتّخاذ أيّة خطواتٍ عنيفة كالاستقالة، كما لا يدري إلى متى ينوي الملك البقاء خارج ليبيا."[33] 

o    أمّا جيمس بليك، القائم بأعمال السفارة الأمريكية في طرابلس، فهو يواصل الاتصالات بمختلف المصادر الأمنية والدبلوماسية حول هذا المنشور وتأثيراته المحتملة على الملك، ويبعث بنتائج تلك الاتصالات إلى الخارجية الأمريكية في واشنطن وإلى المستر نيوسوم تحديداً الذي كان يتابع تطوّرات التحضيرات لانقلاب سبتمبر. 

".. على الرغم من أنّ المعلومات التي تصل السفارة عادةً عن طريق المستر "روبرت ميسّون" Robert Misson (المستشار بالسفارة البلجيكية في ليبيا) كانت تعامّل بحذر في الماضي، إلاّ أنّه في هذه الحالة (تقييم ردّة فعل الملك إدريس على المنشور) فإنّ المعلومات التى أفادنا بها بشأن لقائه مع الشيخ عبد الحميد العبّار (رئيس مجلس الشيوخ) تتوافق بشكلٍ كبيرٍ مع المعلومات التي جمعتها المصادر الأمريكية[34] (في ليبيا) والسفارة حول الموضوع نفسه.."[35] 

" .. إنّ سلوك الملك بهذه الكيفية (بالتهديد بالتنازل عن العرش...) في هذه المرّة ينسجم مع سلوكه وردّ فعله في المرّات المشابهة في السابق. ومن ثمّ فإنّه من المتوقع أن تجد البلاد نفسها في أزمةٍ دستوريةٍ جديدةٍ"

".. إنّ نمط التطوّرات (التي حصلت بعد توزيع المنشور السرّي) تتطابق بشكل كبير مع سلوك الملك في الماضي، عندما يكون غير راضً بشأن ما يعتبره فشل الحكومة في القيام بواجباتها بالنسبة للقضايا الأساسية...".[36] 

وتأسيساً على ما سبق، وفي ضوء: 

·        لغة المنشور السرّي ومحتواه. 

·        توقيته ودائرة توزيعه وانتشاره. 

·        فشل أجهزة النظام الملكي في التعرف على "الأشخاص" أو " الجهة" التي تولّت إعداد وتوزيع المنشور. 

·        إهتمام الدوائر الأمريكية الزائد بالمنشور ورصدها للنتائج التي ترتَّبت عليه وبخاصّة فيما يتعلق بردّ فعل الملك إدريس إزاءه. 

فإنه لا يخالجنا أدنى شكٍّ في أنّ العقل المدبر وفريقه كانوا هم الذين أعدّوا ذلك       " المنشور السرّي" ووزّعوه، وبخاصّة إذا أخذنا في الاعتبار النتائج الخطيرة والحيوية التي ترتّبت عليه والتي تمثّلت في نظرنا بالآتي: 

1-     قرار الملك إدريس بعدم العودة إلى البلاد خلال شهر أغسطس 1969 كما كان يزمع من قبل. 

2-   قرار الملك بالتنازل عن العرش وإصراره على ذلك القرار، الأمر الذي بدا واضحاً بأنّه ينذر بأزمةٍ دستوريةٍ جديدة وبفراغٍ سياسي، وهي مسألة مهمّة في نظر المخابرات الأمريكية لإقناع دوائر القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية بالعملية السرّية المزمّعة (انقلاب سبتمبر). 

3-     إثارة الرأي العام في ليبيا وتأليبه على النظام الملكي (الملك، الحكومة، الشلحي...) وتهيئته لقبول التغيير العسكري القادم والترحيب به. 

لقد كان "المنشور السرّي" "خدمة" حيوية وهامّة قام بها العقل المدبر وفريقه ساعدت على نجاح الانقلاب في الأوّل من سبتمبر بشكلٍ حاسم. وهي "خدمة" نشكّ في أنّ الملازم القذافي قد فكّر حتى مجرّد التفكير بها أو طلبها من "عرّابيه"، بل إنّنا نستبعد أن يكون قد أحسّ بحدوثها[37]، وهي تقع في نظرنا في عداد التحضيرات الكثيرة التي قام بها العقل المدبر وجماعته لضمان نجاح الانقلاب، ولم يكترثوا حتى بإبلاغ الملازم الغرّ عنها. 

ولبيان أهمّية الدور الذى لعبه ذلك المنشور في مسار الأحداث، والأهمّية التى علقتها الأجهزة الأمريكية عليه، نقتطف الفقرات التالية التى وردت على لسان "ديفيد نيوسوم" مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقية اثناء شهادته أمام لجنة الشؤون الخارجية للكونجرس الأمريكي خلال شهر يوليو من عام 1970م (بعد وقوع الانقلاب): 

" هناك حقيقة لا تلقي كثيراً من الاعتراف في العادة وهي وجود تقارير واسعة القبول والتصديق من قبل كثيرين مفادها، أنّه بسبب التهجّم الذي وجِّه –لأول مرّة في تاريخ ليبيا – إلى الملك شخصياً خلال الفترة التى سبقت الانقلاب مباشرةً، فإنّ الملك إدريس إمّا أن يكون قد تنازل عن العرش، أو اتَّخذ الترتيبات، بالاتفاق مع بعض العناصر المحيطة به، للانقلاب على وليّ عهده الذي لم ينل يوماً ثقته. ومن ثمّ فمن المؤكّد أنّ الانقلاب [انقلاب القذافي] وقع في وقت مفعّمٍ بالشكوك حول المستقبل السياسي للنظام الملكي بل وحول نوايا الملك [إدريس] نفسه".[38] 

(د) وضع خطّة السيطرة وتحديد ساعة الصِّفر[39] 

يعتبر وضع "الخطّة العامّة للسيطرة"[40]على النظام القائم وتحديد "ساعة الصِّفر" المناسبة لوضع تلك الخطّة موضع التنفيذ من المهام الحيوية والبالغة الخطورة لنجاح أيّة حركةٍ انقلابية. 

وفي حالةٍ مثل حالة النظام الملكي الذي كان قائماً في ليبيا، يتطلب القيام بتينك المهمّتين على سبيل المثال، أن يكون الانقلابيون: 

·        على إحاطةٍ ودرايةٍ كافية ومستمرّة بتطوّرات الوضع السياسي والأمني بالبلاد. 

·        على إحاطة ودراية كافية بتحرّكات وأماكن تواجد مختلف العناصر السياسية والأمنية التي يقوم عليها النظام الملكي. 

·    على إحاطة ودراية كافية بتحرّكات كافّة العناصر العسكرية والأمنية المناوئة أو المنافسة لحركتهم (وعلى الأخصّ ما قام به الشلحي وجماعته في مجال تفكيك مفاصل النظام الملكي تمهيداً لقيامهم بانقلابهم في الخامس من سبتمبر 1969م.). 

·        على إحاطة ودراية كافية بمواقف مختلف الأطراف الاقليمية والدولية وتحرّكاتها وتحرّكات عيونها وعملائها داخل البلاد. 

·        على إحاطة ودراية كافية بمراكز السيطرة والتحكّم المفصلية في النظام. 

فهل كان الملازم معمر وجماعته (خلال عام 1969)، عندما كانوا يحضّرون لانقلابهم، يملكون المؤهّلات أو الخبرة العملية أو كانوا يحتلّون "المواقع الهامّة" في الجيش الليبي التي تؤهّلهم للتعامل بأيّة درجةٍ من درجات الكفاءة والاقتدار مع هاتين المسألتين الحيويتين؟! 

فكما هو معروف فإنّ الملازم القذافي وجماعته كانوا جميعاً من الضباط صغار الرتب، ولم يمضِ على تخرّج أعلاهم أقدميّة يومذاك (ضباط الدفعة السابعة) أكثر من أربع سنوات حيث أنّهم تخرّجوا من الكلّية العسكرية في بنغازي خلال شهر أغسطس من عام 1965م.[41]وفضلاً عن ذلك، فقد مرّ بنا في فصلٍ سابق كيف أنّ القذافي ظلّ يباهي بأنّه لم يكن لتنظيمهم "لجنة أمنية". 

" عشنا عشر سنوات في خطر، ولم يكن عندنا مخابرات عامّة، ولا مباحث، ولا أحد يتجسّس لنا.. حتى حركة الضباط الأحرار في مصر كانت لها لجنة اسمها "لجنة الأمن".. ونحن لم نعمل هذه الأجهزة الخاصّة..."[42]

كما كرّر القذافي في أكثر من مناسبة أنّ السبب الذي جعلهم يؤجّلون الانقلاب عن موعده الأول الذي حدّدوه له في الثاني عشر من مارس 1969 هو تصادف ذلك الموعد مع إحياء السيدة أمّ كلثوم لحفلةٍ غنائيةٍ في تلك الليلة لصالح العمل الفدائي الفلسطيني.. الأمر الذي يؤكّد أنّ القذافي وجماعته لم يكونوا على علمٍ حتى بمثل هذه القضايا البسيطة ولا بمدى تأثيرها المحتمل على حركتهم مسبقاً... 

·        إذن متى وكيف ومَنْ هي الجهة التي وضعت "الخطّة العامّة للانقلاب" وحدّدت له "ساعة الصّفر"؟!. 

من يراجع أقوال القذافي وأحاديثه حول قصّة انقلابه لا يعثر على أيّه إشارة إلى الزمان أو المكان الذى وُضعت فيه "خطّة الانقلاب" التي نُفِذَّت ليلة الأول من سبتمبر، وإذا كان المفروض أن تكون تلك الخطّة قد وّضعت من قبل أعضاء "اللجنة المركزية" للتنظيم، فلم يُشر القذافي وأىّ من رفاقه إلى الاجتماع أو المناسبة التى تمّ فيها وضع تلك الخطة أو مراجعتها أو إقرارها من قِبلهم.. 

من المرّات القليلة التي اقترب فيها القذافي من الحديث عن موضوع "الخطة العامّة للانقلاب"، ما جاء على لسانه في الحلقة (18) من "قصة الثورة" التي رواها يوم 29/8/1976[43]

" في هذا اليوم (29/8/1969) بدأت في الاتصالات السرّية النهائية... (وفي طرابلس) حضر عبد السلام (جلود) وأبو بكر (يونس) .. وركبنا بعد ذلك سيارة عبد السلام واتجهنا إلى جنزور بحثاً عن عبد المنعم (الهوني)، وبعد أن وجدناه واصلنا السير، بحثاً عن الخويلدي (الحميدي) أيضاً في صرمان، بيد أنّنا لم نجده هناك فقفلنا عائدين إلى طرابلس... وبمرورنا بمعسكر باب العزيزية ركب معنا في السيارة الملازم أبو قيلة واتجهنا نحو المطار، وفي أثناء ذلك أكملت شرح الموقف من وجهة نظري، وبانتهاء الشرح الشفوي للموقف واللحظة، وصلنا مطار طرابلس.. فطلبنا قلم رصاص من صاحب الحانوت الذي ناولنا إيّاه من النافذة، وبحثنا عن قرطاس دخان ملقي على الرصيف، كتبنا عليه النقاط اللازم كتابتها في تلك الخطّة الخطيرة...". 

وكذلك ما جاء على لسانه خلال الندوة التلفزيونية التي بثَّها إعلام النظام في الذكرى العاشرة للانقلاب يوم 31/8/1979[44]... 

" اجتمعت بأعضاء اللجنة المركزية الموجودين بطرابلس الذين يمثَّلون وحدات الخمس وترهونة وطرابلس ومصراته والزاوية وأعطيتهم الخطّة والتحرّك وهدف الوحدات جميعها كل وحدة ما هي واجباتها." 

فعلى الرغم من أنّ القذافي أشار في المناسبتين إلى "الخطّة" و "الأهداف"، إلاّ أنّه لم يشِر لا في تينك المناسبتين ولا قبلهما ولا بعدهما متى وكيف وُضعت الخطّة ومن توليّ وضعها. وفضلاّ عن ذلك، فمن يراجع أحاديث القذافي بشان المرّات المتعدّدة السابقة التي يزعم أنّه فكّر في تفجير "الثورة" خلالها يلاحظ أنّ "الخطة" في كلّ مرة كانت تختلف جذرياً عن المرّات الأخرى، السابقة واللاحقة، فكلّ منها – بافتراض صحّة ما رواه القذافي بشانها- يقوم على استراتيجيةٍ مغايرة. 

·        فالموعد الأوّل (12/3/1969) يقوم على فكرة اعتقال مسؤولي الدولة دون إشارةٍ إلى اعتقال الملك. 

·    والموعد الثاني (24/3/1969) يقوم على فكرة إعتقال الملك إدريس في طرابلس ومهاجمة موكبه فيما بعد بمدينة أجدابيا أو بالقرب من بنغازي. 

·    والموعد الثالث (13/8/1969) يقوم على فكرة مهاجمة المؤتمر العسكري المعقود بالكلية العسكرية في بنغازي والذي كان يشارك فيه كبار ضباط الجيش. 

إن هذا التباين الكبير في "الاستراتيجية" التى يقوم عليها انقلاب القذافي في كلّ مرّة يؤكّد أنّ هذه المواعيد وهميه، كما أنّ مجرّد ترديد القذافي لهذه الاستراتيجيات المتباينة يدلّ على جهله الفاضح بأبسط أبجديات العمل الانقلابي.

 

إذن – وفي ضوء كلّ ماسبق – فإنّنا نميل إلى الاعتقاد بأنّ "العقل المدبر وجماعته" هم الذين قاموا بوضع الخطّة العامّة لانقلاب الأول من سبتمبر، وهم الذين قاموا بإبلاغ الملازم معمر القذافي، أثناء زيارته السرّية إلى طرابلس ولقائه مساء يوم 28/8/1969، بالأجزاء التى تخصّه وجماعته منها. 

أمّا بالنسبة لموضوع تحديد "ساعة الصفر" النهائية لحركة سبتمبر الانقلابية، فقد عجز العقيد القذافي خلال أحاديثه المتعدّدة عن قصة انقلابه أن يقدّم دليلاً واحداً أو حتى يزعم بشكلٍ مباشر قاطع أنّه ومع أيِّ من رفاقه هم الذين قاموا بتحديد الساعة الثانية والنصف من فجر يوم 1/9/1969 موعداً نهائياً لحركتهم... 

وتتلخّص الروايات التى وردت على لسان العقيد القذافي حول هذا الموضوع خلال الحلقة (18) من "قصة الثورة"[45]، وخلال غيرها من الندوات والأحاديث التي تناول فيها هذا الموضوع وكان آخرها ما كتبه يوم 30/8/2007، بالآتي: 

·    قرّر الملازم معمر القذافي، دن التشاور مع أيِّ من رفاقه في بنغازي[46]، السفر فجأة إلى طرابلس حيث وصلها بطريق الجوّ مساء يوم الخميس 28/8/1969م. 

·        لم يكن أحدّ من رفاق القذافي في التنظيم بطرابلس في انتظاره بالمطار تحوّطاً للأمن[47]

·    وجد الملازم القذافي بالمطار مجموعة من الشباب  تفضّلوا بإركابه معهم في سيارة أحدهم، وكان بعض هؤلاء الشباب من المقرّبين إليه (لم يذكر إسم أيّ واحدٍ منهم، ولم يقل إنّهم من أقربائه). 

·    في المساء (لم يحدّد الوقت) اختفى الملازم معمر في بيت ابن عمّه رئيس العرفاء خليفة أحنيش بدلاً من بيت صهره الملازم خيري خالد عضو التنظيم (كما اعتاد أن يفعل)، ولم يقابل أحداً من اعضاء التنظيم في تلك الليلة. ولم يبيّن القذافي الوسيلة التي وصل بها إلى بيت ابن عمّه أحنيش ولا موعد وصوله إليه. 

·    في تلك الساعات التى اختفي خلالها الملازم معمر بطرابلس، ولم يكن قد قابل أثناءها ايّاً من رفاقه في التنظيم، قرّر أن يكون موعد الانقلاب "الثورة" هو ليلة الأحد/ الإثنين 31/8 – 1/9/1969، وأنّه لا رجعة عن ذلك الموعد. وكان المبرّر الوحيد الذي أورده القذافي بشأن هذا القرار المفاجئ هو انّ عشرين ضابطاً (ملازماً) من ضباط الحركة كان سيتمّ تسفيرهم إلى بريطانيا في دوراتٍ تدريبية يوم الإثنين 1/9/1969م. 

·    التقي الملازم القذافي خلال يوم الجمعة 29/8/1969 بعددٍ من اعضاء اللجنة المركزية (عبد السلام جلود وعبد المنعم الهوني وأبي بكر يونس) الموجودين بطرابلس، وبعددٍ محدود من أعضاء التنظيم، وأبلغهم بموعد الحركة وأعطاهم الخطّة والتحرّك وأهداف وواجبات مختلف الوحدات[48]. ولم تخرج العبارات التي استخدمها بشأن الموعد النهائي الحركة عن:

 "أبلغهم بأنّ يوم الأحد/ الإثنين هو اليوم الموعود..". 

" قلت لعبد السلام (جلود) انّ الثورة تقع يوم الأحد القادم ليلة الإثنين". 

"أكّدت للجماعة (في طرابلس) أنّ اليوم المحدّد للثورة هو واحد سبتمبر لا قبله ولا بعده". 

·        عاد الملازم القذافي إلى بنغازي صباح يوم السبت الموافق 30/8/1969[49]

ذلك هو ملخص الأحداث والوقائع التى رواها العقيد القذافي بشأن تحديد موعد الأول من سبتمبر لحركتهم. ولا يخفي أنّها تثير لدى المتابع لمجرياتها جملة من التساؤلات، من بينها: 

o       ما هو السبب الذى دفع القذافي أن يقرّر فجأة الذهاب إلى طرابلس؟ 

o    إذا كان السبب، كما يزعم القذافي، في تحديده لذلك الموعد المفاجئ لساعة الصفر هو السفر الذي كان مقرّراً منذ مدّة لعددٍ من ضباط التنظيم في دورات تدريبية إلى بريطانيا يوم 1/9/1969.. ألم يكن ذلك الأمر معلوماً قبل سفره من بنغازي إلى طرابلس؟ فلِمَ لمْ يجتمع بزملائه أعضاء اللجنة المركزية في بنغازي (الخروبي والمقريف) ويفاتحهما فيما هو مقدم عليه، ولِمّ لمْ يناقشهما في الموضوع أو على الأقلّ يبلغهما به؟؟

o       لِمَ قرّر الملازم القذافي أن يسافر إلى طرابلس وحده؟ ولِمَ لمْ يُبلغ أحداً من رفاقه الضباط في طرابلس عن موعد وصوله إليها؟ 

o    ولِمَ اختار أن يبيت ليلة وصوله إلى طرابلس (ليلة الخميس/ الجمعة 28/9/1969) في بيت ابن عمّه خليفة أحنيش بدلاً من بيت صهره الملازم خيري خالد كما اعتاد؟ ولِمَ قرّر ألا يقابل أحداً من رفاقه في تلك الليلة رغم أنّ وقته كان محدوداً وقصيراً؟ 

o    ثمْ لِمَ بقي في طرابلس ليلة الجمعة/ السبت (29/8/1969) بعد أن فرغ من لقائه بزملائه في اللجنة والحركة. ولِمَ حاول إخفاء ذلك الأمر حيث أنّه زعم أنّه عاد في تلك الليلة إلى بنغازي؟ 

كما لا يفوت المرء أن يسجّل، بشأن هذه الملابسات والوقائع التي رواها القذافي حول تحديد الموعد النهائي للحركة وساعة صفرها، الحقائق التالية: 

أولاً: أنّ العقيد القذافي أسقط من أحاديثه – عن عمدٍ – كلّ الإشارات الممكنة إلى "رحلة سرّية" قام بها إلى طرابلس عبر "مرسى البريقة" بطائرة الفولكر مساء يوم 21/8/1969. وهي الرحلة التي أشار إليها رفيق القذافي الرائد عبد الكبير الشريف في كتابه " جانب من قصّة الثورة الليبية"[50]. وقد أورد عبد الكبير أنّه لم يجد الملازم معمر بمطار طرابلس كما سبق الاتفاق معه. كما أورد أنّه علم فيما بعد أنّ ابن عم القذافي المدعو سيد قذاف الذى استقبله بالمطار، علم من الملازم أبو بكر أن الملازم معمر ربّما توجّه خلال تلك الرحلة إلى الزاوية أو ترهونة.       

ثانياً: أنْ أعضاء التنظيم جميعهم، بمن فيهم أعضاء اللجنة المركزية، قد فوجئوا بالموعد الذي حُدد للحركة وأنّه أصاب بعضهم بالذهول: 

      " كان  التفاهم مع جلود في غاية الصعوبة.. يرى أن نؤجّل الثورة أحد عشر شهراً ويقول إنّ الوقت غير مناسب.."[51].

 "موعد تنفيذ الثورة جاء فجأة إلى حدّ كبير بالنسبة لتشكيلات العسكريين والمدنيين الذي هم في الحركة".[52]

" كنت في بنغازي فحضرت إلى طرابلس يوم الخميس (28/8/1969) والتقيت بالوحدات الموجودة هنا، وبالضباط، ففوجئوا بأمر تحديد ليل الأحد/ الإثنين موعداً لانطلاق الثورة.، وبعضهم ذهلوا، وقالوا أن لا إمكانية للتنفيذ في الموعد المحدّد .."[53]

ثالثاً: إنّ القذافي وجماعته كانوا– عندما جرى تحديد موعد التحرّك في الأول من سبتمبر – في أضعف وضعٍ لهم تنظيمياً وعددياً.. 

" كانت حالة التنظيم في شهر سبتمبر أسوأ بكثير ممّا كانت عليه في شهر مارس 1969"[54] 

" كان أحد عشر ضابطاً من الضباط الممتازين من التنظيم موجودين في بريطانيا ..."[55]

" كانت مجموعة كثيرة من الوحدويين خارج معسكراتهم، فهذا أبو بكر يونس ومعه أكبر عدد من ضباط المدرّعات يتلقّون دوررةً في اللغة الإنجليزية.. وها هو مختار [القروي] وبشير [هوادي] [عضوا اللجنة المركزية] في إجازة وهما المسئولان في اللجنة عن وحدات الخمس.. وهذا محمد نجم في إجازة خارج البلاد وهو المسئول عن الكلية العسكرية.."[56]

كما أورد الرائد عمر عبد الله المحيشي عضو مجلس قيادة الثورة (حتى عام 1975) في مذكّراته أنّ الملازمين عبد الرحمن الصيد والريفي علي الشريف وعطيّة موسى الكاسح كانوا قبيل الانقلاب قد قطعوا كلّ صلةٍ لهم بالتنظيم احتجاجاً على تعديل موعد الانقلاب أكثر من مرّة منذ مارس 1969م. 

كما ذكر الرائد عبد المنعم الهوني للمؤلف شخصياً أثناء لقاءٍ بينهما بالقاهرة في عام 1981 أنّهم لم يتمكنوا ليلة الانقلاب من حشد سوى ما يعادل 20% من مجموع التحضيرات التي تصوّروا أنّ من واجبهم وبمقدورهم القيام بحشدها لضمان نجاح الانقلاب. 

وفضلاً عن ذلك، يُلاحظ أنّ ساعة الصفر وليلة التحرّك لتنفيذ انقلاب الأول من سبتمبر قد جرى تحديدهما بشكلٍ ماهر وحاسم ومؤسس على درايةٍ كافية وإحاطةٍ شاملة بكافّة أوضاع البلاد الأمنية والسياسية يستحيل أن تكون متاحة أو معروفة للملازم القذافي وجماعته. فقد جرى اختيار تلك "الساعة".. 

·    لتصادف لحظة كانت الترتيبات فيها قد استكلمت من قبل جهاتٍ معيّنة عديدة لتفكيك مفاصل النظام الملكي وحرمانه من أيّة قدرةٍ على المقاومة والدفاع عن نفسه.. 

-         فالملك غائب عن البلاد منذ نحو ثلاثة أشهر تقريباً ولا يعتزم العودة إليها في المنظور القريب، بل إنّه ينوي الاستقالة والتنازل عن العرش. 

-     والتنقّلات قد جرت واستكملت لتشمل مواقع مختلف القيادات العسكرية والأمنية (الجيش والشرطة والقوّة المتحرّكة)، ومختلف مواقع تمركّز قواتها. بل شمل الأمر حتى سحب "إبر الإطلاق" من المدافع ومختلف الآليات والأسلحة لشلها عن الحركة. 

·    ولتنسيق بأيام قلائل فقط "ساعة صفر" أخرى (هي الخامس من سبتمبر) يعتقد أنّها قد أختيرّت وحدّدت موعداً لانقلاب آخر يقوده عبد العزيز الشلحي. ولم تكن الترتيبات التي تمّت لتفكيك مفاصل النظام الملكي إلا خدمة لهذا الانقلاب الأخير ومن أجل ضمان نجاحه. 

·    ولتتزامن بشكلٍ مذهل مع قرار اتخِذ من قبل "جهة ما" من داخل النظام الملكي بإلغاء حالة التأهب والاستعداد التي كانت معلّنة منذ مدة في معسكرات ومواقع تلك القوات (الجيش، الشرطة، والقوات المتحرّكة) اعتباراً من مساء يوم 31/8/1969 (أي ليلة الانقلاب). 

إننّا لا نشكّ، في ضوء كلّ ما سبق، أنّ الذي قام بتحديد "ساعة الصفر" وليلتها على ذلك النحو القاطع الحاسم هو فريق المخابرات الأمريكية في ليبيا بقيادة العقل المدبر.. وأنّ هذا الأخير هو الذي أبلغ ذلك الموعد مع خطّة السيطرة والتحرّك للملازم القذافي أثناء لقائه به في طرابلس مساء يوم 28/8/1969 وأنّ هذا الأخير قام بنقلها بكلّ طاعةٍ إلى جماعته في طرابلس ثمّ في بنغازي. 

وممّا يؤكد هذا الاعتقاد لدينا مراجعة اللغة والتعابير التي استخدمها القذافي في وصف ما دار بينه وبين زملائه حول هذا الموضوع: 

"أبلغهم [زملاءه في طرابلس] بأنّ يوم الأحد/ الإثنين هو اليوم الموعود.."[57] 

"قلت لعبد السلام أنّ الثورة تقع يوم الأحد القادم ليلة الإثنين"[58]

" أكّدت للجماعة في طرابلس أنّ اليوم المحدّد للثورة هو واحد سبتمبر لا قبله ولا بعده"[59]

".. وليس خاطر علينا.. [أى لم يكن يدور بخلدنا] أن يكون الأول من سبتمبر هو موعد الحركة" [60] 

إنّ القذافي يتحدّث في العبارات الآنفة عن الموعد وعن ساعة الصفر كما لو أنّها شيء مفصول عنه وليس من قراره أو صنعه وأنّ دوره هو دور النّاقل والمبلّغ. 

ما هو سيناريو الأحداث الذي تمّ به إبلاغ الملازم (المخبر العميل) القذافي بخطّة التحرّك والسيطرة وبساعة الصّفر وموعدها من قبل العقل المدبر؟ 

إنّنا لا نزعم أنّنا على معرفة بتفاصيل ذلك السيناريو .. وقد لا تكون تلك التفاصيل مهمّة.. ومع ذلك فإنّنا نرجّح أن يكون ذلك السيناريو قد تمّ على النحو التالي وذلك تأسيساً على ما ورد على لسان القذافي نفسه.. 

·    مع اقتراب شهر أغسطس1969 كانت المخابرات الأمريكية، من خلال فريق عملها المنتشر ما بين واشنطن ولندن ومدن ليبيا الرئيسية الثلاث طرابلس وبنغازي والبيضاء، قد فرغت من استكمال التحضيرات الرئيسية والتجهيزات الضرورية للانقلاب (شبكة الاتصالات الرئيسية، عمليات التمويه والمنشور السرّي...) كما تأكّد لديها مضيّ الشلحي وجماعته[61] في التحضير لانقلابهم الذي حدّدوا موعداً له في الخامس من سبتمبر 1969م. 

·    قام العقل المدبر – على الأرجح- باستدعاء الملازم القذافي للقاءٍ عاجلٍ به، وعلى الفور قام الأخير بالسفر بالطائرة الفولكر إلى طرابلس عن طريق ميناء البريقة    ( حيث يوجد أحد مقارّ شركة "أسّو" التي يعمل العقل المدبر بها تحت غطاء رئيس إدارة العلاقات العامة) مساء يوم الخميس 21/8/1969م.[62]ولسنا على يقين بشأن مكان اللقاء، هل كان طرابلس أم البريقة.. ومن الواضح أنّ هدف اللقاء كان إبلاغ الملازم معمر باقتراب موعد الحركة والاتفاق معه على موعد اجتماعٍ آخر بينهما في طرابلس مساء الخميس التالي الموافق 28/8/1969م. 

·    مساء يوم 28/8/1969 توجّه الملازم القذافي بالطائرة إلى طرابلس ولم يخطر أحداً من رفاقه ليكونوا في استقباله. وتوجّه لِلّقاء بمندوب المخابرات الأمريكية الذي أبلغه بالموعد الذي حُدد للحركة وهو ليلة الأحد/ الإثنين 31/8/1969 وكذلك بساعة الصّفر. كما حدّد له المهام المطلوبة من مجموعة ضباط منطقة طرابلس في إطار خطّة السيطرة التي قامت المخابرات الأمريكية بإعدادها. كما طلب العقل المدبر من الملازم القذافي أن يعود للاتصال به مساء اليوم التالي (الجمعة 29/8/1969) فور الانتهاء من إبلاغ مجموعة طرابلس لكي يسلّمه المهام الخاصّة بمجموعة ضباط بنغازي. 

·    اختفي الملازم معمر إثر لقائه بالعقل المدبر وأمضي بقية ليلة الخميس/ الجمعة 28/8/1969 في بيت قريبه ضابط الصفّ خليفة احنيش، ولم يقم خلال تلك الليلة بالاتصال بأحدٍ من رفاقه بالتنظيم في طرابلس إمّا بناءً على اوامر العقل المدبر وإما لأنّه لم ينتهِ من اللقاء إلا في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل. 

·    قام الملازم معمر في اليوم التالي الجمعة 29/8/1969 بالاتصال بأعضاء اللجنة المركزية الموجودين في طرابلس (عبد السلام جلود وعبد المنعم الهوني وأبي بكر يونس)[63] وعددٍ آخر من الضباط وأبلغهم بالأوامر التى صدرت إليه من العقل المدبر كما لو كانت "قرارات" قام هو باتخاذها (الخطة وموعد الحركة). 

·    ترك الملازم معمر زملاءه في طرابلس عشيّة الجمعة 29/8/1969 متظاهراً بأنه سوف يغادر إلى بنغازي بالطائرة مساء ذلك اليوم، وأكّد لهم أنّه لا حاجة لأنْ يصحبه أحد إلى المطار بحجّة الظروف الأمنية. إلا أنّ الملازم معمر لم يغادر طرابلس في تلك الليلة حيث أنّه أمضى الجزء الأكبر منها مع العقل المدبر الذي سلّمه بقية المهام المتعلّقة بضباط المنطقة الشرقية. كما زوّده بكثيرٍ من النصائح والتلقينات الضرورية. 

·    كما لا نستبعد أيضاً أن يكون العقل المدبر قد أشار خلال ذلك اللقاء على الملازم القذافي بضرورة إضافة فقرة إلى صيغة البيان الأوّل[64]للانقلاب التي سبق موافقتهم عليها بمناسبة "بروفة" الموعد الأوّل للحركة في 12 مارس 1969، وتتعلّق بطمأنة الدول الأجنبية والأجانب المقيمين في ليبيا وهي الفقرة الأخيرة التي وردت بالبيان الأول للانقلاب الذي جرت إذاعته بصوت الملازم القذافي فجر يوم الانقلاب والتي جاءت على النحو التالي:

" وإنّه ليسرّنا في هذه اللحظة أن نطمئن إخواننا الأجانب بأنّ ممتلكاتهم وأرواحهم سوف تكون في حماية القوات المسلحة، وأنّ هذا العمل غير موجّه ضدّ دولةٍ أجنبية أو معاهداتٍ دولية أو قانون دوليّ معترف به، وإنّما هو عمل داخلي بحت يخصّ ليبيا ومشاكلها المزمنة..."[65]

·    أمّا الأناشيد الوطنية والمارشات العسكرية فقد كانت أشرطتها قد سلّمت للملازم القذافي أثناء "بروفة" الموعد الأول للانقلاب في 12مارس 1969، ولم يجرِ استردادها منه، وقد بقيت في حوزته وطلب منه العقل المدبر استخدامها وبثّها صباح الأول من سبتمبر... 

" .. ونحن في مارس (1969) كنّا مجهّزين الأشرطة والأناشيد والإسطوانات في كل المعسكرات (؟!) كنّا مجهّزين كلّ شيء.."[66] 

·    وصل الملازم القذافي إلى بنغازي بالطائرة صباح السبت الموافق 30/8/1969 حاملاً معه التعليمات المتعلّقة بأهداف وضباط المنطقة الشرقية، والتي نفترض أنّ العقل المدبر سلّمها له في الليلة السابقة بطرابلس، وهي التعليمات التي تمّ التحرّك وفقاً لها. 

·    ومن باب الاحتياط لأيّ طارئ قد يطرأ فيؤدّي إلى تأجيل بوم التحرّك وساعته، فإنّنا نتصّور أنّ العقل المدبر أبلغ الملازم القذافي أنّه ما لم يتلقّ منه أيّة معلوماتٍ تفيد العكس قبل انتهاء ساعة الدّوام للأعمال الرسمية في الدولة وهي الساعة الثانية والنصف من بعد ظهر يوم 31/8/1969 فإنّ الموعد والساعة للتحرّك يكونان نهائيين ولا رجعة فيهما، وهو ما نقله الملازم القذافي لجماعته.. 

" وكنت قد بلّغت كافّة الضباط في كلّ الوحدات أنّه إذا انتهي الدوام يوم 31أغسطس، أي فاتت الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، ولم يصلكم مني أيّ تغييرٍ في الخطة أو الموعد، نكون قد دخلنا مرحلة اللا عودة في التنفيذ..."[67] 

هذه – في تصوّرنا باختصار – مفردات "سيناريو الأحداث" خلال الفترة ما بين 21 أغسطس وبين قيام الانقلاب في الأوّل من سبتمبر 1969. وفي الواقع، فإنّ ما قام به العقل المدبر وجماعته خلال هذه الأيام وبخاصّة فيما يتعلق بوضع خطّة السيطرة وتحديد موعد الانقلاب وساعة صفره كان خدمةً أخرى في غاية الحيوية والخطورة، ما كان بمقدور الملازم معمر دونها أن ينجح حتى في السيطرة على قريةٍ واحدةٍ من القري الليبية ناهيك عن بلدٍ كاملٍ مترامٍ الأطراف مثل ليبيا. 

(ھ) ربط وتحريك العملاء الآخرين 

لا نتصوّر أنّ الملازم القذافي هو العميل الوحيد الذي كانت المخابرات الأمريكية قد جنّدته في ليبيا خلال تلك الحقبة، بل كان هناك غيره عديدون، عسكريون ومدنيون، من أجل خدمة مختلف أهدافها وسياستها[68].ولئن كانت المخابرات قد قرّرت في لحظة ما أن يقع اختيارها على الملازم القذافي وجماعته[69]ليكونوا الواجهة لعمليتهم السرية الكبري في ليبيا إلا أنّ ذلك لم يكن يعنى قطع علاقاتها بالآخرين خارج مجموعة  القذافي، فالعلاقة بهم تظلّ مطلوبة، وإدامة هذه العلاقة تقليد معتاد في أساليب عملها. وفضلاً عن ذلك، فإنّنا نذهب إلى الاعتقاد بأنّ هذه المخابرات رأت منذ اتخاذها لقراراها المذكور –بتعميد القذافي وجماعته كواجهةٍ للعملية الانقلابية المزمعةٍ – ضرورة "الاستفادة" من عددٍ كبير من هؤلاء العملاء لإنجاح هذه العملية الكبيرة. وقد اتخذت هذه "الاستفادة" عدّة أشكال، كان من بينها: 

1-   الإيعاز لعددٍ من المسؤولين (العسكريين والمدنيين) في النظام الملكي، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، باتخاذ قراراتٍ معيّنة (على سبيل المثال رفع حالة الطوارئ في البلاد ليلة انقلاب سبتمبر)[70] تخدم القذافي وجماعته وتضمن نجاح الانقلاب.

2-   الإيعاز لعددٍ من عملائهم – من كبار ضباط الجيش الليبي – للتغلغل في مجموعة عبد العزيز الشلحي وجمع أدقّ الأخبار والمعلومات عن تحرّكاتها ومخطّطاتها. 

3-   ربط عدد من الشخصيات العسكرية (العميلة) – من خارج جماعة القذافي – بالتحضيرات للانقلاب من خلال الإيعاز لهذه الشخصيات بالانضمام إلى جماعة القذافي وبعرض خدماتها عليها، مع المحافظة على خصوصيات العلاقة المباشرة لهذه العناصر مع المخابرات الأمريكية. 

4-   تحريك عدد من عملاء المخابرات الأمريكية المخفيين في ليبيا للقيام بعددٍ من المهام الحيوية ليلة الانقلاب أو قبلها من أجل إنجاح الانقلاب دون كشفهم بشكلٍ مباشر أو ربطهم بالملازم القذافي وجماعته. 

وفي هذا السياق يمكننا أن نفهم تحرّكات بعض العناصر العسكرية والأمنية الليبية في الفترة السابقة على الانقلاب مثل انضمام المقدّم موسى أحمد إلى تنظيم الملازم القذافي في أواخر شهر يونيو 1969م[71]. والمعروف أنّ المقدّم موسى أحمد لعب من خلال عددٍ من أقاربه "بالقوّات المتحرّكة" بمعسكر "قرنادة" دوراً حيوياً وحاسماً في الاستيلاء على ذلك المعسكر، والذي لولا سقوطه بايديهم لما جرؤ الملازم معمر وجماعته على المضيّ في انقلابهم وعلى التحرّك للاستيلاء على مبني الإذاعة في بنغازي وبقية الأهداف الأخرى في بنغازي وطرابلس.[72] 

ومن هذا القبيل أيضاً "المصادفة" التى وقعت ليلة انقلاب الأول من سبتمبر وتحدّث عنها الرائد عبد المنعم الهوني (عضو مجلس قيادة الثورة السابق) في مناسباتٍ عديدة والتي تتلخص في أنّ مجموعة الانقلابيين في مدينة طرابلس (كان الهوني من بينهم) التقوا مصادفةً، بعد إلقائهم القبض على ولىّ العهد، بضابط مباحث أمن الدولة المدعو (سلامة أبو ريشة) الذي كان عائداً بسيارته في تلك الساعة المتأخرة من الليل (بعد الثانية والنصف صباحاً) من مطار طرابلس. وما أن عرف المدعو أبو ريشة بنيّة الانقلابيين حتى انبرى لمساعدتهم بأن دلَّهم على عناوين بيوت ومنازل كبار رجال العهد الملكي التي كانوا يجهلونها كليةً، ولولا تلك "المصادفة" لما تمكّن انقلابيو سبتمبر من اعتقال رجال العهد الملكي في الساعات الأولي من تحرّكهم.. 


[1]  تجدر الإشارة إلى أن العملاء من الانقلابيين يعرضون لجلّ هذه الاختبارات دون علم منهم بأنها اختبارات لهم وغالباً ما يتصورون أن المهام المطلوبة منهمّ هي مهمة حقيقية وليست على سبيل الاختبار لهم. من ذلك مثلاً أن يطلب المستر سنوك من الملازم القذافي تجميع معلومات عن قوة الجيش الليبي العددية والتسليحية. فتلك المعلومات معروفة بأدق تفاصيلها لدى رجال المخابرات الأمريكية ،ولكنها تطلب منه لمعرفة مدى استجابته للتعاون ومقدرته على تجميع المعلومات المطلوبة ودرجة دقتها.

[2] لا نشك في أنّ المخابرات الأمريكية كانت تعلم يومذاك بقدرات القذافي في جمع المعلومات لأغراض جهاز أمن الدولة كما سبق أن أوضحنا في الفصلين الاولين من هذا الكتاب.

[3] نُشرت يوم 9/3/1970. راجع السجل القومي/ المجلد الثامن. الصفحات (97- 100).

[4] وردت الإشارة إلى هذا الموضوع في الصفحة (89) من كتاب "رئيسى ابني"، مرجع سابق. وكذلك في الصفحة (28) من كتاب "القذافي: 4000 يوم من العمل السرّي، مرجع سابق.

[5] مّما يؤكد أنّ ذلك الموعد كان وهمياً ومن أجل الاختبار فقط أنّ موعد الحفلة الغنائية كان محدداً ومعروفاً مسبقاً بفترةٍ بعيدة. أمّا المواعيد الأخرى (14 مارس، يونيو، 13 أغسطس 1969) ففي اعتقادنا أنّها من ابتداع القذافي حيث حاول من خلالها طمأنة عدد من ضباط التنظيم الذين بدأوا يحتجّون على التأجيل الأوّل لساعة الصفر الأولى.

[6] القذافي خلال ندوة تلفزيونية بمناسبة الذكرى العاشرة للانقلاب. راجع صحيفة "الأسبوع السياسى" الرسمية العدد الصادر يوم 7/9/1979.

[7] يحرص رجال المخابرات الأمريكية في بعض الأحيان على تقديم "خدمات حيوية" معينة دون أن يكون عملاؤهم الانقلابيون قد طلبوها بسبب عدم إدراك الأخيرين – بحكم خبرتهم المتدنية – حاجتهم لتلك الخدمات. كما أن رجال المخابرات الأمريكية قد يقومون ببعض "الخدمات الحيوية " دون أن يخطروا بها عملاءهم الانقلابيين حفاظاً على "أسرار مهنتهم" أو رغبة في ابقاء الانقلابيين عند مستوى متدن من فهم "أسرار اللعبة الأمنية" إذ قد تضطر الظروف رجال المخابرات الأمريكية استخدام هذه الأساليب من جديد ضد هؤلاء "العملاء الانقلابيين " أنفسهم.

[8] الضباط الذين شاركوا فى الحركة ينتسبون إلى الدفعات من السابعة (1965) إلى الحادية عشرة (1969)، كما كان نصف المشاركين فقط من التنظيم ولم يشارك فى الحركة عدد من ضبّاط التنظيم ومن أعضاء اللجنة المركزية. أمّا الجنود فيعترف القذافي بأنّهم استغِفلواولم يكونوا يعلمون بالعمل الذى أقدموا عليه (راجع صحيفة "الأسبوع السياسي" الرسمية. العدد الصادر يوم 7/9/1979). وقد كان التنظيم في سبتمبر 1969 من الناحية العددية وحدها في أسوأ أوضاعه (راجع كتاب عبد الكبير الشريف صفحة (138)، وكتاب "القذافي: رحلة 4000 يوم من العمل السرّي"، الصفحات (206- 209) والصفحات (243-244) في حين كان إجمالى عدد ضباط الجيش  قد بلغ عند وقوع الانقلاب نحو (670) ضابطاً. راجع التقرير الذي أعدّته السفارة الأمريكية بليبيا بتاريخ 20/3/1970 بعنوان "أين ذهب كلّ أولئك العقداء" الرقم الإشاري- A-66.

[9] راجع فصل "الضابط المخبر بالجيش الليبي".

[10] راجع صحيفة "الأسبوع السياسي" الرسمية. العدد الصادر يوم 7/9/1979 ندوة شارك فيها القذافي بمناسبة الذكرى العاشرة للانقلاب. ولسائلٍ أن يسأل كيف أمكن للملازم القذافي أن يعلم يومذاك بأنّ المكالمات الهاتفية لم تكن مراقبة من قبل سلطات العهد الملكي؟. هل علم بذلك من خلال عمله كمخبرٍ بأمن الدولة أم عن طريق الراعي الأمريكي؟..

[11] راجع مقال ("مجلة المعرفة" هل استخدمت في التحضير للانقلاب) للمؤلف باسم مستعار منشور بالعدد (47) من مجلة "الانقاذ" سبتمبر 1998.

[12] راجع مبحث "أسماء ليبية مثيرة " بهذا الفصل.

[13] أشار القذافي إلى هذه الشركة بطريقةٍ ملتوية مغلوطة خلال حديثه إلى وكالة الأنباء الليبية والإذاعتين المسموعة والمرئية عن محاولة الحواز الانقلابية يوم 11/12/1969 (راجع السجل القومي/ المجلّد الأول. الصفحتين 171- 172). كما تحدّث عن موضوع هذه الشركة المقدّم الحواز عندما كان وزيراً للدفاع، كما أشارت إليه بعض الوثائق السرّية الأمريكية المفرج عنها.

[14] راجع بهذا الخصوص ما ورد أيضاً بمبحث "الملازم أول عبد الوهاب الزنتانى" في هذا الفصل.

[15] هذه الحقيقة كانت معروفة لدى الشلحي ولدى جهاز أمن الدولة وكذلك المخابرات الأمريكية. وفي الواقع أنّ القذافي وجماعته لم يكونوا يشكّلون أي خطرٍ لولا تبّنى المخابرات الأمريكية لهم.

[16] لم يكن سهلاً على الملازم معمر أو ميسوراً له برتبته المتدنّية أن يقترب أو يصل إلى العقيد عبد العزيز الشلحى، فأوّلهما في أسفل السلّم والثاني في أعلاه.

[17] تجدر الإشارة إلى أن القذافي قال خلال الندوة التلفزيوينية التى عقدت معه بمناسبة الذكرى (31) لانقلابه (ليلة 31/8/2000) أن العقيد عبد العزيز الشلحي كان وراء إفشال أمرالقبض عليه؟!

[18] راجع كتاب "القذافي: رحلة 4000 يوم من العمل السرّي"، مرجع سابق. الصفحات (102)و (116).

[19]  لا تخفي دلالات هذه الأقوال على أخلاق القذافي، كما أنها يمكن اعتبارها إحدى المؤشرات على ارتباطه بالعمل مع الأجهزة السرّية الأمنية

[20] راجع السجل القومي/ المجلد التاسع. الصفحة (1061).

[21] أي أن القذافي هو الذي أدخله الحركة.. وكان القذافي، خلال ندوةٍ سابقة في 31/8/1974 (السجل القومي/ المجلد السادس، الصفحات 47- 114)، حاول أن يعطى الانطباع بأنّ الرائد عوض حمزة (عضو المجلس يومذاك) هو الذي كان قد جنَّد الملازم الشلماني، ولكنّ حمزة تصدّى للقذافي خلال الندوة وأوضح له أنّه هو (أى القذافي) الذي أدخله التنظيم.

[22] راجع السجل القومي/ المجلد السادس . الصفحة (84).

[23] يشير عوض حمزة هنا إلى أنّ الملازم محمد جمعة الشلماني ليس من قبيلة الشلمان التي تقطن بمنطقة المرج والجبل الأخضر (شرق ليبيا) وإنّما جاء مع والدته من منطقة "الخمس" غرب ليبيا.

[24] يزعم القذافي أنّ الاجتماع تمّ 27/7/1969 في حين أنّ الخروبي يؤكّد أنّ الاجتماع جرى يوم 31/7/1969.

[25] لم يوضّح القذافي في أيّة مناسبةٍ من المناسبات الكثيرة التي تحدث فيها عن خيانة الشلماني ووشايته بهم كيف أمكنه (أي الملازم القذافي) أن يعلم بذلك الأمر.

[26] راجع ما ورد حول هذا الموضوع في فصل "الضابط المخبر بالجيش الليبي".

[27] راجع مقال "المنشور السرّي"  للمؤلف بإسم مستعار بالعدد (47) من مجلة "الانقاذ" سبتمبر 1998م.

[28] راجع البرقية السرّية رقم (2081) المؤرّخة في 30/8/1969 والمرسّلة من المستر جيمس بليك القائم بأعمال السفارة الأمريكية في طرابلس إلى وزير الخارجية الأمريكي.

[29] تحت عنوانٍ جانبي "الأيام الأخيرة قبل انقلاب سبتمبر 1969"، الصفحات (538، 539) من المرجع المذكور.

[30] إن معرفة إسم هذا الصديق قد يكون لها دلالات خاصة، ولا ندرى لماذا تعمد السيد بن حليم التعتيم على إسم هذا الصديق، وفي الواقع فإن السيد بن حليم أسقط الإشارة إلى هذا الصديق كلية واستبدله بعبارة "مصادر موثوق بها" في كتابه "ليبيا/ انبعاث أمة.. وسقوط دولة " م.س. ص. (398).

[31] تقرير سرّي يحمل الرقم الإشاري A- 126 مؤرخ في 24/7/1969 ومرسل من قبل المستر بليك القائم بأعمال السفارة الأمريكية بطرابلس إلى وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن. راجع التقرير المرسل من P.G.A. WAKEFIELD القائم بأعمال السفارة البريطانية في طرابلس إلى الخارجية البريطانية. التقرير يحمل رقم (1/18) ومؤرخ في 13/8/1969 الملف FCO 39/ 3&1.

[32] أرفق المستر بليك بتقريره  صورةً مترجمة إلى الإنجليزية من المنشور المذكور.

[33] البرقية السرّية التي تحمل الرقم الإشاري (142232) المؤرخة في 22/8/1969 والمرسّلة من قبل المستر جونسون Jhonson بوزارة الخارجية الأمريكية للسفارة الأمريكية في طرابلس ومكاتبها في بنغازي والبيضاء وكذلك السفارة الأمريكية في لندن.

[34] وردت الإشارة إليها بعبارة CAS أيControlled American Sources .

[35] من برقية سرّيةٍ مرسّلة من السفارة الأمريكية بطرابلس إلى وزارة الخارجية بواشنطن في 30/8/1969 وتحمل الرقم الإشاري (2068).

[36] مقتطفات من برقية سرّيةٍ بعث بها المستر بليك إلى وزارة الخارجية الأمريكية مؤرخة في 30/8/1969 وتحمل الرقم الإشاري (2081) والتي تضمنّت وجهات النظر التي نقلها إلى المستر غولدنج Goulding السكرتير الأول بالسفارة البريطانية في ليبيا بناءً على طلب الأخير الذي رغب في التعرف على وجهات نظر الولايات المتحدة الأمريكية حول التطورّات السياسية إثر توزيع المنشور ورغبة الملك في التنازل عن العرش.

[37] من اللافت للنظر أنّ العقيد القذافي لم يشِر في أيّة حلقةٍ من حلقات قصّة ثورته – وفي غيرها من الأحاديث – إلى موضوع هذا المنشور الأمر الذي يؤكد أنّه لم يكن لديه ايّ علمٍ به ناهيك أن يكون من إعداده. ومن الطريف أنّ القذافي، خلال الندوة التلفزيونية التى بثّها نظامه في 31/8/1999، حاول أن يشير لموضوع هذا المنشور – بعد أن شاع الحديث حوله – باستخفاف بقوله أنّ أحد أصدقائه قد اطلعه عليه قبل الانقلاب فاعتبره هو في عداد الخطوات التى قامت بها جهات – لم يسمها – من أجل إفشال الانقلاب؟!..

[38] وكأنّه يريد ان يقول لمستمعيه "ومن ثمّ جاز لأمريكا أن تغدر بالملك إدريس".

[39] راجع مقال "ساعة الصفر لانقلاب سبتمبر.. متى وكيف جرى تحديدها؟ ومن هى الجهة التى قامت بتحديدها فعلاً؟" للمؤلف بإسم مستعار، منشور بمجلة "الانقاذ" العدد (47) سبتمبر 1998م.

[40] يُطلق عليها أحياناً "استراتيجية الانقلاب" أو "الخطّة العامّة للحركة".

[41] أضاف العقيد القذافي خلال الندوة التلفزيونية التي بثّتها قناته الفضائية يوم 31/8/2000 معلومةً جديدة مفادها أنّ جميع رفاقه في تنظيمه لم يكونوا – عدا ثلاثة منهم – عندما التحقوا بالكلية العسكرية قد حصلوا على الشهادة الثانوية التي تشترطها نظم الكلية فيمن ينتسب إليها.

[42] خطاب القذافي بمدينة الزاوية يوم 24/1/1971م.

[43] راجع السجل القومي/ المجلد الثامن، الصفحات (154- 106). أعاد القذافي رواية هذه الواقعة المزعومة فيما كتبه من جديد حول قصة انقلابه يوم 29 أغسطس 2007 م.

[44] راجع صحيفة "الفجر الجديد" الرسمية الصادرة يوم 1/9/1979، الصفحة (30).

[45] نُشِرت الحلقة يوم 29/8/1976. راجع السجل القومي / المجلد الثامن. الصفحات (154- 156).

[46] كان هناك في بنغازي يومذاك من أعضاء اللجنة المركزية بالتنظيم كلّ من النقيب الخروبي والملازم أوّل أمحمد المقريف. يلاحظ أن القذافي غيّر قي الرواية التى نشرها يوم 28/8/2007 من مزاعمه حول قصة انقلابه فذكر لأول مرة أنه أبلغ زملاءه في بنغازي بموعد الانقلاب وهو 1/9/1969 قبل أن يسافر إلى طرابلس يوم 28/8/1969 وهو ما لم يسبق أن ذكره من قبل، وفي اعتقادنا أن هذا التعديل الذى أجراه القذافي لرواية الأحداث هو من أجل أن يخفي أن تحديد موعد الانقلاب تلقاه القذافي من العقل المدبر في الفترة ما بين مغادرته لبنغازي مساء يوم الخميس 28/8/1969 ولقائه ببقية زملائه في طرابلس يوم الجمعة 29/8/1969م.

[47] زعم الرائد جلود في إحدى الندوات (31/8/1974) أنّه كان من المفروض أن يقابله هو وأبو بكر يونس في المطار، ولكنّهما لم يذهبا ولم يبيّن جلود السبب الذي دعاهما إلى عدم استقبال الملازم معمر في المطار يومذاك. كان هناك أعضاء آخرون في اللجنة المركزية يقيمون في طرابلس (الهوني، الخويلدي).

[48] كما سلفت الإشارة، لم يذكر القذافي في أيّة مناسبة، سابقة أو لاحقة، متى أُعِدَّت الخطّة ومتى عكف على تحديد الأهداف والواجبات وإعداد أمر العمليات.

[49] زعم القذافي أنه عاد إلى بنغازي يوم الجمعة 29/8/1969 إلا أنّ زميله الخروبي أكّد له بأنهّ عاد صباح يوم السبت 30/8/1969 أي أنّه أقام مساء ليلة الجمعة وليلة السبت في طرابلس. (ندوة مساء يوم 31/8/1979 صحيفة "الأسبوع السياسي" الرسمية يوم 7/9/1979. الصفحة (13). ويلاحظ أن القذافي تجنّب في روايته الجديدة (30/8/2007) الخوض في هذا الموضوع وهو يوم عودته من طرابلس إلى بنغازي وهل هو مساء يوم 29/8/1969 أم صباح يوم 30/8/1969 وذلك بالقول بأنه (ذهبت صباح هذا اليوم 30 اغسطس 1969 مبكراً إلى معسكر البركة ومررت على الخروبي...).

[50] م.س. الصفحات (139- 141).

[51] الحلقة (18) من قصّة الثورة. السجل القومي/ المجلد الثامن، صفحة (154). راجع أيضاً ما كتبه القذافي مؤخراً يوم 29/8/2007 حول الموضوع نفسه.

[52] القذافي يوم 31/8/1977. السجل القومي/ المجلد التاسع. صفحة (43).

[53] القذافي. مجلة "الموقف العربي". السنة التاسعة. العدد (386) بتاريخ 4/9/1989. الصفحة (16).

[54] الرائد عبد السلام جلود يوم 31/8/1974. السجل القومي/ المجلد السادس. صفحة (78).

[55] القذافي يوم 31/8/1974. السجل القومي/ المجلد السادس. الصفحات (43، 84).

[56] القذافي يوم 31/8/1977. السجل القومي/ المجلد التاسع. الصفحة (43).

[57] القذافي 31/8/1974. السجل القومي/ المجلد السادس. الصفحة (82).

[58] القذافي 31/8/1974. السجل القومي/ المجلد السادس. الصفحات (74_ 75).

[59] القذافي . الحلقة (18) من "قصة الثورة" 29/8/1976. السجل القومي/ المجلد الثامن. الصفحة (155).

[60] القذافي يوم 31/8/1977. السجل القومي/ المجلد التاسع. صفحة (84).

[61] كانت المخابرات الأمريكية في ليبيا تتابع نشاطات وتحرّكات وتحضيرات الشلحي وجماعته من خلال عددٍ من عملائها الذين كانوا ضمن جماعة الشلحي، وكذلك عن طريق المخابرات البريطانية التي كانت تتظاهر بتأييد حركة الشلحي.

[62] أسقط القذافي موضوع هذه الرحلة السرّية من كافّة أحاديثه عن قصّة انقلابه، وقد كشف عنها  كما سبق ان أشرنا رفيق القذافي الرائد عبد الكبير الشريف الذي كان مسافراً إلى طرابلس في اليوم نفسه. كما تكشف أقوال القذافي وعدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة خلال الندوة التلفزيونية التي عقدت مساء يوم 31/8/1974 أنّ اجتماعاً للجنة المركزية للتنظيم كان من المفترض أن يعقد في سرت يوم 20/8/1969 غير أنّه ألغِي دون معرفة الأسباب لذلك. (السجل القومي/ المجلد السادس. الصفحات 81- 83).

[63] لم يتمكّن من اللقاء بالخويلدي الحميدي وعمر المحيشي.

[64] ذكر "السيد عبد السلام الفار" الرائد السابق بالجيش الليبي خلال شهادته التي أذاعتها وسائل  إعلام النظام ضمن برنامج "شهادات للتاريخ" يوم 31/8/1998 ما نصّه "كان هذا في عام 1969 لمّا جيت من المرج وبتّ عندهم في قاريونس وبعدين في المساء جاء الأخ معمر (الملازم) ومصطفي و الخويلدي والصيد وقالوا عندنا اجتماع ونريدك معنا في التنظيم... وفي السيارة أعطوني المنشور اللي كاتبه الأخ العقيد والذي أذيع ليلة الفاتح من سبتمبر..".

[65] أورد فتحى الديب في كتابه "عبد الناصر وثورة ليبيا" (مرجع سابق) أنّ العقيد القذافي ذكر له بأنّ هذه الفقرة الأخيرة لم تكن موجودة في البيان الأصلي وأنّه قام بإضافتها بنفسه أثناء إلقائه للبيان عبر الإذاعة صباح الأول من سبتمبر من عام 1969. كما ذكر الرائد الهوني (عضو مجلس قيادة الثورة) في المقابلة التي أجرتها معه مجلّة "الوسط" اللندنية ونشرتها في عددها رقم (188) الصادر في 4/9/1995 هذا الموضوع نفسه. راجع أيضاً كتاب "القذافي رسول الصحراء"، الصفحات (138- 139).

[66] القذافي يوم 31/8/1979. راجع صحيفة "الأسبوع السياسي" الرسمية الصادرة يوم 7/9/1979. الصفحة (20).

[67] الحلقة (20) من "قصة الثورة"، أذيعت يوم 31/8/1976 ونشرِت بالسجل القومي/ المجلد الثامن. الصفحات (158- 169).

[68] راجع مقالة "مطالعة سريعة في الوثائق السرّية للخارجية الأمريكية" للمؤلف. منشورة في العدد (47) سبتمبر 1998 من مجلّة "الإنقاذ" مجلّة "الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا"، راجع أيضاً مبحث "أسماء ليبية مثيرة " بهذا الفصل.

[69] نحن نستبعد أن يكون جميع اعضاء اللجنة المركزية لتنظيم القذافي على علمٍ بعلاقة الملازم معمر بالمخابرات الأمريكية بل لا نشكّ في أن بعضهم كان سيرفض هذه العلاقة لو كان قد علم بها.

[70] من هذا القبيل القرارات الخاصة بنقل قائد القوّة المتحرّكة الزعيم (السنوسي الفزانى) من منصبه قبيل الانقلاب، وتكليف ضابط الصف (محمد سيدا) الذي كان يراقب الملازم معمر بمهمة في أجدابيا ليلة الانقلاب، وقرار آمر سرية المخابرة بمعسكر قاريونس (سعد السنوسي) بأخذ إجازة، وتكليف الملازم معمر ليحلّ محلّه في آمرية السلاح (راجع أقوال القذافي يوم 31/8/1974. السجل القومي/ المجلد السادس الصفحة 89). ومن هذا القبيل أنّ طلبات وحدات الجيش بتزويدها بالذخيرة كانت تُرفض في فترة ما قبل أغسطس 1969، أمّا خلال شهر أغسطس فقد قوبلت بالموافقة (راجع السجل القومي. المجلد السادس. صفحة 89).

[71] راجع مذكّرات الرائد عمر عبد الله المحيشي المنشورة ضمن كتاب "القذافي: حدث الأمَّة العربية"، مرجع سابق. الصفحة (47).

[72] ذكرت روث فيرست Ruth First مؤلّفة كتاب "الثورة المراوغة The Elusive Revolution" " أنّ المقدّم موسى أحمد كان معروفاً بصلاته بالسفارة الأمريكية في البيضاء بليبيا.. إنّ اللغز الكبير الذي يلف انقلاب سبتمبر هو كيف جرى استدراج هذين الضابطين الكبيرين (موسى أحمد وآدم الحواز) للمشاركة في عمليات الضباط الأحرار (مجموعة القذافي) ذلك أنّ المقدّم موسى أحمد هو الذى شلّ قيادة القوّة المحركة التي كانت تشكلّ الحلقة الأولي في دفاعات النظام الملكي وبدون إنجاز هذه الخطوة  فلم يكن لانقلاب سبتمبر أيّة فرصةٍ في النجاح" . الصفحات (108)، (109) من الطبعة الإنجليزية الأولى (1974). راجع ما ورد في المقالات التى نشرها الرائد عبد الونيس محمود الحاسي بعنوان "وداعاً يا موسي" أثر مقتل المقدم موسى أحمد يوم 24 ابريل 2005م. وكذلك المقال الذى نشره فاضل المسعودى بعنوان "المقدم موسى أحمد في ذمة القدر!!" بتاريخ 26/5/2005م بموقع أخبار ليبيا الالكتروني.

 


الجزء الثالث : الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة   الحلقة الرابعة   الحلقة الخامسة
            الحلقة السادسة  الحلقة السابعة  الحلقة الثامنة   الحلقة التاسعة ( الأخيرة )


الجزء الأول      الجزء الثاني      الجزء الثالث
Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home